- الانتقال والاستقرار في القاهرة
- احتراف الرسم وطبيعة الحياة بمصر


الانتقال والاستقرار في القاهرة

غولو- فرنسي مقيم في مصر: في عام 1994 قررت ترك باريس والانتقال للإقامة في القاهرة ولكوني قادما من ثقافة مختلفة كان كل ما يحدث حولي يُعد اكتشافا جديدا ولكنني اعتدت بشدة على أسلوب الحياة في مصر وعلى العلاقات مع الناس فأصبحت مثلما تقول زوجتي مصريا، أعتقد أنه لكي تتعرف بحق على أية مدينة وتقدر قيمتها يجب أن تجوب أرجائها، يجب أن تمارس بها أنشطة مختلفة ويجب أيضا أن تسكن في أحياء مختلفة وهذا ما حدث لي في القاهرة ففي المرات الأولى سكنت في شارع شامبليون على مقربة من الأنتكخانة ثم سكنت على جزيرة المنيل ثم على هضبة المقطم ثم الحلمية الجديدة ومنذ حوالي ثماني سنوات انتقلت إلى حي السكاكيني وهو حي يروق لي كثيرا لأن الحياة اليومية تتجسد فيه بشكل واضح وأجد ذلك رائعا.. في الصباح تفتح النوافذ تسمع صيحات الباعة الجائلين، بائع العسل الأسود، بائع بصل، بائع الفاكهة، السنَان، توجد مقاهي ويوجد سوق إنه حي ملئ بالحياة المتواصلة، أستطيع الذهاب إلى السوق في
ساعة متأخرة من الليل لشراء الخضروات إذا احتجت لذلك كما يمكنني شراء الصحف في الثالثة بعد منتصف الليل من ميدان الجيش, من أجل كل هذا أحب هذا الحي إنها حقا المدينة صاخبة ولكنني أحب هذا النوع من الصخب فهو ليس كالسكن في بعض الأحياء بالقرب من شارع رئيسي حيث أصوات السيارات طوال الوقت كلا.. هنا توجد أصوات متعددة ومختلفة مما يساعد على إثراء الأفكار وليس انتزاعها مثلما تفعل الضوضاء ذات الوتيرة الواحدة، في يناير 1973 اكتشفت القاهرة لأول مرة كنت قد حصلت على تذكرة السفر بفضل عملي وعند وصولي كان اكتشافي للمدينة رائعا حقا, مدينة بمعنى الكلمة فأنا أحب المدن، المدن الحقيقية وفي القاهرة وجدت ما أحب. في عام 1994 اتخذت قرار الانتقال للإقامة في القاهرة كنت أطوي صفحة حياتي في باريس لأسباب كثيرة عملية وشخصية وأول ما جال بخاطري عندما رغبت في تغيير حياتي جذريا كان المجيء للقاهرة، القاهرة مدينة تحتاج لأكثر من عمر واحد لاكتشافها لكن ذلك لا يمنعني من ملاحظة ونقد تطور نأسف عليه فالمدينة تتفتح شيئا فشيئا على العالم ولكن بالمعنى السلبي للانفتاح نحو هذا النوع من الحياة الذي نجده في كل مكان حيث الضغط والقلق والتوتر أشياء لم تكن موجودة على الإطلاق منذ بضعة سنوات ومع كل ذلك لا يزال هناك عالم كامل يثير في البهجة. عندما وقعت حادثة الدير البحري لم أكن أسكن في قرية القرنة بعد, كنت أسكن بالقاهرة كانت صدمة ولكنها لم تسبب لي قلقا بشأن حياتي هنا فأنا أعلم جيداً أن ما حدث لا علاقة له بالمكان أو بالناس التي تعيش هنا, إن ما حدث هنا يحدث كل يوم في باريس في روما أو مدريد وللأسف ما باليد حيلة وعندما جئت إلى القاهرة في أوائل التسعينيات كانت تجتاح البلاد موجة من الإرهاب وصلت إلى قلب القاهرة فقد وقعت عمليات إرهابية وتفجيرات ومع ذلك لم يقلقني مطلقاً التواجد في القاهرة حينها لنفس الأسباب.. لأنني لم أشعر قط بأي ضيق مع الناس, كانت مخاوفي كمخاوف الآخرين الوضع خطير لكنه خطير في كل مكان، لم أشعر بالخطر لكوني أجنبياً أو فرنسياً وسط المصريين على العكس تماماً شعرت دائما بالأمان الكامل في مصر وهذا أحد أسباب وجودي هنا واستمتاعي بالعودة لمصر والحياة فيها. عندما قررنا أنا وإديت الاستقرار هنا كان من البديهي لي ولها أيضاً أن نعيش في منزل من الطراز التقليدي فرسمته على غرار ما أفعل في قصصي المصورة لكنها كانت المرة الأولى التي استطعت فيها الدخول داخل أحد رسوماتي، أردنا منزلا تقليديا لأنني أعتقد أنه الحل الأمثل للاستمتاع بالحياة في هذا الطقس أما السكن في بيوت من الأسمنت كما يفعل كثيرون اليوم ففي الصيف أتون نار وفي الشتاء ثلاجة بالإضافة إلى أنها ليست جميلة أما البيوت الطينية فأحبها في مصر لأنها تذوب تماما داخل الطبيعة كما أنها تسهل عملية البناء حتى الآن وأعتقد أن ذلك لن يدوم فقد بدأ هذا النوع من البناء في التلاشي، ما زال هناك بناؤون وحرفيون في كل قرية يستطيعون بناء هذه البيوت.

إديت- فرنسية مقيمة في مصر: اكتشفت مصر عام 1988 كانت أختي تعيش آنذاك بالقاهرة لذا جئت في شهر أكتوبر وقضيت شهراً ثم كررت الزيارة عام 1995 وقضيت شهراً آخر التقيت خلاله بغولو بعدها عدت إلى باريس وكنت في ذلك الحين مستشارة تسويق أعمل في شركتي الخاصة التي كانت تسير بشكل جيد بين عامي 1995 و1999 كنت أعود مراراً كل شهرين، سريعا ما عرّفني غولو على القرنة ووقعت في غرام هذا المكان وفي عام 1999 قررت التوقف عن العمل في شركتي واتخاذ الخطوة أي الانتقال إلى مصر وبدأت ممارسة الأعمال التي لم يكن لدي وقت لممارستها أي تصميم الملابس كان حلم يراودني منذ الصغر، عندما كان عمري ستة عشر عاماً كنت أريد القيام بهذا العمل لكن في تلك الفترة لم تكن في فرنسا مدرسة لتصميم الأزياء فخيل إلينا أن الموضة موجودة هناك منذ الأزل ولكن ليس هذا صحيحاً وقررت القيام بهذا العمل هنا لأنني وجدت الأقمشة في قرية نجادة.. قضيت خمس سنوات أبحث عن أقمشة أحب استخدامها وهي أقمشة مغزولة يدوياً بما للأقمشة اليدوية من سحر، لم يعد هناك أمكنة كثيرة في العالم نجد بها حرفة بهذه الجودة. دخلت هذه المغامرة ونفذت أول عرض للأزياء في القاهرة لم أكن مدركة على الإطلاق لحجم الجهود الذي سيحتاجه تنظيم عرض أزياء بمفردي عمل شاق, تفاجأت كثيرا من لطف المصريين وسعادتهم لرؤيتي أنجح في إتمام شيء جديد وأحبه، لدي صديق قام بإعداد الدعوات تلقائيا دون أن أطلب منه ذلك واكتشفت أن المصريين لا يشعرون تجاهي بالغيرة لأنني آخذ مكانا كان يمكن لأحدهم الحصول عليه بل يفرحون لي ولما حققته وقد قارنت الأمر بما كان سيحدث لي في فرنسا وأعتقد أنني في فرنسا لم أكن سأحظى بهذا الترحيب، كنت سأواجه صعاب أكثر لكي أقوم بعرض أزياء كهذا, كان كل ذلك بالنسبة لي مفاجأة ولكنها تندرج تحت مبدأ أن المصريين مشاعرهم دافئة يفرحون لنجاح الآخرين وهذا يجب قوله لأنني أرى أنه شيء نادر تختص به مصر.



احتراف الرسم وطبيعة الحياة بمصر

"
لكوني قادما من ثقافة وتربية مختلفتين كل ما يحدث حولي يعد اكتشافا جديدا
"
غولو: لكوني قادما من ثقافة وتربية مختلفتين كل ما يحدث حولي يعد اكتشافا جديدا، في كل مرة الحس الساخر وروح الدعابة لدى المصريين التي تجعلهم في أصعب المواقف مادة للضحك وإطلاق النكات وأظن أنني أحببت فكرة أن يتحول اكتشاف مصر لصبح عملي وبالتالي أصبحت أتجول في شوارع القاهرة وأجوب حاراتها مكتشفا في كل مرة أمكنة مختلفة وشخصيات مختلفة والتقيت بالرسام المصري جورج بهجوري وعندما رأى رسوماتي عن مصر أعرب عن اهتمامه بها ومن ثم اصطحبني معه إلى مجلة صباح الخير وهناك قابلت رسامين مصريين آخرين واتسعت الدائرة, في ذلك الوقت كان من الصعب لأجنبي أن يعمل في مصر والأصعب أن يعمل في مجلة لكن جورج ورسامو صباح الخير كانت لديهم رغبة شديدة في نشر رسوماتي في المجلة فتغلبوا على هذه المشكلة ثم كتب جورج مقالا صغيرا عن اكتشافي لمصر ونشر في إطاره ما أرسمه في الشوارع، بعدها بعدة سنوات استطعت العمل في صباح الخير فكان لدي صفحتان أو ثلاث أسبوعيا, حازت أعمالي على إعجاب الرسامين المصريين لأنهم وجدوا أن الموضوعات التي أختارها كانت مصرية والشخصيات التي أجسدها مصرية، المصري يشعر أنها مصرية ولكنها موضوعات يجدون صعوبة في رسمها أشياء يصعب على المصري إعطائها أهمية لأنها أشياء بسيطة مرتبطة بالحياة اليومية فلا يلحظها المصريون فهي أشياء شديدة القرب منهم لدرجة أنهم لا يرونها وعندما توضع في المقدمة على الأوراق في صورة نكتة أو رسمة حينها فقط يقول المصري بالفعل تلك الأشياء موجودة أراها يوميا لكنني لا ألحظ جوانبها الجميلة أو المضحكة أو الحزينة لأنها أشياء في طريقها للتلاشي وما إلى ذلك.

[فاصل إعلاني]

إديت: الشاي.

غولو: تريدين سيجارة؟

إديت: نعم.. شكرا.

غولو: أتعجبك هذه؟

إديت: نعم.. ما هي؟

غولو: إنه عبد المطلب.

إديت: ومَن هو؟

غولو: مطرب مصري من فترة الأربعينيات والخمسينيات رأيته مرارا في أفلام السينما المصرية في مشاهد الأعياد الشعبية في الشارع وفي الموالد أيضا.

إديت: وفي الموالد أيضا؟

غولو: وفي الموالد أيضا, به جانب رجولي يرتدى شال وجلباب ويغني وصدره للأمام, أحبه كثيرا.

إديت: وفي الأفلام.. يمثل أم يغنى؟

غولو: في الأفلام يلعب دور المغني.

إديت: توفى؟

غولو: نعم.. لم أعد أتذكر متى أعتقد في السبعينيات.. لم أعد متأكدا أحبه كثيرا.

إديت: من أين هو؟

غولو: أعتقد أنه من القاهرة.

إديت: جميل أحب هذه القطعة مبهجة للغاية.

غولو: منذ عام افتتحنا هذا المكان وصباح كل يوم جمعة نلتقي مع الأطفال، بالطبع ضوضاء ولكن سعادة وإبداع وحرية، أعتقد أنهم سعداء بما أنهم يعودون كل جمعة فليس من أحد مجبرا على الحضور، الأبواب مفتوحة كل ما عليهم الحضور في تمام التاسعة صباحا.

إديت: أعمل بفن النحت منذ أثنى عشر عاما، يبدأ عملي بالبحث عن أشياء تعجبني فأشتريها انبهارا بها وحبا لأشكالها دون أن أعرف ماذا سأفعل بها لكنني أعرف أنها تلزمني وعندما تكثر الأشياء التي جمعتها أبدأ في صنع التماثيل الصغيرة.

غولو: ألن تأتي لشرب الشاي؟

إديت: أرأيت ما حدث هذا الصباح في المدرسة؟

غولو: نعم.. كانت الأمور على ما يرام.

إديت: أمينة كانت في شدة الغضب لأنهم أسقطوا الألوان على رأسها, لم ترها؟

غولو: كلا.

إديت: حسنا كان موقفا مضحكا وهناك صبي لم يكف عن الشقاوة.

غولو: تفضلي.

إديت: كان الجو شديد الحرارة اليوم.

غولو: نعم كان قاسيا.

إديت: لم أتمكن من العمل.

غولو: لولا تلك الحرارة التي تمنعني أحياناً من العمل في الصيف لما فكرت بالسفر، إنها الشيء الوحيد الذي يولد لدي رغبة السفر أثناء الصيف لبلاد جوها أكثر اعتدالا.

إديت: أتفكر في العودة للعمل في فرنسا؟

غولو: كلا.. أحب العودة إلى باريس من حين لآخر لرؤية الأصدقاء للتجول في باريس لكن للمعيشة بها فلن يمكنني أبداً لقد اعتدت بشدة على أسلوب الحياة هنا العلاقات مع الناس.

إديت: أنت حقا مصري.