مقدم الحلقة:

حافظ الميرازي

ضيوف الحلقة:

ناصر القدوة: مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة
مارتن إنديك: مساعد وزير الخارجية الأميركي سابقا
سعيد عريقات: صحفي ومحلل سياسي
محمد دحلان: وزير الداخلية الفلسطيني السابق

تاريخ الحلقة:

16/10/2003

- الموقف الفلسطيني من الفيتو الأميركي ضد القضايا الفلسطينية
- حادث غزة وتداعياته على أزمة الأجهزة الأمنية في فلسطين

- مستقبل العلاقة الأميركية الفلسطينية

حافظ الميرازي: مرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامج (من واشنطن).

بقدر سعادة واشنطن وترحيبها بمرور مشروع القرار المتعلق بالعراق في مجلس الأمن الدولي، ليس فقط بدون استخدام أيٍّ من الدول دائمة العضوية في المجلس لحق الفيتو أو النقض ضد هذا التشريع بل ولقبول هذا القرار بالإجماع من كل الأعضاء، بما في ذلك التصويت من جانب سوريا التي صوتت لصالح هذا القرار، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من تصويت مجلس النواب الأميركي بمعارضة 4 أصوات فقط للمشروع المتعلق بقانون محاسبة سوريا، لكننا لا نتحدث في هذه الحلقة عن الموضوع السوري، الذي ناقشناه في الأسبوع الماضي، أو عن الموضوع العراقي الذي بالطبع سنتعرض له في الأسابيع المقبلة، وحين يتبلور الموقف الأميركي، وأي من الدول التي ستمد العون للولايات المتحدة في العراق بناءً على هذا القرار الجديد الصادر من مجلس الأمن الدولي.

لكننا نتحدث عن حق الفيتو الذي استخدم أكثر من مرة، ليس في موضوع العراق ولكن في الموضوع الفلسطيني، ففي أقل من شهر واحد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو والنقض مرتين، ضد مشروعي قرارين للمجموعة العربية لصالح الفلسطينيين، الأول في منتصف الشهر الماضي كان ضد القرار السياسي المتخذ من مجلس الوزراء الإسرائيلي بترحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأن لم يتم التنفيذ، وقد استخدم حق الفيتو من الطرف الأميركي لوأد هذا المشروع، كما استخدم مرة أخرى منذ يومين فقط أو أقل من يومين، وذلك ضد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي ضد الجدار العازل -أو الحاجز الأمني كما تسميه إسرائيل- الذي يبنى على الأراضي الفلسطينية التي احتلت بعد عام 67، وذلك أيضاً من موقف أميركي يطالب بأن تكون هناك إدانة في أي قرار يتعلق بالعالم العربي وبالقضية الفلسطينية أن يتضمن إدانة بالمنظمات الإرهابية الفلسطينية كما تصفها، وبتفكيك هذه المنظمات.

ثم بعد ساعات قليلة من القرار الأميركي باستخدام حق الفيتو، كان هناك حادث في قطاع عزة اهتمت له وسائل الإعلام، اهتمت به الإدارة الأميركية بشكل كبير، وهو حادث تفجير سيارة ضمن قافلة أميركية دخلت إلى القطاع، وقَتْل ثلاثة من الأميركيين وجرح رابع، كانوا من الحرس الذي يرافق مجموعة من الدبلوماسيين والمبعوثين التعليميين الأميركيين لمقابلة فلسطينيين تقدموا لمنح (فولبرايت) الأميركية، هذا الحادث أثار بالطبع سخط الجميع، أثار استنكار السلطة الفلسطينية، نفي جميع الفصائل الفلسطينية له، لكن واشنطن في ردها عليه كانت واضحة بأن السلطة الفلسطينية عليها واجب أن تفعله بالنسبة لهذه الأحداث، وزير الخارجية الأميركي (كولن باول) تحدث عن اتصاله الهاتفي برئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، وعن حديثه مع أحمد قريع (رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف) وكان باول واضحاً في ما هو المطلوب من الفلسطينيين؟

كولن باول (وزير الخارجية الأميركي): أوضحت له أن السبيل الوحيد للتحرك قدماً يتمثل في أن يحصل هو على السلطة السياسية الكافية للتعامل مع الأزمة داخل المجتمع الفلسطيني، وبسيطرته على كل الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، واستخدام القوات لتعقب الإرهاب، الإرهاب الذي يقتل الأبرياء الإسرائيليين، ويدمر آمال الشعب الفلسطيني، وها هو يقتل الآن الأميركيين الأبرياء الذين كانوا هناك لمساعدة الشعب الفلسطيني.

حافظ الميرازي: الرئيس (بوش) من جانبه والبيت الأبيض صدر بيان باسم الرئيس بوش يدين هذا العمل بشدة، أيضاً يتحدث عن المسؤوليات الملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية، ويوجه لها اللوم في فشل أجهزتها الأمنية في هذا الحادث، رغم عدم وضوح من الذين ارتكبوا هذا الحادث الذي قتل فيه أميركيون، الرئيس بوش في بيانه قال إنه كان على السلطة الفلسطينية أن تعمل منذ زمن بعيد لمكافحة الإرهاب بكل أشكاله، وقال إنه مازالت الأرواح تزهق بسبب فشل في تشكيل أجهزة أمنية فلسطينية فاعلة تركز على مكافحة الإرهاب، وقال لابد أن يكون هناك رئيس وزراء متمكن ومسيطر على الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهذه إحدى الإصلاحات التي مازال يعيقها ياسر عرفات، ومازال الفشل في تحقيق هذه الإصلاحات وفي تفكيك المنظمات الإرهابية يُشكِّل أكبر عقبة أمام تحقيق أحلام الشعب الفلسطيني في الدولة المستقلة، بالتحديد الإدارة الأميركية بشكلٍ واضح، وبغض النظر عن من المسؤول مع بدء التحقيقات في هذا الحادث، أوضحت أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد أخفقت.

نناقش في هذه الحلقة بالطبع العلاقة الأميركية الفلسطينية، هل وصلت إلى نقطة تحول بمقتل أميركيين؟

الحديث الآن هو: هل يمكن لواشنطن أن تتدخل بشكل مباشر مع قتل أميركيين؟ وهناك من يرى بأنه.. وهل يمكن من تدخل أكثر مما يحدث مما يرى في العالم العربي بأنه موقف أميركي مؤيد لإسرائيل في هذا الصراع؟ ثم أيضاً الأجهزة الأمنية، هل كل حادث يقع في إسرائيل تلام فيه أيضاً الأجهزة الأمنية الإسرائيلية؟ أم أن هناك بالفعل مشكلة تتعلق بالجانب الفلسطيني؟ إن كان الفلسطينيون يعتقدون أن هذا الحادث ضد أحلامهم وتطلعاتهم، وضد كل ما استثمروه من علاقة سياسية مع واشنطن، فلماذا هناك فشل إذن في معرفة كيف وقع هذا الحادث؟ وكيف يمكن أن يتم تلافيه؟ هل هو حادث عرضي أم أن هناك بالفعل في.. بين الفصائل الفلسطينية من يريد أن ينتقم من الأميركيين لأسباب عديدة، وقد تكون واضحة للكثيرين؟

هذه الموضوعات نناقشها ونناقش فيها إلى أي حد نحن أمام تحوُّل في العلاقة الأميركية الفلسطينية؟ أم أن التردي لا يمكن أن يزيد عما هو الحال؟ ونحن في قاعه الآن؟

الموقف الفلسطيني من الفيتو الأميركي ضد القضايا الفلسطينية

وربما أبدأ من مجلس الأمن الدولي -كما قلت- حق الفيتو الأميركي استخدم مرتين في الأمم المتحدة خلال أقل من شهر، ومعي من مكتب (الجزيرة) في الأمم المتحدة بنيويورك السيد ناصر القدوة (الممثل والمندوب للسلطة الفلسطينية ولفلسطين في الأمم المتحدة)، أرحب به، ولعلي أسأل لدى الرأي العام العربي مسألة الفيتو الأميركي في القضايا الفلسطينية مسألة معهودة، هل هناك شي في الفترة الأخيرة يمثل نمطاً مختلفاً أو غير معتاد؟

ناصر القدوة: في الحقيقة هذا الفيتو الأميركي هو الفيتو الثاني خلال الشهر كما أشرت، وهو أيضاً الفيتو السادس والعشرين الذي مارسته الولايات المتحدة الأميركية على مشاريع فلسطينية، وهو بالمناسبة أيضاً أعتقد الثالث والسبعين فيما يتعلق بقرارات تحمي إسرائيل بجوانب الصراع العربي الإسرائيلي المختلفة، إذن الفيتو الأميركي ليس ظاهرة جديدة، ولكن ربما الجديد في الموقف الأميركي هو زيادة الشروط الأميركية، والتعنت السياسي الأميركي، عندما يتعلق الأمر بالمسألة الفلسطينية، هناك الآن موقف أميركي يتبنى إلى حد كبير الموقف الإسرائيلي، ومن الصعب تمييز الحقيقة سياسة أميركية مستقلة فيما يتعلق بالشرق الأوسط، أعتقد أن هذا هو الشق الجديد فيما يتعلق باستخدام الولايات المتحدة للفيتو في مجلس الأمن.

حافظ الميرازي: إذن لماذا اللجوء إلى مجلس الأمن؟ ولماذا طرح مشروع قرار في كل مرة تكون النتيجة معروفة مسبقاً وهي فيتو أميركي؟

ناصر القدوة: اللجوء إلى مجلس الأمن مسألة مبدأ، نحن من حقنا ومن واجبنا بناءً على ميثاق الأمم المتحدة وعلى أنظمة الأمم المتحدة بشكل عام، اللجوء إلى مجلس الأمن وشكوى إسرائيل -قوة الاحتلال- عندما تنتهك القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة، عندما تمارس دولة دائمة العضوية حق الفيتو هي التي تتحمل المسؤولية وليس الضحية، ليس الطرف الذي يتقدم بهذه الشكوى وإنما الدولة التي تستخدم الفيتو، والفيتو بالمناسبة هو تعبير عن عزلة تلك الدولة التي تمارس هذا الحق، لأنه لو لم تكن معزولة لما أمكن أساساً الحصول على الأغلبية المطلوبة لاعتماد أية مشروع لقرار أمام مجلس الأمن، إذن هذه الدولة هي المعزولة، هذه الدولة هي التي تمارس بطريقة تمنع مجلس الأمن من ممارسة مسؤولياته وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي هي التي تتحمل المسؤولية في هذا المجال.

حافظ الميرازي: لكن هذه الدولة ليست معزولة اليوم -على سبيل المثال- الخميس ونحن نقدم البرنامج على الهواء، فيما يتعلق ونحن نرى مشروع قرار يجاز بالإجماع بما في ذلك الصوت السوري.

ناصر القدوة: حقيقة ما حدث اليوم مسألة يعني تنطوي على قدر كبير من السخرية السياسية صحيح أن الولايات المتحدة حصلت على مشروع القرار الذي تريد، ولكن الصحيح أيضاً على ما أعتقد أنه مشروع بلا أهمية، وأشك كثيراً أنه سيقود إلى أية تغيرات على الأرض، إذا استمعت إلى البيانات التي تقدم بها عدد من أعضاء مجلس الأمن بما في ذلك أعضاء دائمين في مجلس الأمن، المعنى واضح أن هذا القرار لن يقود إلى تغيير في موقفهم، لن يقود إلى الدفع بأية قوات إضافية من قبل هذه الدول، أو بأية أموال في مجال إعادة إعمار العراق، وكأن الرسالة أن شيئاً لن يتغير إلى أن يحدث التغيير المطلوب في الموقف الأميركي، إذن يعني لابد من الحذر عندما يتعلق الأمر بالنظر إلى ما حدث اليوم، ونتائجه السياسية.

حافظ الميرازي: سيد ناصر القدوة، بعض التعديلات التي حاول الأميركيون إدخالها وقالوا ربما هم يمكن أن يكونوا مستعدين للتصويت بنعم لو أدخلت مطالب مثل تفكيك بنى المنظمات الإرهابية وإدانة هذه المنظمات، هل هناك خلاف فلسطيني، وخصوصاً بعد التزام رئيس الوزراء السابق أبو مازن بأغلب هذه المطالب في العقبة؟ هل هناك مشكلة في أن تدخل في مثل هذا المشروع طالما النتيجة النهائية هي إدانة للجدار العازل أو الجدار الأمني، أو إدانة لموقف الرئيس الفلسطيني أو ترحيله؟

ناصر القدوة: بالطبع هناك.. هناك مشكلة، أولاً لم توافق أي جهة فلسطينية على مسألة الالتزام بشكل قانوني في إطار مجلس الأمن على إجراءات تتخذ ضد ما يسمى تفكيك البنى التحتية للإرهاب، ثانياً أية خطوات يتخذها الجانب الفلسطيني في هذا المجال، يجب أن تأتي مواكبة لخطوات تتخذها إسرائيل قوة الاحتلال، وأولوية هذه يجب التأكيد عليها، ثم أن كل هذه الأمور يجب أن تأتي في ظل مناخ سياسي مختلف، أضيف إلى ذلك أن محاولات الولايات المتحدة تسمية المنظمات الفلسطينية حماس وجهاد وكتائب الأقصى في مشروع قرار، أمر سوف ينقل وضع هذه المنظمات إلى مستوى مختلف تماما، لم.. لن يعود الأمر مجرد إدانة لمواقفها وأعمالها، يصبح هناك تشريع قانوني، جزء من القانون الدولي ضد هذه المنظمات، هذا بالتالي سوف يقود إلى صعوبات حقيقية في التعامل مع هذه المنظمات والتوصل إلى الحلول المطلوبة لتغيير الأوضاع على الأرض، هذا بالمناسبة يختلف كلياً عن الموقف الأوروبي على سبيل المثال، الاتحاد الأوروبي قرر اتخاذ إجراءات معينة ضد حماس والجهاد، ولكن فعل ذلك ضمن آلية مختلفة، يمكن العودة عنها في أي لحظة من اللحظات، ويمكن يعني اعتبارها كجزء من أدوات الضغط الإضافية على هذه المنظمات.

مسألة مجلس الأمن مسألة أخرى، وهي مسألة لا رجعة عنها وبالتالي نحن لدينا موقف واضح في هذا الاتجاه، أريد أيضاً بهذه المناسبة أن أقول لإخوتنا حقيقة، يعني رسالة أخوية، أرجو أن يأخذوا ما حدث على الأقل مرتين بعين الاعتبار، وأرجو أن بالتالي يحاولوا بشكل أكثر جدية التوصل إلى حلول مع السلطة الفلسطينية، وبوجود رئيس الوزراء الجديد، وبالطبع تحت إشراف الرئيس.. الرئيس عرفات، يجب أن نخرج من هذا الوضع، ويجب أن نرى تعاوناً وموقفاً إيجابياً واضحاً من قبل هؤلاء الإخوة.

حافظ الميرازي: نعم شكراً جزيلاً لك السفير ناصر القدوة (ممثل فلسطين لدى الأمم المتحدة)، متحدثاً لنا من مكتب (الجزيرة) في الأمم المتحدة بنيويورك في برنامج (من واشنطن).

كيف نخرج من هذا المأزق؟ كيف يمكن للسلطة الفلسطينية ولأجهزتها الأمنية أن تنهي -على الأقل- ما يمكن أن يعتبره البعض حجة واشنطن في عدم توضيح المسؤوليات المشتركة، هل هناك بالفعل فشل على الجانب الفلسطيني في التحكم في الموقف؟ خصوصاً إذا كانت هناك قناعة بأن قتل أميركيين أو استهداف أميركيين منافٍ تماماً للمصلحة السياسية للشعب الفلسطيني، سنتحدث عن هذا الموضوع، وهل هناك تحول كبير يمكن أن يحدث على العلاقة الأميركية الفلسطينية بعد حادث غزة ومقتل ثلاثة أميركيين، سنتحدث في هذا الموضوع مع ضيوفنا في البرنامج من غزة ومن واشنطن.

[فاصل إعلاني]

حادث غزة وتداعياته على أزمة الأجهزة الأمنية في فلسطين

حافظ الميرازي: العلاقة الأميركية الفلسطينية علاقة حساسة للغاية، وأيضاً قد تكون في بعض جوانبها متناقضة، تأكيدٌ أميركي.. تأكيدٌ أميركي على أن حادث غزة الأخير هناك مسؤولية أمنية لدى الطرف الفلسطيني في حماية الرعايا الأميركيين، وتأكيد على أن هذا يمثل فشلاً في الأجهزة الأمنية، وعقبة مرة أخرى -كما قال الرئيس بوش- من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يضعها ضد توحيد هذه الأجهزة الأمنية، ولكن أيضاً على الطرف الفلسطيني تأكيد على أن استهداف أميركيين ليس في المصلحة السياسية الفلسطينية، وتأكيد أيضاً من جانب آخر على أنه لا يمكن أن يتهم الفلسطينيون جزافاً وفي كل مرة لمجرد أحداث لا تستطيع إسرائيل نفسها أن تمنعها في داخل مدنها لكن إلى أي حد يمكن بالفعل معالجة المشكلة الأمنية طالما أن واشنطن قد أجمع الرأي على أنه لن نتحرك بدون إصلاح الأجهزة الأمنية.

نناقش هذا الموضوع وإلى أي مدى نحن نشهد تحوُّلاً في العلاقة الأميركية الفلسطينية، أم أن العلاقة ستبقى على حالها، لأنها بالأصل وفي واقع الحال هي في القاع، ولا يمكن أن تذهب أكثر تردياً مما هي عليه الآن، أم يمكن؟

نناقشها مع ضيوفنا في الأستوديو بواشنطن السيد مارتن إنديك (مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأوسط ورئيس معهد صبَّان لدراسات الشرق الأوسط هنا في العاصمة الأميركية)، والسيد سعيد عريقات (الصحفي والكاتب والمحلل السياسي بالعاصمة الأميركية)، ويسعدنا أن ينضم إلينا من غزة السيد محمد دحلان (وزير الداخلية الفلسطيني السابق).

مرحباً بكم جميعاً، ولعلي أبدأ مع السيد إنديك لأسأل أولاً عن تصوُّره لهذا الحادث، هناك اتفاق على أننا لا نعرف من الذي ارتكب هذا الحادث، لا يوجد أي منظمة اتفقت عليه، ولكن اللغة الصادرة من واشنطن -من الوزير باول من الرئيس بوش- تتحدث عن مسؤولية السلطة الفلسطينية واللوم للسلطة الفلسطينية؟

مارتن إنديك: أعتقد أن هذا الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أميركيين -في بداية تعليقك- كانوا ضمن قافلة أميركية كانت تذهب إلى قطاع غزة لمساعدة فلسطينيين للحصول على منح مؤسسة (فولبرايت) للدراسات العليا في الولايات المتحدة الأميركية، وفي ظل هذه الظروف فإن قتل ثلاثة أميركيين يتجاوز خطاً أحمر آخر، في كل المدة التي قضيتها كسفير للولايات المتحدة في إسرائيل لم تقم أية منظمة إرهابية فلسطينية باستهداف الأميركيين.

نعم، قُتل أميركيون لأنهم كانوا موجودين في أماكن في مطاعم أو مقاهي بسبب العمليات الانتحارية، ولكن لم يتم استهداف الأميركيين أبداً، هذا.. هذه قضية واضحة.. قضية استهداف مسؤولين ورسميين أميركيين، وهذا بالنسبة لواشنطن وللكل في واشنطن على حد سواء هو خط أحمر تم تجاوزه الآن، وأعتقد أنه فقط سوف يؤدي إلى تعزيز الفكرة السائدة من قبل بأن ياسر عرفات من حيث الأساس يستخدم الإرهاب كتكتيك، ويجب أن يتعامل معه بصفته إرهابي، ولهذا السبب رأيتم وزير الخارجية والرئيس يشيرون بإصبع الاتهام إلى ياسر عرفات، ورغم أنه لم يكن.. ربما لم يكن شخصياً مسؤولاً عن ذلك، ولكن فشل السلطة الفلسطينية في التعامل مع مثل هذا النوع من فقدان الأمن والنظام بالتأكيد أنه ليس من سياسة السلطة الفلسطينية استهداف الأميركيين، ولكن إخفاقها في التعامل مع هذه هو الذي سلَّط الأنظار على.. من جانب الرسميين الأميركيين وغضبهم في هذه النقطة، إذن هذا يدق إسفيناً آخر في العلاقات بين.. وأيضاً موقف ياسر عرفات في الولايات المتحدة، لأن إخفاقه في ممارسة السيطرة من جهة وأيضاً رفضه السيطرة على الأجهزة الأمنية من جانبٍ آخر يعنيان من وجهة نظر واشنطن إنه هو الذي يجب أن يلام بغض النظر عن المسؤول.

حافظ الميرازي: لو أنتقل إلى غزة السيد محمد دحلان، ألا يعد حتى محمد دحلان نفسه وشخصه وتعيينه وزير داخلية، ومشاكل هذا التعيين مثال لما يقال في واشنطن بأن ياسر عرفات عقبة في سبيل أن يكون هناك سيطرة على الأمن في غزة، وهنا نحصد النتيجة، استهداف أميركيين ضد مصلحة الشعب الفلسطيني؟

محمد دحلان: لا، بالتأكيد لا، لأن كل تدخل أميركي في الشأن الداخلي الفلسطيني يجلب إساءة للشخص الذي تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، سواء من خلال الإعلام أو من خلال الإيماءة بأن هذا الشخص قد يكون ناجحاً أو قد يكون فاشلاً، وبالتالي أنا بأعتقد أن التدخل الأميركي في الفترة الأخيرة هو الذي أساء للعلاقة الفلسطينية الداخلية والذي ساهم مساهمة كبيرة في الإسراع في إسقاط حكومة أبو مازن في الفترة السابقة، ولكن قبل الحديث عن هذا التدخُّل.

أريد أن أتعرض فقط للعلاقة الفلسطينية الأميركية، والتي لا تحتاج إلى مثل هذا يعني العملية كي تتدهور أكثر فأكثر، فمنذ بداية نجاح الرئيس بوش في الانتخابات الأخيرة، وهو بدأ في علاقة على استحياء وعلى تردُّد مع الجانب الفلسطيني، حيث أنه رفض أن يتدخل في عملية السلام منذ البداية، والعلاقة حين تكون قائمة على تردد يبدأ البحث عن سبب للتهرب من هذه الالتزامات، وللتهرب من هذه العلاقة، ولكن حادثة صباح أمس أولاً: هذه أول مرة في تاريخ العلاقة الفلسطينية الأميركية، سواء رسمياً أو.. أو علاقة غير رسمية يحدث اعتداء من قبل أي فلسطيني أو أي تنظيم فلسطيني حتى الآن لم تتضح هوية مرتكبي هذا الحادث ضد الجانب الأميركي، سواء حين كانت الثورة في بيروت أو حين قامت السلطة الفلسطينية منذ عام 94، وهذا يعتبر حادث استثنائي، وأنا حسب معلوماتي أن الأجهزة الأمنية رغم تفككها وتدميرها من قِبَل إسرائيل على مدى الثلاثة والثلاثين شهرا الماضية إلا أنها تبذل جهوداً مميزة لإلقاء القبض على مرتكبي هذا الحادث لما له من آثار سلبية على سواء العلاقة الفلسطينية الأميركية أو العلاقة الفلسطينية مع المجتمع الدولي، وبالتالي هذه مسألة مفصولة تماماً عن قدرة أو عدم قدرة الأجهزة الأمنية، مع ملاحظة أن الأجهزة الأمنية بعد.. بعد بدء الانتفاضة قد صابها الكثير من الوهن والتدمير بعد أن قامت إسرائيل بشكل مقصود، وبشكل منهجي، وبشكل مبرمج في تدمير مقومات هذه الأجهزة الأمنية حتى تكون عُرضة للاتهام حين تطالبها إسرائيل بتنفيذ التزاماتها لاستخدامها كذريعة لعدم تنفيذ التزامات إسرائيل السياسية، وبالتالي قامت إسرائيل من جهة بتدمير المؤسسة الأمنية، ومن الجانب الآخر تطالبها بتنفيذ التزامات أمنية، وهذا غير واقعي وغير منصف لا للسلطة الفلسطينية ولا للأجهزة الأمنية الفلسطينية.

حافظ الميرازي: نعم، قبل أن ربما أدخل في تفاصيل هذه المعضلة التي يقع فيها الفلسطينيون، وربما أسمع دكتور إنديك ورده عليها، أستمع إلى وجهة نظر الأستاذ سعيد عريقات في: هل نحن أمام تحوُّل أو نقطة تحوُّل أو شيء غير عادي في العلاقة الأميركية الفلسطينية بعد حادث غزة، أم أنه سيمر عرضاً، وتبقى الإدارة الأميركية بالكلاشيهات التقليدية بالنسبة ما هو المطلوب فلسطينياً للتنفيذ؟

سعيد عريقات: بالتأكيد أن استهداف أميركيين وقتلهم هو شيء نوعي جديد أو على الأقل سيكون كذلك على مستوى المجتمع الأميركي وصانعي السياسة الأميركية، ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما قاله وزير الخارجية (باول) يوم أمس لإذاعة (BBC) فهو أكد أنه لم يتغير شيء في الموقف الأميركي، وأن خارطة الطريق لازالت مطروحة على الطاولة، وأن المنح.. منح فولبرايت ستستمر، أنا أعتقد أن الخسرانين في هذه الحالة هم الفلسطينيون، أنا لي أصدقاء عديدين الذين تمكنوا من الذهاب إلى الجامعات الجيدة في الولايات المتحدة، مثل: هارفارد، وMIT عبر فولبرايت، وأرجو أن يستمر هذا البرنامج، كذلك أود الإشارة إلى أنه حتى الدبلوماسيين الأميركيين السابقين كما تكلم مارتن، وكما قال يوم أمس (دينيس روس) قال: لقد دخلت من هذا المعبر أكثر من مائتي مرة داخلاً وخارجاً منه دون أن أتعرض لأي شيء، فهناك حقيقة ليس هناك تراث باستهداف الأميركيين، فالأميركيين يعملون في الأراضي الفلسطينية سواء عبر المؤسسات الخيرية أو كمربيين ومدرسين وغيره..

حافظ الميرازي: لكن هناك تحول.. لكن هناك أيضاً..

سعيد عريقات: قد يكون هناك تحول..

حافظ الميرازي: تحول على الجانب الأميركي في العلاقة، وربما أيضاً أسمع..

سعيد عريقات: بالضبط.. بالضبط، أنا أعتقد أن الموقف الأميركي تجاه الوضع الفلسطيني ينهار على الأقل لفترة الخمسة عشر شهر الماضية، أو منذ إعلان شهر يونيو من عام 2002 عندما قررت الإدارة أن ياسر عرفات مهمش وغير مهم ولن تتعامل معه.

في تقديري خلقت شرخ في أسلوب تعاملها مع الواقع الفلسطيني، لأنه من ناحية كيف لإسرائيل أن تدمِّر البنى الأمنية من جهة، ومن جهة أخرى يُعلَّق كل الخروقات وكل العنف كما يسموه، كل العنف يُعلَّق على كاهل السلطة الفلسطينية، فهناك حقيقة نفاق أو تناقض على الأقل.

حافظ الميرازي: نعم، دكتور إنديك، سمعت محمد دحلان يتحدث عن أنه 33 شهراً من تدمير إسرائيل لهذه الأجهزة الأمنية من ضربها.. من ضرب مقرات الحرس الوطني أو الأمن المركزي الفلسطيني، والآن مطلوب منها أن تفعل شيئاً، إسرائيل لا تستطيع أن.. أن تمنعه وهو عمليات تفجير أو غيرها.

مارتن إنديك: إن الولايات المتحدة الأميركية والأوروبيون والمصريون والأردنيون كلهم كانوا مستعدين لمساعدة إعادة بناء وقدرة..، وأبو فادي يعمل جيد.. يعلم ذلك جيداً عندما كان مسؤولاً عن الأمن، كان هناك برنامج فعَّال لإعادة بناء قدرات الأجهزة الأمنية، ولكن في ظل الوضع الذي مازال فيه ياسر عرفات يسيطر سبعة.. على سبعة من مجموع تسع أجهزة أمنية هناك حدود لما يمكن عمله لإعادة قدرات هذه الأجهزة، والآن وكما نرى في الوقت الذي محمد دحلان وأبو مازن حاولا السيطرة على ذلك، أبو علاء الآن هو داخلٌ في هذه المعركة مع عرفات، الأوروبيون والأميركيون والمصريون كلهم يقولون لعرفات: يجب أن تتخلى عن هذه السيطرة، لأننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً أو نمضي قدماً إلى الأمام مالم تكن هناك.. يكون هناك شريك قادر وراغب من الشأن الفلسطيني يجب أن نبني هذه القدرات، ولكن يجب أن تكون راغباً في استخدامها، ولكن عرفات يريد الإبقاء على السيطرة عليها من دون الرغبة في استخدامها، وعلى أية حال فإن التدهور في الموقف الفلسطيني يستمر لدرجة إن فوضى عامة وشاملة، الهجوم على أميركيين وقتلهم هذا يلحق أذى كبيراً بالقضية الفلسطينية، متى سيتوقف ذلك؟ وسيتوقف ذلك فقط عندما يقرر عرفات إنه لن يكون قادراً على لعب دور السيطرة عليها، وعليه أن يأخذ دور الأب للقضية الفلسطينية ويعطيه لناس ذوي كفاءة، مثل محمد دحلان، أو أبو علاء، أو أبو مازن، لأنه هو بخلاف ذلك فإن الفلسطينيين سيكونون في موقف مريع لعقود من الزمن.

حافظ الميرازي: تفضل أبو فادي، عفواً.

محمد دحلان: لأ، يعني أنا لا أريد أن أعلق على ما تحدث به السيد مارتن إنديك، وأنا أعرفه منذ مفاوضات.. لسنوات طويلة، وكأن الهدف الآن أصبح في السنة الأخيرة للإدارة الأميركية الخلاص من ياسر عرفات وفقط، أما.. أو إنهاء العنف أو إحلال السلام بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي، إذا كانت الإدارة ستنشغل بأن تتخلص من الرئيس عرفات، فالشعب الفلسطيني ردَّ على ذلك بشكل واضح أنه هو الزعيم المنتخب، والذي لا يريد أن يتخلى أو أن يتراجع عن دعم الرئيس عرفات، إذا كانت الإدارة الأميركية تريد إنهاء العنف في هذه المنطقة يجب عليها أن تستثمر كل جهودها بدلاً من الخلاص من الرئيس عرفات أن تستثمر جهودها في استقرار المنطقة وفرض المنطق.. منطق السلام على الجانب الإسرائيلي والفلسطيني بدلاً من البحث عن ذرائع ثانوية هنا أو هناك، اتهام هنا أو هناك، فكل مسيرة الوسطاء الأميركيين على مدى الانتفاضة الحالية ركزت على الضغط على الجانب الفلسطيني بالخروج باقتراحات أمنية فقط دون إعطاء الجانب الفلسطيني أي أفق لعملية سلام، وأنا أريد أن أُذكِّر السيد مارتن إنديك بمثل بسيط حين جاءت حكومة الأخ أبو مازن، وهذه الحكومة التي جاءت نتيجة قرار الرئيس عرفات وإقرار من المجلس التشريعي، لو كانت إسرائيل جدية وكذلك الولايات المتحدة الأميركية أكثر حرصاً وأكثر انفتاحاً على الجانبين وضغطت على إسرائيل بوقف الجدار، وضغطت على إسرائيل بالإفراج عن الأسرى، لكنا في نقطة أفضل مما نحن عليها الآن، لا يجب أن يتركز كل هذا الجهد بضرورة البحث عن.. عن اتهام جديد للرئيس عرفات بقدر أن تواجه الولايات المتحدة الأميركية بجرأة وجدية المواقف الإسرائيلية المتعنتة تجاه القضية الفلسطينية، فكل الأوراق الأمنية التي طرحتها والسلوك الأمني الذي طرحته الولايات المتحدة الأميركية منذ عشرين شهراً حتى الآن لا يمكن أن يشكِّل مخرجاً لحالة الأزمة، فالمسألة ليست بتوحيد الأجهزة الأمنية أو عدم توحيدها بقدر ما هي منهج سياسي وأمني متكامل يكون مقبولاً على الطرفين، يكون مقنعاً للطرفين، هذا هو المخرج الوحيد.

مارتن إنديك: أبو فادي لم يعلق على القضية الكبرى هنا، إن هناك معركة تستمر حالياً بين أبو علاء وياسر عرفات حول بالضبط هذه المسألة، وهي من يجب أن يتسلم السيطرة على الأجهزة الأمنية تماماً كما كان الحال مع أبو مازن وياسر عرفات، والذي أبو فادي كان مشتركاً فيه بشكل مباشر، عرفات لم يرد أبو فادي أن يكون وزيراً، لأنه كان يعلم أنه لو عطاه السيطرة سيؤدي المهمة التي لا يؤديها عرفات، إذن المسألة ليست مسألة بين الولايات المتحدة والفلسطينيين، أو الولايات المتحدة تطلق اتهامات، الشعب الفلسطيني يريد تغييراً، إنهم يريدون من عرفات أن يتسلم دور الرمز في القضية، ويترك أناس آخرين أكثر مسؤولية وأكثر قدرة منهم لتسلُّم أعباء المسؤولية لوضع حدٍ لهذه الكارثة التي يواجهها الشعب الفلسطيني، هذه هي القضية، وحقيقة أبو فادي لا يعلِّق على ذلك، ولا يقف قائلاً: أنا أريد السيطرة، فإن هذا.. فإن عرفات لن يتخلى عن السيطرة، لأن هذه هي المشكلة، لأن الفلسطينيين بحاجة إلى تسلُّم السيطرة وعدم لوم الآخرين.

سعيد عريقات: أعتقد بإنه استعمال التعبير الذي عبَّر عنه مارتن الفيل الكبير في الغرفة، أعتقد أن الفيل الكبير في الغرفة هو الاحتلال، والفيل الكبير في الغرفة هو استمرار الاستيطان، والفيل الكبير في الغرفة هو بناء الجدار.

لقد سمعت اللواء الإسرائيلي الذي حكم غزة لثلاث سنوات منذ الانتفاضة يوم أمس الجنرال (دونالد ألموج) وتحدث هو عن الجدار الذي فرضه حول غزة، والذي يتكون من كيلومتر في عرضه، فهو يود أن يفعل نفس الشيء في الضفة الغربية ويريد أن يأخذ منطقة عازلة تُشكَّل من كيلو متر، إذن الموقف الأميركي الذي يغض الطرف عما يجري هو في الحقيقة ما يخلق غياب للمصداقية لدى الشعب الفلسطيني، الشعب الفلسطيني ينظر إلى هذه المواقف الأميركية، ينظر إلى حق النقض، الفيتو -كما ذكرت- ينظر إلى دخول القوات الإسرائيلية إلى مخيَّم في رفح، ومخيم صغير، في الحرب العالمية الثانية عندما كانت ترسل مائة دبابة تكون هناك معركة كبيرة جداً، تخيل دخول مائة دبابة إلى مخيم من الصحاف.. الصحائف وإلى آخره، وما تفعله تهجير ألف وخمسمائة، إذن الفلسطينيين ينظرون إلى هذا الموقف الأميركي وينظرون على أنه مزدوج، وأنه يتحلى بالنفاق، ولا يأخذ محمل الجدية وينظرون إلى دخول هذه الإدارة .. انخراطها في العمل السياسي وكأنه انخراط غير متحمس إن لم يكن غير جدي في هذا.. الفلسطينيين ينظرون إلى الصورة بشكل كامل في تقديري.

حافظ الميرازي: سيد إنديك، هناك مشكلة أنه ربما بالفعل هناك مشاكل على الساحة الفلسطينية، الفلسطينيون يقرون: لدينا مشاكلنا في الداخل.. يمكننا أن نصلحها، ولكن على الأقل فيما نحن نقوم بإصلاحها عليك أو على الطرف الأميركي أن يقوم بالجزء المتعلق به ليس طرف واحد أن تجلس وتتفرج عليه إلى الأبد، لمجرد قتل الوقت كما حاول (شامير) أن يقتل الوقت بدخول في عملية سلام، ماذا فعلت الولايات المتحدة مع إسرائيل؟ وما الذي تحقق لتقول للفلسطينيين انظروا هذا ما حققناه على الجانب في علاقتنا مع شارون وحققناه لكم وبالتالي عليكم أنتم أن تفعلوا كذا وكذا وكذا؟

مارتن إنديك: انظر، أنا أفضل كثيراً لو أن الرئيس بوش أن يكون منهمكاً أكثر في محاولة حل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية، أعتقد أنه كان خطأً لم يفعله.. لم يفعل ذلك لمدة سنتين، وكنت سعيداً عندما أعطى التزامه الشخصي أمام رئيس الوزراء الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يتخلى عن المسألة الآن، وعلينا أن نفهم لهذا السبب أنت بإمكانك أن تتخذه، وأنا سأنضم إلى انتقادك، ولكن لماذا فعل ذلك؟ السبب لأن الفلسطينيين وعدم الرغبة الفلسطينية في ممارسة السلطة حول هذه المنظمات الإرهابية المارقة التي تتحدى إرادة السلطة الفلسطينية، ولحين وما لم تقم القيادة الفلسطينية بتسلُّم أعباء مسؤوليته حول ما يحدث في الجانب الفلسطيني، فإن هذه الإدارة لن تساعدهم، فإنهم يجدون إنه من الأفضل والأكثر ارتياحاً لهم، ونحن مقبلون على عام انتخابات، أن يقولوا نعم نحن نؤيد الدولة الفلسطينية، ولكننا لن نقيم دولة إرهابية، وما لم يتصرف الفلسطينيين إزاء ذلك فلن نفعل شيئاً هذه هي الحقيقة السياسية سواء شئت أو أبيت، أم أردت أن تلوم.. الإسرائيليين أو الأميركيين، هذا هو الموقف الذي يجد الفلسطينيين فيه أنفسهم، فهناك أناس في الجانب الفلسطيني يريدون أخذ هذه المسؤولية ويريدون أن يكونوا شركاء ذوي مصداقية لإسرائيل والولايات المتحدة، وهؤلاء الناس يجب أن يدعموا، سواء كان ذلك أبو مازن أو أبو علاء أو أبو فادي، هؤلاء الجيل الجديد الإصلاحيون كل هؤلاء يريدون الدعم الآن، وأيضاً مساعدة من الولايات المتحدة وأوروبا بالطبع ليقوموا من حيث الأساس بإرسال رسالة واضحة من الشعب الفلسطيني إلى ياسر عرفات أن تقول لك: نرجوك يا سيدي لعبت دورك التاريخي الآن يجب أن تتنحى جانباً وتسمح لنا أن نتسلم المسؤولية هذا سيكون المفتاح، عند ذلك إسرائيل والولايات المتحدة لن يكون أمامهما خيار سوى الانغماس في هذه القضية، الآن من السهل جداً لشارون أن يقول الفلسطينيون إرهابيون، والأميركان يجلسوا بدون فعل شيئاً يقول هم إرهابيين، ليس فقط ضد الإسرائيليين بل هم يقتلون الأميركيين الآن أيضاً.

حافظ الميرازي: سيد.. سيد دحلان أنت توليت وزارة الداخلية مع أبو مازن، أبو مازن أعطى ضمانات للأميركيين والإسرائيليين بأن يفعل ما الذي حدث لتنهار هذه العملية إن كان هذا بالتحديد ما كانت تريده واشنطن؟

محمد دحلان: يعني أنا لا أريد أن أتحدث عن التاريخ، ولكن أسباب فشل جهودنا في الفترة السابقة هو بطء الإدارة الأميركية في الضغط على إسرائيل لإعطاء حكومة أبو مازن أو الشعب الفلسطيني الانطباع على أنها فتحت آفاقاً جديدة لعملية السلام وتعطي أملاً بتغيير حياة الفلسطينيين، فإذا ما تابعنا ماذا حدث بالضبط بعد خطاب العقبة الذي لام.. معظم الشعب الفلسطيني لام الأخ أبو مازن على حديثه الوارد في العقبة، إلا أنه أصر على إبقاء ذلك الخطاب الذي يعتبر نمطاً جديداً في المجتمع الفلسطيني وتحلَّى بالجرأة للحديث فيه، وتحمَّل المسؤولية أمام الجمهور الفلسطيني وأمام القيادة الفلسطينية تجاه هذا الخطاب، ولكن ماذا فعل شارون في نفس اللحظة، وأنا أوجه حديثي للسيد مارتن إنديك، الذي يعرف تفاصيل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي جيداً، وعامل الوقت مهم للغاية في انتهاز الفرصة الملائمة لإعادة الأمور إلى نصابها والتي لم تدخر إسرائيل فرصة من أجل الضرب على أصابع أبو مازن وحكومته من أجل إهانتها أو من أجل إظهارها أمام المجتمع الفلسطيني على أنها فاشلة، ففي خطاب شارون ألقى خطاباً وكأنه يعلن الدولة اليهودية من جديد، يعلن انطلاقتها وكأننا لا نتحدث عن سلام، ثم في اليوم الأول الذي أخذت فيه حكومة أبو مازن الثقة قامت دبابات الجيش الإسرائيلي وعلى رأسهم -ما تحدث به صديقي سعيد عريقات- دونالد ألموج الذي ارتكب مجزرة في السجعية راح ضحيتها 17 شهيداً فلسطينياً من ضمنهم عشرة أطفال، هذا كاستقبال لحكومة أبو مازن التي أعلنت أنها تريد أن توقف الدم المتبادل والعنف المتبادل بيننا وبين الإسرائيليين، وفي اليوم الأول، الذي مارست فيه الحكومة الفلسطينية أعمالها، قامت إسرائيل بعملية اغتيال في نابلس وفي جنين وفي طولكرم، وكان أبرزها عملية نابلس والخليل والتي أعطت الانطباع بأنه ليس هناك أملاً في تجديد عملية السلام هذا الفعل ورد الفعل أعادنا إلى المربع الأول، على الرغم من هشاشة الوضع الأمني الفلسطيني ويعلم السيد مارتن إنديك أن إسرائيل قد دمرت بالمطلق كافة قدرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وبالتالي كان مطلوب مني أن أعيد المؤسسة الأمنية إلى واقع يسمح لها بأن تنفذ التزاماتها، وهذا يحتاج إلى وقت وزمن كبير..

حافظ الميرازي: نعم.. طيب.

محمد دحلان: وفي نفس الوقت أن ننفذ تلك الالتزامات في نفس اللحظة ما فشلت به إسرائيل على مدى ثلاثاً وثلاثين شهراً وعلى مدى خمساً وثلاثين عاماً من الاحتلال، أرادت من السلطة أن تنفذ ذلك بدون مقابل وفي يوم واحد وبنجاح بدرجة 100% وهذا ما لم يكن ممكناً، على الرغم من ذلك أحرزنا تقدماً، ومنحنا الوضع الداخلي الفلسطيني الإسرائيلي مدة 51 يوماً من الهدوء مقارنة مع الفترات السابقة، ولكن ليس تهرباً من مسؤولياتنا -سيد مارتن إنديك- في تنفيذ التزامات والواجبات نحن نُدرك أن علينا واجبات، ولكن إسرائيل أرادت أن تقهر هذه الحكومة، ولا تريد أن تسمع أو.. أو تستمع إلى حكومة فلسطينية تتحدث بلغة السلام ولسان السلام والتهدئة.

حافظ الميرازي: إذن في رأيك، أولاً بالنسبة لمن يقول أنه ليس للفلسطينيين أن يكون لديهم مشكلة مع الأميركيين، ما الذي يمنع حماس أو الجهاد الإسلامي، وهي ترى نفسها موضوع على قائمة واشنطن للإرهاب مسموح لإسرائيل أن تضرب معسكر في سوريا لأن فيه الجهاد أو حماس؟ ما الذي يمنع حماس سوى ربما الوعي السياسي لدى بعض القادة أو التكتيك السياسي أن تستهدف أميركيين، في رأيك أنت ألا ترى أن الأميركيين -على الأقل- قد وضعوا نفسهم خصوماً سياسيين واضحين لحماس والجهاد الإسلامي وهي فصائل لديك؟

محمد دحلان: يعني ما ينتاب المجتمع الفلسطيني -أخي حافظ- لا يرى وليس مُلزماً بأن يتعمق في الجدل السياسي عن طبيعة تقوية العلاقة الفلسطينية الأميركية، هذا المنطق يتحدث به المثقفون ويتحدث به المعنيون بالسياسة، ولكن المجتمع الفلسطيني لا يرى إلا الفيتو الأميركي بين لحظة وأخرى والعدوان الإسرائيلي المغطَّى في فترات طويلة من قبل بعض المسؤولين الأميركيين وتحديداً في الإدارة الجديدة باستثناء الفترة الأخيرة التي بدأت العلاقة في إعادة بناء بعد زيارة الأخ أبو مازن إلى واشنطن، ولكن الشكل العام لمواقف الإدارة الأميركية هي تغطية على العدوان الإسرائيلي، هذا الانطباع، الذي يشكل 99% من رأي المجتمع الفلسطيني، بالتأكيد يؤثر على موقف المجتمع الفلسطيني من الإدارة الأميركية، ولكن في نفس الوقت، لم يكن يوماً أن فكر أي فصيل سياسي فلسطيني أو عسكري بالاعتداء على مواطن أو مسؤول أميركي داخل مناطق السلطة الفلسطينية، أو حتى في الخارج، هذا ليس عُرفاً في المنطق السياسي الفلسطيني ولم يحدث إلا استثناء وحيد، ما حدث بالأمس، وأنا واثق أن لا علاقة لحركة حماس أو الجهاد الإسلامي أو التنظيمات الإسلامية بهذا الحادث، لأنني أدرك -وهذا تحليل وليس معلومات- أدرك أن هذه الفصائل الفلسطينية لديها من الوعي والتقدير السياسي لأن لا ترتكب مثل هذه الحماقة لما لها من تأثير استراتيجي على مستقبلها السياسي، وأنا أعتقد أن هذا الحادث الاستثنائي الذي لقي يعني استنكار من قبل السلطة الفلسطينية، وأيضاً استنكاراً على مستوى شرائح كبيرة من المجتمع الفلسطيني، وهذا ما دفع الفصائل الفلسطينية إلى عدم الاعتراف أو عدم تبني أو التخلي أو درء المخاطر في ألا تتبنى هذه العملية، أنا أعتقد أن ما جرى بالأمس هو عمل فردي، ليس على خلفية ارتباط فصيل معين بالانتقام من الولايات المتحدة الأميركية، فنأمل أن تقوم الأجهزة الأمنية على ضعفها وإمكانياتها المتواضعة، لأن هذا حادث استثنائي معني بالعلاقة الفلسطينية مع الولايات المتحدة الأميركية وضرورة ألا تنهار أكثر مما هي منهارة، فأنا آمل أنه خلال أيام سيتم إلقاء القبض على مرتكبي الحادث، هذا ما أصدرته القيادة الفلسطينية على مدى.. منذ الأمس حتى الآن بضرورة اتخاذ كل التدابير لإلقاء القبض على مرتكبي الحادث وتقديمهم للقضاء.

مستقبل العلاقة الأميركية الفلسطينية

حافظ الميرازي: شكراً جزيلاً لك، لم تبقَ إلا دقائق معدودة جداً سيد سعيد عريقات استمع إلى ربما خلاصة لكي نضع ليها هذا الموقف، نحن لسنا أمام نقطة تحول هذا مجرد حادث عرضي وأيضا هل هناك تحول أميركي وأننا لا يجب أن ننتظر شيئاً حتى يناير 2005 -إن كانت هناك إدارة جديدة- في العلاقة الأميركية الفلسطينية.

سعيد عريقات: أنا أعتقد بالنسبة للإدارة الأميركية وصلت إلى طريق مسدود بالقدر.. بالقسط التي توفر فيه للشعب الفلسطيني الأساليب لتحقيق آماله كما يقول الرئيس بوش، فالإدارة الأميركية تتحدث أو تحدث الرئيس بوش عن دولة فلسطينية أين ستكون هذه الدولة؟ عندما تنظر إلى ما يجري على أرض الواقع بزيادة المستوطنات، أنا قريتي أبو ديس اليوم أقل بمائتي دونم مما كانت عليه قبل أربع أسابيع، أين ستكون هذه الدولة؟ عندما نرى هذه الجدران التي تمتد تحت ذرائع الأمن وإلى آخره، عندما يتحدث الجنرالات الإسرائيليون عن مناطق عازلة تكتسح كم من كيلو متر هنا وهناك لآخره..

حافظ الميرازي: إذن أنت ترى إنه.. نعم.

سعيد عريقات: وجدران محلية أي حول كل مستوطنة، أنا أعتقد أنه لن يكون هناك أمل للدولة الفلسطينية، وعندما لا يكون هناك أمل سيضطر الفلسطينيين إلى القيام بأعمال يائسة، أرجو ألا تصل المرحلة إلى ذلك، بالتأكيد النظرة إلى ما جرى يوم أمس ضمن المنظار التاريخي نجد أنه وبالفعل حالة معزولة ونرجو أن يكون كذلك، كما نرجو أن يتم إلقاء القبض على هؤلاء.

حافظ الميرازي: شكراً جزيلاً لك، دكتور أندريك، الخلاف الأميركي هناك أيضاً كما نلوم الفلسطينيين لديهم أبو مازن، أبو عمار، أبو العلاء، ومشاكل، لدينا أيضاً (دونالد رامسفيلد) ولدينا (كولن باول) على الطرف الآخر لا ندري من الذي يحرك هذه الإدارة وزير دفاع أميركي يستخدم تعبيرات، منذ فترة قريبة ويقول ما يسمى الأراضي المحتلة الفلسطينية بعد 67 وهذه الإدارة المنشغلة تماماً في العراق، هل -فيما عدا مجرد إلقاء الكرة في الملعب لتضييع الوقت- هل ترى من أي تغيير حتى يناير 2005 في العلاقة الأميركية الفلسطينية؟ أو في تحقيق أي شيء في عملية السلام خريطة الطريق، من الناحية الفعلية وليس النوايا الطيبة والحسنة؟

مارتن إنديك: انظر، إن إدارة بوش لديها ما يشغلها تماماً في الشرق الأوسط من حيث الوضع في العراق، هذا بشكل واضح سيكون الأولوية الأولى للإدارة بوجود 150 ألف جندي هناك، وهناك أيضاً فاتورة كبيرة سيدفعها الكونجرس 87 مليار دولار لهذا العام فقط، وأيضاً الرئيس يواجه انتخابات آتية، التي يمكن تصبح العراق عبئاً انتخابياً خلال..، هذا هو مكان التركيز الذي ستسلط الأنظار، ويجب أن نقول دائماً إن هذه الإدارة لم تبدو أبداً بأن لديها كل ذلك الاهتمام منذ ايامها الأولى بحل للقضية الفلسطينية على خلاف الإدارة التي خدمت أنا فيها أيام الرئيس (كلينتون) لديك هذه الحقيقة، ومن ثَمَّ هناك الوضع في الأراضي، الفلسطينيون الآن داخلين في عملية قتل الأميركيين، هذا سيعزز من منظور ضرورة بقاءنا خارج القضية، وكختام أقول أن الوقت قد آن للمفكرين الفلسطينيين أن يصحوا ويستيقظوا ويدركوا أن الولايات المتحدة لن تنقذهم بسبب عدالة قضيتهم وأخلاقيتها، ولكن عليهم أن يدركوا أنهم.. الوقت قد حان لهم ليأخذوا المسؤولية وزمام الأمور مستقبلياً، وعند ذاك سترد الولايات المتحدة، وأول أمر يقوم به يجب أن يكون وقف الإرهاب.

حافظ الميرازي: شكراً جزيلاً لك السيد مارتن إنديك (نائب.. مساعد وزير الخارجية الأميركي والسفير الأسبق لدى إسرائيل) والسيد سعيد عريقات (كاتب ومحلل سياسي) معنا في واشنطن، وأشكر (وزير الداخلية الفلسطيني السابق) السيد محمد دحلان، الذي شاركنا من غزة في هذا البرنامج الذي ركزنا فيه على العلاقات الأميركية الفلسطينية، وهل هناك نقطة تحول فيها بعد حادث غزة.

أشكركم، وإلى اللقاء في حلقة الأسبوع المقبل من برنامجنا، مع تحيات فريق البرنامج في الدوحة وهنا في العاصمة الأميركية، وتحياتي حافظ الميرازي.