مادس غيلبرت

إيمان بالقضية الفلسطينية

مادس غيلبرت: أنا طبيب مختص بالتخدير وطب الطوارئ، أعيش وأعمل في أقصى شمال الكرة الأرضية، عملت على معالجة ضحايا حقول الألغام في بورما وكمبوديا وأفغانستان وأنغولا وسيرلانكا، وعملت سنوات عديدة إلى جانب الفلسطينيين في فرق التضامن الطبية في مخيمات اللاجئين في لبنان والضفة الغربية وفي غزة، أنا من المؤيدين المتحمسين للقضية الفلسطينية ومع حق الشعب العربي في تقرير مصيره وحقه في العيش بكرامة وإنسانية، اسمي مادس غيلبرت. ولدت في النرويج جنوب أوسلو ثم انتقلت أسرتنا إلى أوسلو وعملت هناك، كانت أمي ممرضة وكان أبي متخصصاً فنياً وقد علمانا أن نفكر وأن نناقش ونوعاً ما تدربنا على فن البلاغة وعدم تصديق الأخبار وما يقوله ذوي النفوذ وأنه يجب البحث عن الحقيقة وراء الكلمات والمصطلحات لاكتشاف ما بين السطور بأنفسنا، كانت أمي تقول لي بغض النظر عن ماهية الموقف الذي تتخذه لا بد لك من اتخاذ موقف معين، يجب أن لا تقف على الحياد بل عليك الاختيار ولطالما قالت لي: إذا اخترت الوقوف إلى جانب الفقراء والمستضعفين فإنك لن ترتكب أي خطأ أبداً. إن قضية غزة ليست كارثة إنسانية بل هي قضية سياسية، إنها قضية احتلال طويل الأمد وغير مشروع في تاريخنا الحديث، وتقوم به أعتى دولة استيطانية على وجه الأرض، لذا أعتقد أن الحوار السياسي يجب أن يستمر من أجل مساءلة حكومتنا عن دعمها الصامت لاستمرار الاحتلال. أصبحت عضواً في اللجنة النرويجية الفلسطينية عام 1967 وفي الحقيقة حصل ذلك عندما كنت قد تطوعت أصلاً للذهاب إلى إسرائيل لمساعدة سكان المزارع الجماعية اليهودية الكيبوتسات خلال حرب 67 لأنني كنت أظن كغيري من النرويجيين أن إسرائيل تتعرض للهجوم وأنها صاحبة القضية العادلة وعلينا دعمها والدفاع عنها. كان ذلك هو الموقف الرئيسي على الصعيد الشعبي وفي أوساط السياسيين فتطوعت وأعلنت أنني سوف أدعم هذه التجربة الاشتراكية، حيث كانت إسرائيل قد قدمت نفسها لنا باعتبارها تخوض تجربة اشتراكية في المزارع الجماعية اليهودية وإلى ما هنالك، فذهبت إلى السفارة وقلت لهم أستطيع الذهاب إلى هناك، فأجريت فصحاً طبياً منحوني إثره ختمهم بالموافقة وفي الأمسية نفسها اتصلت بي إحدى صديقات أختي المقربات وقالت لي: يجب أن أتحدث معك، وأخبرتني قصة الفلسطينيين وفهمت أنني تعرضت للتضليل بسبب الحملات الدعائية الإسرائيلية، فذهبت إلى السفارة الإسرائيلية في اليوم التالي وسحبت طلب تطوعي ثم أصبحت عضواً في اللجنة النرويجية الفلسطينية. بدأت حرب عام 1981 عندما هاجم سلاح الجو الإسرائيلي بيروت الغربية فقام فتحي عرفات الذي كان يرأس جمعية الهلال الأحمر الفلسطينية بتوجيه مناشدة دولية من أجل تقديم الدعم الطبي حيث كان هناك الكثير من القتلى والجرحى وطلب مني إنشاء فريق ضمن اللجنة النرويجية الفلسطينية ففعلت، فأنشأنا أول فريق نرويجي لجراحة الطوارئ لدعم نظام الرعاية الصحية الفلسطيني في بيروت الغربية، ما تعلمته عام 1981 كان له أثر بالغ في نفسي لأن تلك كانت أول مواجهة حقيقية ومرئية لي مع الحرب الحديثة ومع آلة الحرب الإسرائيلية وأساليبها في الحصار وقطع المياه والإمدادات والطاقة وقصف المدنيين ولن أنسى ذلك ما حييت، لم يقتصر عملي وعدد من الاختصاصيين الطبيين في النرويج على العلاج السريري فحسب بل قمنا بتعليم وتدريب موظفي الرعاية الصحية المحليين وقد شعرت بأن من واجبي الاستمرار في دعمهم وفقاً لمتطلباتهم حتى يتعادل قليلاً ميزان القوى ولا أعمل ذلك بدافع الشفقة بل بدافع الاحترام والدعم لهم. عندما يتصل أحد بالطوارئ فعلى الفور يحدد مكان وجود المريض ومن خلال نظرة سريعة يتم تحديد موارد الطوارئ المتاحة في تلك المنطقة ومن ثم يتم تقرير ما إذا كان يجب استخدام مروحة طبية. 

تضامن من أجل كسر الحصار عن غزة

هذه ترابسو المدينة التوأم لمدينة غزة، ترابسو صغيرة يبلغ عدد سكانها 60 ألف نسمة وقد سافرت مجموعة كبيرة تضم مئات المتخصصين الطبيين إلى فلسطين خلال الأعوام الثلاثين الماضية، وعندما عادوا من هناك رووا ما خبروه، إن أكثر ما يزعجني عندما أذهب إلى غزة هو رؤيتي الطريقة المهينة والأسلوب الوحشي الذي يعامل به الكيان الصهيوني الفلسطينيين خلال السنوات الستين الماضية، فهو لا يزال يعاملهم كبشر من الدرجة الثانية لا يمكن لهذا الأمر أن يستمر على هذا النحو، إنها إساءة بحقنا جميعاً ويجب أن لا نهنئ نحن في الغرب بالنوم حتى تحظى الشعوب المظلومة في العالم بحقوقها كبشر مثلنا تماماً يستحقون حياة كريمة ويتمتعون بالميزات نفسها التي نتمتع بها هنا، أستطيع قول بعض الكلمات التي أحتاج إلى قولها بالعربية كي أكون مؤدباً ولأوقظ شخصاً ما من التخدير مثلاً "افتح عينيك افتح عينيك تنفس يلا حبيبي، تنفس like that"، عملت إلى جانب الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين وأكن احتراماً عميقاً للثقافة العربية وأعتقد أن الشعب العربي يمتلك الكثير من الثقافة والكرامة وإذا أردت أن تعلم معنى أن تكون إنساناً هذه الأيام فعليك الذهاب إلى غزة المحاصرة لأن الناس هناك يمثلون إنسانا ذا كرامة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 

بلادي بلادي بلادي     

لك حبي وفؤادي

بلادي بلادي بلادي     

لك حبي وفؤادي

غنينا هذه الأغنية مراراً في شوارع ترابسو خلال مظاهراتنا العديدة التي خرجنا فيها تضامناً مع الشعب الفلسطيني، نحن لا ندعم حماس ولا ندعم فتح ولا ندعم السلطة الفلسطينية بل ندعم الشعب الفلسطيني، لقد اخترت الوقوف إلى جانب الفلسطينيين وسوف استمر في ذلك إلى أن تصبح هناك دولة فلسطينية حرة إن شاء الله. 

[فاصل إعلاني]

مقدمة الحفل/ شيكاغو- الولايات المتحدة الأميركية: المتحدث الأول لدينا هو طبيب نرويجي شهير وهو أحد مؤسسي اللجنة النرويجية الفلسطينية التي تعد أقدم لجنة للتضامن مع فلسطين في أوروبا، وقد شارك في تأليف كتاب "عيون في غزة"، سيداتي سادتي إنه لشرف عظيم أن أقدم لكم الطبيب مادس غيلبرت. 

مادس غيلبرت: السلام عليكم، هذا من ترابسو التي تقع تقريباً في القطب الشمالي وهناك نعيش حياة مرفهة فلدينا الكثير من النفط والغاز، هناك أربعة ملايين و 500 ألف نسمة ولا شيء يعكر صفو حياتنا ولكن فيما مضى تعرضنا للاحتلال من قبل الدنمرك لمدة 400 سنة واحتلتنا السوفييت لمدة 100 سنة، كما احتلتنا ألمانيا لمدة خمس سنين وقد حاربنا جميعاً تلك الدول من أجل أن نصبح دولة مستقلة، لذلك أعتقد أن أحد أسباب حركة التضامن في النرويج يكمن في معرفتنا معنى أن يحارب المرء من أجل الحرية، لا توجد حرية تحت الاحتلال نحن نعلم هذه الحقيقة ومن المؤكد أن الفلسطينيين يعلمونها أيضاً، شكراً، شكراً، أريد أن أصفق للناس في غزة. أعتقد انه من واجب الشعب الأميركي التأثير في حكومته والكونغرس فيما يتعلق باحتلال فلسطين لأنه احتلال غير عادل إن مفتاح الحل بيد الولايات المتحدة. كنت أحتفل بعطلة عيد الميلاد مع ابنتي الاثنتين في ترابسو وفي صبيحة السابع والعشرين من ديسمبر استيقظنا على أنباء القصف وعلى الفور سألتني ابنتاي: هل ستسافر إلى هناك؟ لقد أصبت بالصدمة بسبب الوحشية التي تم بها الهجوم، فخلال الأربع دقائق قذفوا أكثر من 100 قذيفة وعلى الفور بدأت بإجراء الاتصالات من أجل إنشاء فريق طوارئ طبي من الجراحين واتصل بي أخي في النضال إيريك فوسيه وهو جراح قلب من أوسلو حيث كان قد سمع بالأنباء وقررنا السفر معاً. 

معالجة الجرحى أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة

 مادس غيلبرت/ غزة عام 2009: أيها الشاب كيف حالك؟

طفل من غزة: الحمد لله. 

مادس غيلبرت: سوف نكون بمنتهى اللطف معك، أبلغنا وزارة الصحة بقدومنا وتوجهنا إلى مستشفى الشفاء وعملنا فيه طيلة أسبوعين مع الأطباء هناك، مع الأبطال الحقيقيين، أنا وإيريك لسنا أبطالاً بل الأبطال الحقيقيون في غزة ولا يزالون في غزة وهم الأطباء وجميع المتطوعين الذين لم يتخلفوا عن نداء الواجب على الرغم من أن منازل معظمهم تعرضت للقصف وأصيب أقرباؤهم وبعضهم قتلوا، فإنهم وقفوا إلى جانب المرضى، كان الاحتلال يهاجم الفرق الطبية أيضاً يجب أن لا يسمح بذلك لأنها طرف محايد مهمته خدمة الناس، لكن إسرائيل هاجمتها وقصفتها وقتلت سائقي سيارات الإسعاف والمساعدين الطبيين خلال تأدية واجبهم وأثناء وجودهم مع المرضى بالرغم من الأضواء الوامضة لسيارات الإسعاف، أية دولة هذه! ويدعون الديمقراطية ولا أحد يبدي أي ردة فعل، لا تُفرض أي إجراءات عقابية دولية كما يحدث عادة عندما تنتهك الدول الأخرى القانون الدولي بالطريقة التي تنتهكه بها إسرائيل عن قصد وبصورة مستمرة، إنه عار على الغرب أن يسمح لإسرائيل بالاستمرار على هذا النحو. كان الوضع لا يحتمل المزيد من المرضى يتدفقون، اتكأت إلى الحائط أردت أن أتنفس فمشيت نحو النافذة في آخر القاعة فشاهدت أعمدة الدخان تتصاعد في السماء وسمعت صوت القصف وصوت سيارات الإسعاف، لا بد من وضع حد لهذا الأمر، على الجميع أن يعلموا بما يجري، تناولت هاتفي النقال وبعثت بالرسالة التالية: لقد قصفوا سوق الخضار المركزي بمدينة غزة منذ ساعتين، أصيب ثمانون وقتل عشرون وجاء الجميع إلى مستشفى الشفاء، نحن نقبع وسط الناس والدماء والأطراف المبتورة، لم يسبق أن مررت بمثل هذه التجربة الفظيعة في حياتي، انشروا هذه الرسالة بلغوها إلى الجميع، اصرخوا بها إلى الجميع، افعلوا أي شيء افعلوا المزيد فنحن نعيش الآن في كتب التاريخ، بالإضافة إلى المقابلات التي شعرنا بأن من واجبنا إجراءها كي يعلم العالم بما يجري على الأرض كتبنا مقالة طبية، كنت أكتب طوال الليل في الساعات القليلة التي نخلد فيها إلى الراحة، وفي السابع عشر من يناير تم نشر المقالة في مجلة فالوست الطبية المتخصصة وكانت المقالة بعنوان: "داخل مستشفى الشفاء بغزة" وفي اليوم الذي نشرت فيه هاجمها متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ووصفها بأنها أكاذيب واختلاقات وقال كان يجب على مجلة فالوست أن لا تنشر تلك المقالة، الطب بات سياسة لم يكونوا يريدون أن يعرف العالم ما جرى في مستشفى الشفاء وما هي ملابسات هجومهم على ما يسمونه الإرهابيين؟ الإرهابي الحقيقي هو الحكومة الإسرائيلية، إن إستراتيجية الاحتلال الإسرائيلي تقوم على فرضية أن تطبيق مزيد من القوة من شأنه أن يكسر شوكة المقاومة، لكن ذلك لم يفلح قط ولن يفلحوا أبداً في كسر ظهر مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وليس هناك أحد على وجه الأرض يقبل بالاحتلال. 

[مقطع غنائي]

يا ليل ما أطولك

مشيتني حافي

ميزان ما أثقلك

هديت لي كتافي

دابت حشيشة قلبي

لأجلكم دابت

والشعرتين السود يا يما

بروسنا شابوا

والشعرتين الشقر يا يما

 بروسنا دابوا

مادس غيلبرت: السلام عليكم، رمضان كريم، يا أخي أشعر بالأسف لأنك فقدت قدميك، لكنني سعيد جداً لأنك لم تخسر حياتك، يمكنك أيضاً أن تستخدم هذه الأطراف الصناعية، نريدك أن تمشي مجدداً بالعيش حياة سعيدة، وبأن تواصلي الكفاح من أجل حرية فلسطين،  هذا لك، أنتم مثلي الأعلى أنتم شباب الحجارة الأبطال، لا تستسلموا. 

[مقطع غنائي]

صبرت لأنه استوى لحم العصافير

 وحياتك تكبر وتجبر 

والرب يعطيني

جبرا قوية يا يما

 وتكيد عدويني يا بني