- النشأة في الجزائر والتعلق بالشرق
- الانتقال إلى المغرب

النشأة في الجزائر والتعلق بالشرق

مارسيل شيش- المغرب: أحد الأسباب الرئيسية لوجودي في مراكش ربما يرجع إلى أصولي وإلى ذلك اليوم الذي وُلِدت فيه في الجزائر في مدينة تسمى أورليون فيل.. الأصنام اليوم والتي عشت فيها 13 عاما.. ثلاثة عشر عاما من حياة هانئة ومريحة محاطا بالأصدقاء وأفراد العائلة وقد قضيتها بسعادة ويمكن القول.. على نحو شرقي. لقد تأثرت بهذا الجو من الشوارع والمنازل حيث يزور الناس بعضهم البعض، أثرت بي هذه الحياة العائلية والمريحة إلى أن اُضطررنا لمغادرة هذا البلد لكوننا فرنسيين وفي باريس تابعت دراستي التي قادتني إلى دراسة طب الأسنان لسنة واحدة، فقد كنت من عائلة أفرادها يعملون بطب الأسنان لذلك وبحسب التقاليد رغب والداي أن أتابع في هذا المجال إلا أنني أدركت مباشرة أنني لم أكن أهوى هذه المهنة فلم أتصور نفسي غارقا في فم أحدهم طوال حياتي، فقد كنت أرغب في المغامرة وفي التغيير، ثم دخلت في الحياة العملية لأصل إلى هذه المهنة التي أمارسها منذ 25 سنة وهي استقبال الناس ومحاولة جعلهم يقضون وقتا ممتعا حول مائدة طعام ومع بعض الموسيقى وأعيش هذه التجربة في عدة أماكن افتتحتها في باريس وبما أنني أعشق السفر اكتشفت المغرب ومراكش في إحدى أسفاري، انتابني شعور غريب مازلت أذكر الأمر جيدا، ما أن خرجت من الطائرة حتى ملأتني رائحة التين وذكرتني على نحو غريب بهذا البلد الذي وُلدت فيه.. الجزائر وما أن وطئت أرض المطار في مراكش حتى شعرت كمن يعود إلى وطنه، شعرت أنني عدت إلى داري وليس سهلا أبدا عندما يُنتَزَع المرء من جذوره أن يشعر بمفهوم العودة إلى المنزل، أحيانا يتيه المرء عن منزله في طريق الحياة ولا تعد تدرى أين هو منزلك، ثم فجأة في ذلك اليوم أحسست أنني عثرت على منزلي، كان ذلك أول تجربة عاطفية أصادفها مع تلك المدينة، من خلال رحلاتي أدركت أمرا آخر.. هنالك مدنا نمر فيها وهناك مدنا أخرى ولسبب أجهله نود أن نعود إليها، لا نشعر فيها بعجلة لاكتشافها، نشعر أن لدينا كل الوقت، نعرف أننا سنعود إليها وقد توَّلد لديّ هذا الشعور تجاه مراكش، أشعر فيها بأنني سائح متلهف للاكتشاف ويريد أن يرى ويزور كل شيء وبسرعة، أردت أن استغرق وقتي كله أدركت أنني لن أتمكن من رؤية كل شيء في يوم واحد كما أنني لم أكن أرغب بذلك، بل رغبت أن آخذ وقتي لاكتشافها بترو. عندما عدت إلى باريس وبالطبع كنت محبطا لتركي نور الشمس وهذه المشاهد الرائعة والناس الرائعين، أنني في أعماقي كنت أعرف أنني سأعود، لذلك لم أكن على عجلة من أمري.


الانتقال إلى المغرب

"
ترددت على مراكش بانتظام في هيئة شبه سائح إذ لم أكن أعتبر نفسي سائحا في مراكش، حتى بعد أن استكشفت المدينة كنت أشعر دائما بالانتماء إليها
"
مارسيل شيش: ترددت على مراكش بانتظام في هيئة شبه سائح إذ لم أكن أعتبر نفسي سائحا في مراكش على نحو غريب، حتى بعد أن استكشفت المدينة كنت أشعر دائما بالانتماء إليها، كان لديّ ذلك الرابط مع تلك المدينة الذي كان يدفعني للتفكير بأنني لست سائحا كالبقية وهكذا قررت التفكير جديا بالانتقال للعيش فيها وهذا ليس بالأمر السهل عندما تكون لديك عائلة، بالنسبة لي كنت أعرف سبب انجاذبي للمدينة، لكن بالنسبة لعائلتي فلم تكن مراكش تعنيهم، لذلك كان علي إغراءهم، لم يكن إجبارهم مسألة مطروحة وهكذا بدأت أمضي وقتي معهم هنا وبالنسبة لأطفالي كان عليَّ أن أخبرهم عن حياتي.. عن الحياة التي عشتها في الجزائر وأن أعدهم بحياة جديدة هنا وهذه الحياة الجديدة كان يجب أن تبدأ من هذا المكان فكنت أقص على أطفالي حكاية المزرعة التي نحن فيها، كان يجب أن أغريهم بشيء مختلف عما لديهم في باريس كالحيوانات والطبيعة ومن هنا عندما قررت عائلتي أن تتبعني بدأت الأمور تتضح فكان علي القيام بعدة رحلات في محاولة للعثور على مكان يسمح لي بتأسيس المطعم الذي كنت أرغب فيه وعندما عثرت عليه طلبت من عائلتي الانتقال وهكذا استقرينا في مراكش. أحد الأسباب التي دفعتني لمغادرة باريس هو السعي الحثيث فيها وراء أي شيء والافتقار للوقت للتوقف والتفكير بحياتنا ومن الجانب الآخر فإن ما دفعني للاستقرار في مراكش هو التمتع بكل الوقت لاكتشاف الذات، بشكل أساسي بالشعور بالرضى عن ذاتي وفي هذا المكان المعزول قليلا عن العالم أمكث بمفردي أو مع عائلتي وبعض الأصدقاء المقربين، في هذه المزرعة تفاجأت بذلك العشق الذي نما في داخلي وهو حب الزراعة ومشاهدة الأرض تعطي، زرعت أشجار الزيتون وقد سمح لي ذلك بصناعة زيت الزيتون بنفسي وهذه تجربة مذهلة فمن الشجرة نستخلص سائلا رائعا وأن تكون أنت وراء زراعة الشجرة وصناعة هذا المنتج فهذا لأمر رائع، كما زرعت أشياء أخرى كالمشمش وتوجد هناك حيوانات تعيش في هذا الحيز، لم أكن أعرف أيا من هذه الأشياء عندما كنت في باريس بل اكتشفتها هنا وأنا أقدرها فعلا وهذا ما يجذبني، فمبدئي في الحياة هو العودة إلى قيم حقيقية وثابتة وقد وجدت كل ذلك هنا وهذا ما يشعرني بالرضى.

[فاصل إعلاني]

مارسيل شيش: أردت أن يكون مطعم لو كونتوار ملتقى بين ثقافتين، هاتان الثقافتان اللتان ألِفْتهما وأشعر أنني قريب منهما، كما أردت لمطعم لو كونتوار أن يكون كالدار.. دارنا نحن.. دارنا وأن يكون مضيافا على الطريقة الشرقية وليكون مضيافا أكثر أضفت إليه بعض الكلمات كالحب والسلم والسلام، لو كونتوار هو أيضا مطعم إذ يمكن أن تتذوق مزيجا وتشكيلة متنوعة من المأكولات ويمكن تذوق المأكولات المغربية والغربية، يميل المرء للاعتقاد أن مَن يمتهن هذه المهنة إنما يقضي وقته بالاستمتاع.. فالجو هادئ ويقابل العاملون أناسا مختلفين، لكن في الحقيقة فإن هذا العمل شاق، أعرف ذلك لأنني أبدا العمل مبكرا نسبيا إذ أصل إلى المطعم في العاشرة والنصف صباحا وتتوالى الاجتماعات مع الموردين وهذا هو القسم المتعلق بالعمل المكتبي وتوقيع الشيكات، يميل المرء للاعتقاد أن مَن يمتهن هذه المهنة والتنظيم والإدارة وبعد ذلك يجب تنظيم السهرات إذ أننا نفتتح المطعم من الرابعة مساءا وحتى الواحدة صباحا ويجب تنظيم هذه السهرة ولذلك السبب أعقد الاجتماعات مع مدراء أقسام المطعم ورئيس الطهاة فنتناقش بسهرة الأمس لتصحيح الأخطاء ثم نخطط للسهرة القادمة بعد ساعات قليلة ولا يمكن ارتجال كل هذا، قد يعتقد المرء أنه عندما يفتح المطعم أبوابه ستجري الأمور بسلاسة من تلقاء نفسها، في الحقيقة يجب التحضير لهذا العمل ونحاول تحضيره على أفضل وجه ممكن حتى يشعر الزبائن بالراحة عندما يدخلون وكما في أي منزل أحاول أن أسير المطعم في كل ساعة وكل يوم على وتيرة وإيقاعات مختلفة، لذلك أردت أن أبدا بشيء جديد انطلاقا من ساعات محددة وأولها وقت الشاي فالشاي في المغرب يُقَدم بقواعد محددة والشاي بالنعناع الشهير هو أحد الاختصاصات المغربية وربما استلهمت من الشاي بالنعناع ودائما ضمن هاجس الانفتاح على العالمية كما أرغب في تسميتها، فكرة أن أجلب أنواعا غير مألوفة من الشاي إذا فقد ارتكزت على تقليد مغربي وهو الشاي بالنعناع ووسعته ليشمل أنواعا أخرى من الشاي وهذا ما سنعمل عليه قريبا في مطعم لو كونتوار وقت الشاي، من هنا ومن البعيد.

صديق مارسيل: معرفتي بمارسيل تعود لعدة سنين وقد قررنا مؤخرا أن نطلق وقت الشاي في مراكش وسيحدث ذلك في مطعم لو كونتوار، هذا سيعمق أكثر معرفة المغاربة بالشاي فكما تعرفون نشرب الشاي في المغرب كثيرا وتحديدا الشاي الأخضر بالنعناع ورغبنا أن نُعَرِّف المغاربة بأنواع الشاي المختلفة الموجودة حول العالم كالشاي الأخضر بالتأكيد، لكن أيضا الأنواع الأخرى كالشاي الأسود والأبيض وأردنا القيام بذلك بإعادة تمثيل ثقافة كل البلاد التي تبنَّت الشاي كالمغرب ليصبح المشروب الوطني لديها وعلى سبيل المثال كاليابان والهند وفيتنام وتركيا وجزيرة مدغشقر، كل منها تبني الشاي على طريقته كمشروب وطني وقد أردنا أن نسمح للمغاربة بالتعرف على أنواع الشاي حول العالم وكيف وجد مكانا له في كل من هذه الثقافات، ففي كل ثقافة يحتل مكانة مختلفة ويتم تقديمه بتقاليد وإضافات مختلفة وفي الكونتوار تحديدا مع مارسيل سنحاول أن نقدم للمغاربة فن وثقافة الشاي حول العالم.

"
قصتي مع الموسيقى ترجع إلى فترة المراهقة، ولقد حاولت تعلم العزف على آلة أو اثنتين لكنني أدركت مباشرة أنني لم أكن موهوبا بالعزف، لكنني أدركت في الوقت نفسه أن الموسيقى تسكن في داخلي
"
مارسيل شيش: قصتي مع الموسيقى ترجع إلى فترة المراهقة، حاولت تعلم العزف على آلة أو اثنتين لكنني أدركت مباشرة أنني لم أكن موهوبا بالعزف، لكنني أدركت في الوقت نفسه أن الموسيقى تسكن في داخلي.. كانت تعيش فيَّ وكنت بحاجة إليها، كما كانت تنظم حياتي وعواطفي وكانت دائما حاضرة، عندما قررت افتتاح مطعم لو كونتوار في مراكش حققت بذلك حلما قديما هو أن أكون محاطا يوميا بموسيقيين رائعين يعزفون ألحانا ومقطوعات غمرتني في طفولتي ونغمات مألوفة وعزيزة عليَّ ولشدة ما استمعت إليهم وأعجبت بعملهم رغبت أن أُعَرِّف الناس على موهبتهم وآمل أن نتمكن من إصدار أسطوانة ستحمل عنوان أوركسترا لو كونتوار الكبيرة. مضى على وجودي هنا ست سنوات ويمكن أن نلاحظ أن مفهوم الاستثمار قد بدأ فعلا يأخذ حجمه وموقعه الحقيقيين وهذا بفضل مشاريع التطوير المعلنة، هذه المشاريع تتطلب استثمارا كي يتم إنجازها ومن بين هذه المشاريع الجيدة هنالك مشروع رائع وهو السياحة، لكن الهدف منه ليس فقط جلب الأموال بل لأنه يسمح.. ولهذا السبب أحب هذا القطاع.. بالتعريف بالبلد أمام الآخرين الذين لا يعرفونه وكذلك لجعل هؤلاء يلتقون في جو مريح وهذا القطاع مهم، خاصة أن المغرب يتميز بسكانه المضيافين على نحو لا نظير له، إذاً فإنني واثق من أن الاستثمار في المغرب وخاصة في قطاع السياحة هو أمر ممتاز. أولادي إذاً.. أنا أب سعيد، لدي ثلاثة أطفال، صبي كبير عمره 29 سنة يعمل معي ثم صبي بسن الخامسة عشرة وفتاة في العاشرة.

ابنة مارسيل: عليك مني السلام يا أرض أجدادي ففيك طاب المقام وطاب إنشادي.. لا أذكر بقيتها.

مارسيل شيش: سعادتي الكبرى هو أنني استطعت جمعهم حولي هنا في مراكش وهذا لم يكن بالأمر السهل، بالنسبة لي كنت أعرف سبب مجيئي إلى هنا لكنني كنت بحاجة لأن أجعلهم يشعرون بالسعادة هنا وأن يقبلوا عن طيب خاطر وبإرادتهم البقاء معي، كما رغبت أن أشاركهم هذه التجربة كذكرى عن شبابي الذي عشته في الجزائر وهو شباب ينعم بالسكينة في وسط طبيعي مريح أكثر من أي وسط في المدن، كما رغبت في أن ألقنهم مفهوم الثقافة الأخرى فبرأيي ما يغني تجربة الأطفال هو أن نسمح لهم بالنظر إلى الآخر وتفهمه لكي يتعرفوا عليه ويحترموه على نحو أفضل، برأيي أن هذه ثروة وهدية قدمتها لهم وأعتقد فعلا أنهم قد بدؤوا يقدرونها، فبرأيي المتواضع أظن أنهم نضجوا في هذه البيئة.