جيني تونغ

جيني تونغ: يرتبط الكثير من مشكلات العالم بالظروف التي يحيا فيها البشر وبالصعوبات التي يضطرون لمواجهتها، نحن الشعب البريطاني مذنبون؛ لا أحد يصغي للغرب أو لوجهة النظر العربية الفلسطينية. 

تعليق صوتي: إن جيني مناصر ملتزمة ومتحمسة لحقوق الفلسطينيين وترعى الحملات الداعية للسلام وإنهاء الاحتلال. 

جيني تونغ: هذه هي مشكلة برلماننا، برلمان لا يمتلك القوة، لو كنت جدّة فلسطينية لكنت فكرت في القيام بعملية انتحارية بنفسي، اسمي " جيني تونغ".  انتخبت لعضوية البرلمان البريطاني في عام 1997 بعد أن عملت ثلاثين عاما طبيبة في وزارة الصحة البريطانية وعينت ناطقة باسم حزبي في مجال التنمية الدولية لكن تغيرا كبيرا في حياتي السياسية حدث عام 2003 عندما سافرت مع مؤسسة Christian Aid غير الحكومية لزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة وهناك رأيت الأوضاع المزرية التي يحيياها الناس وبصورة خاصة شهدت الإذلال الذي يتعرض له الفلسطينيين وقنوطهم من المستقبل، عندما عدت إلى المملكة المتحدة دعيت إلى العديد من الاجتماعات للتحدث عن الأوضاع في فلسطين، وبعد نحو سنة أدليت بتصريحات تسببت بخسارتي لموقعي في المقاعد الأمامية في حزبي وغيرت حياتي إلى الأبد لأنني أصبحت بعد إذنْ نصيرة للفلسطينيين، وإلى جانب عملي بالبرلمان في مجال الخدمات الصحية وصحة النساء بصورة خاصة فإنني أكرس نفسي إلى أبعد حد لما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الشرق الأوسط عموما. 

تعاطف مع الانتحاريين الفلسطينيين

جيني تونغ: " لو كنت جدّة فلسطينية لكنت فكرت في القيام بعملية انتحارية بنفسي ما قلته هو أنني لا أدافع عن الانتحاريين، فلا أحد يبرر لهم فعلتهم لكنني أتفهم لماذا يقدم الناس هناك على العمليات الانتحارية، السبب نابعٌ من اليأس وأعتقد أنني لو كنت مكانهم مع أولادي وأحفادي ولم أكن أرى أي بصيص أمل في المستقبل، وأنا لست كذلك لكنني لو كنت في وضعهم لكنت قد فكرت في العمليات الانتحارية". 

اللورد غريفيل جانر/ رئيس مجموعة البرلمانيين البريطانيين اليهود: إن الانتحاريين إرهابيون فهم يقتلون بتحريض من حماس والجهاد الإسلامي، وهم لا يساعدون الناس في كلتا الجهتين على العيش بسلام وأن تبدي عضو في أي مجلسي هذا البرلمان التعاطف معهم فإنّه لأمر مشين!   

جيني تونغ: لقد أثارت تصريحاتي سخط الأوساط السياسية كلها وأخبروني بأن عليّ أن أسحب تصريحاتي، لا يمكنك أن تسحب كلماتك ولا يمكنك أن تقول عودي أيتها الكلمات وعلى أي حال لم أكن أريد الاعتذار عن آرائي لأني قلتها عن قصد لجعل الناس تفهم فداحة ما يحدث هناك وتبيان أن كل ما يتطلبه إيجاد الانتحاريين هو إيمانهم الديني العميق مصحوبا بالذل والإحساس باليأس من حياتهم، والناس الذين زاروا المنطقة بعدها ومنهم من كانوا نقادا لاذعين لآرائي، قالوا لي بعد عودتهم: "حسنا ربما لم نكن لنقول ما قلته أنتِ لو كنا مكانك ولكننا الآن نتفهم دوافعك"، وهكذا لم أستطع سحب تصريحاتي فقام زعيم الحزب بإبعادي عن المقاعد الأمامية لأنني رفضت الاعتذار وبقية الحكاية ليست سوى ماض كما يقولون، أصبحت فلسطين قضية حياتي وشغفي ولن يهدأ لي بال حتى تحل العدالة في فلسطين. 

دعوة لممارسة ضغط دولي على إسرائيل

جيني تونغ: بعد زيارتي الأولى ازداد اقتناعي بضرورة إقناع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعدم تقديم الدعم لإسرائيل، الضغط يمارس دائما على الفلسطينيين والآن يجب أن يمارس على إسرائيل، فعلى سبيل المثال يمكننا أن نقوم بتعليق اتفاقية الشراكة بين الإتحاد الأوروبي وإسرائيل التي تسهم بنسبة ستين في المئة من تجارة إسرائيل مع الإتحاد الأوروبي، وأعتقد أن ذلك سيشكل ضغطا كبيرا على إسرائيل لكنه بالطبع يتطلب موافقة جميع دول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي وهذا أمر صعب وهكذا فإن جميع هذه الأمور صعبة ولكن يجب أن لا يمنعنا ذلك من المحاولة، أعتقد أنه يجب على الحكومة البريطانية أن تتخذ زمام المبادرة وتقول: " يجب أن نفرض حظرا للأسلحة وعقوبات اقتصادية على إسرائيل حتى تتوقف وتبدأ باتخاذ إجراءات فعالة حيال الفلسطينيين". 

اختراق الحصار المفروض لمناصرة أهل غزة

جيني تونغ: رحلتي إلى غزة كانت نتيجة اتصال تلقيته من حملة ينظمها بريطانيون فلسطينيون تسمى "حملة رفع الحصار عن غزة" ولكم سعدت بذلك لأني لطالما قلت للفلسطينيين وللعرب من الدول الأخرى شاركوا في أوساطنا السياسية ونظموا الحملات ومارسوا تأثيركم واجعلوا سياسيين يعتمدون عليكم هذه هي السبيل للتأثير في المنظومة السياسية وفي عقول السياسيين وهذه الحملة كانت تقوم بذلك، كنا سندخل إلى غزة عن طريق معبر رفح في مصر لمقابلة إسماعيل هنية زعيم حماس في غزة وللإطلاع على ظروف الناس هناك، لكن المصريين في اللحظة الأخيرة رفضوا السماح لنا بالدخول من معبر رفح قائلين: إن أغراضنا سياسية وليست إنسانية، وهذا صحيح على ما أظن ولكننا كنا سندخل معنا إمدادات إنسانية أيضا ثم عرضت علينا منظمة "قوارب حرروا غزة الأميركية" التي تسير قاربا صغيرا من لارنكا في قبرص إلى غزة أن توصلنا جميعا إلى غزة إذا أدينا استعدادنا للعبور، كان دخولي إلى غزة إحدى أكثر لحظات حياتي إلهاما وعند وصولنا  كان هناك الكثير من الناس فوق الصخور كان ذلك رائعا شعرنا بالفعل بأن الناس كانوا مسرورين لرؤيتنا وأمضينا قرابة أربعة أو خمسة أيام ثم عدنا من الطريق نفسها وأخذنا معنا مرضى لم يستطيعوا الخروج لانعدام وسائل الموصلات رغم أن لديهم تأشيرات تتيح لهم السفر للعلاج في أوروبا، فالإسرائيليون يسيطرون على المياه في ذلك الجزء من البحر المتوسط وهم دون سواهم يقررون من يدخل غزة ومن يخرج منها، ومع ذلك فهم يقولون أنهم لم يعودوا يحتلون غزة في حين أنهم يحتلونها ويعتصرونها من الخارج حتى الموت ، لا أحد يريد أن يغضب إسرائيل وفي نهاية الأمر إذا أردت تحقيق السلام في الشرق الأوسط فلا بد لنا من إغضاب إسرائيل. 

[فاصل إعلاني]

تنشئة سياسية وثقافة حقوقية

جيني تونغ: ولدت عام 1941 في منتصف الحرب العالمية الثانية كانت أسرتنا سعيدة جدا ومترابطة، وكان والديّ كلاهما معلمي مدرسة ولا بد لي من القول أنهما كانا مهتمين كثيرا بالسياسية، كان جدي مدير المدرسة المحلية وخلفه أبي في ذلك المنصب وهكذا فقد انحدرت من أسرة تمتهن التدريس ولكنها أيضا ذات توجهات سياسية إلى حد كبير وكانت تتجه إلى الحزب الليبرالي والذي يسمى الآن حزب الليبراليين الديمقراطيين، والدي الذي وافته المنية عندما كنت في السادسة عشرة من عمري كان مصدر إلهام لي وكان محبا للنقاش، وكانت والدتي تنزعج وتقول لي ولإخوتي: كفوا عن الشجار، كفوا عن الشجار، وكان والدي يقول أنهم لا يتشاجرون بل يتناقشون وهكذا فقد كان والدي مولعا بالنقاش كثيرا وقد تعرفت من خلاله إلى جونز ستيوارت ميل الفيلسوف العظيم الذي يعد قديس الحزب الليبرالي حيث كان مؤمنا بحرية الفرد للقيام بكل ما يريد ما دام ذلك لا يؤثر في حرية الآخرين، وهذا أمر من الصعب جدا تحقيقه ولكنه لازمني طوال حياتي. درست في مدرسةٍ محلية كانت تتبنى نظام حكومة مدرسية يعتمد على الفتيات في وضع القوانين المدرسية ورفع المقترحات لتسليم مجلس استشاري وهكذا تعرفت إلى العملية السياسية في مرحلة مبكرة جدا من حياتي يبدو هذا مملا قليلا ولكنه مع ذلك طريقة فعالة جدا لتعليم الديمقراطية للناشئين. سافرت إلى مختلف أنحاء العالم ورأيت الأوضاع المزرية التي يعيشها البشر وبدأ غضبي يستعر حيال انعدام حقوق الإنسان في بعض الأمكنة كجنوب السودان لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية هناك، تتأسى عن ماهية عن تلك الروح الإنسانية التي تحث البشر على مواصلة الحياة لا يمكنك أن تتخيل نفسك في ذلك الوضع وتريد مواصلة الحياة ولكنهم واصلوا الحياة وواصلوا الكفاح من أجل أنفسهم ومن أجل أطفالهم. هذه صورتي وأنا أحاول أن أبدو كالأميرة ديانا أمام تاج محل، قامت لجنتنا بزيارة للهند عندما كنا نبحث موضوع المرأة والتنمية ودور المرأة في الدول النامية، هذه الصورة أخذت خلال رحلتنا إلى كشمير الباكستانية آزاد كشمير كنا هنا في خنادق  الخط الأمامي بين آزاد كشمير وكشمير المسيطر عليها من قبل الهند وها نحن ننظر إلى البنادق الهندية مصوبة نحونا. هذه صورة عائلية إنها ابنتي العزيزة والوحيدة التي توفيت بحادث مؤسف نتيجة صدمة كهربائية في مطبخها وأمام ولديها الصغيرين، حدث ذلك في السنة نفسها التي تعرضت فيها لكل تلك المشكلات حول تصريحاتي بشأن فلسطين وإقصائي عن المقاعد الأمامية للحزب كانت ابنتي أول من اتصل بي في ذلك الصباح لتقول لي: إننا معك ونساندك في موقفك، لقد كانت مهتمة جدا بالشرق الأوسط أيضا وكانت وفاتها سببا في تركيزي على موضوع  قوانين السلامة للأدوات الكهربائية في هذه البلاد التي يوجد فيها الكثير من الثغرات القانونية في ظل عدم وجود أي رقابة صارمة على ما يفعله فنيو الكهرباء في المنازل، إنه لأمر صعب بالفعل لأنه إذا لم تكن حريصا فسيصنفونك كسياسي تستحوذ عليه قضية واحدة فحسب وتراهم يحبون أن يقولوا أنها مهووسة بفلسطين، إذنْ عليك أن تحرص على القيام بأمور أخرى أيضا، أنا ناطقة صحية باسم حزبي في مجلس اللوردات وأعتقد بأني أعمل بجد في هذا الجانب ولكني مهتمة أيضا باختصاصي القديم وهو التنمية الدولية وكذلك بالأمومة وصحة المرأة بصورة خاصة التي كانت تخصصي عندما عملت في وزارة الصحة، الكثير من الناس يعرفون أن نصف مليون امرأة يمتن كل سنة أثناء الولادة في الدول النامية لكنهم لا يعرفون أن عشرين ضعفا لهذا العدد يعانون أمراضا وعاهات دائمة، اقتصاد العائلة مدمر أيضا لأن الأمهات يقمن بأعمال كثيرة داخل المنزل وخارجه وبالمحصلة فإن اقتصاد البلاد كله يتأثر لأن نصف القوة العاملة فيه معطلة، أنا لست امرأة ذات قضية واحدة فأنا أهتم بأشياء أخرى ولكن نظرا لما حدث قبل ست سنوات خلال رحلتي الأولى إلى فلسطين فلا أزال أعتقد أن الهدف الرئيس في الحياة السياسية هو أن لا أدع أحدا ينسى ما يحدث في الأراضي المحتلة أبدا. هناك عدد كبير من النساء اللواتي دمرت حياتهن بالفعل ولذلك فقد أجرينا سلسلة من جلسات الاستماع وأصدرنا هذا التقرير تحت عنوان: "هل الأفضل أن نموت؟" وكما قال جميع المتحدثين تذكروا المرأة مهمة جدا للاقتصاد وللدولة وللمجتمع ولكن المرأة مهمة قبل كل شيء للرجل ولا يستطيع الرجل الاستغناء عنها، لا يمكنهم أن يسكتوا صوتك بإخافتك مما يمكن أن يحدث لك إذا قلت الحقيقة أعتقد أن أهم ما يجب عمله هو الحرص على أن يلعب المسلمون في الغرب دورا فاعلا في المجتمع الغربي تعرفون المقولة القديمة "عندما تكون في روما تصرف كما يتصرف الرومان"، ليس من المنطقي أن تأتي إلى بلد وتعتقد أن بإمكانك العمل وتحسين أوضاعك المعيشية لمجرد وجودك فيه من دون أن تكون عضوا فعالا في المجتمع ولذلك عندما تكون في بريطانيا شارك في المنظومة السياسية البريطانية وأظهر للناس أنه لا فرق سواء أكنت مسلما أم مسيحيا أم ملحدا أم روحانيا فأنت لا تزال كائنا بشريا ولا تزال تهتم بحقوق الإنسان وبكل ما هو مشترك بيننا أعتقد أن الأمر كله يعتمد على الناس الذين يأتون إلى هنا وعلى مدى ما يبذلونه من جهود كي يتجاوزوا أي تحيزات قد تواجههم ويبرهنوا على أنهم مثل أي شخص آخر في المجتمع، أنظر إلى المستقبل وأفكر هل هناك مستقبل؟ ولكنني أفكر في أمي وأحفادي يهزؤون بي لأني أتحدث عنها كثيرا وقد كانت أمي تقول ذلك بالفعل عندما اكتشفت أنها حامل بي في الفترة  بين عام 1940 و1941 إذ فكرت كيف أُحضر طفل آخر إلى هذا العالم عندما كانت القنابل تنهمر على المملكة المتحدة وكان يبدو أن هتلر سينتصر وكان السلام العالمي في أسوء وضع، ثم قالت مع كل هذا: أنظري إلى الحياة التي حظيتِ بها لقد ربحنا الحرب ووجدنا مخرجا ورغم الأضرار الكبيرة التي حصلت ورغم أننا لا نزال نعيش الحرب العالمية الثانية نوعا ما فالناس ماضون قدما في حياتهم.