ميشيل لولون

ميشيل لولون: ولدت في كنف عائلة فرنسية شديدة الولاء لفرنسا، عائلة كاثوليكية وثيقة الصلة بالكنسية، عندما بلغت سن الشباب قررت أن أكون قسيساً في الكنيسة الكاثوليكية وفي بلد إسلامي، وعندها تبين لي أن المسيحيين والمسلمين رغم الاختلافات الموجودة بينهم تجمعهم روابط عميقة وعلينا العمل سوياً من أجل السلام بين الشعوب من أجل في الشرق الأوسط ولن يكون هناك سلام ما لم تنته مأساة الشعب الفلسطيني، اسمي الأب ميشيل لولون. عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري وقعت الحرب ومعها أحداث مأساة يوليو 1940 التي تركت آثارها على جيل بأكمله واحتلال فرنسا والمقاومة، وأثناء الحرب كان والدي عضواً من المقاومة وكان شقيقي الأكبر حينها ضابطاً شاباً التحق لتوه بقوات الجنرال ديغول وقتل أثناء حرب التحرير، رأيت حينها والدي يعصف بهما الحزن لمقتل ابنهما كان الأمر امتحاناً صعباً بالنسبة لهما لكنهما واجها تلك المحنة بشجاعة، في تلك الأثناء أيقنت أنني سأكون قسيساً في الكنيسة، بعد الحرب ذهبت إلى تونس ولدى وصولي هناك التقيت عائلة تونسية كنت قد تعرفت على ابنهم الذي كان طالباً في باريس، استقبلوني بحفاوة وكانت هذه العائلة قد فقدت هي أيضاً أحد أبنائها الذي توفي شاباً في حادث وما استرعى انتباهي ومع أنني كنت أعلم أنها عائلة تونسية مسلمة وأنها مكلومة بموت ابنها إلا أنها سلمت أمرها إلى الله بأمل وصبر وشجاعة ما أثار انتباهي هو أن ردة فعل الوالدين وفاة ولدهما كانت مماثلة لردة فعل والدي وهنا أدركت أن بين المسلمين والمسيحيين روابط جدُّ متينة.

قسيس في بلد إسلامي

من الكتب المفضلة لدي كتاب الإنجيل "الوصايا والإنجيل" طبعاً وأنا أقرأه كل يوم وبجواره كتاب القرآن أقرأ يومياً القرآن هذه نسخة مترجمة بالنصين العربي والفرنسي وأنا أقرأ النص العربي، أما هنا فلدي كتاب عن الجنرال ديغول كانت لعائلتي علاقة وطيدة بالجنرال ديغول الذي دعانا إلى المشاركة في المقاومة، هذا كتاب عن الموسيقار موزارت وما أجده زميلاً حوله هو أنه موسيقاه تعبر بشكل دقيق عن الحب الإنساني وعن الحب الإلهي أيضاً، عندما كنت في الخامسة عشر أو السادسة عشر من عمري شاهدت فيلماً عن الأب دو فوكو وكان بعنوان "نداء الصمت"، أعجبت كثيراً بالأب دو فوكو الذي ولد هو أيضا وسط عائلة كاثوليكية لكنه ابتعد لاحقاً عن الكنيسة وعن العقيدة، لقد كان نوعاً ما منقطعاً عن الكنيسة، وعندما أُبتعث إلى الصحراء المغربية في رحلة استكشافية انبهر جداً بصلاة المسلمين كان متأثراً جداً لدى رؤيته المسلمين وهم يؤدون الصلاة الأمر الذي جعله يعيد التساؤل حول الله، ثم عاد بعد ذلك إلى باريس والحقيقة أنه أعيد إلى عقيدته الكاثوليكية بعد لقائه بالمسلمين وهذا ما أثار إعجابي ولهذا السبب أردت أن أكون قسيساً في بلد إسلامي وقد قيل لي إذا أردت أن تسلك نهج الأب دو فوكو فما عليك سوى الالتحاق بأخوية الآباء البيض الذين يبدون اهتماماً بالعالم الإسلامي وهكذا انتسبت إلى الآباء البيض في تونس. 

الحوار الإسلامي المسيحي

لم أكن أعرف الكثير عن الإسلام في ذلك الوقت كان الحديث عنه قليلاً في وسطنا الأوروبي كنا نتحدث عن الإسلام بشكل أقل من ما نفعل اليوم، وكنا نتحدث عنه في الغالب بصيغة انتقادية لقد كنا نعتبر في الوسط الأوروبي أن الإسلام ديانة قدرية ومتشددة وهكذا سعيت لاكتشاف الإسلام في البداية عبر بعض الأصدقاء في تونس ولاحقاً عبر بعض الكتب، كنا نجري دراسات بما أن المسؤولين طلبوا مني أن أجري دراسات عربية وإسلامية في الجامعة وأنا أشكرهم على ذلك، كانت تلك الدراسات تشمل القرآن والفكر الإسلامي والفلاسفة والمفكرين المسلمين من الماضي والحاضر لأن الحضارة الإسلامية ثرية جداً وهكذا اطلعت على فلسفة الغزالي هذا المفكر العظيم وجدت أنه خلال العصور الوسطى في الحقبة ذاتها تقريباً كان الغزالي والقديس توما  الأكويني بدون أن يعرف أحدهما الآخر قد تطرق الاثنان إلى مسألة الحياة البشرية والموت والقيم الروحية والقيم الأخلاقية عبر مواضيع متقاربة جداً، لقد كنت محظوظاً جداً إذ سنحت لي الفرصة بأن أبدأ حياتي الدينية في تونس في معهد الآداب العربية وهو معهد أسسه الآباء البيض في العام 1930 أسسه الأب أندري دومرسان الذي كان يجيد اللغة العربية حيث راودته فكرة لامعة بإنشاء مركز ثقافي يشمل مكتبة ومجلة حتى يستطيع الآباء البيض الذين كانوا يتوافدون إلى تونس ممارسة شعائرهم المسيحية هناك وحتى يتعرفوا على الديانة الإسلامية والثقافتين العربية والتونسية وصولاً إلى الثقافة العالم العربي وهذا قضيت عشرين سنة من حياتي في معهد الآداب العربية، سافرت بعد ذلك إلى الجزائر لإجراء دراسات عليا في الأدب العربي وفي الجزائر أتذكر جيداً عندما وصلت إلى الجامعة وكان ذلك قبل عام من قيام الثورة مع نهاية الحقبة الاستعمارية وكنا نشعر حينها بحجم التوتر المخيم آنذاك على الوسط الجامعي عندما دخلت إلى قاعة الجامعة وكنت ألبس ثياباً بيضاء كما هو حال الآباء البيض في تلك الفترة، أحسست أن هناك مجموعتين من الطلبة يحدقون إلى من جهة فرنسيو الجزائر ومن الجهة الثانية المسلمون الجزائريون، في تلك الفترة للأسف كان الوضع محتدماً بين أنصار الجزائر الفرنسية والطلبة الجزائريين الذين كانت أغلبيتهم من الوطنيين المؤيدين للاستقلال وأحسست بنظرات الارتياب التي كانوا يرمقونني بها أظن أن الفرنسيين اعتقدوا أنني أحد القساوسة التقدميين المناهضين للاحتلال، فيما المسلمون نظروا إلي على أنني مبشر جئت لأدعوهم إلى النصرانية، كان في نظراتهم ارتياب حيال قسيس يضع صليباً وقد جاء إلى الجزائر في توقيت كانت الأحداث فيه جداً خطيرة، وفجأة حدث أمر بقي عالقاً في ذاكرتي حين اقترب مني شاب جزائري مسلم غدا صديقاً عزيزاً فيما بعد واسمه علي مراد وقال لي: أيها الأب مرحباً بك بيننا ثم جاء بعد ذلك بعض الفرنسيين لتحيتي ولاحقاً كونا مجموعة صغيرة في جامعة الجزائر قبل اندلاع ثورة الجزائر ببضعة أشهر، كانت مجموعة صغيرة من أجل الصداقة بين المسيحيين والمسلمين ومن خلالها بدأنا نتناول النقاط المشتركة بيننا ونفكر سوياً في الأحداث التي كانت ستحدث لاحقاً، تم استدعائي إلى باريس من أجل تأسيس أمانة عامة في كنيسة فرنسا من أجل الإسلام، وكنت أول مسؤول يعين بها تحت سلطة الأسقف في تلك الفترة كان الكثير من الناس لا يرون أهمية للإسلام في فرنسا، لقد كان الإسلام في فرنسا غير منظم على عكس ما هو عليه اليوم، كان علي من جهة مساعدة الكاثوليك في التعرف على الإسلام واحترامه والعمل مع المسلمين وفي الوقت ذاته كان علي التواصل مع المسلمين في فرنسا والمساجد والجمعيات وهو الأمر الذي كان يمثل بالنسبة لي اكتشافاً جديداً، اكتشاف المسلمين في فرنسا الذين بدءوا حين ذاك باتخاذ طابع منظم.

[فاصل إعلاني]

جنول صديقي/ مدير معهد الغزالي بمسجد باريس: الأب ميشيل لولون في أول لقاء معه في هذا المسجد مسجد باريس الكبير أعجبت بهذا الرجل الذي يتكلم اللغة العربية والذي هو متهم بقضية الحوار تعاوننا من هذا الباب كيفية التعايش في مجتمع علماني من فضل الأب لولون وأمثاله توصلنا إلى أن يكون للإنسان ديناً مقبول رسمياً. 

هنري بوتوي/ مدير دار نشر " كتبي": آه أيها الأب كيف حالك؟ 

ميشيل لولون: شكراً مرحباً. 

هنري بوتوي: مرحباً، أعتقد أنك تحمل معك مخطوطك، آه رائع هل تعلم ما هذا؟ إنها أكثر اللحظات أهمية بالنسبة للناشر. 

ميشيل لولون: وبالنسبة للكاتب أيضاً. 

هنري بوتوي: رائع تفضل بالجلوس، إصدارات الكتب هي دار نشر حديثة هدفها التعريف بالإمبراطورية الإسلامية انطلاقاً من حدود الصحراء الإفريقية حتى إندونيسيا ومروراً بالمغرب والمشرق، الأب ميشيل لولون الذي نذر حياته لقضية العلاقة بين الإسلام والمسيحية تم تكليفه بتأليف هذا الكتاب "الباباوات والإسلام" وهو عبارة عن مجموعة مختارات أدبية عن كل ما قاله الباباوات عن الإسلام بدءًا من البابا بولص السادس وبفضل هذا الكتاب يوجد لدينا كم من المراجع التي تمنعنا من قول أشياء خاطئة عن الإسلام وهذا أكيد أمر جيد. 

انتهاك إسرائيل للقانون الدولي

ميشيل لولون: الكتاب الذي تحدثت فيه عن القدس هو كتاب ألفته غداة انعقاد ندوة بمقر اليونسكو ورأيت أن من المهم إطلاع الأوروبيين على هذه الندوة وبأن قضية القدس هي قضية محورية وأن القدس مدينة مقدسة ليس لليهود فحسب وإنما للمسيحيين أيضاً وكذلك للمسلمين، الفاتيكان لا يتعرف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل نظرياً هذا هو موقفه وبناءً على ذلك فإن موقف الفاتيكان صحيح فهو لا يعترف بأن القدس عاصمة أبدية لدولة واحدة، أتمنى أن يعلن الفاتيكان موقفه بشكل أفضل، لكن يجب الاعتراف وأنا أعلم ذلك وآسف له بأن العديد من الأساقفة الأوروبيين والمتحدثين باسم الكنائس الأوروبية ليست لديهم الشجاعة لقول ونشر رسالة أساقفة الشرق الأوسط، بالنسبة إلي القضية الفلسطينية هي جوهر حياتي وسأقول لك لماذا؟ هناك سببان سبب شخصي وربما سياسي أكثر والسبب الثاني عقائدي، السبب السياسي هو أنه عندما كنت في السادسة عشر من عمري واحتلت ألمانيا فرنسا عانت عائلتي كثيراً بسبب الحرب وأنا أعرف ماذا يعني الاحتلال؟ لأنني شهدت الاحتلال وتعرضت للمعاناة الجسدية والنفسية وأتفهم عندما يكون بلد ما تحت نير الاحتلال لذا فأنا أتفهم موقف الفلسطينيين. إن دولة إسرائيل تنتهك القوانين الدولية فهي تحتل الأراضي ضاربة بعرض الحائط قرارات الأمم المتحدة كما وأنها تحتل القدس ليس فقط كاحتلال وإنما تزيد مساحة تهويد القدس وهذا منافٍ تماماً للقوانين والأعراف الدولية، إذن ماذا تتنظر منظمة الأمم المتحدة والقوى العظمى والاتحاد الأوروبي وفرنسا والعالم العربي لفرض احترام القوانين الدولية؟ وعليه فإن استمر هذا الاحتلال فلن يكون له سلام في الشرق الأوسط، أما من الجانب العقائدي فإن على أصدقائنا اليهود وهم كثر ويدركون جيداً أنهم إذا أرادوا أن يخلصوا للقيم اليهودية فعليهم أن لا يقبلوا الوضع كما هو عليه في فلسطين وبالمناسبة لقد عانى اليهود هم أيضاً خلال الحرب العالمية الأخيرة ولقد كنت شاهداً على معاناتهم ولقد ناضلنا من أجلهم حينها، إذن اليهود الذين عاشوا المعاناة عليهم أن يفهموا أنه لا يحق لهم أن يعذبوا شعباً آخر فإنني أقول أنه لنفس الأسباب الأساسية ومن أجل العدالة ومن أجل احترام الإنسان علينا أن نحارب دولة إسرائيل، لم تتسن لي الفرصة لزيارة فلسطين لكنني أتمنى زيارتها عندما تكون فلسطين حرة، أعتقد أن دور رجال الدين هو الشهادة على ما يجري ودعوة السياسيين لانتهاج سياسة عادلة وفي نفس الوقت الدعوة إلى بسط العدالة عبر التنديد الكراهية والدعوة إلى التصالح، ولكن للأسف هناك في بلداننا الأوروبية الآن اتجاه قوي في الأوساط الثقافية والإعلامية وحتى السياسية لاتهام أولئك الذين يطالبون بالعدالة في فلسطين وينتقدون دولة إسرائيل بمعاداة السامية ويصفون الذين يدافعون عن القضية الفلسطينية بأعداء السامية، وأنا أجد هذا الأمر غير مقبول إنه أمر خطير حتى أنه تم سن قانون في بعض المحاكمات ضد الشخصيات التي انتقدت إسرائيل يتهمونهم فيه بمعاداة السامية لحسن الحظ أنه تم إطلاق سراح معظم هؤلاء المحاكمين، أنا شخصياً تعرضت للاتهام منذ حوالي 30 سنة قمت ومجموعة من الأصدقاء بتوقيع نص في جريدة لاموند شجبنا فيه السياسة الإسرائيلية وتآمر بعض المثقفين الأوروبيين مع دولة إسرائيل فوجه إلينا اتهام وذهبنا إلى المحكمة وتمت إدانتنا بمعاداة السامية غير أن الحكم صدر لصالحنا، أما الآن ولحسن الحظ فلا يمكن إدانة من ينتقد دولة إسرائيل بمعاداة السامية وهذا أمر مهم لأن بعض الصهاينة للأسف يستخدمون هذه الذريعة لإخافة الناس وإسكاتهم، إنني أعتقد بأن المسلمين والمسيحيين من اللازم أن يجمعوا جهودهم في سبيل المحافظة على القيم الروحية والدينية والأخلاقية، ومن اللازم كذلك أن المسلمين والمسيحيين يجمعوا جهودهم في سبيل الحق والعدالة والسلام بين الشعوب في العالم كله وخاصة في الشرق الأوسط والله يهدينا  كلنا في هذه الطريق.