جورج غالاوي

نبذ التعصب والطائفية

جورج غالاوي: أود لو ولدت في مستقبل يكون فيه الاستغلال والاحتلال والفرقة والحرب جزءاً من الماضي العابر. في مستقبل يستطيع فيه الرجال والنساء على حد سواء تحقيق ما تؤهله لهم قدراتهم الكامنة أينما ولدوا وتحت أي ظروف عاشوا، اسمي جورج غالاوي. لقد دخل العرب دمي منذ أن عشت في بيروت عام 77 ولم يفارقوني قط، أحببت مطبخهم وموسيقاهم وثقافتهم وطريقتهم في الحياة، أحببت كل شيء يتعلق بهم. لكنني لست من المستشرقين فأنا مع العدل والحق وهذا يضعني في الموقف الذي أنا فيه. لا أنظر إلى الحياة من زاوية عرقية، سألتني ابنتي يوماً حين كانت صغيرة من أي البلاد نحن؟ هل نحن أيرلنديون أم اسكتلنديون أم إنجليز؟ فقلت لها: بلادنا هي المستقبل، وهكذا أنظر إلى الحياة. لدي من القواسم المشتركة مع التونسي الذي يفكر مثلي أكثر مما لدي مع بريطاني لا يفكر مثلي، فبرغم أنني أحمل جواز السفر نفسه أنا وتوني بلير إلا أنه لا يوجد أي شيء مشترك بيننا مطلقاً. تأثرت بالكثير من الأبطال واتخذتهم قدوة لي فمن هوشي منه الذي كان يقاتل الأميركيين أيام نشأتي وكانت تلك مقاومتي الأولى ضد الحرب على الفيتنام، إلى تشي جيفارا الذي أعده بطلاً عظيماً وحالفني الحظ بأن أصبح صديقاً لفيدل كاسترو وصديقاً لأبناء تشي جيفارا، فقد عشت بجوار ابنه في كوبا. كنت ناشطاً ومسانداً لكوبا، وفي مطلع الثمانينات قابلت فيدل كاسترو للمرة الأولى وقابلته مرات عديدة منذ ذلك الحين وألفت كتاب "دليل فيدل كاسترو" فأعددت مرة لقاءً تلفزيونياً معه استمر من الخامسة عصراً وحتى منتصف الليل ولم يتوقف إلا لأن المصور سقط عن كرسيه نائماً وإلا لاستمر فيدل بالحديث، وفكرت لاحقاً في أنه لا يمكن لأحد أن يشاهد برنامجاً تلفزيونياً بهذا الطول، لكن الجميع في هافانا أوقفوني في اليوم التالي ليخبروني بأنهم شاهدوا البرنامج. 

مذيع راديو: جورج غالاوي التالي بعد نشرة أخبار العاشرة جورج مساء الخير، ماذا لديك؟ 

جورج غالاوي: سوف نتكلم عن الاعتداء على الأطفال وسنتحدث عن "جرائم السلاح الأبيض" وبالطبع كيف لنا أن نتجاهل كارثة الانتخابات الفرعية في نوريدج والتي شكلت أزمة جديدة لرئيس الوزراء، إذن هناك الكثير مما سنتكلم عنه مواضيع سياسية وكذلك اجتماعية، كل هذا خلال الساعات الثلاث القادمة.. 

لا توجد شخصية سياسية أخرى في بريطانيا تواجه العامة بشكل أو بآخر بعدد المرات التي أواجههم بها في كل أسبوع، لذا أنا أضع يدي على نبض الشارع وأعرف متى تجري الرياح بما تشتهي السفن ومتى تعاكسها. أهلاً بكم في أكبر البرامج الحوارية معي أنا جورج غالاوي، أعددنا لكم برنامجاً مميزاً لهذه الليلة، إنه في الحقيقة أكبر البرامج الحوارية. 

مناهضة الحصار ودعم العراق 

جورج غالاوي: لم يسبق لي قط أن زرت العراق قبل عام ،1993 وما كانوا ليرحبوا بي لو فعلت لأنني كنت من المعارضين المعروفين لنظام صدام حسين، عرفت بالطبع حربه مع إيران، وعرفت الفكرة المجنونة بغزو الكويت واحتلالها، لكنني كنت ضد فكرة قتل أطفال العراق بسبب تردي العلاقات بين قادة الغرب ورئيس العراق الذي كان في السابق صديقهم المقرب والذي دعموا حربه ضد إيران، كان الجوع متفشياً في العراق عندما وصلت إلى هناك عام 1993 وسمعت امرأة تلد بعملية قيصرية من دون تخدير، سمعت صراخها، الذي لم أسمع شيئاً يشبهه في حياتي كلها، فقاومت الحصار بكل ما أوتيت به من قوة، فحاولت جاهداً رفع الحصار على أساس أن طفلاً عراقياً يموت كل ست دقائق يومياً، يموت حتى قبل أن يعرف أنه عراقي لكنه يموت لهذا السبب وحده لأن سوء طالعه حكم عليه أن يولد في العراق في تلك الفترة. فقررت في عام 99 أن أقود واحدة من حافلات لندن الحمراء من بيج بين إلى بغداد، انطلقت الحافلة تحت اسم مريم حمزة وهي طفلة اكتشفتها في مستشفى صدام ببغداد، لا يفصلها عن الموت بسرطان الدم سوى أيام، أحضرناها إلى بريطانيا وتمكنت من استعادة صحتها وسدد فاتورة المستشفى ملك السعودية الحالي، كنت أحمل مسؤولية سداد فواتير العلاج لهذه الطفلة ولم أكن أملك المال ولا بد لي من أن أوفيه حقه، وأقول أنه لم يتركني أشرح الوضع إلا مدة ثلاثين ثانية، رفع يده بعدها وقال: اعتبر أنه تم دفع هذه الفواتير، كان ذلك في غاية النبل من جانبه. ثم قررنا أن نقود هذه القافلة إلى بغداد لشد الانتباه إلى كل الأطفال الآخرين الذين هم في مثل حالة مريم يتهددهم الموت في العراق.

[فاصل إعلاني] 

جورج غالاوي: عشرة سنوات هي مدة طويلة بما فيه الكفاية، لا لمزيد من العقوبات اتركوا الشعب العراقي يعيش. ليصعد جميع ركاب رحلة بغداد. عندما وصلنا إلى بغداد جاء ثلاثة ملايين عراقي للشوارع ليستقبلوا الحافلة وكان هذا أكبر ترحيب يتلقاه أي بريطاني في أي دولة على الإطلاق في التاريخ، وبقي ماثلاً في الذاكرة. فوجئت بالطبع في ذلك الوقت لقيامي بذلك وقيل إن: "صدام حسين أعطاني ملايين الجنيهات" لكنه في الحقيقة لم يعطني فلساً واحداً، أما الجرائد التي زعمت أنه أعطاني الملايين هي التي وجب عليها في النهاية أن تعطيني ملايين الجنيهات ولله الحمد. برنامج النفط مقابل الغذاء لم يكن يدار من بغداد بل من مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، وأي شخص يتلقى الأموال تحت هذا البرنامج يتلقاها من الأمم المتحدة إلى حسابه المصرفي، وهكذا من السهولة أن نتيقن ما إن كان أي مبلغ مهما كان تافهاً من أموال هذا البرنامج قد وصلني أنا أو منظمتي. 

[نص مترجم من صحيفة] 

غالاوي كان يقبض مالاً من صدام حسب وثائق سرية.

عضو البرلمان الليبرالي كان يقبض 375.000 جنيه إسترليني على الأقل في السنة.

مصدر النقود برنامج النفط مقابل الغذاء.

الوثائق مزورة حسبما يزعم. 

جورج غالاوي: قلت لمجلس النواب الأميركي: كل ما قلتموه عن العراق كان خاطئاً وكل ما قلته أنا كان صواباً فكيف تجرؤون على المثول أمامي، تريدون أن تحاكموني؟ أنا من يجب عليه محاكمتكم. أيها النائب كل الذي قلته أنا عن العراق كان صحيحاً وكنتم أنتم خاطئين، أنتم تحاولون الآن تشتيت الانتباه عن الجرائم التي اقترفتموها بسرقة مليارات الدولارات من ثروات العراق، فلنتأمل معاً الفضيحة الحقيقية لبرنامج النفط مقابل الغذاء. فلنتفحص الأشهر الأربع عشر الأولى التي كانت فيها بغداد تحت سيطرتكم، والتي سرق فيها 8.8 مليار دولار من ثروات العراق تحت أنظاركم. لم أتلق فلساً واحداً بل على العكس بذلت دمي لهذه القضية لأحاول لفت الانتباه إلى العقوبات التي تذبح أطفال العراق، ولم نكن ندري أنه بعد أربع سنوات ستقع مذبحة أفظع. 

[شريط مسجل] 

جورج بوش: أريد للأميركيين ولكافة العالم أن يعرفوا أن قوات التحالف ستبذل كل ما بوسعها لحماية المدنيين الأبرياء من الأذى. ليس لدينا مطامع بالعراق فيما عدا إطاحة التهديد وإعادة زمام الأمور في تلك البلد إلى شعبها. 

توني بلير: لن أعتذر عن الإطاحة بصدام حسين. 

جورج غالاوي: إن إطاحة بغداد لن تكون إلا بداية لسنوات من سفك الدماء والرعب والحرب. حان الوقت لأن تدرك بريطانيا أنها دولة أوروبية وتلعب دورها الكامل في أوروبا وأن يصبح لأوروبا ثقل سياسي واقتصادي وثقافي. أظن أن السيد بلير كان ولا يزال مصدراً أنزيليكياً ليبرالياً مهووساً لطرق المحافظين الجدد، سألته ذات مرة لما يتبع بوش بهذا الشكل؟ فقال: "إن علاقتنا الإستراتيجية مع الولايات المتحدة تتيح لنا أن نسدد لكمات أثقل من وزننا" وهو تعبير مقتبس من عالم الملاكمة ويعني إمكانية تسديد لكمة أثقل مما يسمح به وزنك الفعلي، لكن الحقيقة هي أن العلاقة الخاصة بين الدولتين أشبه ما تكون بعلاقة الآنسة لوينسكي بالرئيس كلينتون علاقة مجردة من الكرامة، وأحادية الجانب ولن أكمل التشبيه أكثر من ذلك لكونكم محطة عربية. 

متظاهرون: اخرج يا توتي. 

جورج غالاوي: حزب Respect أو الاحترام هو الحزب السياسي الذي نشأ عن الحركة المناهضة للحرب، فبعدما طردت من حزب العمال بسبب أشياء قلتها على شاشة تلفزيون أبو ظبي، كنت أجلس في البرلمان بصفتي نائباً مستقلاً، ورأيت أنا وأصدقائي أن لدينا حركة جماهيرية هنا في البلاد ليس لها انعكاس سياسي في البرلمان الغافل عما يجري في الشارع، فالناس حتى قبل أن يكتشفوا ما يعرفونه الآن أن قصة العراق برمتها ما هي إلا كذبة كبيرة وجدوا أنهم مهمشون ووجدوا أنهم بحاجة إلى صوت سياسي يعبر عنهم، فأسست الحزب ونجحت في الانتخابات عندما تغلبت على أحد الشخصيات المهمة في حزب العمال الجديد عام 2005 وأصبحت عضو البرلمان اليساري الليبرالي الوحيد الذي تم انتخابه في البرلمان البريطاني في إنجلترا منذ ستين عاماً.

[شريط مسجل] 

أعلن بموجب ما تقدم انتخاب جورج غالاوي نائباً في البرلمان عن منطقة "غرين آند باو"

الشعوب العربية وإرادة الإصلاح الحقيقية 

جورج غالاوي: سيد بلير هذا النصر من أجل العراق، هزيمتك هذه وكافة الهزائم الأخرى التي مني بها حزب العمال الجديد هذا المساء هي من أجل العراق، فكل الناس الذين قتلتهم وكل الأكاذيب التي رويتها عادت لتقتص منك. بعد ذلك انتخبنا نحو عشرين عضواً في المجالس المحلية في أرجاء البلاد، وعند حلول الانتخابات العامة نأمل أن يزيد عددنا من نائب واحد في البرلمان إلى ثلاثة: اثنين في منطقة شرقي لندن ونائب في برمنغهام حيث نأمل انتخاب أول امرأة مسلمة عضواً في البرلمان ترتدي الحجاب وهي أم لأربعة أطفال إنها واحدة من ألمع نجومنا اسمها سلمى يعقوب ترقبوا صاحبة هذا الاسم لأنكم ستسمعون عنها المزيد في المستقبل. حسناً، شكراً جزيلاً على الرحب والسعة، هذا البرنامج يقوم بتغطية موضوعات لن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام الرئيسة وهو يفعل ذلك بطريقة جديدة، هناك برامج أخرى لن أذكر اسمها تقوم أيضاً بتغطية هذا النوع من الموضوعات، لكنها تفعل ذلك بمعادل بصري مشابه للقنوات العلمية وهذا رتيب. المناوشات الأميركية مع إيران جراء برنامجها النووي بدأت آثارها تظهر بعد أن حذرت هيلاري كلينتون من أنه لم يعد أمام طهران الوقت الكافي لتنتحي وتستجيب لهم، أؤكد لكم أن هذه هي "القضية الحقيقية". آمل أن أصنع فيلماً بطريقة أفلام مايكل مور الوثائقية بعنوان احتلال الشمس، لا أحتاج إلا إلى تمويل بسيط لصنع هذا الفيلم الذي يمكن عرضه في دور السينما في الولايات المتحدة والعالم، لكنني لا أجد من يرغب في تمويلي. وجدت من واقع خبرتي أن العرب الأثرياء لا يعرفون ما يصنعون بأموالهم وأن العرب الذين يعرفون ما يصنعون بالمال لا يملكونه. لو أمكننا افتتاح محطات إذاعة وتلفزيون وإنشاء صحف ولوبي عربي وبالطبع لن أطلب من العرب أن يفعلوا ما في وسعهم أن يفعلوه في دقيقة، لو فرضنا أن دول الأوبك اجتمعت وقالت سنفكر في تخفيض الإنتاج كما حدث في عام 1973 حتى تتوقف الحرب ويصدر حكم دولي قانوني لتحطيم الجدار، فسيتم تحطيمه في ليلة وضحاها لأن الولايات المتحدة وغيرها ستضمن امتثال إسرائيل لهذه المطالب، لأنه لا يمكنهم العيش مع مثل هذا التخفيض. لو أن المملكة العربية السعودية التي تستثمر 3 تريليونات دولار في الاقتصاد الأميركي و3 تريليونات دولار أخرى في البنوك الأميركية أي ست تريليونات في الاقتصاد الأميركي لو أنها لمحت مجرد تلميح إلى أنها ستسحب أموالها من اقتصاد الولايات المتحدة حتى ينال الفلسطينيون العدل، لتغير عندئذ الوضع في لمح البصر صدقوني! حتى لا أطلب منهم هذا فقد عدلت عن طلبي هذا منذ زمن طويل. فقط استخدموا جزءاً من الفائض لديكم لتغيروا الأمور على أرض الواقع في الغرب، يمكنكم فعل هذا لو أردتم. كنت أعرف أنني سأصنع أعداءً أقوياء ومتنفذين وكنت مستعداً لذلك، لكن ما لم أكن أعرفه أنه عند مجيء الأعداء للنيل مني سيتخلى عني الأصدقاء، هذا ما اختبرته فالحكومات العربية من دون استثناء غير مخلصة، فقدت إيماني بالقادة العرب منذ زمن طويل لكني لم أفقده بالشعوب العربية. استيقظوا استيقظوا اجعلوا حكوماتكم تتغير أو غيروا حكوماتكم لا يمكنكم الاستمرار هكذا، يمكن للعرب أن يكونوا قوة عظمى في العالم من مراكش حتى البحرين 300 مليون شخص يتحدثون اللغة نفسها ويعبدون الرب نفسه، كل هذا النفط كل هذا الغاز كل هذه المياه، كل هذه الأرض، كل هؤلاء الناس، كل هذه الثقافة، كل هذه الحضارة والتاريخ ينبغي أن يكون العرب من العوامل المهمة الأساسية المحركة لأحداث العالم، لكنهم بدلاً من ذلك يعاملون بكل ازدراء  وإن أردتم أن تمضوا مائة سنة أخرى على غرار السنوات المائة المنصرمة فلتستمروا في النوم أما إذا استيقظتم فستجدون أن العظمة الكاملة في العالم العربي ستتجسد أخيراً.