روبرت ويسنوفسكي

روبرت ويسنوفسكي: أنا مختص بتاريخ الفلسفة الإسلامية، ولدت في نيويورك ونشأت في منطقة برنستون في ولاية نيوجيرسي، درست في المرحلة الثانوية اللغة اليونانية القديمة وفي جامعة ييل بدأت بدراسة العربية الفصحى والتاريخ والدين الإسلامي، وبعد أن عملت في باكستان وإندونيسيا وماليزيا عدت إلى الحياة الأكاديمية من جديد، ودرست في جامعة هارفارد لثماني سنوات، ثم شغلت منصبي الحالي في جامعة مكغيل كأستاذ للفلسفة الإسلامية عام 2004، أقود حالياً فريقاً دولياً يعمل على إنشاء دليل لقاعدة بيانات تضم أعمال الفلسفة الإسلامية التي تم إنتاجها في الفترة ما بين العصور الوسطى والعصر الحديث ونأمل أن يساهم هذا الجهد في رسم صورة أكبر دقة واكتمالاً للحضارة الإسلامية،My name is Robert Wisnovsky .

رؤية في تراث العرب الفلسفي الإسلامي

روبرت ويسنوفسكي: أعتقد أن العلوم والفلسفة العربية والإسلامية لم تحظ بما تستحقه من التكريم وهذا يعود في جانب منه إلى الموقف الذي خلُّفه ورائهم باحثو العصر الفيكتوري والذي يرى بأن الفلسفة والعلوم كانتا على الدوام أنشطة هامشية جداً في الحضارة الإسلامية إلى درجة التشكيك بوجودهما أصلاً، إذ رأى أولئك الباحثون بأن الفلسفة والعلوم وجدا في الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ثم اختفيا بعد ذلك، ووفقاً للرواية الغربية فإن الفلسفة جاءت إلى أوروبا وحظيت هناك بترحيب أكبر وبالطبع كانت هناك دراسات منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن لفلاسفة مثل ابن رشد من الأندلس وابن سيناء من إيران، ولكن هذه الدراسات نادراً ما كانت تدخل ضمن دراسة تاريخ الفلسفة ككل، لذلك أعتقد أن من الأهمية بمكان الطعن بهذه المواقف المتحيزة ليس من خلال الصراخ أو الجدال بل من خلال تقديم الدليل النصي المفحم والذي لا يمكن دحضه، ليس هناك من يجادل بحقيقة أن الفترة التي تلت تاريخ العلوم العقلية الإسلامية القديم شهدت عدداً هائلاً من النصوص الفلسفية عالية المستوى، منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى الآن تركز جل الخطاب الذي تبناه باحثي الدراسات الإسلامية على قطبين متناقضين ربما كانا الخيارين الوحيدين المتاحين أمام طلاب جامعات أميركا الشمالية وهما إما إسلام الأصوليين أو إسلام الصوفيين المسالمين وبذلك بقي كم هائل من النشاطات والنصوص دون دراسة وتشمل بالطبع العلوم العقلية ودراسة المنطق والفلك والرياضيات والهندسة والنظرية الموسيقية وفلسفة اللغة ودراسة نظريات الدلالة.

مشروع العلوم العقلية في الإسلام

يعتبر مشروع العلوم العقلية في الإسلام مبادرة عالمية طموحة تهدف إلى فهرسة عدد ضخم من أعمال الفلسفة والعلوم الإسلامية التي تم إنتاجها على مر القرون السابقة، ويتطلب المشروع منا أولاً أن نبدأ بجمع أو تشكيل لائحة جرد للأعمال الموجودة، ثم نقوم بشراء صور لأفضل المخطوطات المتاحة من أجل إنشاء جدول محتويات للأعمال الهامة جداً علماً إنني أركز على الفترة ما بعد الكلاسيكية أي الفترة التي تلت الفارابي وابن سيناء وهذه الفترة تجاهلها الكثير من الباحثون في الغرب. ها نحن الآن ندخل مكتبة الدراسات الإسلامية والتي تخضع حالياً لعمليات الترميم وهنا يجتمع زملائي وسنلقي نظرة على إحدى المخطوطات.

إحسان فزليوغلو/ أستاذ مشارك جامعة استانبول- تركيا: الدراسات حتى الآن تدعي أن الفلسفة بشكل خاص ماتت بعد القرن السادس عشر في الحضارات الإسلامية، نحن نحاول أن نسجل العلم بشكل عام، الفلسفة، المنطق بشكل خاص استمر حتى القرن التاسع عشر في الحضارة الإسلامية بشكل عام.

تارو ميمورا/مساعد باحث جامعة طوكيو- اليابان: العالم العربي أو الإسلامي كان يمثل قمة التراث العلمي لذا فهو عالم مثير جداً للاهتمام ولدراسة تاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة.

سالي رجب/باحثة جامعة مكغيل- كندا: إن مشروعنا هو أكثر من مجرد فهرس، فنحن نسعى إلى جمع كافة المعلومات المتاحة حتى تلك التي كتبت على الهامش لأنها تمثل قرائن تدل على الملاحظات التي أدلى بها الآخرون إن قاعدة البيانات هذه هي أكبر من أي منها هنا، ونريدها أن تعيش للأجيال القادمة من الباحثين في المستقبل.

جميل رجب/ رئيس المشروع- أستاذ مشارك جامعة مكغيل: لماذا قد يكون مهماً بالنسبة لشخص كندي أو من أميركا الشمالية أو من أوروبا أن يدرس هذه الحضارة؟ لأنه بذلك يكون بطريقة أو بأخرى يدرس حضارته وتراثه هو في الوقت ذاته والكثير من العلوم الحديثة جذورها ضاربة في العالم الإسلامي ولهذا السبب إذا أردت أن تفهم نفسك كأوروبي أو أميركي عليك أن تفهم الإسلام.

سيرغي توركين/مساعد باحث جامعة بيتسبورغ- روسيا: من الصعب جداً أن نستعيض عن مخطوطة حقيقة بصورة عنها لكن الصورة الجيدة من الممكن أن تعطي الكثير من المعلومات.

روبرت ويسنوفسكي: الهدف هو تعزيز قدرة الباحثين المهتمين بدراسة الفلسفة الإسلامية ليس في أميركا الشمالية وأوروبا فحسب بل في كل أنحاء العالمين العربي والإسلامي بحيث سيمكنهم الاستفادة من هذا الكم الهائل من المواد الفلسفية. 

[فاصل إعلاني]

جهود مضنية لحماية التراث الإسلامي

روبرت ويسنوفسكي: مرحباً، مرحباً سيد شريط كيف الحال؟

محمد الشريط/ أستاذ في جامعة كيبيك: بخير شكراً، نحن فخورون بأن نعلن أن هذا المشروع يشكل جسراً عظيماً بين العلوم الإنسانية والهندسة، إن بناء قاعدة البيانات هذه يعتبر إسهام عظيم جداً للعالم أجمع وليس للعالم العربي فقط. الكلمة نفسها قد يكون لها أشكال مختلفة ومن الصعب جداً أن نقسم هذه الكلمة إلى حروف منفصلة. فنحاول أن نبحث عن هذه الكلمة ضمن المستند يقوم الآن برنامج بالعثور على أشكال متشابهة لشكل الكلمة التي نبحث عنها.

أحد العاملين في المشروع: هناك نص قديم تم محوه واستبداله بنص جديد آخر، السؤال هو: كيف نستطيع قراءة نص تم محوه؟ بفضل التقنية الجديدة للكاميرا بالإضافة إلى تقنيات أخرى لمعالجة الصور يمكننا الآن قراءة الكلمات التي مسحت من قبل، في الإنارة العادية تظهر على الصورة كل المعلومات تقريباً، لكن إذا أردنا أن نتفحص فقط الحبر الذي كتب به النص ونتجاهل التغيرات الزمنية للورق فيمكننا أن نستخدم عدسات الأشعة تحت الحمراء وهكذا فإن هذه العدسات يمكنها أن تعطينا صورة أخرى للمستند نفسه حيث تختفي التغيرات ويمكننا عندئذ تصفح المستند والحصول على المعلومات المخفية.

محمد الشريط: هذه دراسات تحقيق أو تنقيح المخطوطات تخبرنا هذه المخطوطات عما حدث في ذلك القرن أو من أضاف تعليقات أو حواش ويمكننا أن نر جميع الفترات الزمنية ويمكننا فصل المراحل المختلفة للمخطوطة وبالتالي نعطي الباحث أداة جديدة كي يكتشف من خلالها الحقيقة.

أحد العاملين في المشروع: كيف نجعل هؤلاء الباحثين في كندا وفي البلدان العربية وأنحاء العالم كافة يعملون سوياً؟ لقد طورنا في مختبرنا برنامجاً يتيح للباحثين تبادل الوثائق والتواصل فيما بينهم عن بعد وهكذا يمكنهم أن يروا بعضهم بعضاً ويمكنهم أن يتحدثوا ويعلموا على المستند نفسه في الوقت ذاته.

روبرت ويسنوفسكي: بطريقة ما نحن نشيد بكل الجهود المضنية التي بذلها أناس ملتزمون تماماً بهذا العمل قبل ست أو سبع قرون.

محمد الشريط: ربما تصابون بالدهشة عندما تعرفون أن المؤسسات الغربية تبذل نشاطاً أكبر من ما يبذله العالم العربي في حفظ تراثنا.

روبرت ويسنوفسكي: تلقى مشروعي دعماً بمقدار مليون ونصف المليون دولار تقريباً من مؤسسة كندا للإبداع، هذه المؤسسة تقدم 40% من التمويل وتقدم حكومة كيبيك أيضاً تمويلاً بمقدار 40% وتقدم جامعة مكغيل الـ 20% الباقية. فضلاً عن ذلك تلقينا بعض الدعم من معهد ماكس بلانك لتاريخ للعلوم في برلين وذلك على شكل تصميم لقاعدة البيانات وتخزين احتياطي لبعض الصور التي لدينا.

دواعي الاهتمام بدراسة اللغة العربية

روبرت ويسنوفسكي: ولدت في مدينة نيويورك عام 1964 وترعرعت في برنستون في ولاية نيوجيرسي والتي تعتبر منطقة جامعية ونقطة انطلاق العديد من المسافرين فالكثير من الناس يستقلون القطار أو الحافلة أو يقودون سياراتهم متجهين إلى عملهم في مدينة نيويورك، وهذا ما كان يقوم به والدي حيث كان يسافر كل يوم بالقطار إلى مدينة نيويورك حيث كان يعمل هناك كعضو مجلس إدارة في مجلة Scientific American. لطالما أردت استكشاف العالم الواقع خلف مدينة برنستون ولطالما شعرت برغبة في السفر واستكشاف أجزاء أخرى من العالم وقد دفعتني هذه الرغبة إلى التسجيل في دورة للغة العربية في بداية سنتي الثانية في جامعة ييل وأدركت بأن اللغة العربية هي أعظم وأروع وأعقد وأصعب لغة وأجمل لغة سمعتها في حياتي وأدركت بأنه من الأفضل أن أبدأ بدراسة التاريخ والدين الإسلامي أيضاً ومن هنا بدأت الحكاية، زرت الشرق الأوسط للمرة الأولى عندما كنت طالباً للغة العربية وذهبت للدراسة في الإسكندرية بمصر بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية وكان ذلك ضمن برنامج للطلاب القادمين من الجامعات البريطانية، فقد كنت أدرس آنذاك في جامعة أكسفورد ومدة البرنامج عام كامل يقضيه الطالب في الإسكندرية لتحسين لغته العربية لذا فقد كنت مصمماً للاستفادة من هذه الفرصة التي يتيحها ذلك المركز في الإسكندرية وبالطبع كنت سعيداً لقيامي بذلك ليس فقط لأن الفرصة أتاحت لي العيش في الإسكندرية والتي تعتبر مدينة جميلة والناس فيها طيبون جداً وتعلم اللغة العربية بصورة أفضل بل ولأنني التقيت بزوجتي هناك حيث كانت تدرس اللغة العربية في المركز نفسه لذا فقد كانت رحلة سعيدة جداً من نواحِ كثيرة.

الاهتمام بأوضاع قطاع غزة

روبرت ويسنوفسكي: بعد زواجنا مباشرة قضينا أنا وزوجتي شهرين في تدريس اللغة الإنجليزية في أحد معسكرات اللاجئين في قطاع غزة، لقد كنا متطوعين لدى منظمة إنجليزية تدعى Unipal تقوم بإرسال الطلاب الجامعيين إلى فلسطين للتطوع في مجالات عدة والمجال الذي تطوعنا فيه كان تدريس اللغة الإنجليزية وهكذا فقد عشنا وعملنا في رفح لمدة شهرين وبالطبع كانت صدمة لنا أن نرَى الفقر والأوضاع المريعة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة، أعتقد بأن أحد الأشياء التي يصعب نقلها إلى الجمهور الغربي الذي اعتاد على فكرة حرية التنقل هي مدى الحصار الذي يعيشه الفلسطينيون عندما كنا نعمل في رفح التي تقع على الحدود مع مصر كان هناك سياج هائل يقسم رفح المصرية عن رفح الغزاوية، والأسر التي فصلتها الحدود بالصدفة بعد معاهدة كامب ديفد كان تَضطر للمجيء والصياح على بعضها البعض من خلف السياج، أرجو المعذرة فأنا متأثر جداً. إذن بالرغم من أن التجربة في غزة لم يكن لها تأثير مباشر علي كباحث في الفلسفة الإسلامية إلا أنها جعلتني أدرك أنه من المهم علي كباحث في الفلسفة الإسلامية أن أحاول جعل عملي بطريقة غير مباشرة يسهم في تحقيق التفاهم بين العرب والعالم الإسلامي وبين الغرب، إن هذا الوضع في غزة لا يمكن تبريره أبداً ولا يمكن أن يستمر أبداً، أعتقد أن سفري إلى الشرق الأوسط حقق لي الكثير من الفوائد، فقد جعلني أقدر حقيقة أنه يوجد الكثير من الباحثين البارعين والناشطين الذين يعملون في جامعات الشرق الأوسط ولا بد من القول إنهم يعانون من مشكلات في التمويل لا يمكن حتى أن يتخيلها الباحثون والأساتذة في أميركا الشمالية أعني بذلك الرواتب وتمويل الأبحاث وإمكانية أن يأخذوا إجازة دراسة وتمويل طلاب الدراسات العليا وغيرها من المشكلات. إن البيئة الأكاديمية في الكثير من جامعات الشرق الأوسط أكثر صعوبة من ما عليه الحال في أميركا الشمالية ولكن رغم ذلك يستطيع هؤلاء الأساتذة أن يقوموا بأبحاث هامة، كما أن سفري إلى الشرق الأوسط جعلني أدرك أن علي أن لا أعمل بصورة منعزلة في أميركا الشمالية. خلال مسيرتي المهنية حاولت أن لا أعزل نفسي في أبحاثي مع زملائي المهتمين بالفلسفة الإسلامية فقط بل انصب اهتمامي أيضاً على الوصول إلى الطلاب الجامعيين الذين يدرسون في جامعات مثل هارفارد ومكغيل الذين سيحظون بسيرة مهنية هامة وسيصبحون من صانعي القرار ولو تأثر هؤلاء الطلاب بإحدى المحاضرات التي ألقيها أو جعلهم ما قلته في إحدى المحاضرات يترددون خلال مسيرتهم المهنية القادمة في قول أو فعل شيء متحيز ضد الحضارة أو الثقافة الإسلامية فسأعتبر نفسي حينها قد حققت شيئا ما أعتقد أن هذا هو الجانب الذي يمكن للوسط الأكاديمي أن يؤثر فيه بطريقة ما على السياسة.