- تاريخ العلاقات الأوروبية الأميركية
- أسباب تغيّر الأجواء بين أميركا وأوروبا
- دور قضايا الشرق الأوسط في انفراجة العلاقات

- الموقف الأوروبي من دمقرطة الشرق الأوسط




أحمد كامل: أهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج من أوروبا نسلط فيها الضوء على الانفراج المفاجئ في العلاقات الأوروبية الأميركية. طوال عامين وبسبب الحرب على العراق تدهورت العلاقات الأوروبية الأميركية إلى أسوأ مستوى لها خلال ستين عام من التحالف الاستراتيجي، لكن الطرفين يعلنان الآن بأن الخلاف قد طُوِي وبات من الماضي.

تاريخ العلاقات الأوروبية الأميركية

أحمد كامل: التحقيق التالي يستعرض تاريخ العلاقات الأوروبية الأميركية بحثا عن أسباب ودوافع الانفراج الأخير.

[تقرير مسجل]

- من حطام الحرب العالمية الثانية نشأ التحالف الإستراتيجي الأقوى في العصر الحديث بين أوروبا وأميركا، خلال الحرب كان الأوروبيون بحاجة إلى الأميركيين لمواجهة خطر النازية وبعدها كان كل واحد بحاجة للآخر لمواجهة ما سُمِي بالخطر الشيوعي الأحمر، كان من الطبيعي أن لا تواجه علاقة الطرفين أي اهتزاز طوال وجود الخطر المشترك وكان من الطبيعي تململ الجانب الأوروبي بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وحلف وارسو وبعد توحد أوروبا وتحولها إلى عملاق اقتصادي ومثال للتقدم والازدهار والسلام. فَهِمَ قادة العالم الجديد أن القارة العتيقة لا تُسلِم لهم قيادها إلا إذا أحسَّت بالخطر وهكذا نجحوا بإقناعها أن طموحات الرئيس العراقي السابق خطر فخاضوا معا ما سُمي بحرب تحرير الكويت ونجحوا بإقناعها أن بقايا الشيوعية في يوغوسلافيا خطرا فخاضوا معا حربين باسم إنقاذ البوسنة ثم كوسوفو وأخيرا أقنعوها بأن الإسلام الأصولي خطرا فانضمت إليهم في حرب محلية في أفغانستان وفي حرب عالمية لا محدودة اصطلح على تسميتها الحرب على الإرهاب. لكن الإدارة الأميركية فشلت في إقناع الأوروبيين بأن النظام العراقي الضعيف والمحاصر مُكسر الأنياب والأظافر يشكل خطرا عليهم أو على أحد سواهم فكان من الطبيعي أن يدب الخلاف بين ضفتي الأطلسي وكان على واشنطن أن تخوض الحرب وتتحمل نفقاتها وخسائرها لأول مرة منذ ستين عام لوحدها تقريبا بالنظر إلى عدد الدول التي تحالفت معها وبالنظر إلى قدراتها العسكرية والاقتصادية. الخلاف أضر بجانبي الأطلسي وأشعر كل طرف بأنه بحاجة إلى الآخر، أوروبا انقسمت على نفسها وفشلت في منع نشوب الحرب وأميركا خسرت صورتها ومصداقيتها في العالم وافتقدت حلفاءها لإدارة ما بعد الحرب. الواقعية والمصلحية التي هي عماد الحضارة الغربية التي ينتمي إليها الأوروبيون والأميركيون معا فرضت نفسها وجاء الرئيس الأميركي إلى بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ليذَكّر الأوروبيين بالمشترك الذي يجمع ضفتي الأطلسي وليهدئ مخاوفهم التي لم تزول بعد من استفراد أميركي في السيطرة على العالم بدعوتهم إلى العمل معا في القضايا الساخنة. في الملف العراقي اتفق الطرفان على حد أدنى من العمل العسكري المشترك تمثل بتدريب ضباط عراقيين في إطار حلف الناتو ووعد الأوروبيون بموقف أكثر إيجابية في ملف إعادة إعمار العراق.

جان كلود يونكر– الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي: نحيي شجاعة الشعب العراقي ونتائج الانتخابات العراقية التي جرت مؤخرا، سنواصل التزامنا المشترك تجاه العراق، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يقفان معا في دعم الشعب العراقي والحكومة العراقية الجديدة التي ستتولى سلطاتها قريبا، إذا طالبت الحكومة العراقية الجديدة فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية مستعدان لرعاية مؤتمر دولي يكون منتدى لتشجيع وتنسيق الدعم الدولي للعراق.

- بشأن إيران تركت الإدارة الأميركية للأوروبيين مهمة نزع أسنان إيران النووية بالطرق الدبلوماسية لعلها تعفيها من القيام بهذا العمل بطرق أخرى، في القضية الفلسطينية استخدم جورج بوش لغة تشبه إلى حد كبير ما يتمناه الأوروبيون لحل الصراع دون أن يُلزم نفسه بمواعيد أو خطوات محددة لتحويل هذا الحلم الجميل إلى واقع.

"
نجاح الديمقراطية الفلسطينية يجب أن يكون أولوية إسرائيلية
"
جورج بوش
جورج بوش– الرئيس الأميركي: وحدها الديمقراطية تحافظ على أمل الفلسطينيين وأمن إسرائيل وترفع علم فلسطين الحرة، نجاح الديمقراطية الفلسطينية يجب أن يكون أولوية إسرائيلية أيضا لذلك يجب على إسرائيل أن تُجَمْد نشاطها الاستيطاني وأن تساعد الفلسطينيين على بناء اقتصاد منتعش وأن تضمن أن تكون الدولة الفلسطينية الجديدة قابلة فعلا للحياة بأراضي متواصلة في الضفة الغربية، إن دولة بأراضي مقطعة لن تكتب لها الحياة.

- لبنان الملف الجديد الطارئ على العلاقات الأوروأميركية كان هدية توحيدية مفاجأة، باريس وواشنطن يرفعان الموضوع إلى مستوى الأولوليات ويتفقان فيه لأول مرة وإن اختلفت الدوافع، فرنسا تريد الضغط على سوريا وعينها على لبنان أما واشنطن فتريد الضغط على دمشق عبر بيروت وعينها على دمشق.

جاك شيراك– الرئيس الفرنسي: لقد كنت مندهشا جدا من تصميم رئيس الولايات المتحدة ومجموع دول الاتحاد الأوروبي، تصميم لا هوادة فيه على أن ينفَذ القرار الخاص بالانسحاب السوري من لبنان رقم 1559 بشكل فعلي وتحت الرقابة الدقيقة للأمم المتحدة ممثلة في أمينها العام ومبعوثه الخاص السيد رود لارسن، إنني أؤيد كليا ما أكده رئيس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأننا في المجتمع الدولي لا يمكن أن نعتبر الانتخابات المقبلة في لبنان شرعية إلا إذا سبقها تنفيذ للقرار 1559.

- خطاب آخر أطلقه بوش في بروكسل وهو يعلم أن الأوروبيين لا يستطيعون رفضه حيث تحدث بإسهاب وحماس عن دمقرطة وتحرير جيران أوروبا في الوطن العربي دون تسميته طبعا بهذا الاسم.

جورج بوش: الأنظمة التي ترهب شعوبها لن تتردد في دعم الإرهاب خارج حدودها، استمرار الطغيان واليأس في الشرق الأوسط والركود والاستقرار الخادع للديكتاتوريات لا يمكن أن يؤدي إلا إلى كراهية أعمق في منطقة مضطربة أصلا ولكوارث للدول الحرة، مستقبل دولنا ومستقبل الشرق الأوسط مرتبطان، سلامنا يتوقف على أملهم وتطورهم وحريتهم.

- أمام الاتفاق أو التوافق على كل تلك الملفات باتت نقاط الخلاف محدودة جدا بين بروكسل وواشنطن وتنحصر في رفض الإدارة الأميركية مشروعا أوروبيا لرفع حظر تصدير السلاح إلى الصين ورفضها توقيع اتفاق كيوتو لإبطاء وتيرة تدمير الإنسان للبيئة. شروط انفصال توأمي الحضارة الغربية لم تكتمل بعد وعلى من يستعجل هذا الانفصال أن ينتظر وقتا قد يطول.

أسباب تغيّر الأجواء بين أميركا وأوروبا



أحمد كامل: ولمناقشة الانفراج الأخير في العلاقات الأوروبية الأميركية استضيف السيدة بربارة دلكور من معهد الدراسات الأوروبية والسيد أوغ بودوان المحلل السياسي المختص في الشؤون الأوروبية، أهلا بضيفي وابدأ مع السيدة بربارة دلكور لأسألها جورج بوش كان في أوروبا قبل عام الآن الأجواء مختلفة تماما لماذا؟

"
تمكن الرئيسان الفرنسي والأميركي من التفاهم على عدة ملفات مثل الوجود العسكري الفرنسي في ساحل العاج، حيث حصل توافق مصالح بين الجانبين
"
بربارة دلكور
بربارة دلكور- معهد الدراسات الأوروبية: لأنه منذ عام حدثت الكثير من الأمور وتراجعت الخلافات بين بعض الأوروبيين والولايات المتحدة، حصل مؤشر أولي على عودة الدفء لعلاقات الطرفين حتى قبل زيارة جورج بوش تمثلت بموافقة فرنسا على إسقاط جزء كبير من ديون العراق، بعد ذلك أجمعت دول الناتو على عملية محدودة في العراق وعلى إعادة تنظيم قوات الناتو في أفغانستان، كل ذلك مهد لزيارة بوش وقرَّب المواقف وأعتقد أنه لا يجب المبالغة عند الحديث عن الخلافات، حقا كانت هناك أزمة لكن رأينا منذ عام أن جاك شيراك والرئيس الأميركي استطاعا التفاهم على عدة ملفات مثل الوجود العسكري الفرنسي في ساحل العاج حيث حصل توافق مصالح لذلك لا أعتقد أنه ممكن تقديم الانفراج الحالي على أنه معجزة، لقد سبقه مؤشرات عدة تدل على أن العلاقات تتجه نحو التحسن، بالتأكيد كانت الأزمة حول القضية العراقية خطيرة لكن في القضايا الأخرى لم يكن يوجد طلاق بائن بين ضفتي الأطلسي.

أحمد كامل: نفس السؤال أطرحه على السيد أوغ بودوان المحلل السياسي المعروف لأسأله ما السبب في تغيّر الأجواء بين الأوروبيين والأميركيين من عام إلى الآن؟

"
أميركا تدرك أن الاتحاد الأوروبي لاعب رئيسي اقتصاديا، إذ أنه المانح الأول لقائمة من الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا
"
أوغ بودوان
أوغ بودوان– محلل سياسي مختص في الشؤون الأوروبية: إنني أرد الأمر إلى الواقعية، الواقعية فرضت نفسها على الأميركيين وعلى الأوروبيين، في نهاية العام الماضي حصل حدث مهم هو إعادة انتخاب بوش، ربما كانت لدى الأوروبيين وخاصة لدى الفرنسيين آمال بعدم إعادة انتخابه، لكنه انتُخب ولا يمكننا تخيل استمرار نفس علاقات الكراهية بين السيد بوش والسيد شيراك طوال أربع سنوات قادمة، في حين يجب عليهما التعامل مع ملفات عديدة شديدة الأهمية على الأقل الكراهية السياسية غير ممكنة. في الجانب الأميركي سادت الواقعية أيضا وتم الإقرار بأن فرنسا والاتحاد الأوروبي ليس بالضرورة اللاعب الدولي الرئيسي السياسي في كل الملفات لكنه على الأقل لاعب رئيسي اقتصاديا. الاتحاد الأوروبي هو المانح الأول لقائمة من الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا، لقد فهمت الولايات المتحدة ذلك لا أعرف إذا كان ذلك بفضل نصيحة من أحد الوزراء الجدد لكن الرئيس بوش فهم أيضا أنه يجب أن يحصل تغيير على الأقل في الشكل إن لم يكن في الأسلوب. من جهتها فرنسا تعرف أنها ستتعامل مع بوش لأربع سنوات قادمة، فهناك ملفات لا يمكنها الانتظار فهناك ضرورة بأن يغيّر السيد شيراك أسلوبه على الأقل.

أحمد كامل: هل تعتقدون أن هناك تغيّر في إدارة بوش الجديدة باختلاف كبير عن إدارته الأولى أم أنه مجرد تغيير في الوجوه والأسلوب؟

أوغ بودوان: ربما علينا الانتظار فالخطاب هذا ما يزال حتى الآن مجرد خطاب، لا أريد أن أصدق أن القشرة فقط تغيرت، نريد أن نصدق أن المضمون تغير أيضا، لكننا لا نملك حاليا الكثير من العناصر التي تدفعنا للاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأميركية تغيّرت أو غيّرت مضمون سياستها أو سلوكها، ربما تغيرت الأساليب. خطاب تنصيب بوش ولغة السيدة رايس في أول زيارة لها في أوروبا كانا واضحين ومختلفين لكنني لست متأكدا بأن المضمون سيتغير، لنأخذ مثالا البيئة لم نر أي تغيير في تعاطي الولايات المتحدة مع بروتوكول كيوتو أو حتى في خطابها تجاهه، لكنها بالمقابل باتت فقط تقبل الحديث عنه، هذا هو الفارق الوحيد بين إدارتي بوش.

أحمد كامل: نفس السؤال أتوجه به إلى السيدة دلكور، هل تغيّر الخطاب.. خطاب الإدارة الأميركية أم أن إدارة بوش الجديدة مختلفة في مواقفها عن إدارة بوش الأولى؟

"
رأى دبلوماسيون بعدما سمعوا رسالة بوش أن التغيير كان في اللهجة وليس في التوجهات السياسية، حيث ستتواصل نزعته الفردية وعدم ثقته بالأمم المتحدة
"
دلكور
بربارة دلكور: الكثير من الدبلوماسيين الذين سمعوا رسالة بوش والمراقبون يرون أن التغيير كان في اللهجة وليس في التوجهات السياسية، النزعة الفردية التي تؤخذ على الرئيس بوش وإدارته سوف تستمر، عدم ثقته بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية ستتواصل، مع ذلك أنا أعتقد أنه قد حصل تغيير حقيقي فالإدارة أصبحت أكثر واقعية ليس بسبب حصول تغيير في عقيدتها وإنما لأن تجاربها في العراق وأفغانستان كانت كارثية، إلى حد ما الفشل في السياسة الأميركية في أفغانستان والعراق دفع الإدارة الأميركية إلى طلب دعم الاتحاد الأوروبي ومحاولة تصويب سياستها والتخفيف من فشل سياستها الخارجية إن جاز استخدام هذا التعبير.

أحمد كامل: السيدة بربارة دلكور من معهد الدراسات الأوروبية شكرا لكِ، أعزائي المشاهدين نعود إليكم بعد فاصل قصير أبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

دور قضايا الشرق الأوسط في انفراجة العلاقات



أحمد كامل: أهلا بكم من جديد إلى هذه الحلقة من برنامج من أوروبا والتي نخصصها للحديث عن الانفراج في العلاقات الأوروبية الأميركية وأتوجه بالسؤال إلى السيد أوغ بودوان لأسأله عن دور التوافق الفرنسي الأميركي حول الملف السوري اللبناني في هذا الانفراج الحاصل في العلاقات الأوروبية الأميركية عموما؟

"
إلى جانب الملف السوري، هناك ملفات أخرى شهدت تقاربا أوروبيا أميركيا مثل أفريقيا وساحل العاج وتوغو ومنطقة البحيرات الكبرى، حيث أن أميركا وفرنسا تعملان بتناغم
"
بودوان
أوغ بودوان: أعتقد فعلا أن الملف السوري ساعد على تسهيل التقارب بين فرنسا والولايات المتحدة، لنتذكر أن الولايات المتحدة وفرنسا عرفتا تجربة صعبة في لبنان قبل سنوات حين تعرضت قواتهما لهجوميين متزامنين أديا لمئات القتلى الأميركيين وعشرات القتلى الفرنسيين، تجربة ألقت بظلاله لمدة طويلة، مع ذلك لا يجب المبالغة في تأثير الملف اللبناني، هناك ملفات أخرى شهدت تقارب أوروبيا أميركيا مثل إفريقيا، ساحل العاج وتوغو ومنطقة البحيرات الكبرى حيث أن الولايات المتحدة وفرنسا تعملان بتناغم، يمكن أن يتكرر الأمر مع سوريا أي تحالف القوة العسكرية والقوة الدبلوماسية، الفرنسيون ينصحون سوريا بحزم بأن تغادر لبنان لكنهم لا يستطيعون فعل شيء دون أن يدعمهم تهديدا أكثر حزما وأكثر عسكرية لسوريا، أعتقد هنا أن الأميركيين والفرنسيين إذا فهموا أن كل واحد منهم يحتاج الآخر في هذا الملف فإن تقدما سيحصل، أعتقد أن الرئيسين شيراك وبوش فهما ذلك.

أحمد كامل: البعض يقولون بأن الولايات المتحدة تبعت فرنسا في هذا الملف وهناك بعض آخر يقول العكس، يقولون أن فرنسا تبعت الولايات المتحدة في هذا التصعيد تجاه سوريا ولبنان.

أوغ بودوان: لا أعرف إن كان من الممكن القول إن إحدى الدولتين تبعت الأخرى، أعتقد أن هناك مصلحة مشتركة تصادف تزامنها في هذا الملف، نعرف العلاقات القوية التي كانت تربط جاك شيراك ورئيس الوزراء اللبناني السابق المغتال ونعرف مصالح الولايات المتحدة في سوريا والرسائل التي أطلقتها نحوها في الأشهر الماضية، أعتقد أن مصالح فرنسا وأميركا تلاقت لكنني لا أعتقد أنه قد تم التشاور أو قد تم توزيع الأدوار بينهما، الموقف كان مشترك.

أحمد كامل: بالنسبة لملف الشرق الأوسط أيضا اللغة أصبحت متقاربة جدا، لغة الولايات المتحدة واللغة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، هل سوف يصبح للطرفين موقف موّحد ودفع موّحد بنفس الاتجاه أخيرا بعد طول الانتظار؟

بربارة دلكور: بالتأكيد في الملف الفلسطيني يوجد التغيير بين ولاية بوش الأولى والثانية، تذكرون كيف كان الموقف الأوروبي قبيل الحرب في العراق تجاه مكافحة الإرهاب عموما، كان الأوروبيون يقولون يجب إزالة أسباب الإرهاب وليس فقط مظاهره، يجب حل المشكلات التي تسمم العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي وخاصة إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بالمقابل كان الأميركيون يقولون لا.. يجب تغيير الأنظمة العربية الأكثر تسلط وضمن موجه الدمقرطة ستحل مشكلة دمقرطة السلطة الفلسطينية آليا وستسوى الخلافات وستحل الاختلافات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما هو واضح كان يوجد عدم تطابق بين أولويات الأوروبيين والأميركيين، ما نراه الآن هو أن الإدارة الأميركية تهتم بالمشكلة الفلسطينية فعلا، لقد سبق للرئيس بوش أن أعلن بأنه مع دولة فلسطينية، لكن ما قاله في بروكسل شديد الأهمية وهو التشديد على متطلبات حياة هذه الدولة ومن بينها التواصل الجغرافي، هذا التجديد جديدا نوعا ما في خطاب إدارة بوش- تشيني وهو أمر مهم للغاية، إذا ترافق هذا الخطاب بضغوط مهمة على حكومة شارون فإنه من الممكن فعلا كسر جمود هذا الملف ولكسر الجمود تحتاج الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي الذي لا يمثل اللاعب الرئيسي في هذا الموضوع، لكنه لاعب لديه أدوات اقتصادية وسياسية يمكن أن تدفع الطرفين إلى قبول العديد من الأشياء الضرورية لإقامة السلام والأمن في المنطقة.

أحمد كامل: تحدثتِ عن دمقرطة المنطقة.. منطقة الشرق الأوسط، سوف نعود إلى مسألة دمقرطة الشرق الأوسط بشكل أكثر تفصيل إنما نتوقف في هذه اللحظة للإعلان، نعود إليكم أعزائي المشاهدين بعد فاصل قصير ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الموقف الأوروبي من دمقرطة الشرق الأوسط



أحمد كامل: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة من برنامج من أوروبا والتي نناقش فيها الانفراج في العلاقات الأوروبية الأميركية وأعود إلى السيدة دلكور لسألها إن الأوروبيين متهمين دائما بأنهم أقل اهتماما بدمقرطة الشرق الأوسط وهو جاركم القريب من الأميركيين هل توافقين على ذلك؟

بربارة دلكور: لا، الأوروبيون متفقون منذ وقت طويل سواء في خطاب المفوضية الأوروبية أو وزراء الخارجية، هم متفقون على الخطوط العريضة لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الأهداف هي وجود أنظمة ديمقراطية تضمن الحريات الأساسية ودولة القانون واحترام حقوق الإنسان وقبل ذلك تبني اقتصاد السوق الصحيح بشكل يضمن الاستثمارات الأجنبية والتجارة الحرة، إذاً أهداف الاتحاد الأوروبي المُعبَر عنها مثلا في وثائق الشراكة الأوروبية المتوسطية هي نفسها أهداف الإدارة الأميركية وبالتالي المشكلة ليست في القيَّم أو المبادئ أو الأهداف، المشكلة في الوسائل وفي التوقيت، نعرف أن الأميركيين وخاصة المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية مستعجلون جدا، بالمقابل يقول الأوروبيون إن الديمقراطية حركة يجب تشجيعها من الخارج ولكن يجب أن تستند إلى القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية، يجب استخدام الجزرة الاقتصادية عبر اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يجب أن نشجع على الإصلاح لكن لا يمكن تصدير الديمقراطية بالعصا، هذا ما يميز المقاربة الأوروبية عن المقاربة الأميركية، إننا نرفض أن نتخيل اللجوء إلى القوة أو الأدوات العسكرية لفرض الديمقراطية هذا هو على الأقل الخطاب الرسمي للاتحاد الأوروبي، بالطبع يوجد داخل الاتحاد الأوروبي تيارات مختلفة ورؤى متباينة فوجهة نظر بريطانيا مثلا مختلفة عن وجهة نظر فرنسا أو إيطاليا أو السويد، إنما عموما هناك اتفاق أوروبي أميركي على الأهداف وخلاف حول الوسائل والتوقيت.

أحمد كامل: السيد بودوان هل تعتقدون بأنه قد حان الوقت لكي يقوم الأوروبيون بخطوات أقوى لدمقرطة جيرانهم في الشرق الأوسط؟

أوغ بودوان: قد يكون السؤال هل يستطيع الأوروبيون عمل شيء أفضل وليس عمل شيء أقوى؟ عندما نستمع إلى النقاشات داخل المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي وبين وزراء الخارجية ندرك أن لكل واحد منهم أولوياته وأن أوروبا ليس لديها أولوية واحدة، يوجد الكثير من الأولويات وأشعر أن دمقرطة الشرق الأوسط ليست في مقدمتها على المدى القصير، تهتم أوروبا حاليا بما يسمى سياسة الجوار التي تشمل دولا شرق أوسطية وليس سياسة لدول الشرق الأوسط، ثم ماذا يجب أن تشمل السياسة الأوروبية للديمقراطية؟ كما قالت السيدة دلكور قد تكون بدفتر الشيكات أكثر من العصا الغليظة، دفتر الشيكات أداة هامة بيد الاتحاد الأوروبي لا بل إنه أهم الأدوات، لكنها ليست بلا نهاية، هناك أيضا المفاوضات المعقدة للشراكة أو التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودولة ما وهي تتضمن جوانب اقتصادية هامة، حتى عندما نتفاوض على اتفاق مع بلد قريب من أوروبا يكون الجانب المالي صعبا وتكون المفاوضات شرسة، فكيف بك عندما يتعلق الأمر ببلد أبعد؟ هنا أعتقد أنه يجب طرح السؤال هل الأمر مجرد إعلان نوايا حسنة؟ أكرر أن سياسة دفتر الشيكات أداة هامة، لكن ماذا يمكننا أن نفعل أكثر وكيف يمكننا أن نفعل شيئا أفضل؟ أعني أن نحدد أولوياتنا بوضوح.

أحمد كامل: أليس من الخطر على مصالح الأوروبيين أن يتركوا هذا الملف المهم جدا وهو دمقرطة الشرق الأوسط والذي هو في النهاية إعادة تشكيل الشرق الأوسط بيد الأميركيين؟

أوغ بودوان: أعتقد أن أوروبا ليست اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط، ملف هذه المنطقة هو بيد الأميركيين، لا أقول إنهم يتعاملون معه بشكل جيد لكنهم هم من يتعاملوا معه، كيف يمكن لأوروبا أن تشارك في هذه العملية؟ هذا سؤال كبير يطرحه الآن المسؤولون والدبلوماسيون الأوروبيين، وزير الخارجية الفرنسي الحالي وأسلافه دوفلبا وفيدرين ذو المواقف القوية حول هذا الملف يقولون أن الاتحاد الأوروبي ليس طرفا في عملية دمقرطة الشرق الأوسط، يمكن أن يكون طرفا في عملية التنمية وبعد ذلك يمكن أن يكون طرفا في عملية التغيير الشامل الفلسطينيون والإسرائيليون يؤكدون ذلك.

أحمد كامل: أعود على السيدة بربارة دلكور إذاً إذا كان الأوروبيون لا يستطيعون قيام هذه العملية عملية دمقرطة الشرق الأوسط وإعادة تشكيله هل الحل هو أن يشاركوا فيها؟

"
الولايات المتحدة لا تريد لأوروبا أن تنافسها، بل أن تكملها، ولذلك فأميركا تريد من الأوروبيين أو حلف الناتو القيام بالأدوار التي لا تريد هي القيام بها مباشرة
"
دلكور
بربارة دلكور: إذا نظرنا إلى التاريخ المعاصر للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة نلاحظ نمو ظاهرة تقاسم الوظائف على الصعيد الدولي بين الأوروبيين والأميركيين حيث يقوم الأميركيون بشكل منفرد باستخدام القوة دون الاهتمام كثيرا بالأمم المتحدة أو بالشركاء الأوروبيين كما حصل في البوسنه والهرسك ثم في كوسوفو وأفغانستان ثم العراق وبعد استخدام القوة يدعون الأوروبيين والأمم المتحدة أو حلف الناتو لإدارة ما يسمى بأوضاع ما بعد الحرب، الأميركيون يأخذون المبادرة للجوء إلى القوة والأساليب العنيفة لتحقيق أهدافهم ثم ينتبهون إلى أنهم لا يستطيعون أن يديروا لوحدهم الوضع الذي تسببوا بنشوئه فيستنجدون مرة بالاتحاد الأوروبي ومرة بحلف الناتو، على ضوء ما سبق يبدو منطقيا أن الولايات المتحدة تريد من الأوروبيين الحلول محلها أو أن يقوموا هم أو حلف الناتو بالأدوار التي لا تريد هي القيام بها مباشرة، هذه هي النظرة الأميركية للاتحاد الأوروبي وخاصة لسياسته الدفاعية والأمنية، أميركا لا تريد لأوروبا أن تنافسها بل أن تكملها.

أحمد كامل: السيدة بربارة دلكور من معهد الدراسات الأوروبي شكرا جزيلا لكِ، السيد أوغ بودوان المحلل السياسي المعروف شكرا جزيلا لك، شكرا لضيفي، أعزائي المشاهدين بهذا تنتهي حلقة هذا الأسبوع من برنامج من أوروبا إلى اللقاء في الأسبوع المقبل.