- هولندا وتصاعد روح العداء للجالية المسلمة
- المجتمع الهولندي من التسامح إلى التوتر

- المسلمين وضرورة الاندماج في المجتمع الهولندي







أحمد كامل: أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا أقدمها لكم من البيت العربي في مدينة لاهاي الهولندية، بلاد الورد والجمال إحدى أكثر الدول والمجتمعات انفتاحا وتسامحا إن لم تكن أكثرها على الإطلاق، تلك هي الصورة المعروفة تقليديا عن هولندا أو إن شئنا الترجمة الحرفية لاسم البلاد الأراضي المنخفضة لكن شيئا ما تغير في عمق هذه الصورة الوردية، قتل واغتيالات وحرق للمساجد وجهر بالكراهية والعنصرية فما الذي حصل؟ التحقيق التالي من إعداد الزميلين أليسندرا ترونا ولبيب فهمي يحاول الإجابة.

[تقرير مسجل]

هولندا وتصاعد روح العداء للجالية المسلمة

لبيب فهمي: تستضيف هولندا التي يبلغ عدد سكانها خمسة عشرة مليون نسمة مليون مسلم يعيشون منذ أكثر من نصف قرن في ظروف تكاد تكون الأفضل في أوروبا، ألف منظمة ثقافية واجتماعية إسلامية، ثلاثمائة مسجد في مائة مدينة وبلدة، جامعتان إسلاميتان وأكثر من أربعين مدرسة إسلامية تُمولها الدولة، خمسون نائبا مسلما في المجالس المحلية وثمانية في البرلمان الهولندي.

برنارت بوت– وزير خارجية هولندا: لقد كنا دوما متسامحين جدا، إنها إحدى السمات الرئيسية للمجتمع الهولندي فقد استقبلنا جميع الأديان وكل من يعاني من الاضطهاد في العالم.

لبيب فهمي: هولندا البلد المتسامح والمنفتح الذي يتعايش فيه المواطنون والمهاجرون بصورة شبه مثالية بدأ يتغير ببطء، المشكلات الاقتصادية وعلى رأسها البطالة واستفحال ظاهرة الجريمة وفشل سياسات دمج المهاجرين في المجتمع، كل ذلك وغيره من الأسباب دفع عددا متزايدا من الهولنديين إلى النظر بعين الشك وعدم الرضا إلى المهاجرين.

الأمير يوهان فريزو– ابن ملكة هولندا: الهجرة قد تثير شعورا بالتهديد والخوف كما شاهدناه أخيرا في هذا البلد وهو ما يؤدي إلى الصراع والمواجهة وهذا ليس جديدا، إنه قديم من قدم الهجرة نفسها.

لبيب فهمي: الشك تحول إلى خوف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 وبدأ يختص المسلمين من بين المهاجرين.

غيرت فيلدرز- سياسي يميني متطرف: الحكومة الهولندية لم تتعامل بشدة مع الإسلاميين المتشددين فقد تعاملنا لمدة طويلة بتسامح مع هذا الإسلام الفاشي والآن يجب العمل بجدية من أجل مكافحة هذا التطرف.

لبيب فهمي: روح العداء للمهاجرين عموما والمسلمين على وجه الخصوص تحولت إلى تربة خصبة لأحزاب اليمين واليمين المتطرف فصَعدت هذه الأحزاب صعودا لا مثيل له وبات لها رموز تحظى بالشعبية من مثل فورتاين الذي هز الطبقة السياسية الهولندية التقليدية بصعوده السريع وهز هولندا كلها بموته عام 2002 والذي سجل أول حادثة اغتيال سياسي في البلاد المنخفضة منذ خمسمائة عام.

"
كثير من الباحثين والمفكرين الهولنديين اعتبروا أن التسامح كان مسألة سطحية، وأن المشكلات الكامنة تحت السطح ظهرت بعد 11 سبتمبر
"
نصر حامد أبو زيد
نصر حامد أبو زيد– أستاذ الإنسانيات في جامعة هولندا: هو بدأ الموقف يختلف بعد 11 سبتمبر.. يعني وكثير من الباحثين والمفكرين الهولنديين بدؤوا هم أنفسهم يقولون إنه يبدو أن التسامح الذي كنا نفخر به كان مسألة سطحية وإنه تحت السطح كانت كل المشكلات كامنة وظهرت هذه المشكلات الكامنة بعد 11 سبتمبر، طبعا وصول اليمينيين إلى الحكم وأنت تعرف ماذا حدث لفورتاين وإنه كان أصلا خطاب ضد الأجانب بصفة عامة وضد المسلمين بصفة خاصة وتم تلخيص المشكلات التي يعاني منها المجتمع بأنها مشكلات وجود الأجانب.

لبيب فهمي: صفحة جديدة في تصاعد التوتر مثَّلها فيلم سينمائي كتبته نائبة في البرلمان الهولندي من أصل صومالي وأخرجه تيوفان خوخ أو فان خوخ حسب اللفظ الهولندي حفيد الرسام العالمي الشهير، الفيلم يصور تنفيذ عقوبة الجلد وفق النص القرآني الذي خطَّه المخرج على جسد المرأة المعاقبة، الأمر الذي اعتبره كثير من المسلمين إساءة لدينهم.

علي عباس– رئيس مؤسسة عربية في هولندا: فيلم فان خوخ هو إهانة للمرأة المسلمة، هو إهانة لأي امرأة أصلا لأنه فان خوخ ومجموعته بما فيهم إيان هيرسي ألي لم ينتقضوا لم يتعرفوا عن حق المرأة أبدا، كل مقالاتهم وفيلمهم وكل الحملة اللي قاموا فيها هي إهانة للإسلام، إهانة للعنصر الإنساني في الإسلام وما هو نقد على الإطلاق.

لبيب فهمي: الضجة التي أحدثها الفيلم تعود إلى وقع صورته الصادمة أما مضمونه فإنه لا يخرج عن نقد يتكرر باستمرار لنقاط محددة في النص الإسلامي تُعتبر في أوروبا وأنحاء العالم غير الإسلامي إهانة كبرى وخرقا فاضحا لحقوق الإنسان في مقدمتها العقوبات الجسدية كالجلد والرجم وقطع اليد وقتل المرتدين تليها نصوص عدم مساواة المرأة بالرجل في الإرث والشهادة والقوامة، التصعيد وصل إلى قمته باغتيال المخرج الهولندي على يد شاب مسلم من أصل مغربي، حيث اعتبر القتل جريمة ارتكبها المسلمون وباسم الإسلام بحق الهولنديين جميعا.

أحمد أبو طالب– عضو مجلس بلدية أمستردام: عندما يدعي هذا الشاب أنه اغتال فان خوخ باسم الإسلام فإنني أود أن أقول له إنك لا تمثلني شخصيا فأنا مسلم وأدين هذا العمل كما أدعو كافة المسلمين إلى إدانته.

علي عباس: بالتأكيد اغتيال فان خوخ جريمة تدان بدون أي تردد، جريمة مرفوضة وليست من عادات المسلمين أو العرب في هذا البلد أن يصل التعبير عن الغضب أو عن رفض ما تم بهذه الطريقة لكن أيضا من الجريمة أن نقول إن هذه جريمة ارتكبها المسلمون أو العرب أو الجالية المسلمة الموجودة في هولندا.

لبيب فهمي: ومع التهويل الإعلامي الذي صب الزيت على النار قامت مجموعات هولندية متطرفة بحرق عدد من المساجد والمدارس الإسلامية وأُفلت انتقاد المتطرفين للإسلام والمسلمين من عقاله إلى درجة لا سابق لها.

غيرت فيلدرز: قد يبدو سلوك المسلمين في البلدان الإسلامية عاد وطبيعي لكن بعد زيارتي لهذه البلدان لم أجد فيها بلدا يطبق القانون وتُمارس فيه الديمقراطية عبر البرلمان الذي يؤثر على الحكومة لذا فإنني أعتقد أن هناك تناقضا بين الإسلام والديمقراطية على الأقل في المرحلة الحالية.

لبيب فهمي: ووضِعت الجالية المسلمة تحت الأضواء المكثفة وباتت أخطاء صغيرة تُحدث المزيد من الصدمة لدى المواطن الهولندي العادي البسيط.

نصر حامد أبو زيد: وهذا كان شيء يعني مؤسف أيضا.. وزيرة.. بيسميها (Integration) التقت ببعض الأئمة في حوار ومدت يدها سلمت عليهم جميعا ماعدا واحد رفض أن يمد يده، طبعا هذا كان على التلفزيون ففي طبعا ممارسات يعني كثير.. بعض الناس لا يدركون أنهم في مناخ مجتمع متعدد الديانات ومجتمع متعدد الأعراق وإنه يتطلب الأمر خطابا متسعا متسامحا أكثر من الخطاب الذي يمكن أن ينجزه في مجتمع يعني متجانس.

لبيب فهمي: التعبئة العامة تحولت إلى كلمة سر واحدة، لقد كنا متسامحين أكثر من اللازم يجب أن نتغير ويجب أن يتغير المهاجرون.

برنارت بوت: على من يريد الاندماج في مجتمعنا أن يحاول فهم تقاليدنا وديانتنا وطريقة فهمنا للعالم ولا يكتفي فقط بالمطالبة بالضرورة أن نفهم نحن عالمه، يجب أن يكون هناك تفاعل بين الجانبين فالمسألة تخص الطرفين معا وإلا فسيفشل الاندماج وأنا أعتقد أننا كنا حتى الآن متسامحين جدا.

لبيب فهمي: المطلوب من المسلمين هو الاندماج وفي مقدمة معالم هذا الاندماج تعلم لغة البلاد وفك الارتباط بالمؤسسات الدينية في البلدان الأصلية.

"
مواجهة الراديكاليين عبر إغلاق المساجد وطرد الأئمة المتشددين سيكون في صالح الهولنديين والمسلمين المعتدلين
"
غيرت فيلدرز
غيرت فيلدرز: أنا على يقين بأن مواجهة الراديكاليين بشكل متشدد عبر إغلاق المساجد التي يستعملونها وطرد الأئمة المتشددين سيكون في صالح ليس فقط الهولنديين ولكن أيضا المسلمين المعتدلين وسيساعد على التقارب بين الطرفين ومن أجل تحقيق ذلك لابد من الفصل بين المتشددين والمعتدلين من المسلمين.

لبيب فهمي: وكما في دول أوروبية أخرى بدأ الحديث جديا في هولندا عن ضرورة أن يطور المسلمون في أوروبا فهما للإسلام يتناسب مع بيئتهم الجديدة طالما أن التجربة التاريخية الإسلامية تدعم هذا التوجه، بعد العاصفة صدرت تصريحات من ساسة هولنديين تدعو إلى التهدئة ورفع الكثير من العقلاء من الطرفين أصواتهم محذرين من خطر فشل المجتمع المتعدد الثقافات.

فيتر هيلهورست– محلل سياسي هولندي: الخطر الأكبر هو.. يعتبر اغتيال فان خوخ كفشل لمجتمع متعدد الثقافات وهو ما قد يدفع الحكومة الهولندية إلى مطالبة المهاجرين بالاندماج رغما عنهم وفي حال تحول هذه المطالبة إلى برنامج حكومي سيؤدي دون شك إلى رد فعل حاد من قِبل الشباب المغاربة والمهاجرين عموما.

لبيب فهمي: حتى الآن مازال صوت المتشددين من الطرفين أعلى ولم تتحول النوايا الحسنة للقلة إلى أعمال مع أن الوقت يمر بسرعة وكل تصعيد ينقل التوتر إلى مستويات خطيرة يُخشى أن تصل إلى نقطة اللاعودة.

المجتمع الهولندي من التسامح إلى التوتر



أحمد كامل: شكرا للزميلين نبيل فهمي وأليسندرا ترونا ولمعرفة المزيد عن التوتر غير المسبوق الذي تعيشه هولندا أستضيف كلا من الدكتور جبار قادر أستاذ التاريخ المعاصر الباحث والكاتب المقيم في هولندا والسيد أيهن تونجا رئيس مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية، أهلا بضيفي ولأبدأ مع الدكتور جبار قادر وأسأله مباشرة ما الذي يحصل في هولندا؟

"
أرى عبر السنوات العشر الماضية أن هناك اتجاها يميل نحو إثارة التوتر بين مكونات المجتمع الهولندي، خاصة بين السكان الأصليين والقادمين من ذوي الأصول الإسلامية
"
جبار قادر
الدكتور جبار قادر– أستاذ التاريخ المعاصر وباحث مقيم في هولندا: في الحقيقة شهدت هولندا بعد مقتل تيوفان خوخ الكثير من التوتر بين القوى اليمينية الهولندية وبين الجالية الإسلامية، إذا أخرجنا الحادثة من سياقها فهي حادثة اغتيال سياسي وجريمة سياسية مُدانة ولكنها تتميز عن غيرها من الجرائم بأن الطرف الذي قام بالجريمة هو شخص ينتمي إلى المجموعة الإسلامية.. من أصول إسلامية، أعتقد بأن هذه الحادثة بحد ذاتها تشكل حلقة من مجموعة من الأحداث التي شهدتها سواء أن هولندا أو شهدها العالم ولكن من خلال متابعتي ومعايشتي للأوضاع في هذه البلاد أرى خلال السنوات العشر الماضية بأن هناك اتجاها يميل نحو إثارة التوتر بين مكونات هذا المجتمع سواء.. يعني السكان الأصليين والقادمين من ذوي الأصول الإسلامية.

أحمد كامل: كأنكم تقولون بأنه كان هناك شيء في نفوس الهولنديين ولكنهم كانوا يتحرجون في التصريح عنه، ما الذي تغير حتى أصبح الهولنديون أكثر جرأة في التصريح عما في نفوسهم حتى عن أشياء عنصرية؟

جبار قادر: أنا أعتقد منذ نهاية الثمانينات ومنذ الأحداث التي شهدتها أوروبا الشرقية البريستورويكا.. بعد ذلك الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق، حرب الخليج الأولى وإبان الحرب في أفغانستان وفي الصومال وفي غيرها.. أصبحت هناك موجات كبيرة من البشر وخاصة من العالم الثالث أو من المنطقة الإسلامية ترد إلى هذه البلاد وبدأ التخوف أو بدأ الخوف يتزايد مع مرور الزمن من نسبة كبيرة من المسلمين الذين.. أو من الناس الذين يحملون ثقافات.. ثقافة مختلفة كثيرا عن الثقافة الأوروبية أو الثقافة الهولندية لأن هنا أيضا هناك عدد كبير جدا من الأوروبيين المهاجرين إلى هولندا ولكن عادة عندما يجري الحديث عن المواطنين غير الأصليين قلما تجد حديثا عن هؤلاء لأن.. لأنهم يعتقدون بأن هؤلاء ينتمون إلى نفس الثقافة وبالتالي ليست لديهم مشاكل مع ما يسمى بالاندماج في المجتمع الهولندي، الإشكال هو مع الجماعات أو المجموعات البشرية التي تقدم من البلدان الإسلامية من البلدان الشرقية، أقول بأنه منذ بداية التسعينات كان هناك كلام في الخفاء يدور بين الهولنديين ومن خلال مثلا أحاديثنا مع الكثير من الهولنديين كنا نسمع عن هذا الشيء، بأن هناك خوف كثير، بأن هولندا أصبحت مليئة بالسكان، بأن على الحكومة الهولندية وعلى الأحزاب السياسية الهولندية أن تضع حدا لهذه المسألة ولكن مع ظهور فورتاين بدأ الحديث.. يعني رجل أعطى شيء لهولندا هو أنه طالب بأن يجري الحديث عن هذه القضايا بصورة مكشوفة.

أحمد كامل: فإذاً هل تغيرت هولندا؟ هل أصبحت أقل تسامحا وهي البلد الذي كان يعرف على الدوام بأنه أكثر دول العالم تسامحا وأفضلها تعاملا مع الأجانب؟

جبار قادر: أنا أعتقد بأن هناك تغيير حدث وهو في طور التطور أعتقد باتجاهات.. أعتقد باتجاهين مختلفين، اتجاه متطرف يميني وهو التركيز على معاداة الأجانب والتركيز على تحميل الأجانب جميع الآثار الاقتصادية..

أحمد كامل: والبطالة.

جبار قادر: ونسبة البطالة وما إلى ذلك واتجاه آخر يدعو إلى الحوار وأعتقد خلال هذه الأزمة الأخيرة كانت هناك أصوات سواء رئيس الوزراء أو عدد من..

أحمد كامل: المثقفين..

جبار قادر: المثقفين.. من السياسيين دعوا بهذا الاتجاه وهو أننا بحاجة إلى حوار بين هذه الثقافات المختلفة، يجب علينا أن نفهم بعضنا لأن هناك إشكال آخر كبير أعتقد وهو ما يتعلق بمسألة الاندماج بالمجتمع الهولندي، أنا أستطيع أن أزعم بأن لا توجد هناك سياسة واضحة في هذه المسألة.

أحمد كامل: سوف نتحدث عن الحلول والأسباب فيما بعد، دعني الآن أتوجه بسؤال إلى السيد أيهن تونجا رئيس مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية، مجرد هذه التسمية مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية توحي بأن هناك مشكلة بين المسلمين وبين الحكومة الهولندية، هل المشكلة فعلا هي بين المسلمين والحكومة الهولندية أم أنها مشكلة مجتمع؟

"
السياسة التي كانت متبعة قبل الثمانينيات قامت على أساس أن المهاجرين سيعودون يوما ما إلى بلادهم، لكن بعد عام 1985 تحولت سياسات الهجرة بهولندا من التعامل مع عابرين إلى التعامل مع مواطنين
"
أيهن تونجا
أيهن تونجا- رئيس مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية: لا يوجد مشكلة بين الحكومة والمسلمين، هناك مشكلة اجتماعية تتعلق باندماج المهاجرين، نحن نعيش هنا منذ أكثر من أربعين عاما رأينا خلالها سياسات مختلفة لدمج المهاجرين لكننا لم نشعر أننا في بلدنا إلا مطلع الثمانينيات، السياسة التي كانت متبعة قبل ذلك كانت تقوم على أساس أن المهاجرين سيعودون يوما إلى بلادهم، فقط بعد عام 1985 فهم الجميع أنهم سيبقون وتحولت سياسات الهجرة من التعامل مع عابرين إلى التعامل مع مواطنين.

أحمد كامل: تكرر في التقرير عبارة بأن هولندا كانت متسامحة أكثر من اللازم أو أكثر مما ينبغي، هل توافق على أن هولندا كانت فعلا متسامحة أكثر مما يجب؟

أيهن تونجا: البلاد الأخرى تعتبر هولندا بلدا متسامحا جدا، نحن نقر أن هذا كان صحيحا لكنه تسامح خادع ويؤدي إلى إنكار الآخر أحيانا، إذا نظرنا بعمق نرى أننا نعيش بجوار بعضنا وليس مع بعضنا والحكومات أدركت ذلك متأخرة جدا، الخوف من الحديث عن مشاكل المهاجرين كان تسامحا خاطئا وما يجري الآن من تسامح مع الهجوم على المهاجرين والمسلمين خطأ أيضا، يوجد حرية تعبير في هولندا وهذا مكسب لنا جميعا لكنها يجب أن لا تتحول إلى ممارسة للشتم، النقد حق لكن الإهانة شيء معيب وخاطئ المخرج فان خوخ سب المسلمين وعندما يُشتم الإنسان يغضب لكن ليس إلى درجة القتل، قتل الإنسان عمل غير مقبول.. غير مقبول على الإطلاق، يجب أن يعود الجميع إلى الحوار الحر وإلى النقد البناء والمؤدب.

أحمد كامل: هل نفهم من قول السيد وزير الخارجية في التحقيق الذي شاهدناه قبل قليل من أن هولندا كانت متسامحة أكثر مما يجب، هل نفهم من ذلك بأن الحكومات الهولندية سوف تكون أقل تسامحا؟

أيهن تونجا: لقد تغيرت هولندا فعلا كان كل شيء ممكنا ومقبولا، الآن لا تسامح والخطابات النارية تتحول إلى قوانين، مثلا إذا أردت العيش في هولندا يجب أن تتعلم اللغة الهولندية قبل أن تأتي إلى هنا، مع أن المشكلة ليست في اللغة شباب الجيل الثاني مثل الشاب الذي قتل فان خوخ يجيدون اللغة تماما لكنهم يعانون من عدم قبول المجتمع لهم، الحكومة عليها أن تعالج ذلك بحسم، إذا كنت متعلما فمن حقي أن أعمل، كيف يمكن لأن اندمج في المجتمع إذا كان أرباب العمل يرفضون تشغيلي لأنني مسلم؟ يجب استئصال العنصرية والتمييز من المجتمع.

أحمد كامل: شكرا للسيد أيهن تونجا رئيس مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية وأعزائي المشاهدين بعد فاصل قصير نواصل حوارنا هذا، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

المسلمون وضرورة الاندماج في المجتمع الهولندي



أحمد كامل: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة من برنامج من أوروبا والتي تأتيكم من البيت العربي في مدينة لاهاي الهولندية ونناقش فيها التوتر المتصاعد بين المجتمع الهولندي والجالية المسلمة ونعود إلى الدكتور جبار قادر، قال السيد أيهن بأن هناك تقصير من الحكومة الهولندية وهناك تقصير أيضا من المجتمع الهولندي، هل هناك تقصير من الجالية المسلمة نفسها؟

جبار قادر: بالطبع الجالية الإسلامية.. إذا كان بالإمكان في الحقيقة الحديث عن جالية إسلامية لأن الجالية الإسلامية تضم أناسا من مختلف المناطق والبلدان والثقافات المختلفة ولكن من سوء حظ الجالية الإسلامية أحيانا بأن هناك أناس يتحدثون باسمها ويطلقون الشعارات المتطرفة جدا وبالتالي هذه الشعارات المتطرفة حتما تخدم المتطرفين على الطرف الآخر، فإن عادة المتطرفين جميعا يعملون في نفس الإطار وكأنهم يشكلون فرقة سيمفونية.. من هنا كلام متطرف وشعارات متطرفة وتحليلات متطرفة وأحيانا كلام فضفاض، عندما مثلا يأتي رجل دين إسلامي ويتحدث عن قضية يقول كلام فضفاض جدا والإعلام هنا يستغل بعض العبارات الخاصة في كلام هذا الرجل ويحاول أن يعممه على المسلمين.

أحمد كامل: هل يمكن أن نتحدث عن تقصير بشكل خاص من قِبل المنظمات الإسلامية أو لنقل المنظمات التي تتحدث باسم المهاجرين القادمين من دول إسلامية؟

جبار قادر: في الحقيقة هناك منظمات.. مثلا منظمات إسلامية تتحدث بأسم المغاربة وهناك منظمات تتحدث مثل بأسم الأتراك وبأسم مجموعات أخرى وبالتالي لا توجد هناك منظمة تستطيع أن تتحدث بأسم كل المسلمين، يعني أنا شخصيا خلال أربعة عشر عام لا أعرف منظمة إسلامية.. يعني معرفة قريبة، يعني من بعيد أعرف ماذا تعمل هذه المنظمة وما هي آراؤها وما هي منشوراتها ومشاركتها في النقاشات السياسية وبالتالي هذه المنظمات التي تحاول أحيانا أن تطرح الجالية الإسلامية أو الثقافة الإسلامية على المجتمع الهولندي.. طبعا هناك بين هذه المنظمات من تعمل بطريقة جيدة وتحاول أن تخاطب الرأي العام هنا والعقلية الأوروبية ولكن هناك أيضا رجال دين وخاصة رجال الدين المستوردين كما يسمون.. من بلدانهم الأصلية ودون أن يعرفوا شيئا عن واقع المجتمع الهولندي ودون أن يعرفوا اللغة، هؤلاء في كثير من الأحيان بخطاباتهم العنيفة باستخدامهم لعبارات.. نحن في النهاية نعيش في بلد أوروبي ونعيش في ثقافة تتبنى مجموعة من القيَّم المعروفة بالنسبة للحياة.. للأوروبيين بصورة عامة وبالتالي هناك أراء لا يمكن القبول بها في مثل هذه المجتمعات.

أحمد كامل: حتى الآن هل حصل هذا التغيير؟ هل تمت خطوات في هذا الاتجاه أم لا؟

"
المشكلة ليست بين الحكومة الهولندية والجاليات المسلمة، إنما المشكلة اجتماعية بحتة بحاجة إلى حلول لا يمكن أن تاتي إلا من خلال حوار صحي
"
جبار قادر
جبار قادر: أنا أعتقد بأن الجالية الإسلامية أن تحاول.. أيضا أن تتغير بطبيعة الحال، التغير يجب أن يأتي من منطلق معرفة هذا المجتمع، معرفة قوانين المجتمع، معرفة.. تعلم اللغة بدرجة رئيسية لأن اللغة كما نعرف مفتاح لهذه المجتمعات، بدون معرفة اللغة لا يمكن لهذه الجالية أن تطرح همومها ولا يمكن حتى أن تدخل في حوار مباشر مع المجتمع لأن المشكلة كما ذكرنا ليس بين الحكومة وبين الجالية الإسلامية وإنما هي مشكلة اجتماعية وكما قيل هذه المشكلة الاجتماعية بحاجة إلى حلول اجتماعية وهذه الحلول الاجتماعية لا يمكن أن تأتي ألا من خلال حوار صحي، حوار يستمع إلى الآخر وحوار يحاول أن يتعلم من الآخر ويحاول أيضا أن يعطي الشيء الجيد الذي لديه إلى الآخر.

أحمد كامل: أعود إلى السيد أيهن لأسأله بصفته رئيس مجموعة الاتصال بين الحكومة والمسلمين، إذا كانت الحكومة مقصرة وإذا كان المجتمع الهولندي نفسه مقصر هل تقوم المنظمات الإسلامية بكل ما يجب عليها أن تقوم به لتسهيل اندماج المهاجرين ولتحسين فرص التفاهم بين المسلمين والمجتمع الهولندي؟

أيهن تونجا: إننا بحاجة إلى الكثير من الانفتاح والحوار مع المجتمع الهولندي، نحن جالية من المعتدلين والمتطرفون أقلية صغيرة ومع ذلك فهم يمثلون مشكلة لنا وللمجتمع، إنهم يسيئون إلى الإسلام فمن قتل فان خوخ بأسم الإسلام لا يحق له أن يتصرف نيابة عني، لقد أوقع شر كبيرا بينما هو يعتقد أنه يُحسن صنعا، هذا لا يعني أنني أبرر أقوال فان خوخ بالطبع، للأسف هناك قلة تتحدث بأسم الغالبية والإعلام يسلط عليها الأضواء لدرجة توحي أن المليون مسلم كلهم متطرفون، على الأغلبية المعتدلة أن تتحرك وتخاطب الإعلام وعليها أن تحدد لنفسها وللآخرين موقفا واضحا ضد التطرف.

أحمد كامل: في هذا الإطار هناك من يتحدث عن إسلام أوروبي، هل تعتقدون بوجود إسلام أوروبي أو بالحاجة إلى وجود إسلام أوروبي مختلف عن الإسلام الموجود في الأقطار الإسلامية؟

أيهن تونجا: يوجد إسلام واحد لعالم واحد لكن من الممكن أن تكون تقاليد المسلمين في أوروبا مختلفة، القرآن وأركان الإسلام لا تتغير وهي واحدة لكل مسلمي العالم لكن الحياة اليومية ليست واحدة وقوانين الدول التي يعيش فيها المسلمون ليست واحدة ويجب احترامها مع احتفاظنا بآرائنا وعقائدنا.

أحمد كامل: بغض النظر عن الأسلوب الاستفزازي والجارح الذي عالج فيه المخرج فان خوخ مسألة النص الديني، هناك مشكلة حقيقية يواجهها المسلم في المجتمع الغربي وهي العلاقة بنص ديني أحيانا لا يُنفذ ولكنه يُعتبر في الغرب وفي مقاييس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكا لحقوق الإنسان، ماذا يستطيع المسلم في المهجر الغربي أن يفعل تجاه هذا الموضوع؟

جبار قادر: هذا بطبيعة الحال.. يمكن للمفكرين الإسلاميين أن يفكروا في هذا الموضوع ويأتون بتخريجه لكن الذي أفهمه، يجب أن يدرك المسلمون بأنهم يعيشون في بلد فيه فصل الدين عن الدولة.

أحمد كامل: ما هو الشيء المُلِح الذي يجب على المهاجرين المسلمين أن يفعلوه الآن؟

جبار قادر: أنا أعتقد بأنه يعني دعوة رئيس الوزراء الهولندي ودعوة الحكومة الهولندية إلى ضرورة إجراء الحوار هذه الخطوة الأولى وعلى المسلمين أن يدخلوا في هذا الحوار بقلب مفتوح وأن يطرحوا كل ما لديهم على المنضدة، على منضدة الحوار وأن يؤكدوا على مبدأ واحد هو أنه يجب أن لا يلجأ أحد إلى العنف، يجب أن أحاول أن أدحض ما يقوله الآخر بالكلام بالكلمة.

أحمد كامل: نفس السؤال أطرحه على السيد أيهن، ما هو الشيء المُلِح الذي يجب على المسلمين أن يفعلوه الآن حالا في هولندا؟

أيهن تونجا: بشكل عاجل ومُلِح علينا أن نوضح كيف نريد أن نعيش في هولندا، يجب أن يبدأ الحوار فورا، من حق كل طرف انتقاد الآخر دون قيود ألا الاحترام، سياسة الحكومة الهولندية يجب أن تتغير وعلى بعض الساسة مراجعة أسلوبهم في الحديث عن الإسلام والمسلمين، الحل ممكن إذا احترم كل طرف الآخر وقبل الحوار معه واحترم الجميع القوانين والدستور.

أحمد كامل: السيد أيهن تونجا رئيس مجموعة الاتصال بين المسلمين والحكومة الهولندية شكرا جزيلا لك، الدكتور جبار قادر أستاذ التاريخ المعاصر الباحث والكاتب المقيم في هولندا شكرا لك، بهذا أعزائي المشاهدين تنتهي حلقة برنامج من أوروبا لهذا الأسبوع، نلتقي في الأسبوع المقبل.