مقدم الحلقة:

حافظ الميرازي

ضيوف الحلقة:

نعوم تشومسكي: أستاذ اللغويات في معهد ماساتشوسس
بات بيوكانن: سياسي وإعلامي

تاريخ الحلقة:

06/12/2002

- رؤية اليسار لتأثير أحداث سبتمبر على أميركا ورؤيتها للذات وللعالم
- رؤية اليمين للسياسة الأميركية بعد أحداث سبتمبر

حافظ المرازي: مرحباً بكم معنا في برنامج (من واشنطن) وكل عام وأنتم بخير.

في هذه الحلقة اخترت ألا يكون معي ضيوف في الأستوديو، لكن الضيوف التقيت بهم من قبل، التقيت بهم في مكتبيهما، إنهما ضيفان، أحدهما تحدثت وجلست معه في بوسطن في كمبريدج معقل الفكر الأميركي والليبرالية أيضاً، الآخر التقيت به في واشنطن.

الأول من أحد رموز اليسار الأميركي، ربما في رأي البعض اليسار الراديكالي الأميركي الذي كاد ينقرض في هذا البلد.

الثاني من اليمين المتشدد الذي يؤكد على المصلحة القومية الأميركية، ليس من ذلك اليمين المتعاون مع إسرائيل أو الذي ارتبط بالحركة الصهيونية لكن من اليمين الذي يرى أن مصلحة أميركا أولاً حتى لو أغضب في تصريحات الكثير من الإسرائيليين.

الأول أيضاً رغم أنه يهودي من اليسار إلا أنه يغضب كثيراً الإسرائيليين واليهود.

كلاهما يرى المصلحة القومية الأميركية مهمة.

كلاهما له اعتباره وله اسمه المعروف في الولايات المتحدة وخارجها.

الأول هو: المفكر وأستاذ اللغويات بمعهد ماساتشوسس للتكنولوجيا الأميركية MIT وهو (نعوم تشومسكي).

الثاني: من اليمين وهو بات بيوكانن، السياسي والإعلامي والكاتب البارز الذي خدم في العديد من إدارات الجمهوريين السابقة خصوصاً في جانب كتابة الخطب السياسية وفي الاستشارات الإعلامية والاتصالات مع وسائل الإعلام في إدارة (نيكسون)، في إدارة (ريجان) إنه بات بيو كانن، الذي أيضاً رشح نفسه أو حاول أن يحصل على ترشيح الحزب الجمهوري له للرئاسة ولكن لم يفلح.

نعوم تشومسكي وبات بيوكانن كيف ينظران إلى أميركا الآن؟ أميركا التي تعد نفسها أو البعض يريدها أن تعد نفسها لحرب مع العراق، أميركا التي خاضت تجربة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

أبدأ أولاً بلقائي مع نعوم تشومسكي في مكتبه في كمبريدج في بوسطن، زرته من قبل في لقاء (للجزيرة) قبل عامين، ولكني زرته مرة أخرى مؤخراً لأعرف كيف يرى نعوم تشكومسكي تأثير الحادي عشر من سبتمبر على أميركا ورؤيتها للذات والعالم وعلى الكثير من القضايا الأخرى المتاحة على الساحة العربية والعالمية.

رؤية اليسار لتأثير أحداث سبتمبر على أميركا ورؤيتها للذات والعالم

نعوم تشومسكي: لقد تم التنبؤ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة وهو ما حدث بالفعل بأن حكومات العالم ستستغل الفرصة وذريعة الحرب على الإرهاب لتكثيف نشاطاتها الفظة والقمعية والعدوانية غالباً وأنها ستحاول أيضاً فرض الانضباط على شعوبها عبر برامج داخلية غير شعبية وإلى ما هنالك، وهذا هو ما حدث إلى حدٍ كبير، لقد صعدت روسيا من فظائعها في الشيشان، والصين في إقليمها الغربي، وإندونيسيا في إقليم آتشي، وإسرائيل في الأراضي المحتلة، إلى آخر القائمة، وفي الولايات المتحدة تم استغلال الوضع سريعاً وبصورة وقحة للدفع قُدماً ببرامج محلية وهي التي زادت حقاً مما يعد هجوماً جدياً على الشعب عموماً تنفذه إدارة بوش وفي خلال ساعات، وقد كان الأمر وقحاً لدرجة أن صحيفة "نيويورك تايمز" أشارت إليه، حاول يمينيو الحزب الجمهوري الدفع بتخفيضات على ضرائب أرباح رأس المال بحجة أنه لابد من عمل ذلك من أجل التصدي للإرهاب، إن الزيادة الضخمة في الميزانية العسكرية لا صلة لها بالإرهاب، فالصواريخ في الفضاء الخارجي لن توقف الهجمة الإرهابية التالية، لكن هذا البرنامج كان برنامجاً للأمد الطويل، لقد كانت هناك محاولات لتقليص الحريات المدنية على نحو حاد، ولكن بنجاح ضئيل حتى الآن، فأشكروفت ليس بوسعه أن يحصل على كل ما يريد، وكانت هناك أمور شبيهة تحدث في أرجاء أخرى من المعمورة، أما فيما يتعلق باستعراض القوة فالمحيطون ببوش لديهم سجل في هذا المضمار، ونحن نعرف من هم، ريجانيون دبت فيهم الروح من جديد، لقد أعلنوا الحرب على الإرهاب مرة من قبل تحديداً في عام 81 عندما أعلنوا الحرب على الإرهاب مستخدمين الخطاب الذي يستخدمونه اليوم وهم في معظمهم الأشخاص في مواقع القيادة، ونحن نعرف كيف أداروا تلك الحرب، لقد كانوا يركزون أنظارهم على منطقتين أميركا الوسطى والشرق الأوسط، لقد كانت لديهم في واقع الأمر برامج لاستعراض قوة الولايات المتحدة عبر العالم، لقد كان هناك رادع في ذلك الوقت الاتحاد السوفيتي وهو ما حدَّ من حركتهم وبحلول عام 90 كان هذا الرادع قد اختفى وتصادف أن هؤلاء كانوا خارج السلطة، لكنهم عادوا إليها الآن، وهم يريدون متابعة الخطط ذاتها، وليست هذه الخطط سرية فقد كانوا يكتبون حولها بشكل علني، وعلى سبيل المثال كان اثنان من المخططين الرئيسيين (ريتشارد بيرل) و(دوجلاس فيت) يكتبان في التسعينيات تقارير حالة لبنيامين نتنياهو وهو على يمين شارون، إنه اليميني المتطرف فيما شارون هو المعتدل، لذا لا يتعين عليَّ قول المزيد في هذا الصدد، لقد كانا يكتبان له التقارير توصف كيف ينبغي إعادة تشكيل الشرق الأوسط برمته، توسيع المملكة الهاشمية لتشمل أجزاء من العراق والعربية السعودية وإلى ما هنالك من هذه الأفكار المجنونة التي تشمل حتى الصين، ويتصادف أنهم الآن في السلطة مرة أخرى، لقد وفرت أحداث سبتمبر ذريعة لهم، وهم الآن منفتحون تماماً بشأن خططهم.

حافظ المرازي: هل ترى ما نشهده الآن هو تنفيذ للخطة التي وضعوها قبل الحادي عشر من سبتمبر بما في ذلك رؤيتهم للمنطقة وإعادة تشكيلها خصوصاً الحملة العسكرية التي يخططون لها ضد العراق؟

نعوم تشومسكي: نعم، ولكن هناك أسباب إضافية في حالة العراق، هناك أولاً سبب جوهري يعرفه الجميع، العراق لديه ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم، لقد كان من الواضح على الدوام أن الولايات المتحدة ستفعل شيئاً لتستعيد السيطرة على هذا الاحتياطي، وإذا ما قامت بذلك فإن ذلك لا علاقة له بصدام حسين أو بأسلحة الدمار الشامل وإذا ما قامت بذلك -وهو ما ستقوم به- واستعادت سيطرتها على موارد النفط فإنها ستكون في وضع يمكنها من تقويض الأوبك وتحديد مستويات الإنتاج والأسعار على النحو الذي تريد، وسيتعين أن يكون هذا متوفراً لنا، إن المسألة ليست هي مسألة الوصول إلى النفط العراقي، فنحن لسنا في حاجة إليه، فالولايات المتحدة تتوقع الاعتماد على الموارد المضمونة أكثر لحوض الأطلسي، ولكن عليك أن تتذكر أن ذلك كان صحيحاً في السبعينيات، فالولايات المتحدة لا تستخدم نفط الشرق الأوسط ومع ذلك وفي الأربعينات وصفت وزارة الخارجية الأميركية وبكلمتها هي الشرق الأوسط بأنه مصدر هائل للقوة الاستراتيجية وأعظم غنيمة مادية في تاريخ العالم، وبالطبع فإن الولايات المتحدة تريد السيطرة على هذه الغنيمة المادية وأن تكون قادرة على توظيف هذه القوة الاستراتيجية، أي أن تكون زعيمة مسيطرة على العالم، ومن المتوقع أن تزيد أهمية نفط الخليج في السنوات القادمة وفقاً لمحللي الاستخبارات، إنهم متأكدون من أنهم يريدون السيطرة عليه وهذا هدف طويل المدى، وهو لا يفسر التوقيت، وكما أظن فإن التوقيت له علاقةً ما بأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وفرت له الذريعة، ولكن للتوقيت كذلك وبصورة ما علاقة بالمشكلات الداخلية، أعني أنه إذا كنت أنت (كارل روف) (مدير حملة جورج بوش الانتخابية)، وتفكر في الانتخابات القادمة إما هذه الانتخابات التشريعية أو الانتخابات الرئاسية فهل تريد حقاً أن يفكر الناس في كيف أنهم لا يستطيعون العناية بأمهاتهم المسنات، أو كيف أنه لا تأمينات تقاعدية لديهم وأنهم لا يستطيعون تسديد ثمن الأدوية وأن البيئة التي قد يعيش فيها أطفالهم تدمر فيما تجمع العصابات الثرية مبالغ ضخمة من المال، حسناً إنك لا تريد للناس أن يفكروا بهذه المشكلات، إنك تريد أن يكيلوا المديح لراعي بقر بطولي أنقذنا من قدرنا المحتوم على أيدي هتلر جديد وعندئذٍ فإنه سيصير باتجاه انتصار جديد.

حافظ المرازي: لكنك تعرف أن والده جورج بوش الأول لم يربح الكثير سياسياً من حرب الخليج عام 91، ولم تضمن له تلك الحرب فترة رئاسية ثانية، لماذا إذن يمكن لجورج بوش الابن أو بوش الثاني أن يحصل على منافع سياسية من حرب كهذه إن كان والده لم يحصل، بل كان الاقتصاد هو العامل الأساسي وقتها؟

نعوم تشومسكي: لأن التوقيت خاطئ وهم يدركون ذلك ومهتمون به، فإنهم يريدون تحقيق نصر مدهش قبل أن تبدأ حملة الانتخابات الرئاسية ثم إلى ما وراء ذلك إلى الحملة التالية، لقد أمعنوا النظر في المشكلة، إن بوش الأب لم ينجح في صرف أنظار الناس عما كان يحدث لهم عندئذ، وما يحدث لهم الآن أسوأ بكثير. وسيقومون بتدبير مسألة التوقيت للتغلب على ذلك القصور، ولهذا السبب يجب أن تكون الحرب هذا الشتاء وليس الشتاء القادم، وليس السبب هو أن صدام حسين يمثل تهديداً، ومسألة إن كان صدام حسين يمثل أي تهديد هي قضية مختلفة وأن التهديد سيكون أسوأ الآن مما سيكون عليه بعد سنة من الآن، لكن لا تخض حرباً في وسط حملة انتخابية رئاسية، ففي الحرب قد تحدث كل الأخطاء وليس بوسعك أن تتنبأ بما سيحدث، قد تنتهي الحرب نهاية لطيفة ونظيفة، لكن في النهاية تريد أنت أن تحتفل بالنصر وأن تسير إلى النصر التالي وربما كان ذلك أيضاً.

حافظ المرازي: نسمع الآن حديثاً عن أن بعض البدائل التي يبحثها أشخاص في الإدارة الأميركية بشأن العراق هي خطة تشبه خطة إدارة اليابان عسكرياً عن طريق الجنرال الأميركي (مكارثر) بعد الحرب العالمية الثانية، كيف ترى أوجه الشبه والاختلاف؟

نعوم تشومسكي: أولاً وقبل كل شيء تقوم هذه التعليقات على جهل مطبق باليابان وجهل مطبق بالعراق، لذا فإن الحالتين مثال ممتاز، لقد أعادنا (جو مكارثر) لإعادة البناء نظام البرلماني الياباني الذي كان يعمل قبل استيلاء العسكريين على السلطة في الثلاثينيات، لقد أصر مكارثر على الاحتفاظ بالإمبراطور الذي كان أسوأ مجرمي الحرب، ولقد أحرج الأدميرال (توجو) الجميع في محكمة جرائم الحرب، عندما أسأل لماذا لم يكن الإمبراطور يحاكم في تلك المحكمة، كان الجميع يعرف لماذا لم يكن الإمبراطور يحاكم الجميع في تلك المحكمة، لأنهم كانوا يحافظون على البُنية الفاشية أساساً، ولم يحاول مكارثر نفسه الدفع بعملية التحول إلى الديمقراطية، ولقد أخجل ذلك كثيراً الليبراليين في واشنطن وأسس هؤلاء ما عرف باسم المسار المعاكس وهو ما أعاد الإمبراطور إلى السلطة المتعاونون الفاشيون وكبار رجال الأعمال الذين كانوا يقوضون النقابات والهياكل الديمقراطية الأخرى وحوَّل ذلك اليابان إلى نموذج تستطيع أن تسميه كما تشاء، لكنه عكس مسار التحول إلى الديمقراطية الذي كان يجري داخلياً، وكان يتم البناء على نظام ديمقراطي كان متواجداً أصلاً.

إن المقارنة بالعراق مضحكة، وفيما يتعلق بالعراق ما هو سجل الولايات المتحدة في تأسيس الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ هل سأصدق فجأة أنهم سيقومون بذلك؟ لا يتعين عليَّ أن أقول كيف كان هذا السجل، عُد 50 عاماً إلى الوراء إلى إدارة (أيزنهاور) التي كانت داخلياً -كما تبين الوثائق- معنية.. قلقة بشأن حملة كراهية ضدنا في الشرق الأوسط في البلدان العربية، ولم يكن ذلك من قِبَل الحكومات التي كانت مذعنة، بل من قِبَل الشعب، ولقد فسر مجلس الأمن القومي لإدارته الأسباب تحديداً: الإدراك السائد في المنطقة أن الولايات المتحدة تدعم أنظمة فاسدة وقمعية وتعيق الديمقراطية والتنمية بسبب مصالحها في السيطرة على احتياطيات النفط في المنطقة، وكانوا يظنون أن الأمر صحيح بصورة جوهرية، ولم يتغير هذا إلى يومنا، وهذا هو في الحقيقة السبب الرئيسي لما أسمته إدارة (أيزنهاور) بحملة الكراهية ضدنا، ويعود ذلك إلى معارضتنا للديمقراطية والإصرار على فرض أنظمة غير ديمقراطية وأنظمة قمعية، وفي الحقيقة سُدَّ الطريق أمام الديمقراطية والتنمية، ولنتذكر أن المسؤولين في واشنطن الآن أولئك الذين يديرون الإدارة كانوا كلهم يدعمون صدام أثناء ارتكابه لأسوأ فظائعه، أعني خلال رشه الأكراد في حلبة بالغازات واستخدام، الأسلحة الكيماوية ضد إيران، ومذابح الأنفال في إيران إلى آخره، إنهم لم يكترثوا.

حافظ المرازي: ما الذي يريدون تحقيقه، هل يسعون فقط إلى تخويف النظام العراقي لإحداث تغيير من الداخل بدون الحاجة لأي عمل عسكري أم ترى أنهم غير جادين بالمرة بالنسبة لخططهم سواء بالنسبة للعراق أو المنطقة بأسرها؟

نعوم تشومسكي: لربما نصبوا نوعاً ما من الديكتاتورية العسكرية بمجلس موالي للأميركيين، ولربما حافظوا على بيروقراطية صدام، وسيعملون بطريقة ما للتأكد من أن غالبية السكان الشيعة لن يكون لها صوتٌ بالغُ التأثير فيما يحدث، وأنهم ليسوا موالين لإيران بأي شكل من الأشكال، ولكن ربما انضموا إلى بقية المنطقة في التحرك باتجاه التواؤم مع إيران وهذا آخر شيء ترغبه الولايات المتحدة.

إنه ليس بوسعهم منح الأكراد أي حكم ذاتي حقيقي، وإلا فإن تركيا ستغزو العراق، ومن يعرف فلربما انفجرت المنطقة كلها.

سيتعين عليهم السيطرة على المنطقة بطريقة ما وإذا ما كانوا أذكياء -وهم ليسوا أغبياء- فإنهم سيختارون شخصاً له بعض المؤهلات الديمقراطية الشكلية وسيقولون: حسناً إنه الرئيس، انظر كم هي ديمقراطية هذه العملية ولكنني سأكون مندهشاً لو أنها أصبحت ديمقراطية مثل باكستان، بالتأكيد ليس هناك من سابقة في هذا الصدد، هناك سابقة للعكس تماماً، ليس هناك فحسب بل في أماكن أخرى.

ثم وبعد ذلك سيفعلون ما يريدون، السيطرة على النفط، ليست المسألة مسألة الوصول إلى النفط فهم لا يحتاجونه، إنهم يريدون السيطرة على النفط لأنه رافعة للسيطرة على العالم، وسيسمح لهم ذلك بتحديد مستويات الإنتاج والأسعار كما يريدون، بحيث لا تكون أعلى مما يجب ولا دونه، وإذا ما جعلت هذه المستويات أقل مما يجب، فإن البترودولارات لن تتدفق إلى الولايات المتحدة لدعم الاقتصاد، لابد أن تكون مستويات الإنتاج والأسعار ضمن حدود معينة القضاء على أي استقلالية لمنظمة الأوبك ثم اتخاذ الخطوة التالية، لابد أن يتم تهديد سوريا وكبحها.

وقد يتم تنفيذ الترانسفير وهو ما يعني المزيد من التطهير العرقي، تذكر أن هؤلاء أُناس يعتقدون أن الأردن هي فلسطين ولتلقي نظرة على الموقف الرسمي لإدارة بوش الأب، لقد كان هناك ثمة موقف رسمي، ففي ديسمبر عام 89 صادقت الإدارة على خطة (بيكر) على موقف الحكومة الائتلافية في إسرائيل، حكومة (بيريز - شامير)، لقد أقرت خطة بيكر هذه الحكومة بالكامل وكانت النقطة الأولى فيها أنه من غير الممكن أن تتواجد دولة فلسطينية، فما الذي يعنيه هذا؟ إنها تعني أن الأردن هو أصلاً دولة فلسطينية وأنه من غير الممكن أن تتواجد دولة فلسطينية ثانية.

حافظ المرازي: هناك عامل جديد الآن يرى البعض ضرورة أخذه بعين الاعتبار في أي مقارنة بين فترة ريجان أو فترة حكم بوش الأول وهذه الفترة أو الإدارة وهو عامل صعود نجم اليمين المسيحي أو الائتلاف المسيحي والنفوذ السياسي المتصاعد له، والدور المحوري الذي بدءوا يلعبونه في الحزب الجمهوري وفي هذه الإدارة، كيف ترى أهمية هذا العامل الآن؟

نعوم تشومسكي: إنه لأمر ذا مغزى، إنه ركن أساسي كبير، ولقد كان كذلك لأمد طويل، وعليك أن تتذكر أن الولايات المتحدة مجتمع أصولي متدين إلى أبعد حد، إنه واحد من أكثر المجتمعات أصولية وتديناً في العالم، ليست هناك أماكن كثيرة في العالم حيث يؤمن 40% من السكان بأن العالم خلق منذ 6 آلاف سنة أو مكان مر فيه ما بين 25% و 30% من الناس بتجربة الولادة الثانية وإلى ما هنالك، ولو قارنت مستوى الأصولية الدينية فإنها أعلى في الولايات المتحدة منها في إيران على سبيل المثال، لقد كانت الأصولية كتلة سلبية في المجتمع الأميركي لوقت طويل، لكنها أكثر نشاطاً من الناحية السياسية الآن، وأظن أن ذلك بدأ في عهد إدارة (كارتر)، ولقد أضفى عليها كارتر بعض الهيبة لأنه تبنى مواقف شبيهة لمواقفها، وعندما برز ريجان أدرك الأصوليون أن هذه وسيلة جيدة جداً للتعبئة، لقد كان ريجان أصولياً مسيحياً أو ربما تظاهر بأنه كذلك، وأصبحت الظاهرة مهمة في تلك الفترة، غير أن بوش الأب كبحها، فقد كان جمهورياً ليبرالياً من ليبرالي الشمال الشرقي ورجل دولة، أما هؤلاء الأشخاص فهم مختلفون تماماً، إنهم الصقور الذين أحاطوا بريجان، المتطرفون حول ريجان.

حافظ المرازي: كثر الحديث الآن عن صراع الحضارات، هل ترى في تأثيرات الحادي عشر من سبتمبر وفي تصاعد نفوذ اليمين المسيحي الأميركي من العوامل الكفيلة بدعم فكرة صراع الحضارات، أم أنك لا تقتنع أصلاً بنظرية صراع الحضارات؟

نعوم تشومسكي: لقد كان لذلك القليل من المعنى أقصد، أنك إذا ألقيت نظرة على السنة الماضية فإن إندونيسيا وهي أكبر دولة إسلامية كانت دولة تحظى بالرعاية إلى حدٍ كبير من قِبَل الولايات المتحدة منذ أن قتل (سوهارتو) مليون نسمة وسلَّم البلاد للسيطرة الأجنبية، ولقد كان سوهارتو كما وصفته إدارة (كلينتون) رجل الولايات المتحدة، وسجله شبيه تماماً بسجل صدام حسين، لكن صدام كان رجلنا طالما أنه كان تحت سيطرتنا، حسناً تلك أكبر دولة إسلامية، والعراق دولة إسلامية تصادف أنها علمانية، لكن الولايات المتحدة دعمتها إلى نهاية الثمانينيات إلى أن خرق صدام حسين القاعدة، إن السعودية هي أكثر دولة إسلامية أصولية وهي عميل مخلص للولايات المتحدة منذ تأسيسها.

في الثمانينيات أثناء ما يسمى بالحرب الأولى على الإرهاب- كانت الكنيسة الكاثوليكية هي الهدف الأول للعنف الأميركي أعني أن الكنيسة الكاثوليكية في أميركا اللاتينية تبنت ما يسمونه بالموقف المنحاز إلى الفقراء، ولذا كان لابد من تدميرها، وبدأ ذلك العقد باغتيال أسقف وانتهى باغتيال ستة مفكرين يسوعيين بارزين، وكثيرين بين ذلك، وبالطبع عشرات الآلاف من الفلاحين، وبوسعك أن تستمر في تعداد الضحايا، إن الولايات المتحدة عالمية تماماً في سياساتها ولا يتعلق الأمر بالإسلام أو المسيحية أو أي شيء آخر، إذ بوسعك أن تخلق صدام حضارات، وأزعم أن هناك من يودون فعل ذلك، لست قارئاً لعقل أسامة بن لادن، لكنني أفترض أنه يرغب في صدام حضارات، ويرغب في تحويل العالم الإسلامي إلى الجهاد ضد المسيحية أو أي شيء كان، وأظن أن ذلك سيعجب اليمين المسيحي، ولذا فإنهم مثل معظم الراديكاليين الإسلاميين يشاطرون هدف خلق صدام حضارات، لكن أي شخص على وشك تملك السلطة وحتى بقدر قليل من الذكاء يريد أن يحاول تفادي ذلك كله، إن صدام الحضارات غير موجود، ولكن بوسعك إيجاده، وعلى سبيل المثال فقد أشارت وكالة الاستخبارات المركزية مؤخراً أنه لا يوجد خطر إرهابي من قبل صدام حسين، لكن هذا الخطر سيتواجد إن تم الهجوم عليه، ولو وضعت نفسك مكانه فإنك ستعرف السبب، فالهجوم على العراق قد يؤدي إلى موجة من الإرهاب الإسلامي الراديكالي حول العالم وهذا أمر ممكن، أنا لا أستطيع التكهن بذلك، ولكن من المؤكد أنه احتمال قائم، كما قالت وكالة الاستخبارات المركزية، ولسوف يسهم ذلك في خلق صدام الحضارات الذي يتمناه المتطرفون لكنهم لم ينجحوا في تحقيقه.

حافظ المرازي: نعوم تشومسكي (أستاذ اللغويات والألسن بمعهد ماساتشوسس للتكنولوجيا MIT في لقاء معه بمكتبة في كمبريدج في بوسطن بولاية ماساتشوسس الأميركية، وبالمناسبة نعوم تشومسكي يبلغ من العمر 74 عاماً يوم السبت السابع من ديسمبر.

كل عام وأنتم جميعاً بخير، سأعود إليكم في برنامجنا (من واشنطن) كما تحدثنا مع اليسار الأميركي نتحدث مع اليمين، الرؤية قد لا تختلف كثيراً بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، لكنها تختلف كثيراً لرؤية أميركا والذات والعالم بعد الحادي عشر من سبتمبر، لقاؤنا سيكون مع بات بيوكانن (المرشح السابق للرئاسة الأميركية)، وأحد أيضاً أبرز أقطاب اليمين الأميركي المؤكد على المصلحة القومية الأميركية أولاً وليس لأي دولة أخرى في العالم.

[فاصل إعلاني]

حافظ المرازي: من واشنطن في حلقة خاصة -كما ذكرت من قبل- ليس معنا فيها ضيوف في البرنامج ولكن فيها ضيفان، الضيفان التقيت على كل.. مع كلٍ منهما على حدة في مكتبه، نعوم تشومسكي (المفكر اليساري الأميركي المعروف) التقيت به في كمبريدج - بوسطن وهذه المرة لننتقل إلى اليمين إلى بات بيوكانن (المرشح الرئاسي السابق) إلى أحد الذين أثاروا أيضاً الجدل ويثيرون في أميركا سواء في برامجه الإعلامية والتليفزيونية أو من خلال خلفيته بات بيوكانن عمل مساعداً للرئيس الأسبق (ريتشارد نيكسون) وكاتباً لخطاباته، مستشار خاص لفورد، ومسؤول الاتصالات في البيت الأبيض في أيام (رونالد ريجان)، بات بيوكانن معارض للإجهاض، معارض لاتفاقيات التجارة الدولية مثل (نافتا)، يؤيد انسحاب أميركا من منظمة التجارة العالمية، يعارض للهجرة غير القانونية وربما أيضاً حتى له آراء في قضية الهجرة إلى أميركا ويؤيد الانعزالية الأميركية، كما يعارض ما يسميه بالتأثير اليهودي في السياسة الخارجية الأميركية أو التأثير الإسرائيلي وقد نقل عنه مرة كلمة دائماً يذكر بها وهو وصفه للكونجرس بأنه الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، بات بيوكانن التقيت به في مكتبه لأبدأ معه أولاً كما سألت تشومسكي من اليسار، أسأل بيوكانن في بداية اللقاء من اليمين عن كيف يرى أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر، وكيف أثرت هذه الأحداث على رؤية أميركا للذات والعالم.

رؤية اليمين للسياسة الأميركية بعد أحداث سبتمبر

بات بيوكانن: أظن أن أحداث الحادي عشر سبتمبر كانت صدمة كبيرة للولايات المتحدة، فنحن لم نهاجم أبداً على أرضنا بمثل هذه الطريقة التي أوقعت عدداً كبيراً من الضحايا، ثلاثة آلاف قتيل، وحتى (بيرل هاربر) التي حدثت عندما كنت شاباً صغيراً جداً حدثت بعيداً في هاواي، وكانت هجوماً ضد سفن حربية، أظن أن ذلك دفع الشعب الأميركي سريعاً ليطلب القصاص والرد على مرتكبي الهجوم، لقد نبهنا الهجوم إلى وجود الإرهابيين الذين كانوا يريدون شل وتدمير وإصابة الولايات المتحدة، ولقد أوجدت الهجمات دعماً قوياً للرئيس بوش الذي كان قبل الحادي عشر سبتمبر شخصاً محل جدال أكثر بكثير وللطريقة التي سيطر بها على الأمور، وأوجدت تأييداً كبيراً لإنزال العقاب بأفغانستان وتنظيم القاعدة، وأظن أن الحرب على الإرهاب تحظى بدعم كل الأميركيين تقريباً، وأن كثيراً من الأميركيين أثاروا تساؤلات مثل: لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد لدرجة أنهم يأتون إلى هنا ويقتلون مدنيين أبرياء؟ ولماذا فعلوا ذلك؟ ومن الذي فعل ذلك؟ ولذا أظن أنه كان هناك حزم وتصميم على ملاحقة الفاعلين، وقدر من الحيرة إزاء لماذا حدث ذلك.

حافظ المرازي: إن السؤال القائل: لماذا يكرهوننا؟ لماذا طرح مباشرة عقب الأحداث بهذه اللغة المركزة على الكراهية وكأنها مشاعر غير عقلانية بدلاً من التساؤل: لماذا حدث هذا لنا؟ هل هناك تساؤل عما إذا كان ذلك من تداعيات السياسة الخارجية الأميركية بالعالم؟

بات بيوكانن: هاهي النقطة التي ترى فيها الاختلاف بين الأميركيين، لقد قال الرئيس في حديثه للكونجرس إننا هوجمنا لأننا أحرار ومستقلون ومزدهرون وأن هذه هي أسباب كراهيتهم لنا وهجومهم علينا، وقد ردد صحفيون آخرون نفس الشيء لأننا أحرار، فنحن لدينا حرية الأديان وحرية التعبير وهذا هو السبب في أنهم هاجمونا، لكنني أختلف مع ذلك، أظن أنه قد تم الهجوم علينا ليس بسبب معتقداتنا، ولكن بسبب السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأظن أنك ستفهم أسباب الهجوم على أميركا لو أنك قرأت إعلان بن لادن الحرب على أميركا وإسرائيل:

أولاً: إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة قوة إمبريالية تفرض هيمنتها على الخليج.

ثانياً: نحن إمبرياليون، ثقافيون، وثقافتنا ثقافة فاسدة ومنحطة في نظر الكثير من المسلمين الورعين.

ثالثاً: نحن منحازون في دعمنا لإسرائيل في النزاع الفلسطيني، فنحن لسنا متوازنين كما أننا نقدم لإسرائيل الأسلحة التي تستخدمها لسحق وقمع المقاومة الفلسطينية.

ثم أن القوات الأميركية تتواجد على الأراضي المقدسة في العربية السعودية.

وأظن أن هذه هي الأسباب التي يهاجم المتطرفون الإسلاميون الولايات المتحدة من أجلها، أظن أنهم يريدون أن نخرج من ذلك الجزء من العالم نهائياً، وأظن أن هذا هو أن سبب كونهم في حرب معنا، أظن أنهم يريدون طردنا من هناك وتصفية حساباتهم مع الحكومة السعودية وحكومات أخرى في المنطقة لأنهم يريدون نمطاً ما من التطهير للعقيدة الإسلامية أن صح التعبير، إذن نحن في حرب مع الفهم المتطرف للإسلام الذي يحفز الناس للهجوم علينا، لكن هناك وجهات نظر مختلفة في أوساط الأميركيين.

حافظ المرازي: أنت خدمت في الإدارة خلال سنوات ريجان.

بات بيوكانن: نعم، ريجان ونيكسون وفورد.

حافظ المرازي: وخلال هذه الفترة أيضاً دعمت الولايات المتحدة من أسمتهم وقتها المجاهدين الأفغان، ولم يهتم المسؤولون الأميركيون بمعتقدات المجاهدين الدينية طالما كانوا يقاتلون ويقتلون لكم الشيوعيين.

بات بيوكانن: ليس من شك في ذلك، لقد دعمنا المجاهدين الأفغان بالعتاد الثقيل وصواريخ (ستنجر) وزودنا المجاهدين بمعدات عسكرية لأنهم كانوا يحاربون من أجل الاستقلال الوطني ضد جيش الاحتلال السوفيتي وضد نظام عميل في أفغانستان، لذا اعتقدنا أن استقلال أفغانستان، ليس أمر صائباً فحسب، بل إنه يتواءم مع المصالح القومية للولايات المتحدة لأننا كنا في غمار الحرب الباردة ضد الإمبراطورية السوفيتية التي أعلنت تلك الحرب علينا، ولذا كنا نحارب الإمبراطورية السوفيتية في نيكاراجوا وجرينادا وأنجولا وأفغانستان في ظل إدارة الرئيس ريجان، هذا صحيح والحقيقة أن الإسلام الجهادي -وأنت محق في ذلك- كان حليفاً للولايات المتحدة، لقد كان كلانا يريد خروج الإمبراطورية السوفيتية من أفغانستان، هذا صحيح.

حافظ المرازي: إذن هي مسألة ما يريحك سياسياً حين يكون الإسلام السياسي حليفاً لكم جيد وإلا فلا.

بات بيوكانن: عليك أن تميز بوضوح، لقد أسهمنا في طرد الإمبراطورية السوفيتية من أفغانستان لكننا لم نقم بفرض قيمنا الأميركية أو بفرض نظام أميركي على الشعب الأفغاني عندئذٍ، لقد قلنا لهم: هذا الآن مستقبلكم وعليكم أن تقرروه بأنفسكم، لست أظن بأنه يمكن اتهام الولايات المتحدة بمحاولة فرض هيمنتها على الشعب الأفغاني، لقد ساعدنا الشعب الأفغاني على تحقيق استقلاله، لكن ليس هناك من شك في أننا استخدمنا الإسلام الجهادي عندما كانت لدينا مصلحة مشتركة وهي حرية واستقلال الدول الإسلامية، وأظننا متفقون على ذلك، ليس لدي اعتراض أو ربما اختلف مع ذلك بخصوص نمط الحكومة التي تتواجد في إيران، غير أنه وطالما أنهم لا يهاجمون المصالح الأميركية، وطالما أنهم لا يهاجموننا فإنني لا أظن أنه ينبغي علينا مهاجمتهم.

حافظ المرازي: إن إحدى المقولات أو العبارات التي يذكرها الكثيرون لبات بيوكانن وصفك للكونجرس الأميركي بأنه الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل.

بات بيوكانن: it is really occupied territories

حافظ المرازي: exactly . في مقابلة سابقة لي مع البروفيسور نعوم تشومسكي وهو أيضاً من منتقدي التحيز في الموقف الأميركي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، لكنه يعتقد أن التحيز ليس بسبب نفوذ اللوبي الإسرائيلي على أميركا، هو يرى العكس، يرى أن الولايات المتحدة هي التي تستخدم إسرائيل لتنفيذ سياساتها الإمبريالية في المنطقة، وليس الذَنَب هو الذي يحرك الكلب في رأيه.

بات بيوكانن: أختلف مع الأستاذ تشومسكي في بعض النقاط، إن جماعة الضغط الإسرائيلية هي أقوى جماعة ضغط في الولايات المتحدة وسيأتي شارون إلى هنا، وسيطالب بعشرة بلايين دولار من ضمانات القروض وأربعة بلايين دولار إضافية من المعونة العسكرية وفوق ذلك كله بثلاثة بلايين دولار من المعونات العسكرية والاقتصادية كل سنة، لقد أعطت الولايات المتحدة إسرائيل مائة بليون دولار في الـ 25 سنة الماضية أو أكثر من ذلك من المعونات العسكرية أو الاقتصادية، وهذا يساوي إجمالي الناتج القومي الإسرائيلي ويعادل ذلك 20 ألف دولار لكل رجل وامرأة وطفل في إسرائيل، والسبب الوحيد في تقديم هذه الأموال هو سطوة جماعة الضغط الإسرائيلي في الولايات المتحدة ونفوذها على الكونجرس، ولست أظن أن الكونجرس لديه الشجاعة أو الاستقلالية ليقف في وجه جماعة الضغط الإسرائيلية وعندما فعل بعض الشيوخ ذلك وربما يكون هؤلاء جمهوريين مثل السيناتور (بيرسي) أو ديمقراطيين مثل (فولبرايت) أو مثل النائب (بول فندلي) -وهو صديق لي- فإنهم تعرضوا للهجوم في حملاتهم الانتخابية وهزموا، إن بوسع جماعة الضغط الإسرائيلية أن تصب الأموال في الحملات الانتخابية الحملات المتقاربة وإلحاق الهزيمة بمرشح يحتل منصباً، وأظن أنه بسبب ذلك ولكون هذه الجماعة تسهم في الانتخابات القومية بقدر كبير من المال للحزب الديمقراطي وأصواتهم حاسمة في ولايات مثل فلوريدا وأنهم يصوتون على قضية إسرائيل فقط لهذه الأسباب جميعاً تمتلك جماعة الضغط الإسرائيلية نفوذاً وسطوة لا يصدقان في السياسة الأميركية وهذا هو السبب في أنهم سيحصلون على ضمانات القروض التي يطالبون بها، وهو السبب ذاته في أنه من المرجح أن يحصلوا على المعونة العسكرية، وهذا هو السبب في أن رئيس الولايات المتحدة لم يطالب عندما يطرح مطالبه بوضع نهاية لبناء المستوطنات في غزة والضفة الغربية والبدء في هدم بعض هذه المستوطنات وانسحاب الإسرائيليين من هذه الأراضي والعودة إلى إسرائيل ذاتها، وإذا ما قمت برصد الأمور فإنك سوف ترى أنه لن تكون هناك أية مطالب وأنهم سيحصلون على ما يريدون، لكنني أظن هناك أن الذيل هو الذي يهز الكلب، وليس هناك من شك في أن جماعة الضغط الإسرائيلية وحلفائها في الإدارة وفي واشنطن العاصمة يريدون حرباً شاملة مع الإسلام الجهادي، إنهم يودون أن يستخدموا قوتنا العسكرية لسحق العراق واحتلال بغداد ثم إلحاق الهزيمة بإيران ثم الضغط على سوريا، ويريد شارون منا حتى ضرب ليبيا، لست أظن أن هناك من شك في أن الذيل هو الذي يهز الكلب في الولايات المتحدة.

حافظ المرازي: هل يرجع هذا لخلل في النظام السياسي الأميركي؟

بات بيوكانن: الولايات المتحدة بلد تمارس فيه الجماعات العرقية التأثير على السياسة العامة، أثناء الحرب الباردة كنا جميعاً نركز على الإمبراطورية السوفيتية، لقد كانت الولايات المتحدة طرفاً في تلك الحرب الباردة، ولذا كان الشاه صديقنا لأنه كان حليفاً في تلك الحرب، وكان الإسرائيليون حلفاؤنا، كما كانت مصر حليفاً بعد حرب 73، ولذا كنا ندعم كل هذه البلدان وكانت هي تدعمنا في ذلك الصراع، غير إن ذلك الصراع الكبير قد ولَّى الآن والمصلحة القومية تراجعت بشكل ما، الجميع متفقون على أن الحرب الباردة كانت مصلحة قومية لنا وكانت المصالح العرقية والمصالح الضيقة تطرح مطالبها، وإذا ما كان لديها التأثير من حيث الأصوات والمال فإنه كان يتم الدفع بمصالحها ومن المؤسف أن هذه هي الطريقة التي تتم بها الأمور في الولايات المتحدة.

أعتبر نفسي وطنياً أميركياً وقومياً بصورة ما، وأنا مؤمن بالسياسة الخارجية للآباء المؤسسيين والقائمة على عدم الارتباط العاطفي بالبلدان الأجنبية وعلى عدم العداء الدائم لأي بلد، وكما قال (جيفرسون): إننا لا نريد تحالفات توقعنا في الشرك، إننا نريد تجارة سلمية وعلاقات حسنة مع كل البلدان، وأظن أن هذا هو ما ينبغي أن تكون سياسة الولايات المتحدة قائمة عليه، وأظن أنه ينبغي علينا أن نسحب أنفسنا من هذا الصراع في الشرق الأوسط والخليج، مع ملاحظة الاستثناء التالي:

بما أننا قوة عظمى غنية فإننا سنقول: إن أردتم حل مسألة ما فإننا سنكون الوسيط النزيه غير أنني أظن أن الإرهاب في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين أمر فظيع، لكنني أعتقد أن هناك عدالة واضحة في القضية الفلسطينية، فالفلسطينيون لهم الحق في دولة قومية، دولة خاصة بهم، وأظن أن الحرب ستستمر إلى أن يحصلوا على تلك الدولة، ستكون هناك حرب عصابات وستتسم هذه الحرب بأعمال إرهابية شائنة.

حافظ الميرازي: حين يسمع الناس تلك الآراء منك يتعجبون، فأنت تعتبر نفسك محافظاً وأنت من الجناح اليمني إن صح التعبير، لكنهم قد يستغربون لأننا نشعر بأن اليمين الأميركي أو أن المحافظين الجدد هنا هم الذين يدفعون أميركا لأسلوب الاحتلال الأجنبي والمغامرات العسكرية.

بات بيوكانن: إنهم ليسوا محافظين حقاً، إنهم محافظون جدد وقد جاءوا من صفوف الحزب الديمقراطي، إنهم من نمط السيناتور (سكروب جاكسون) الذي رشَّح نفسه ذات مرة لخوض الانتخابات الرئاسية وهم مؤمنون بالعولمة، إنهم أتباع (وودر ويلسون) و(فرانكلين روزفلت) أما أنا فأنتمي إلى تراث (روبر تافت) و(باري جولد ووتر) والحركات التي أرادت أن تبقي الولايات المتحدة خارج هذه الحروب الأجنبية، لدينا جمهورية عظيمة الشأن في العالم كله، والآباء المؤسسون قالوا: ابقوا خارج هذه الحروب، هذا هو السبيل لأن تصبح أمة عظيمة، لذا فإن هؤلاء الأشخاص الذين تشير إليهم، وأنا هنا أشير إلى (بيرل) و(وولفويتس) و(كريستول) ومجلة "كومنتري" التي يصدرها كريستول إن هؤلاء لم يكونوا محافظين أصيلين، عندما انتميت إلى الحركات المحافظة في أوائل الستينات الداعمة للسيناتور (باري جولدووتر) والذي كان صقراً فيما يتعلق بالحرب الباردة، عندها لم يكن أي من المحافظين يؤمن بالإمبراطورية أو بالهيمنة، بل كانوا يؤمنون بالجمهورية العظيمة التي وقفت في وجه العدو السوفيتي الشيوعي، ولم يكن هؤلاء يريدون الحرب، بل كنا نريد أن نكسب الحرب الباردة وأن نعود إلى ديارنا، أظن أن هذه هي المحافظة الحقة في رأيي، وكما تعرف فإن أولئك الذي يسمون الآن بالمحافظين أي المحافظين الجدد هم ألد أعدائي في عالم السياسة الأميركية وليس بوسعهم إصدار عدد جديد من مجلتهم دون أن يطلقوا عليَّ نعتاً جديداً.

حافظ المرازي: وهؤلاء أيضاً دفعوك إلى ترك الحزب الجمهوري.

بات بيوكانن: نعم لقد كانوا مبتهجين لخروجي من الحزب الجمهوري.

حافظ المرازي: لكن ماذا حدث للحزب الجمهوري، نرى صعوداً الآن لنفوذ ما يسمى اليمين المسيحي داخله أو الائتلاف المسيحي وتحالفاً غريباً بين هذا اليمين المسيحي أو الائتلاف المسيحي وجماعات اللوبي الإسرائيلي أو الجماعات اليهودية؟

بات بيوكانن: لقد كان الائتلاف المسيحي مؤيداً قوياً لي عندما خضت الانتخابات، ولأسباب قد يتفق معها المسلمون الورعون، فنحن نعارض الإباحية، ونعارض القذارة التي تحتويها الأفلام الأميركية، ونعارض تلويث الثقافة الشعبية الأميركية، كما أننا دافعنا عن الحق في الحياة، لكن الجماعة المسيحية منقسمة إزاء السياسة الخارجية، ويميل البروتستانت الأصوليون إلى اعتبار إنشاء إسرائيل في عام 48 جزءاً من التنبؤ التوراتي، وأن حرب إسرائيل الكبرى قادمة، وأن ذلك سيتنبأ بعودة المسيح الثانية، ولذا فإنهم يرون في ذلك عملية فتح باتجاه تلك العودة، كما يؤمنون بأن الإنجيل يوجب عليهم دعم اليهود، وأن المسيح نفسه قال: هؤلاء أناسي، ولذا فإن لديهم مشاعر قوية بخصوص هذه المسألة، مما يجعل العديد منهم مؤيدين متشددين جداً لإسرائيل وفي رأيي فإن واجب معاملة اليهود معاملة حسنة لا يعني أننا ملزمون بتأييد (أرييل شارون) وما حدث في جنين، إنهم يؤمنون بذلك بقوة، وهم جزء قوي من ائتلاف الرئيس وكذلك جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في هذا البلد والمحافظون الجدد الذين يميلون لأن يكونوا جزءاً من ائتلاف بوش، ويرى الرئيس في هؤلاء طرفاً قوياً في ائتلافه، وإذا ما خيب أملهم إذا ما أخبر شارون على سبيل المثال بالخروج من الضفة الغربية أو ببدء الانسحاب من الضفة فستهب عاصفة كبرى في وجهه، ولذا ليس هناك شك في أن هؤلاء يمثلون طرفاً مهماً في قاعدة الرئيس الانتخابية إضافة إلى جماعة الضغط الإسرائيلية، وإذا ما أردت أن تشطب أو تجتاز أي من هاتين القوتين داخل الحزب الجمهوري حتى ولو كنت الرئيس فإنك ستواجه مشكلات حقيقية، وهذا ما اكتشفه بوش الأب حينما قال: أريدكم أن تتوقفوا عن بناء المستوطنات قبل أن أعطيكم العشرة بلايين دولار، لقد شنوا عليه حملة، وأعطاهم العشرة بلايين وها هم يبنون المستوطنات.

حافظ المرازي: بات بيوكانن (السياسي والإعلامي الأميركي وأحد أقطاب وأبرز رموز اليمين الأميركي) التقيت به في مكتبه هنا في العاصمة واشنطن، بالمناسبة بات بيوكانن يبلغ من العمر 64 عاماً، أي تفصله عن ضيفنا الأول في هذه البرنامج نعوم تشومسكي أحد أقطاب اليسار الأميركي 10 سنوات، لكن بالطبع كما استمعنا ربما تفصلهما مسافات طويلة وطويلة في الرؤية لأميركا ودورها ودور رأس المال فيها وإن كان الاختلاف قد يكون ضيقاً بالنسبة لقضايا الصراع العربي الإسرائيلي وما يتعلق بالنفوذ الإسرائيلي في السياسات الأميركية أو ما يرى بأنه كذلك.

أشكركم على هذه المشاركة، وعلى أن نكون معكم في هذا البرنامج الخاص التي -كما ذكرت- لم يكن معنا فيه ضيوف، ولكن يكفي أن تكونوا معنا فيه، من واشنطن هذه تحياتي وتحيات فريق البرنامج. حافظ المرازي.