- البوسنة.. ومأزق القبض على مجرمي الحرب
- محكمة لاهاي في قفص الاتهام


أحمد كامل: أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا أقدمها لكم من العاصمة البوسنية سراييفو، متهمون من قبل محكمة لاهاي التابعة للأمم المتحدة ملاحَقون من قِبل قوات تمثل القوى العظمى في العالم، محاصرون في منطقة ضيقة منذ عشر سنين ومع ذلك مازال الكثير من مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة طُلقاء وعلى رأسهم كرازيتش وميلاديتش، سمير حسن يحاول فك رموز هذا اللغز.

[تقرير مسجل]

سمير حسن: يبدو أن دغدغة حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بات الورقة الأخيرة لمواجهة استمرار فرار كبار المتهمين بجرائم الحرب في دول يوغوسلافيا السابقة فكرواتيا التي كانت قاب قوسين أو أدنى من تحديد موعد انضمامها إلى الاتحاد أصبح هذا الموعد مشروطا بالقبض على الجنرال أنتيجوباتينا المتهم بجرائم حرب ضد صرب كرواتيا.

سلافن لاتيستا – محلل سياسي كرواتي: أوروبا أصبحت تنظر إلى مشاكل كرواتيا على أنها فقط التعاون مع محكمة جرائم الحرب الدولية وهذه مشكلة حديثة وبالنسبة لكرواتيا هذه مشكلة لا تحتل أولوية كبيرة ولا يعقل أن تعطل عضويتها عطل في الاتحاد.

سمير حسن: الشريط الذي عُرض يوم الخميس الماضي في محكمة جرائم الحرب ويُظهر قيام وحدة العقارب الصربية تقتل ستة من المدنيين المسلمين في إطار مذبحة صربنتسا عام 1995 دليل قاطع على تورط الرئيس سلوبودان ميلوسوفتش في جرائم حرب يحاكم بسببها حاليا في لاهاي، أما في بلغراد فقد اعتقلت السلطات أحد عشر متهما للتخفيف من حدة الإحراج الذي تعرضت له صربيا خاصة وأن عرض هذا الشريط تزامن مع لقاءات أجرتها رئيسة الادعاء للمحكمة الدولية كارلا دلبونتي مع المسؤولين الصرب ومع ذلك فقد نجحت صربيا في التخفيف من الضغوط المتواصلة عليها للتعاون مع محكمة جرائم الحرب الدولية بعد أن تمكن رئيس وزرائها بيوسلاف كشتنسكا من تحسين صورة بلاده أمام المؤسسات الأوروبية والمحكمة الدولية بإقناع ستة من المتهمين بتسليم أنفسهم طواعية إلى العدالة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية وإن كانت بعض أحزاب المعارضة كشفت النقاب عن أن كشتنستا منح مليوني يورو للمتهمين لتسليم أنفسهم إلا أن بلغراد مازالت تسأل عن هروب الجنرال راد كولنانتش.

فلادن باتيتش – رئيس الحزب الصربي المسيحي الديمقراطي: نحن نعلم أن رئيس الوزراء دفع مبالغ ضخمة لإغراء المتهمين بتسليم أنفسهم بينما يعلم هو ورجال الشرطة مكان راكلادش فلماذا لا يسلمه إلى العدالة حتى لا يعرقل المسيرة الصربية نحو أوروبا؟



البوسنة.. ومأزق القبض على مجرمي الحرب

سمير حسن: البوسنة التي دفعت ثمن الحرب غاليا تدفع أيضا ثمن هروب المتهمين بارتكاب جرائم الحرب فقد علَّق حلف شمال الأطلسي عضوية البوسنة في برنامج الشراكة من أجل السلام وبدء المفاوضات لعضوية الاتحاد الأوروبي على إلقاء القبض على المتهمين بجرائم الحرب بالرغم من أن تحقيق ذلك يتوقف على المسؤولين من جمهورية صرب البوسنة التي تمثل 49% من البوسنة بينما فدرالية المسلمين والكروات التي تمثل 51% مازالت تنتظر الفرج.

بيدي اشيداون – المنسق الدولي للسلام: جمهورية صرب البوسنة وبعد مرور تسع سنوات كاملة مازالت فاشلة في القبض على متهم واحد من الذين تطالب بهم محكمة جرائم الحرب الدولية، هناك تلاعب في بعض وسائل الإعلام بأن ذلك سيتغير قريبا، سوف نرى، دعونا نأمل في ذلك لكن حتى الآن هذا هو الموقف، لم يُلق القبض على متهم واحد.

سمير حسن: فشل أكثر من عشر محاولات لقوات حفظ السلام التي كانت تابعة لحلف شمال الأطلسي أو للقوات الدولية التابعة للاتحاد الأوروبي في القبض على كبار المتهمين دفع هذه المؤسسات إلى إلقاء كرة القبض على المتهمين في ملعب السلطات المحلية.

ياب هوب دي سيفر – الأمين العام لحلف شمال الأطلسي: لن أقبل أي انتقاد للنيتو أو لقوات حفظ الاستقرار فدعونا نحدد مواقع المسؤولية بغض النظر عن المتاح والمفروض، قوات حفظ الاستقرار ألقت القبض على ثمانية وعشرين متهما صرب البوسنة صفر.

سمير حسن: لو كانوا موجودين في مناطق صرب البوسنة لألقينا القبض عليهم، أصبح المبرر المعتاد للمسؤولين الصرب لفشلهم في القبض على المتهمين.

"
يجب التعاون مع لاهاي بغض النظر عن الأحداث السياسية في جمهورية صرب البوسنة والبوسنة والهرسك فقررنا بأن وزارة الداخلية والمؤسسات الأخرى يجب أن تعمل على تفعيل هذا التعاون
"
       دراجن تشافيتش

دراجن تشافيتش – رئيس صرب البوسنة: يجب أن نتعاون مع لاهاي بغض النظر عن الأحداث السياسية في جمهورية صرب البوسنة والبوسنة والهرسك وبغض النظر عن صعوبة ذلك قررنا أن وزارة الداخلية والمؤسسات الأخرى يجب أن تعمل على تفعيل هذا التعاون.

سمير حسن: عشر سنوات مرت على هروب رادوفان كراجتش وراتكم راجتش المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي في البوسنة ولم يُجدِ نفعا عرض الولايات المتحدة مكافأة تقدر بخمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تدل على مكانهما، أما عزل المنسق الدولي للسلام بيدي اشيداون للعديد من السياسيين والمسؤولين في شرطة صرب البوسنة أو تقديم حكومة صرب البوسنة مكافأة تقدر بخمسة وعشرين ألف يورو لأُسر من يسلمون أنفسهم طواعية فكان بمثابة حرف في البحر.

بوريسلاف بارافاتس: كل ما نستطيع عمله هو تشكيل وحدة خاصة لملاحقة المتهمين بجرائم حرب ومحاولة تشجيع المتهمين على تسليم أنفسهم طواعية إلى محاكمة جرائم الحرب الدولية.

سمير حسن: الجهود الحثيثة التي تبذلها كارلا بلبونتي رئيسة الإدعاء في محكمة جرائم الحرب الدولية لمثول جميع المتهمين أمام العدالة لم تشفع لها ولا لمحكمتها عند ضحايا الحرب إذ يظل هاجس التشكيك في فعالية ودور المحكمة مسيطرا على أهالي الضحايا وخاصة الناجين من مذبحة سيربينِّتسا لأسباب عدة.

منيرة سوباتيتش: جميع المجرمين وخاصة كرازيتش وملاديتش نحن كأمهات وضحايا دفعنا ثمن جرائمهم بأرواحنا فإذا حكموا عليهم بالموت وإن كان هذا لن يحدث فلن يكفينا هذا الحكم لأنه قليل عليهم.

تيما مويكيتش: أنا في صدمة، لا توجد عدالة لقد فهمت الآن أننا نحن المسلمين في البوسنة ليس لنا قيمة مثل الأميركيين أو الأوروبيين.

سمير حسن: ازداد الشك في مصداقية محاكمة مجرمي الحرب مع افتتاح محاكم محلية أُرفق بها سجون سيكون السجن فيها لمدة ثلاثين شهرا أقصى عقوبة.

ريتشارد موريون: دعوني أقولها بصوت عالٍ وواضح إن محكمة جرائم الحرب لن تغلق أبوابها قبل القبض على كرازيتش وملاديتش وجوتُفينا.

سمير حسن: وينظر الشارع الصربي سواءً في البوسنة أو في صربيا إلى المتهمين الفارين على أنهم أبطال، أما الذين سلموا أنفسهم طواعية أو اعترفوا بجرائمهم فلم ينجو من الانتقاد.

مواطن صربي: يجب أن يُقتلوا جميعا فلا حاجة لمحاكمتهم، إنهم خائنون للصرب، لقد حملونا مسؤولية الحرب والتطهير العرقي.

مواطن صربي: لقد كانوا أبطالا بالنسبة للصرب لكنهم الآن يقبلون جريمة لم يرتكبوها.

سمير حسن: وفي ظل هروب المتهمين وغياب العدالة على الأرض فليس أمام ضحايا الحرب إلا التطلع إلى عدالة السماء، سمير حسن لبرنامج من أوروبا، سراييفو.

أحمد كامل: شكرا للزميل سمير حسن ولتسليط المزيد من الضوء على ملف مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة وخاصة كبار المجرمين ردوفان كرازيتش وردكو ملاديتش استضيف كلا من السيدين أنتونيو بيرلندا المحلل العسكري الكرواتي والكاتب البوسني السيد محمد حيدروفيتش، أهلا بضيفيّ وأتوجه بالسؤال الأول إلى السيد أنتونيو بيرلندا، عشر سنوات مضت على ملاحقة مجرمي الحرب الكبار خاصة كرازيتش وملاديتش ومازالا أحرارا، من المسؤول عن ذلك؟

أنتونيو بيرلندا: المسؤولية الرئيسية تقع على عاتق السلطات المحلية وتحديدا حكومة صرب البوسنة، زعيما الحرب كرازيتش وملاديتش المسؤولان عن ارتكاب العديد من الفظائع خلال الحرب كانا يعيشان في جمهورية صرب البوسنة ووفق اتفاق دايتون للسلام فإن أول مسؤولية تقع على عاتق السلطات المحلية تتمثل بتقديمهما للعدالة، حكومة صرب البوسنة لم تفعل ذلك وإنما ساعدتهما على البقاء طليقين، لم يكن من الواقع توقع ذلك بعد الحرب، الناس والحكومة في جمهورية صرب البوسنة ما كان ممكنا أن يقبلوا إلقاء القبض عليهما وتقديمهما للعدالة، الكل كان يثق بهما أكثر من اللازم، كانت الحرب قد انتهت لتوها، إذاً جزء من المسؤولية يقع على المجتمع الدولي وحلف الناتو، كانت لديهم السلطة والقوة العسكرية وما يكفي من الجنود على الأرض وكان لديهم التكنولوجيا اللازمة.

أحمد كامل: لماذا لم يفعل الناتو ما يكفي لإلقاء القبض عليهما؟

أنتونيو بيرلندا: بسبب اختلاف سياسات حكومات الناتو في ذلك الوقت، كمحلل عسكري دولي حينها شعرت بأنه لم يكن يوجد نفس الدرجة من الاستعداد لدى الدول المشاركة في القوات الدولية لخوض مواجهة خطيرة لإلقاء القبض عليهما، العديد من الدول لم تكن ترغب بالتضحية بجنودها في عملية كهذه ولم تكن تدرك أيضا أهمية تقديم هؤلاء الأشخاص إلى العدالة لأجل بناء ديمقراطية في هذه البلاد.

أحمد كامل: هل فرصة إلقاء القبض على كرازيتش وملاديتش وباقي مجرمي الحرب أصبحت أكبر بعد أن استلم الاتحاد الأوروبي قيادة القوات الدولية في البوسنة؟

أنتونيو بيرلندا: لا أرى سببا يجعل الفرصة أكبر الآن، أعتقد أنه كان يوجد فرصة أهم عندما كان يوجد عدد كبير من القوات الأميركية هنا في البوسنة حيث كان لديهم مصادر وتقنيات ووسائل استخباراتية وتحديدا طائرات التجسس بدون طيار، لقد رأيت هذه الطائرات في مدينة توزلا تطير وتلتقط صورا دقيقة لما يجري على الأرض، الآن القوات الدولية التي يقودها الأوروبيون لا تملك هذه الوسائل هنا لذلك لا أعتقد أنه يوجد فرصة أكبر الآن، الأمر الآخر هو أن السفارة الأميركية وعدت بمكافأة مالية لمن يشي بكرازيتش وميلاديتش، إذاً الحكومة الأميركية هي التي وعدت بالمكافأة وليس الحكومات الأوروبية.

أحمد كامل: إذاً هل تعتقدون أن الفرصة ضاعت نهائيا لإلقاء القبض عليهما؟

أنتونيو بيرلندا: أعتقد أن الفرصة لم تضع نهائيا، أفضل الفرص سنحت بعد انتهاء الحرب مباشرة، وقتها ضاعت لأن كرازيتش استفاد من الوقت لبناء شبكة تزوده بسيل لا ينقطع من المعلومات حول حركة القوات الدولية، الآن لا يوجد فرص جيدة جدا مثل تلك التي سنحت بعد انتهاء الحرب مباشرة لكنني لا أستطيع القول إن الفرصة ضاعت نهائيا على الأقل لأنه يوجد الآن إرادة سياسية لدى حكومة صرب البوسنة لإلقاء القبض على كرازيتش وميلاديتش أفضل قليلا من فترة ما بعد الحرب مباشرة.

أحمد كامل: شكرا لسيد أنتونيو بيرلندا وأتوجه بالسؤال إلى السيد محمد حيدروفيتش الكاتب البوسني المعروف لأسأله هل هناك مسؤولية على حكومة جمهورية صربيا نفسها؟

محمد حيدروفيتش – كاتب بوسني: هناك مسؤولية رئيسية تقع على عاتق حكومة بلغراد ولكن أيضا وكما قال أنتونيو فإن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق حكومة بونيا لوكا، أقصد أن المسؤولية الأكبر في إلقاء القبض على كرازيتش وميلاديتش تقع على عاتق حكومة صرب البوسنة وبالطبع هناك جانب من المسؤولية يتحمله المجتمع الدولي، علينا ألا ننسى أنه توجد مصالح مختلفة في هذا البلد وتوجد سلطات مختلفة ومتصارعة على الأرض والمجتمع الدولي ليس جاهزا الآن لحل هذه المشكلة بالطريقة التي نحب أن نراها.

أحمد كامل: هناك معلومات عن أن كرازيتش مختبئ في جمهورية الجبل الأسود، ما مدى صدقية هذه المعلومات؟

محمد حيدروفيتش: نعم لديّ مؤشرات حول هذا الموضوع، من المحتمل جدا أن يكون كرازيتش مختبئا في جمهورية الجبل الأسود، ليس فقط لأنها وطنه الأصلي وإنما أيضا لوجود شبكة مؤيدين له يقومون بتخبئته بشكل ممتاز هناك، لقد اختبأ هناك في الجبل الأسود أيضا ولوقت طويل جدا خلال الحرب العالمية الثانية ميخائيلوفيتش المتعاون السابق مع النازية، بكل حال أعتقد أن الأمر لا يتعلق بمسألة عسكرية وإنما هو مسألة سياسية أيضا.

أحمد كامل: شكرا للأستاذ محمد حيدروفيتش الكاتب والمحلل السياسي البوسني، أعزائي المشاهدين نعود إليكم بعد فاصل قصير، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أحمد كامل: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة من برنامج من أوروبا والتي أقدمها لكم من العاصمة البوسنية سراييفو، نناقش في هذه الحلقة ملف مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة وخاصة كبار المجرمين رادوفان كرازيتش ورادكم لاديتش وأعود بالسؤال إلى السيد أنتونيو بيرلندا المحلل العسكري الكرواتي لأعود ما انتهى به السيد محمد حيدروفيتش، قال بأن الملف.. الموضوع سياسي وليس تقنيا.. ليس عسكريا، هل توافقه على ذلك؟

أنتونيو بيرلندا: أوافق على ذلك، إنها قضية سياسية، لم تتوفر الإرادة السياسية عندما كان لدينا هنا أفضل القوات الدولية المزودة بأفضل الوسائل التقنية أي عندما لم تكن توجد مشكلة تقنية أو عسكرية، الآن لم تعد أفضل القوات موجودة ولم يشكل الأمر أولوية بالنسبة للمجتمع الدولي، الدول الغربية تضع أفضل قواتها الآن في الجانب الآخر من العالم وقد وضعت مكانها هنا جنودا عاديين لا يقدمون المزيد من الرشاوى لأشخاص في جمهورية صرب البوسنة ليقدموا معلومات ذات مصداقية حول مخابئ كرازيتش وميلاديتش.



محكمة لاهاي في قفص الاتهام

أحمد كامل: ولكن كيف ينظر الناس في هذه المنطقة إلى عمل محكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا؟

أنتونيو بيرلندا: في البداية ومباشرة بعد انتهاء الحرب كان الأمر مختلفا، لم يكن الصرب يرحبون بعمل المحكمة فيما المسلمون والكروات يعلقون عليه آمالا كبيرة لأنهم كانوا يشعرون بأنهم ضحايا العدوان والفظائع الصربية، كانوا يأملون حقا بأن المتسببين بالحرب وبالمجازر سيعاقَبون في محكمة جرائم الحرب، لاحقا حين بقِي المجرمون الصرب الأهم طُلقاء وتم اتهام مسلمين وكروات فإن الجميع بدؤوا يغيرون موقفهم، بدا الأمر وكأن الكل مسؤول عن وقوع الحرب والتساوي بين الجميع حين ذاك بدأ المسلمون والكروات ينتقدون محكمة لاهاي.

أحمد كامل: ألا تعتقدون بأن المحكمة معادية للصرب؟

أنتونيو بيرلندا: لا.. المحكمة ليست معادية للصرب لأنه يوجد عدد من المسلمين والكروات المتهمين.

أحمد كامل: ولكنه عدد صغير من الناس؟

أنتونيو بيرلندا: نعم هو كذلك ولكن إذا نظرت إلى ما جرى خلال الحرب ورأيت من ارتكب الفظائع الكبرى والمنظمة عندها لن تفاجئ بوجود نسبة كبيرة من الصرب في محكمة لاهاي مقارنة مع الجنسيات الأخرى.

أحمد كامل: شكرا، أتوجه بنفس السؤال إلى السيد محمد حيدروفيتش، هل يعتقد المسلمون في البوسنة بأن هذه المحكمة معادية للصرب أم أنها منحازة إلى طرف دون آخر؟

"
فكرة إنشاء محكمة لاهاي جيدة جدا لكنها تخسر الكثير من الشعبية بسبب بعض التصرفات الغريبة فلم يتوقع البوسنيون أن تكون العقوبات خفيفة إلى درجة تشجع المجرمين
"
      محمد حيدروفيتش

محمد حيدروفيتش: أولا أنا لا أحب استخدام مصطلح المسلمين لأنه برأيي مصطلح ديني محض ولا يعبر تماما عن الواقع، إنني أفضل استخدام مصطلح الرأي العام البوسني وليس الرأي العام المسلم، مصطلح المسلمين خاطئ تماما، الرأي العام البوسني ليس مرتاحا لما يجري في لاهاي وذلك لعدة أسباب، أولا وقبل كل شيء هناك أخطاء فيما يجري على الأرض، مثلا العديد من المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو مجرمو الحرب فعليا يكافؤون على ارتكابهم لهذه الجرائم فجمهورية صرب البوسنة تعطيهم الأموال للذهاب إلى لاهاي، تعطيهم حوالي خمسة وثلاثين ألف دولار إن سلَّموا أنفسهم للمحكمة، هذا يعني أن الجريمة تُكافَأ بشكل جيد في جمهورية صرب البوسنة، هذا تصرف غير لائق وهو لا يعطي صورة جيدة للعالم، ثانيا أود أن أعلق قليلا على ما قاله الضيف الآخر بشأن مشاعر الصرب هنا، الأمر لا يتعلق بمشاعر هؤلاء وإنما بثمرة الضغوط التي مارسها قادتهم لتعبئتهم بشكل متواصل، لقد أفهموا الناس أن محكمة لاهاي ضد الصرب وهذا مخالف للواقع تماما لأنه يوجد العديد من المنتمين إلى المجموعات العرقية الأخرى غير الصرب يحاكمون في لاهاي، يوجد البوسنيون المسلمون ويوجد الكروات إضافة إلى الصرب طبعا، فكرة إنشاء محكمة لاهاي فكرة جيدة جدا لكنها تخسر الكثير من الشعبية بسبب بعض التصرفات الغريبة والمواقف الغريبة، العقوبات خفيفة إلى درجة تشجع المجرمين، هذا ما لم يتوقع البوسنيون أن تفعله محكمة لاهاي.

أحمد كامل: وجود مسلمين وكروات في لائحة المتهمين بجرائم الحرب هل يعني أن المسلمين والكروات والصرب مسؤولين بالتساوي عن الحرب؟

محمد حيدروفيتش: لا.. هذا ليس صحيحا على الإطلاق، هذا انطباع خاطئ تماما، غير صحيح أبدا أن الأطراف الثلاثة الصرب والكروات والمسلمون مسؤولون بالتساوي عن ما جرى وغير صحيح أن ما جرى هو حرب أهلية، المسؤول الأول هو نظام بلغراد في ظل حكم سلوبودان ميلوسوفيتش ووجود صرب وبوسنيين وكروات متهمين في لاهاي لا يعني أن ما جرى في البوسنة والهرسك حرب أهلية، لا هذا غير صحيح، إنه يعني فقط أن أفردا من كل الأطراف ارتكبوا بعض الجرائم في يوغوسلافيا السابقة ولم يكن الأمر حربا متكافئة بين أبناء شعب واحد، أكرر المسؤول الأول عن الحرب هو نظام بلغراد وآمل وأتطلع بقوة أن تتخذ المحكمة الجنائية الدولية الجديدة القرار الصحيح في القضية المرفوعة من البوسنة ضد صربيا، إنها المحكمة المختصة للبت في مسؤولية الحرب وهي ستثبت أن الحرب في البوسنة لم تكن حربا أهلية بل حرب الصرب ضد البوسنيين والكروات وأن هؤلاء لم يرتكبوا فظائع ضد الصرب، ستثبت المحكمة أن الحرب بدأت في بلغراد وصربيا هي المسؤولة رسميا عن ما جرى في البوسنة.

أحمد كامل: هل تعتقدون بأنه يجب أن توضع لائحة نهائية بأسماء المتهمين بجرائم الحرب وأن يوضع وقت لإنهاء هذا العمل؟

محمد حيدروفيتش: توجد بالتأكيد حاجة لوضع لائحة بأسماء مجرمي الحرب لكنني لا أريد أن تستمر عملية الملاحقة من دون تحديد زمن، فبعض مجرمي الحرب النازيين ما زالوا طُلقاء منذ الحرب العالمية والثانية ولن تنتهي عملية ملاحقتهم أبدا، علينا أن نعمل بجد في هذا الأمر.

أحمد كامل: لأجل إتمام المصالحة بين عناصر المجتمع اليوغوسلافي هل هناك حاجة لإتمام هذا العمل بسرعة؟

محمد حيدروفيتش: يجب أولا اعتقال رادوفان كرازيتش ورادكو ميلاديتش ثم يمكننا البدء بالحديث عن الخطوات التالية، الاعتقال يمثل أولوية وحاجة مُلحة وأكرر أن على حكومة صرب البوسنة القيام بهذا العمل بسرعة.

أحمد كامل: السيد أنتونيو هل توافق على أنه يجب إنهاء عمل المحكمة بسرعة؟ وهل عمل المحكمة يكفي للمصالحة بين مكونات المجتمع اليوغوسلافي السابق؟

أنتونيو بيرلندا: من المهم جدا أن ينتهي عمل محكمة لاهاي ومن الأفضل أن يتم الحكم على كبار مجرمي الحرب بأسرع وقت ممكن في لاهاي فيما تتكفل محاكم محلية بمحاكمة المجرمين الأقل أهمية، هذا غير كافٍ للمصالحة وربما يكون تشكيل لجنة للحقيقة والمصالحة أمرا جيدا، هناك تفكير بإنشاء مثل هذه اللجنة لكن المشكلة تكمن في أن المشروع لم يتم تبنِّيه ليصبح سياسة وطنية ثم أن هناك مقدمة للمصالحة لابد منها وهي تحسين الوضع الاقتصادي، عندما تبدأ دول المنطقة بإنشاء علاقات اقتصادية متينة فيما بينها وأيضا تزيل الحدود فيما بينها عندها سيفكر الناس بالمستقبل أكثر من الماضي وأيضا عندما يُعطى الناس عملا سيفكرون بالمستقبل بطريقة أكثر إيجابية وفاعلية وستحتل السياسة مكانة أقل أهمية من ذي قبل، عند ذلك يمكن الحديث عن المصالحة.

أحمد كامل: هل تعتقدون بأن كرازتيش وميليديتش يمكن أن يبقوا طلقاء إلى الأبد؟

أنتونيو بيرلندا: لا أعتقد ذلك رغم نجاحهم في إنشاء شبكة دعم قوية، أرى أن العد العكسي قد بدأ بالنسبة إليهما وسيأتي وقتٌ يقدَّمون فيه إلى العدالة.

أحمد كامل: السيد أنتونيو بيرلندا المحلل والعسكري والكرواتي شكرا لك، السيد محمد حيدروفيتش الكاتب والمعلق السياسي البوسني شكرا لك شكرا لضيفي، أعزائي المشاهدين بهذا تنتهي حلقة هذا الأسبوع من برنامج من أوروبا، نلتقي في الأسبوع المقبل.