مقدم الحلقة:

حافظ المرازي

ضيف الحلقة:

فرانسيس فوكوياما: عميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز الأميركية

تاريخ الحلقة:

08/01/2004

- نهاية التاريخ أم بداية لصراع الحضارات؟
- النجاح العسكري يُقنع الشعوب بالأنظمة السياسية

- خبرات أميركية في مجال بناء الدول

- نهاية الإنسان.. عواقب الثورة البيوتكنولوجية

- مستقبل النموذج الأميركي للديمقراطية الليبرالية

نهاية التاريخ أم بداية لصراع الحضارات؟

حافظ المرازي: مرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامج من واشنطن التي أقدمها هذا الأسبوع من مقر الجزيرة في الدوحة وإن كان ضيفنا فيها من واشنطن وقد تجاوزت شهرته حدود الجغرافية منذ نَظَّر قبل أكثر من عشر سنوات لنهاية التاريخ في مقال تطور إلى كِتَاب تُرجِم إلى أكثر من عشرين لغة ومنها العربية، ورأى فيه أن تطور التاريخ بمفهومه الفلسفي الجدلي كصراع لأيديولوجيات وفلسفات حكم قد انتهى بانهيار الشيوعية وانتصار الرأس مالية الديمقراطية كنظام حكم تتمناه كل الشعوب، ورد عليه المفكر صمويل هنتنغتون يُنَّظِر لفكرة صراع الحضارات قائلاً بـ: "أنها والأديان عادت كما كانت في الماضي تحكم التطور التاريخي والصراع بعد إخفاق الأيديولوجيات المعاصرة". فهل أثبتت أحداث الحادي عشر من سبتمبر - أيلول في أميركا صدق نظرية صراع الحضارات؟ أم انتهى صراع الأفكار بِغَلَبّة النموذج الأميركي للديمقراطية الليبرالية التي يريد الجميع لها أن تسود العالم والعالم العربي بالمثل؟

دعونا نرحب إذاً بضيفنا في هذه الحلقة من واشنطن المفكر السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما عميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، دكتور فوكوياما مرحباً بك معنا في هذا البرنامج.

فوكوياما: شكراً جزيلاً لكم أيضاً.

حافظ المرازي: لأبدأ أولاً بنظرية.. نظريتكم نهاية التاريخ وكما أوضحتم ويعرف الجميع نحن لا نتحدث عن نهاية التاريخ بمفهومه التقليدي أو نهاية الأحداث، فالأحداث ما زالت تتوالى منذ وضعتم كتابكم قبل أكثر من عشر سنوات، لكن إلى أي ترى.. إلى أي حد ترى هذا الطرح الموجود حالياً، هل هي نهاية التاريخ بغلبة النموذج الأميركي للديمقراطية الليبرالية؟ أم نتحدث عن بداية لصراع الحضارات كما يُروَج له في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر؟

فوكوياما: حسناً، أولاً دعوني أوضح لكم بعض الأشياء عن ما هو مقصود بنهاية التاريخ، إن نهاية التاريخ هي حقيقةً حول العَصرَّنة والتحديث وما يحدث للمجتمعات وهي تتطور اقتصادياً وتحقق مستويات أعلى معيشية وتُطوِر مؤسسات سياسية جديدة، وهي ليست مع .. حول المؤسسات الأميركية هكذا ولكن أيضا حول اليابان وأوروبا الغربية والولايات المتحدة، فكلها طَورت مؤسسات مشابهة بسبب مستوى النمو الاقتصادي، ونهاية التاريخ لا تعني نهاية الأحداث ولكن .. بل هي حول الأحداث للمجتمعات وهي تتطور من مجتمعات زراعية إلى صناعية إلى مرحلة ما بعد الصناعية وعلاقات الناس فيما بينهم وبنائهم للمؤسسات، إذاً نهاية التاريخ هي حل أن الأحداث تؤثر أو تؤشر باتجاه مؤشر واحد أو عدة مؤشرات، صمويل هنتنغتون في كلامه عن صراع الحضارات يقول: "إنها سوف تسير باتجاهات مختلفة معتمدةً على الثقافة السائدة." لكن في رأيي الأمر يعتمد على وجود طريقة واحدة فقط قابلة للحياة وهي الديمقراطية الليبرالية، ليست بالضرورة الأميركية، لكن بشكل عام.

حافظ المرازي: لكن، هل ترى أنك أدركت بأن هناك طرح آخر وبأن نموذج الديمقراطية الليبرالية ليس بالضرورة هو النموذج الناجح والفائز عالمياً؟ أم مازلت تعتبر.. متمسكاً بنظريتك في نهاية التاريخ وتطور فلسفات الحكم عند الديمقراطية الليبرالية التي أيضا أريد منك أن تعرفها لنا، هل هي عبارة عن الوجه الآخر للنموذج الأميركي أم لا؟

فوكوياما: دعوني إذاًً أبدأ بتقديم التعريف أولاً، الليبرالية الديمقراطية هي مجموعة من المؤسسات تعمل بشيئين، الجانب الليبرالي يشير إلى وجود سلطة محدودة للدولة حيث يُسمح للأفراد والمواطنين بممارسة قدر كبير من الحرية الشخصية حول مَن يتزوج مَن وقدرتهم على المشاركة في الحياة السياسية وحرية التعبير وما إلى ذلك، الجانب الديمقراطي يعني أن الجانب المشروع والوجه المشروع في اختيار الحكومة لتحكم، هي الديمقراطية والخيار الديمقراطي، هذا طبعاً هناك مفاهيم وصيغ أميركية ولكن هناك أيضاً يابانية وأوروبية تتحدث في نفس الإطار، نعم هناك أيضا أمثلة أخرى للمشروعية السياسية، هناك المَلكيات الدستورية وأنواع أخرى من الحكومات، ولكن وبمرور الوقت وبظهور التطور الاقتصادي والتحديث الاجتماعي، نتساءل ما هي الصيغة المُثلى القابلة للتطبيق في المجتمعات الحديثة لصيغة الحكم؟ صحيح إن هناك أناس يعتقدون إن هناك بدائل عن الديمقراطية .. الليبرالية الديمقراطية، وفي القرن العشرين رأينا الشيوعية والاشتراكية والنازية، ولكن.. وخلال القرن نفسه القرن العشرين كل واحدة من هذه البدائل أظهرت أن لديها تناقضات حادة داخلية ثم انهارت وتساقطت بالتتابع وكان أخرها الشيوعية في عام 1989 وببساطة اختفت الشيوعية من على وجه الأرض في غضون سنوات، إذاً ببساطة نحن نقدم ملاحظة هنا إن العالم وعلى أساس أنه لا تبدو هناك بدائل كثيرة لحكومة للمجتمعات الحديثة التي تتلاءم أو تكون أكثر ملاءمة للتنظيمات السياسية في مثل هذه المجتمعات الحديثة.

حافظ المرازي: دكتور فوكوياما، أنت في كتابك بتطرح الشيء الرئيسي الذي قَدَمته الاقتصادية الليبرالية من حيث أولاً الاقتصاد أو النجاح من الناحية الاقتصادية ثم العنصر الثاني المُفتقَد في بعض الأنظمة السابقة هو نَيل التقدير والاحترام للشخص، إلى أي حد يمكن أن تعتبر بأن النماذج الأخرى مثل النموذج الصيني الذي يعد -إلى حد- ما قادراً على تلبية احتياجات شعبه بشكل يفوق ربما قدرة أنظمة رأسمالية لو لديها هذا العدد من السكان أن تفعل، إلى أي حد ينطبق عليه ذلك؟ أليس هذا تعديل للنظام الشيوعي لمواءمة عدة احتياجات دون أن يكون بالضرورة ديمقراطية ليبرالية؟

فوكوياما: في الصين .. فالصين ليست شيوعية بأي اعتبار فيما يخص اقتصادها، فقد كانت لديها اقتصاد مخطط له مركزياً على أساس اشتراكي، وفي عام 1978 بدأوا بتفكيك ذلك بإصلاحات زراعية وبالسماح لحرية الملكية وتغيرت الـ .. نسبة الإنتاج الزراعي لتتضاعف في غضون خمس سنوات وأيضا إجمالي الناتج القومي في جيل من الزمن تغير، وهذا إنجاز رائع بأي مقاييس استخدمنا، أعتقد أن التعديلات والإصلاحات الاقتصادية التي واجهتها الصين موجودة وقائمة على الأرض ولكن ما هو مفقود هناك هو الديمقراطية السياسية، فهناك حزب واحد حاكم هو الحزب الشيوعي سمح بحرية شخصية متزايدة في الإطار الاقتصادي ولكن يستمر بفرض هيمنته وسيطرته السياسية من حيث القوة والحكومة، هذا النموذج ينفع في مثلاً تشيلي وتايوان وغيرها في .. تشيلي في عهد بينوشيه قامت بإصلاحات اقتصادية، ولكن على المدى البعيد يبقى السؤال، هل تستطيع الصين الاستمرار في تحقيق معدلات النمو وفي التحديث على أساس حكم الحزب الواحد؟ أَم أن هناك حاجة إلى المزيد من تطوير الممارسة الديمقراطية ومشاركة المواطنين في عملية الحكم؟ وأعتقد إن إحدى الأشياء التي نراها في أجزاء أخرى من آسيا في تايوان وكوريا واليابان، إنك عندما تَبلغ حداً من الترف المادي فإن المطالبة الشعبية بالديمقراطية تبدأ بالتزايد، وأعتقد أن هذا سيحدث في الصين أيضا فهم الآن نجحوا في الاقتصاد .. في الإصلاحات الاقتصادية، أعتقد إنه في الجيل القادم سنرى مطالبة من هذا النوع أيضا.

النجاح العسكري يُقنع الشعوب بالأنظمة السياسية

حافظ المرازي: لو تحدثت عن نماذج أخرى، تحدثت أنت عنها كالنموذج الفاشي والنموذج النازي الألماني واعتبرت أنها ربما نجحت ولكن مشكلتها هو قد لا تكون مسألة الشرعية لأن هناك رضا أصلاً كان من المواطن في ألمانيا النازية عن حكومته وسعادة بما تحققه من انتصارات عسكرية والمشكلة كانت هي دخول هذه الأنظمة سواء إيطالية الفاشية أو ألمانيا النازية في مغامرات عسكرية فشلت، هل ترى أن النموذج الأميركي الآن الذي هناك رضا من المواطن تجاه الحاكم وتجاهه هيمنته عالمياً يمكن على مدى العديد من المغامرات العسكرية في العالم المتكررة مع كثرة التدخل العسكري الأميركي الآن عالمياً بشكل إمبريالي، هل يمكن أن يقود أيضا إلى فشل عسكري ذريع وإلى نهاية هذه التجربة إن طبقنا معاييرك التي طُبِقت على ألمانيا النازية وإيطالية الفاشية؟

فوكوياما: بالتأكيد هذا احتمال قائم وأعتقد أن أي إخفاق كارثي كالذي مرت به ألمانيا النازية بتدمير مواردها الرئيسية وقتل أعداد كبيرة من سكانها واحتلال أراضيها من قِبّل دول أجنبية، ليس أمراً.. بلد مثل الولايات المتحدة يمكن أن يتورط فيه ولكنها ممكن أن تتورط في تدخلات لا تحظى بشعبية يمكن أن تؤدي إلى ردات فعل عكسية كالتي رأيناها في حرب فيتنام، وأعتقد أيضا إنك ربما تشير إلى التدخل الحالي في العراق، هذا أمر علينا أن نرى نتائجه، هناك تساؤلات حول مدى الحكمة من وراء هذه الحرب وبشكل كبير نرى أن التأييد الشعبي لاستمرار احتلال العراق هو موضع تساؤل، وهذا أمر علينا أن نرى ما تأول إليه الأمور حوله وربما قد يفقد شعبيته بشكل أكبر اعتماداً على حجم الضحايا والكلفة الاقتصادية وما هو متصور عن مدى هذا التدخل أصلاً.

حافظ المرازي: دكتور فوكوياما، بالطبع سنتحدث عن العراق باستفاضة لأنك في مقالك المُزمع نشره في (Atlantic Monthly)، تحدثت عن الدروس المستفادة من التجربة الأميركية في إعادة بناء الدولة أو إعادة الإعمار في العراق ومسألة مقارنة المحاولات الأميركية في العراق بالمحاولات السابقة الناجحة في ألمانيا واليابان، لكن ربما قبل أن نخوض في هذا الإطار أريد أن أواصل موضوع نهاية التاريخ مقابل صراع الحضارات لصمويل هنتنغتون، أنت كتبت مقالاً في صحيفة (Wall Street Journal) في الذكرى الأولى .. السنوية الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تسأل: "هل يمكن أن يكون هناك أي خير أو أي فائدة من بروز الإسلام الراديكالي أو الإسلام المتشدد؟" إلى أي وصلت في قراءتك؟ وكيف يرى فوكوياما خِلافاً لهنتنغتون أحداث الحادي عشر من سبتمبر والاستقطاب الديني في الجانب الإسلامي على المستوى العالم الإسلامي وبروز وقوة اليمين المسيحي على المستوى الأميركي والولايات المتحدة الأميركية؟

فوكوياما: أولاً دعوني أقول إن صمويل هنتنغتون كان أستاذي في جامعة هارفارد ونحن مستمرون بكوننا أصدقاء ونتحدث حول هذه الرؤى والقضايا بشكل دوري ولا أعتقد إننا مختلفين في الرأي حول ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، أعتقد إنه سوف يتفق مع جَزمِي بأننا لم نصل بعد مرحلة الصدام الكامل بين الحضارات، فعلى سبيل المثال هناك تنوع كبير في الآراء في داخل العالم الإسلامي وحول مستويات أو درجات مختلفة من التعبير موجودة في العالم الإسلامي وأيضاً الإرهاب الإسلاموي الذي أفرز أحداث سبتمبر ربما لا يعدو كونه متمثلاً بنسبة صغيرة من .. من السكان المسلمين، هناك خلافات ومظالم ولكن ليس الكل يعبر عن نفسه بمثل هذا النوع من العمل السياسي، وهذا ليس أبداً عكساً كاملاً أو انطباعاً كاملاً لما يحدث داخل العالم الإسلامي وأعتقد إنه.. إنني وهنتنغتون نتفق على أن إحدى المخاطر من احتمال أن تتطور هذه الأزمة إلى ما يشبه صراعاً وصداماً بين الحضارات والتي خالفت بين موقفي المعسكرين بسبب الخلفية الثقافية والدينية، أنا لا أعتقد إن هذه هي الحالة التي تنطبق على مجريات الأمور، فالولايات المتحدة لا تُؤسِس سياستها الخارجية على أسس دينية، فنحن دَعّمنا الـ .. مسلمي كوسوفو ومسلمي البوسنة في البلقان و دَعّمنا الكويت عندما تعرضت للغزو من قِبَّل العراق في عام 1990، إذاً أعتقد إن القضية ليست قضية أن الولايات المتحدة بالضرورة ستنحاز ضد المجتمعات الإسلامية والمجتمع الإسلامي، أعتقد إن هناك الكثير من كراهية ومعاداة ومناهضة الأميركيين في الشرق الأوسط، وهذه مشكلة خطيرة يجب أن تُعالّج لكي لا تتطور إلى ما يشبه صداماً بين الحضارات، ولكنني أعتقد إن السياسة الأميركية على طول الخط لم تكن وراءها دوافع ثقافية بل سياسية ..ومن قِبَّل مؤسسات سياسية قائمة على أساس الديمقراطية مع جرعات صحية من خدمة المصالح القومية الأميركية.

حافظ المرازي: ضيفنا في هذه الحلقة في برنامج من واشنطن دكتور فرانسيس فوكوياما المفكر السياسي الأميركي حالياً عميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز ومؤلف العديد من الكُتُب أشهرها وأولها نهاية التاريخ والإنسان الأخير وأحدثها هو كتاب بعنوان مستقبل ما بعد الإنسان أو ما تُرجِم في اللغة العربية بعنوان نهاية الإنسان، هذه الكتابات والمؤلفات والنظريات نناقشها معه، نناقش معه أيضا الإسلام والغرب وأيضاً العراق والتجربة الأميركية في العراق، هل من المطلوب من الولايات المتحدة أن تبقى أطول في العراق لكي تُحقق نتائج ما حققته في ألمانيا واليابان؟ يبدو أنه يقول ما معناه ذلك في مقال له يصدر حديثاً، سنناقشه فيه وفي العديد من القضايا، ونرحب أيضا بأسئلتكم وتعليقاتكم في هذه الحلقة بعد هذا الفاصل وذلك من خلال الفاكس، رسائل الفاكس يمكنكم أن ترسلوها على الرقم 974+ وهو رقم الكود لقطر و4890865 .. +974 4890865، ويمكنكم أيضا أن تتواصلوا معنا بالبريد الإلكتروني على العنوان الخاص بالبرنامج وهو (minwashington@aljazeera.net) .. (minwashington@aljazeera.net)، نعود إلى ضيفنا وإلى مشاهدينا أيضا بعد هذا الفاصل في برنامجنا من واشنطن.

[فاصل إعلاني]

خبرات أميركية في مجال بناء الدول

حافظ المرازي: من واشنطن، هل هي نهاية التاريخ مع غلبة النموذج الأميركي؟ أو على الأقل فلسفة الحكم الأميركية باختلاف أشكالها وهي نظرية الديمقراطية الليبرالية وباعتبار ذلك هي الجنة التي يحلم بها الجميع في كل العالم بما في ذلك العالم العربي المتطلع إلى الديمقراطية وإن اختلف على من يجلب الديمقراطية له، أم نحن نتحدث عن بداية لصراع حضارات وعن استقطاب ديني على المستويين العالم العربي الإسلامي من ناحية والعالم الغربي خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية من ناحية أخرى، حوارنا خصصنا له هذه الحلقة بالكامل في برنامج من واشنطن مع المفكر السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما عميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز، وأُذكِّر مرة أخرى بمَن يريد أن ينضم إلينا بالأسئلة في برنامجنا لضيفنا على رقم الفاكس 4890865 974+ أو على البريد الإلكتروني للبرنامج (minwashington@aljazeera.net)، دكتور فوكاياما، لنعود إلى موضوع العراق وهو لا يخرج كثيراً عن الرؤية التاريخية والفلسفية لرؤيتك للتطورات التاريخية وللأحداث، في مقال .. مقالك الجديد عن موضوع التجربة الأميركية في العراق أنت تقول بأن: "هناك عدة دروس يمكن أن نخرج بها مما تقوم به الولايات المتحدة في العراق، خصوصاً التركيز على التردد الأميركي في البداية نحن لسنا في مجال بناء الدولة أو التدخل لبناء الدولة نحن نحارب ونخرج"، ثم إذا بعملية بناء دولة وبمليارات الدولارات عشرين على الأقل ألف مليون دولار في برنامج إعادة أعمار العراق ثم مسألة متى سيخرج الأميركيون من العراق، هل هناك تناقض بين الوعود الأميركية بأن متى سنخرج من العراق وبين محاولة صياغة العراق بالشكل الذي صاغت به أميركا ألمانيا واليابان من قبل في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟

فرانسيس فوكوياما: إن الولايات المتحدة الأميركية تراكمت لديها الكثير من الخبرات في مجال بناء الدول، ليس فقط ما حدث في اليابان وألمانيا بل إيطاليا أيضا والفليبين وهايتي وأماكن أخرى في أميركا اللاتينية، الدرس الذي استقيته أنا من كل هذا إن بناء الدول ممكن لكنه يتطلب التزامات ووقت وموارد مالية وطاقة تمتد أجيالاً، الأكثر نجاحاً اليابان وأميركا ... وكوريا الجنوبية وألمانيا نرى أن القوات الأميركية التي تدخلت ما زالت موجودة هناك بعد مرور عقدين من الزمان أو جيلين، لا أعتقد إنه في العراق لا يستطيع .. لا تستطيع القوات الأميركية البقاء بنفس المدة، العراقيون لا يريدون ذلك والرأي العام الأميركي لن يريد ذلك، وأعتقد أن الاحتلال نُظِر إليه منذ البدء على أساس عملية انتقالية يتم بعدها بأقرب وقت ممكن تسليم السلطة إلى حكومة عراقية ديمقراطية الأساس، وأنت مُصيب في قولك بأن هناك تناقض من حيث أن .. من حيث ضمان مشروعية الحكومة العراقية الجديدة من جانب ومن الجانب الآخر وجود عسكري أميركي لحماية مثل هذه الحكومة من حالة عدائية أو مشاعر عدائية داخلية أو خارجية، وهذا .. والخبرات في مجال بناء البلدان توحي بأن ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتحمل والبقاء لمدة من الزمان فإن ربما ينتهي الأمر إلى حالة أصعب وأسوأ مما كانت عليه قبل التدخل، واعتقد إن هناك خيارات سياسية أمام واشنطن من حيث مدى السرعة التي تستطيع فيها تسليم السلطة وكيف تتعامل مع حجم القوة التي تريد إبقاءها في العراق.

حافظ المرازي: لو طُلِب منك أن تضع إذاً الجدول الزمني لما .. للحد الأدنى للوجود الأميركي في العراق من وجهة نظر أميركية لكي تؤتي أو يُؤتي هذا التدخل ثماره بافتراض قبول الأقوال والتصريحات الأميركية بحسن نية، وبالطبع أنت تعلم أن هناك جبلاً كبيراً من التشكيك في دوافع هذا التدخل الأميركي منذ البداية.

فرانسيس فوكوياما: حسناً وأكرر هنا إنك لو عدت إلى الوراء ونظرت إلى التاريخ إلى الحالات المشابهة من حيث التدخل ومحاولة بناء مؤسسات جديدة يكاد لا يكون هناك حالة انسحبت فيها القوات الأميركية في غضون خمس سنوات وتركت آثار ونتائج جيدة، مثلاً ما حدث في كوبا ونيكاراغوا وأماكن أخرى من أميركا اللاتينية، حيث كانت هناك تدخلات سريعة وانسحابات سريعة وما حدث في الصومال عام 1993، وإننا بخروجنا بهذه السرعة لم نستطع وضع أي شيء ذو صبغة دائمية هناك، وعلى الأقل التزاماً بخمس إلى عشر سنوات يبدو لي الحد الأدنى ولكن بأي حد وبأي حجم هذا يعتمد على معطيات الوضع الأمني وما ترغب به الحكومة العراقية الجديدة والشعب العراقي والحكومة الأميركية، ولكن هذا على الأقل مدة أو الجدول الزمني ولكن كما قلت أنه يعتمد على الحقيقة .. الحقائق السياسية على الأرض والعراقيين أنفسهم والرأي العام الأميركي أيضا.

حافظ المرازي: المُنّظِرون ودعاة الحرب في العراق ودعاة التدخل، كانوا يرون وربما أيضا مازالوا يؤكدون على أنه الديمقراطية في العراق لا تعني استيراد النموذج الإيراني، وهذا يُدخِلنا ربما بشكل أوسع في مفهوم النموذج الديمقراطي الليبرالي المطلوب أن ينجح إذا سلَّمنا بأنه لابد .. ليس من الضرورة أن يكون نموذجاً أميركياً إذاً سنقول بأن أي انتخابات حرة في العالم الإسلامي لابد وأن تأتي بالتيار الإسلامي ولابد -على الأقل- على حكومة انتقالية ولو لعقد أو عقدين كما هو الحال في إيران بعد الثورة أن تكون حكومة دينية أو ثيوقراطية، هل هذا من الممكن أن يُنظر إليه على أنه عملية انتقالية أم أنه حكم الإسلاميين من خلال صناديق الانتخاب هو انتكاسة لهذه الديمقراطية الليبرالية التي يفترض -حسب نظريتك- أن تكون نهاية التاريخ والجدل حول فلسفة أي حكم نريد؟

فرانسيس فوكوياما: أنا حقيقة لا أتوقع العراق أن يتطور بحيث يصبح نظاماً ديمقراطياً على غرار ما يحدث أو ما هو موجود في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل علماني كامل، ولن أتفاجأ لو أننا وجدنا نظاماً إسلامياً يشابه النظام الإيراني بشكل أو بآخر، ولكن من وجهة نظر أميركية هذا يعتمد على الكيفية التي يتم تفسير الأمور بها، لو أن ما حصل في إيران مثلاً عام 1978 حيث كان هناك نظام ديكتاتوري لا يسمح بحرية التعبير لأي شكل من أشكال التعبير والحرية التي يرى أنها آتية من الخارج ويقمع المعارضين السياسيين هذا ليس نتيجة سيئة من وجهة نظري بل من وجهة نظر العراقيين أيضاً وأيضاً للمنطقة بشكل عام، ولكن من جهة أخرى ممكن أن نرى جمهورية إسلامية في العراق معتدلة نسبياً ربما يكون فيها حكومة يسيطر عليها الشيعة ولكنها تتعامل على أساس قواعد اللعبة الديمقراطية، وحتى لو أن ذلك تم تضمينه في دستور إسلامي على أساس أن هذا صفة أساسية للمجتمع العراقي ولكنه أيضا يقبل بأنواع أخرى من التعبير السياسي والديني، أعتقد إن حتى هذه النتيجة تكون جيدة من وجهة نظري، الأمور كما سارت عليها حتى الآن هو أن هناك تنوعاً كبيراً في وجهات نظر المسلمين في العراق مثلاً الشيعة رغم أنهم الأغلبية في البلد لكنهم ليسوا متحدين وبالتأكيد ليسوا متوحدين حول دعم نظام ديني ديكتاتوري كالذي نراه في إيران، إذاً من الممكن أن يكون هناك نظام على أساس ديني ولكنه ديمقراطي ويبقى ضمن إطار اللعبة الديمقراطية.

حافظ المرازي: نعم، دكتور فرانسيس فوكوياما، لدي رسالة على البريد الإلكتروني تقول بأن: "العديد من الباحثين والدارسين اليابانيين يرون بأنهم يختلفون جدا مع رؤيتك لنهاية التاريخ ويرون بأنها ليست فكرة عالمية"، وأيضا يقول من أرسل الرسالة "بأنه في آسيا التي أنت أصلاً تنتمي إليها عرقياً هناك رؤية بأنه لا يوجد نهاية لأي شيء وأن مفهوم نهاية التاريخ هي مفاهيم دينية وليست بالضرورة مفاهيم علمانية." هل من تعليق لك؟

فرانسيس فوكوياما: حسناً أولاً لتصحيح الـ .. صاحب الرسالة من حيث الحقائق، أنا لم أُولَد في آسيا بل إن جدي جاء مهاجراً إلى الولايات المتحدة وولدت أنا في الولايات المتحدة ووالدي أيضاً وأنا ترعرعت ولم أُجِد .. بحيث لم أُجِد أي لغة يابانية، والمهم أن ندرك هنا إن إلى أي درجة يمكن للناس في الولايات المتحدة رغم تنوع أصولهم الثقافية أن يندمجوا في المجتمع الأميركي، وأنا طيلة حياتي لم يُشعِرني أحد بأنني أقل أو أدنى مرتبة بسبب أصلي العرقي أو الخلفية الثقافية، الجانب الآخر هو .. للحياة في الولايات المتحدة أن لديها ثقافة مفتوحة يُسمَّح للهوية الثقافية بأن تُحّدَد على أساس سياسي ونظام ديمقراطي بحيث يُسمَّح لأي شخص بالاشتراك في العملية السياسية أيّاً كانت خلفيته الدينية أو العرقية، وأنا فهمت المسألة على هذا الأساس على أساس أن الدين ليس عاملاً في القضية وأعتقد إنه واضح طبعاً أن لكل هذه الأمور علاقة بالسياسة ولكن هذا ليس عاملاً يقرر الطريقة التي أنا أبني فيها رؤيتي إلى العالم.

حافظ المرازي: نعم، دكتور فوكوياما أنت أيضا من ضمن أشياء .. أماكن عديدة تَشغَلها عضو في المجلس الاستشاري لصندوق الوقف الأميركي للديمقراطية (National Endowment for Democracy )، وهو الذي أمامه وفي ذكرى تأسيسه وقف الرئيس بوش في السادس من نوفمبر- تشرين الثاني الماضي ليلقي خطابه الأساسي عن ضرورة دعم الديمقراطية في العالم العربي وبأن أميركا قد أخطأت على مدى ستين عاماً في السماح أو التسامح مع أنظمة استبدادية في العالم العربي من أجل مصالح قومية قصيرة المدى، إلى أي حد ترى أن الرؤية الأميركية لنشر الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن تحقق هذه الغاية وهي غلبة نظم الديمقراطية الليبرالية؟ أم أنها فقط تستخدم من جانب واشنطن كأداة من أدوات السياسة الخارجية للضغط أو لوضع ما تفعله العراق في إطار فلسفي وسياسي فقط؟

فرانسيس فوكوياما: حسناً، إن من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذا السؤال، لأن الولايات المتحدة تتصرف على أساس خليط ومزيج من المصالح القومية والانتماء الإيديولوجي والقيمي، ولا أستطيع أن أقول إن الدعم الأميركي للديمقراطيات في العالم هي الحافز والدافع الوحيد وراء السياسة الخارجية الأميركية لإنه معروف تاريخياً أن الولايات المتحدة دعمت عدداً من الحكومات غير الديمقراطية والأنظمة غير الديمقراطية بما في ذلك أنظمة غير ديمقراطية في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً بالمقابل ليس معنى قولي إن الديمقراطية لا تعني شيئاً على الإطلاق وأن الولايات المتحدة لم تؤيد ولم تدعم أي مؤسسات أو نظم ديمقراطية في بلدان كانت ذات طابع شمولي في أنظمة حكمها، وممكن النظر إلى الحالات التي كانت فيها بعض الحركات هذه واعدة نوعاً ما ورغم إن كلمة الرئيس بوش اُعتُبِرت بشكل عام إنها خدمة للمصالح الذاتية وعلى أساس ينطوي على نوايا ربما شريرة إلى حد ما أو شكوكية، ولكن هناك حاجة في واشنطن وشعور لدى هذه الإدارة والإدارات القادمة بحيث إنها لن تقبل ببساطة إننا سوف نتعامل مع أنظمة ديمقراطية .. أنظمة ديكتاتورية صديقة في هذه المنطقة أو أي منطقة أخرى في العالم، وهناك أيضا الأمر ينطبق على أماكن أخرى في العالم ليس الشرق الأوسط وآسيا وأماكن أخرى وأميركا اللاتينية حيث كانت هناك أنظمة ديكتاتورية تحولت إلى أنظمة ديمقراطية كما حدث في الفليبين مثلاً تم ذلك بدعم أميركي، ولكن هذا لم ينطبق على الشرق الأوسط وأعتقد أن الوقت قد حان الآن أعتقد إن هذا نوع من النفاق السياسي والازدواجية في السياسة الأميركية يجب أن يتم التعامل معها.

نهاية الإنسان.. عواقب الثورة البيوتكنولوجية

حافظ المرازي: دكتور فرانسيس فوكوياما نعود إليه أيضا لاستكمال نقاشنا في هذه الحلقة من برنامج من واشنطن ولكن بعد فاصل قصير نعود إلى ضيفنا في هذه الحلقة دكتور فرانسيس فوكوياما هو المفكر والسياسي الأميركي عميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز الأميركية.

يبدو أنه لن نأخذ فاصلاً ولكن ربما أنتقل إلى الجزء الثاني من نقاشي معه وهو الخاص بكِتابه الأخير وكانت نواته في الكتاب الأول، في كِتابكم الأول نهاية التاريخ أيضاً كان العنوان الفرعي والإنسان الأخير، ثم أيضاً كِتابك الأخير الصادر في عام 2002 هو بعنوان مستقبل أو .. مستقبلنا فيما بعد الإنسان أو بالإنجليزية (Our Posthuman Future) الذي تُرجِم في كتاب باللغة العربية إلى نهاية الإنسان عواقب الثورة البايوتكنولوجية، دكتور فوكوياما، هل يمكن أن تفسر لنا ما الذي تقصده بالإنسان الأخير؟ ثم ما هو ذلك الإنسان الذي .. وما الذي تخشاه من الثورة في تكنولوجيا الأحياء؟ وما الذي يمكن أن تفعله بصفات الإنسان سياسياً واجتماعياً؟

فرانسيس فوكوياما: إن عنوان كتابي الأول كان نهاية التاريخ والإنسان الأخير باللغة الإنجليزية هذا تعبير استخدمه الفيلسوف الألماني نيتشه الذي تحدث عن بناء أو تدعيم أفق .. الأفق الإنسانية بعد سلسلة من الصراعات التاريخية التي أدت إلى نهاية التاريخ وحالة السِلم، هذه أعتقد إن شعوره كان من دون مثل هذه التطلعات والصراعات والتشوق الذي يحتاج إلى هذا العمل الشاق، الإنسان ليس إنساناً كاملاً وأيضا ضيق الأفق والنجاحات السلبية للمجتمعات الديمقراطية هو تحدٍ روحٍ ترك الناس بغيابه يعانون حالة من الخواء الروحي، هذا أعتقد أنه تحد تواجهه كل الأنظمة الليبرالية الديمقراطية لأنها لا تملي لمواطنيها ماذا تعني الحياة السعيدة سواءً كان ذلك من حيث الانتماء الديني أو الاستهلاك أو الجنس أو أي أمور أخرى قد تبدو تافهة، إذاً هناك نوع من الخواء الروحي الذي يوجد في المجتمعات الليبرالية الديمقراطية وهذا يثير مشكلة، مشكلة كتابي الأخير كان عن قضية الـ(Biotechnology) .. التكنولوجية الأحيائية ومفهوم الإنسان الأخير من حيث أنه نسمح لهذا الإنسان أن يقرر مصيره عبر التقدم التكنولوجي، هذا أعتقد إن الطبيعة البشرية هي التي تملي ما هي طبيعة الحياة السياسية، الشيوعيون حاولوا القضاء على حق الملكية والحياة العائلية، أعتقد إن هذا شكَّل انتهاكاً لقيم مشتركة يشارك فيها جميع بني البشر وأعتقد إنه لأن الشيوعية لم تأخذ بالحسبان هذه الطبيعة البشرية آلت إلى ما آلت إليه، ونحن ندخل القرن الحادي عشر فإن مثل هذه التكنولوجيا الحديثة سوف تعطينا قدرات تغيير وسيطرة على السلوك الإنساني بشكل لم نره حتى الآن، وأعتقد إننا نعيد فتح الباب أمام احتمالات كثيرة جديدة من الهندسة الاجتماعية التي حاولنا في القرن العشرين تجربتها ولكن انتهينا بنتائج كارثية، لهذا أقول إن هناك مخاطر في هذه التكنولوجيات وربما ليست موجودة الآن ولن تكون موجودة في خمس سنوات لكن في الجيل القادم أعتقد إن هذه التحديات التكنولوجية التي سوف نواجهها.

حافظ المرازي: هل معرفة الجينوم البشري أو خريطة الصفات الوراثية للإنسان ولكل فرد يمكن أن تدفع العالم إلى أن ينتقي النوع الذي يريده خصوصاً إذا كان التقدم يتم في العالم الأبيض الأوروبي ليفعل ما أراد علماء النازية أن يفعلوه بشكل فج؟

فرانسيس فوكوياما: القضية من الآن مثارة حول عملية تسمى التشخيص الجيني عن طريق أخذ أجنة بشرية من رحم المرأة لاختيار أجنة خالية من الأمراض وتتمثل في الصفات مثلاً أن يكون ذكراً وليس أنثى ومحاولة إنتاج طفل حسب هذه المقاييس، ونحن من الآن لدينا القدرة على التحكم بنوع من الصفات الوراثية ومثل هذه العمليات سوف تزيد في السنوات القادمة، وأعتقد إن ما يعنيه ذلك إن الأطفال لن يُنظَّر إليهم بعد الآن على إنهم هبة من الله وإنما هي منتجات أو مخلوقات يتم إنتاجها تحت سيطرة الوالدين أو متطلبات المجتمع، وأعتقد إن لهذا تداعيات لأنه من بين أشياء أخرى، ربما الناس الذين يمتلكون القوة والثروة سوف يستخدمون هذه التكنولوجيا في البداية بشكل يزيد من حجم الفروقات في .. التي نراها من الآن والتباينات التي هي موجودة من الآن في مجتمعاتنا بحيث يتم السيطرة على السلوك البشري بشكل لم يكن معروفاً أو متاحاً من ذي قبل، أعتقد إن هذا هو الجزء المخيف من هذه التكنولوجية التي علينا أن نجابهها.

حافظ المرازي: نعم، لكن إذا كان هذا هو فعلاً الجزء المخيف ألا يوجد الجزء المبشِّر، أحد الذين علَّقوا على كِتَابك الأخير عن عواقب الثورة البايوتكنولوجية أو ثورة تكنولوجيا الإحيائية قال بأنها: "المشكلة ليست نهاية الإنسان بلعب الهندسة الوراثية فيه ولكن نهاية الإنسانية، بأن المشكلة التي تواجه البشر هي أن ثلاثة بلايين من البشر يعيشون بدون صرف صحي، أن بليوناً ونصف البليون لا تصلهم المياه النظيفة، أن هناك من يموتون جوعاً وأن تطور الهندسة الوراثية يمكن أن ينقذ البشرية من هذه الويلات ومن هذه الكوارث الطبيعية والآفات، بدلاً من أن نركز على مخاوف الهندسة الوراثية في تغيير الصفات البشرية لشريحة ضئيلة جداً من المجتمع هي التي ربما تفكر في العبث بما يمكن أن يحققه لهم الاستنساخ أو الهندسة الوراثية."

فرانسيس فوكوياما: حسناً، بالتأكيد في كتاباتي الأخرى وتفكيري أيضا فكرت ملياً بمشكلات التنمية الاقتصادية والفقر وغيرها، المسألة ليست إني لم أتعامل مع هذه القضايا أيضاً ولكنك لو نظرت إلى التاريخ البشري لرأيت أن التكنولوجيا كانت لها دائماً عواقب غير مقصودة ولم يكن بالإمكان رؤيتها قبل حدوثها، مثلاً تطور تقنية الثورة المعلوماتية، مثلاً جورج أوريل رأى فيها نوعاً من الديكتاتورية ولكنها في النهاية رأينا أنها ساعدت على توسيع نطاق الديمقراطية والمشاركة الديمقراطية، أنا ربما أكون مخطئاً حول تداعيات المستقبلية لهذه التكنولوجية .. التكنولوجيا ولكن أعتقد إن من الأهم .. من المهم أن نأخذ بالحسبان هذه الأمور وأن لا نرى مثل هذه الأدوات التي تتيح السيطرة على الآخرين التي توفرها لنا التكنولوجيا لنرى بمرور الزمن ماهية الانعكاسات والتداعيات، أعتقد إنك على المدى القصير لن تؤثر على الناس الذين يعيشون في حالة من الفقر المدقع، بالتأكيد التكنولوجيا الحديثة هذه واعدة إيجابياً من حيث إنتاج الغذاء والأدوية الجديدة وتخفيف المعاناة في أماكن كثيرة في العالم، وأنا سأكون أخر من يقف في طريق أي من هذه التفاعلات الإيجابية وأعتقد إنها واعدة جداً في هذا المجال.

مستقبل النموذج الأميركي للديمقراطية الليبرالية

حافظ المرازي: دكتور فوكوياما، ربما في نصف دقيقة تبقت في حوارنا، كيف ترى مستقبل النموذج الأميركي للديمقراطية الليبرالية؟

فرانسيس فوكوياما: إن النموذج الأميركي هو واحد من عدة نماذج للولايات المتحدة الأميركية كانت دائماً تقف ضد سلطة الدولة، وأيضاً ولأسباب تاريخية مختلفة أنا من الذين يميلون إلى التفكير بأن نهاية مرحلة تاريخية يسير فيها الناس نحو تطبيق النموذج الأميركي ورؤية تقليل وتخفيض لسلطة الدولة مثل ما حصل مع إنرون وإنكوم من الشركات الكبرى وأيضاً الانتقال من دول كبيرة إلى دول أضعف، ربما نحن نتجه نحو نماذج أخرى ولكن كما قلت إن النموذج الأميركي ليس نموذجاً فريداً من نوعه في الناحية الفضاء الديمقراطي لكنه واحد من بين نماذج يقوم على أساس المساواة، وهذا يمكن تفسيره بشكل مختلف من قبل ناس مختلفين في ظل ثقافات مختلفة في أماكن مختلفة من العالم.

حافظ المرازي: شكراً جزيلاً لك دكتور فرانسيس فوكوياما المفكر السياسي الأميركي وعميد كلية الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز الأميركية انضم إلينا من واشنطن، ونختتم بذلك هذه الحلقة من برنامج من واشنطن وإلى اللقاء في حلقة أخرى من البرنامج لتكون من واشنطن مع تحيات فريق البرنامج هنا في استوديوهات ومقر الجزيرة بالدوحة ومع الزملاء في استوديوهات الجزيرة بواشنطن، أشكرهم جميعاً وأشكركم وإلى اللقاء هذا حافظ المرازي.