- بيتر كواي وقرار الاستقرار في الأردن
- بيتر كواي ومطعمه الصيني

بيتر كواي وقرار الاستقرار في الأردن

بيتر كواي– الأردن: هذه منطقة جبل عمّان، الدوار الثالث وهذا شارع ابن حاتم، أعيش هنا منذ عام 1967، كانت هذه منطقة سكنية مرغوبة جدا، في السنوات الأخيرة انتقلت بعض العائلات باتجاه الغرب لأنه يوجد العديد من المستوصفات والمشافي في هذه المنطقة، لكنني أحب هذه المنطقة لذلك مكثت فيها منذ عام 1967، الأردنيون ودودون جداً ومضيافون، أصبح لدينا العديد من الأصدقاء هنا وهم صادقون، أذكر أننا في البداية لم نكن معتادين على تقاليد الضيافة هنا فالمضيف يريدك دائما أن تأكل المزيد والمزيد حتى عندما لا تستطيع أن تأكل، إنهم دافؤون وصادقون كما أنهم يحبون المساعدة، كلما احتجت للمساعدة يساعدونك، اسمي كواي سونغ ماو ولدت عام 1929 في أوهانغ وهو القسم الأوسط من الصين بالقرب من نهر يانتسي واليوم أصبحت مدينة صناعية معروفة، في عام 1937 خلال الاجتياح الياباني للصين اصطحبتنا والدتي إلى الشطر الغربي من سيتوان وهو الإقليم الأكثر كثافة سكانية في الصين وهناك أنهيت دراستي الابتدائية، بعد ذلك انتسبت إلى المدرسة التحضيرية لسلاح الجو الأميركي وهي مدرسة تدعمها الحكومة بهدف تدريب مجموعة متميزة من الشباب ليصبحوا طيارين محاربين محترفين، قررتُ الالتحاق بسلاح الجو لأصبح طياراً فقد أردت محاربة اليابانيين فخلال الحرب العالمية الثانية اجتاح اليابانيون الصين وقاتلوا وقتلوا أبرياء كثر، لكن بعد أن التحقت بكلية سلاح الطيران وقبل أن أصبح طياراً مؤهلاً، استسلم اليابانيون وبعد استسلام اليابانيين ولسوء الحظ، اندلعت بعد ذلك الحرب الأهلية بين الحكومة الصينية والشيوعيون الصينيون وخلال الحرب الأهلية ألحق بنا الشيوعيون الصينيون الهزيمة، لذلك انتقلت إلى تايوان مع سلاح الجو وبعد انتقالي تابعت تدريبي على الطيران وفي العام 1950 أصبحت طياراً مقاتلاً مؤهلاً وخدمت في الفرقة المقاتلة وفي العام 1953 انتخبني سلاح الجو للخضوع إلى دورة تدريبية متقدمة ومتطورة في سلاح الجو الأميركي وبعد عام من التدريب هناك عدت إلى تايوان لأدرّس بقية الطيارين على التقنيات المتقدمة في الطيران.. وخلال 18 سنة تقريباً من خدمتي في تايوان وقبل مجيئي إلى الأردن خضت عدة مهام قتالية، كان معظمها دوريات مراقبة على طول الساحل الصيني وذلك لمراقبة التحركات العسكرية للصين، مرتين فقط صادفت طائرة شيوعية وأذكر الحادثتين جيداً لكننا لم نقاتل بعضنا، فقد ابتعد كل منّا عن الآخر ومرة واحدة تعرضت لنيران المضادات الأرضية وأذكر أنه عندما حدث ذلك لم أستوعب ما يجري، فعندما تكون داخل الطائرة لا تسمع شيئاً، لا ترى سوى سُحباً تحيط بطائرتك، لذلك ظننتها سُحباً وسألت قائدي لماذا هناك الكثير من السُحب؟ فأجابني بأنها ليست سُحباً وإنما هي نيران المضادات الأرضية وأنه يجب علي الابتعاد، كانت تلك لحظة مرعبة فابتعدت بطائرتي وعدت إلى القاعدة.

"
قررنا العيش في الأردن لأن شعبه  ودود ومضياف ويعيش حياة محافظة والطقس رائع والأمن مستتب، والسبب الأهم هو أنه ليس هناك انحراف بين الشباب وهذا جيد بالنسبة للأولاد
"
في عام 1967 تم تعييني في الأردن لأكون ملحقاً بالقوات الجوية، ففي ذلك الوقت كان السفير قائد للقوات الجوية في تايوان وكان يحتاج لشخص من سلاح الجو لمساعدته في إدارة العلاقات مع الأردن في مجال السلاح الجوي وهو من زكاني أمام الحكومة وهكذا تم تعييني هنا في الأردن وخلت أنني سأخدم لثلاث سنوات، لم يخطر ببالي أنني سأخدم كل هذه المدة وبعد ثلاث سنوات من الخدمة كان السفير سعيداً وراضياً عن عملي فأوصى الحكومة بتمديد خدمتي لفترة ثانية، ثم لفترة ثالثة أي لست سنوات إضافية لذلك فقد خدمت بالمجمل تسع سنوات في السفارة في الأردن.. نحن ندخل الآن عبدون وهي منطقة سكنية تقطنها الطبقة المخملية، هي جميلة وحديثة، منذ عام 1990 فقط بعد حرب العراق على الكويت بدأ بناء هذه المنطقة، ثم توسعت قبل بضع سنوات زارني صديق من أميركا في عمّان فاصطحبته لزيارة منطقة عبدون، قال.. فناداني باسمي الإنجليزي وقال بيتر هذه المنطقة لا تقل عن بيفرلي هليز، فسألته حقا؟ فأجابني فعلاً، فكل منزل له تصميم مختلف ومبنيّ بحجارة جميلة حتى أن بعض المنازل أجمل من منازل بيفرلي هليز في هوليوود وقد استمتع بزيارة هذه المنطقة كثيراً. هذا مطعمي، توفي صاحب الملك قبل سنتين وكان في الرابعة والثمانين من العمر قال إن أباه بنى هذا المنزل، فقد كان والده أوّل صيدلي في الأردن وكان فخوراً جداً بهذا المنزل، قال إن والده بنى هذا المنزل ولعله أفضل منزل في هذه المنطقة.. وبعد تسع سنوات من الخدمة في السفارة تلقيت الأوامر بالانتقال إلى تايوان وترددت أنا وعائلتي فيما إذا كان علينا البقاء هنا أم العودة، لذلك تناقشنا فيما بيننا وقررنا بعد عودتي لأتقاعد أرجع إلى هنا والسبب وراء قرارنا في الاستقرار هنا هو أنه بعد تسعة سنوات وجدنا أن الشعب الأردني ودود ومضياف ويعيشون حياة محافظة وهذا ما أحببناه بالإضافة لأن الطقس رائع والأمن مستتب والسبب الأهم هو أنه ليس هناك انحراف بين الشباب وهذا جيد بالنسبة لأولادي، لذلك عدت لأستقر في الأردن بعد تقاعدي.



[فاصل إعلاني]

بيتر كواي ومطعمه الصيني

"
افتتحت مطعمي الصيني في الأردن عام 1975 وبعد 30 عاما من إدارتي للمطعم الصيني أشعر بالفخر لأنني نشرت جزءا من الثقافة الصينية في المجتمع العربي
"
بيتر كواي: أذكر جيداً ذات مرة أن ولي العهد السابق الأمير الحسن قال في إحدى المناسبات أتذكر ذلك جيداً، قال كل عواصم العالم فيها مطاعم صينية لم لا يوجد في عمّان عاصمة الأردن مطعماً صينياً حتى الآن؟ لذلك فكرت أن هذه فرصة ملائمة للبدء، رغم أن هذه لم تكن مهنتي الأساسية وهكذا قررت افتتاح المطعم، لحسن الحظ كنت أعرف طاه كان يعمل في السفارة لدينا وكنا نعرف بعضنا جيداً، في تلك الفترة كان يعمل في إسبانيا، فاتصلت به وطلبت منه الانضمام إليّ ومساعدتي وأخبرته برغبتي في افتتاح مطعم صيني وهو طاه محترف وخبير وقد قبل دعوتي وهكذا بدأنا العمل، افتتحت مطعمي عام 1975 وقد واجهت صعوبات كبيرة خلال أول سنتين، لكنني عملت بجد وكان لدينا طاقم عمل رائع، اعتدت العمل بين 14 و15 ساعة يومياً، فقد كان سني يسمح لي بذلك، أما الآن فالأمر صعب عليّ، ساعدتني زوجتي كثيراً وخاصة في السنوات الأولى فلم تكن لدي خبرة، إذ لم تكن هذه مهنتي الأساسية، كانت مهنة جديدة تماماً بالنسبة لي وزوجتي تحب الطبخ كثيراً كما أنها طباخة ماهرة أيضاً فقد درست لمدة سنة كاملة لدى إحدى أفضل مدرسات الطبخ في تايوان، جميع مَن في تايوان يعرفها، لذلك فقد وجهتني وساعدتني كثيراً خلال السنوات الأولى في أسلوب الطبخ وتقديم الطعام، كان نصف زبائننا من الأجانب ونصفهم عرب، فمعظم العرب قد لا تكون لديهم فكرة عن المأكولات الصينية، لذلك بدأنا نعرّفهم بالمأكولات الصينية وكيف عليهم اختيار المأكولات وكيفية الاستمتاع بها بعد 29 سنة بات 95% من زبائننا عرب وفقط 5% أجانب وهذا يعني أن الناس قد تقبلوا الطعام الصيني، خلال هذه الفترة صادفنا بعض القصص الطريفة، فمثلاً عندما نقترح الموز المقلي بالعسل وهي حلوى صينية تقليدية لكن قبل تقديمها علينا إعطاء الزبون وعاء من الماء وذلك لتبريد الموز المقلي وإلا لن يستطيع تناولها مباشرة، في البداية لم يعرف بعض الزبائن ذلك واعتقدوا أن الماء يستخدم لغسل الأصابع فكنا نخبرهم أن ذلك غير صحيح وأن عليهم تبريد الموز بهذا الماء، الآن أصبح جميع الأردنيون يعرفون ذلك وهم لا يعرفون كيفية الاستمتاع بالمأكولات الصينية فحسب بل يعرفون كيف يختارونها ومعظم زبائننا الأردنيون يحبونه مع قليل من الفلفل وبعضهم يحبه مقلياً جداً وبعضهم يحب الصلصة إلى جانبه، أذكر أن أسعد لحظة حظيت بها في المطعم كانت عندما جاء جلالة الملك بصحبة صاحبة الجلالة الملكة نور وقد لا تصدق هذا لكنهما لم يحجزا طاولة بل دخلا ببساطة وأذكر أن جميع الزبائن وقفوا فقام الملك بمصافحتهم جميعاً وطلب منهم اجلسوا من فضلكم كان متواضعاً ومهذباً جداً، عندما كنت أعمل في السفارة كنت ألعب البريدج مع بعض الأصدقاء وكان أحدهم حاكم المصرف المركزي وهو طبيب نسائي يدعي خليل سالم، في عام 1970 عندما أنجبت زوجتي خليل في عمّان كان هو وزوجته من اللطفاء بحيث أطلقا اسم خليل على إبني وكان ذلك شرفاً كبيراً لنا لذلك استمرينا بتكريمه حتى الآن وجواز سفر خليل يحمل اسمين خليل واسمه الصيني وقد جرت معه قصة طريفة قبل بضع سنين عندما أرسلته شركة أي تي أند تي حيث كان يعمل في سياتل بمهمة رسمية إلى بورتوريكو، مرَّ خليل بمكتب الهجرة وعندما نظر الموظف إلى جواز سفره رأى جواز سفر أميركي إنما ملامح خليل كواي صينية واسمه عربي، فسأله ما قضيتك؟ فأجابه خليل هذه الأمور تحدث، فقد ولدت في الأردن وأصلي صيني، كما أنني مواطن أميركي، فضحك الضابط.. عندما وصلت إلى هنا مع زوجتي في البداية كنا نرى أن جميع الرجال متشابهون فجميعهم لديهم شوارب لذلك كانوا يبدون متشابهين، لم نكن نستطيع التمييز بينهم، أما الآن فيمكننا التمييز، فنحن الصينيون لا نملك شوارب أو شعراً على أجسامنا وأذكر ذات مرة عندما مازحني صديق غربي قائلاً لماذا لا ينمو الشعر على أجسادكم أنتم الصينيون؟ فداعبته قائلاً لأننا أكثر تحضراً، تزوجت ابنتي من شاب فلسطيني وقد تفاجأت من قرارهما بالزواج لأن المجتمع الصيني شأنه شأن المجتمع العربي هو مجتمع محافظ، لكن في النهاية أدركت أن ابنتي صينية شكلاً فقط، بينما عقليتها عربية وكذلك حال خليل، لديهما نفسية عربية تماماً، حتى في طريقة تفكيرهما وحياتهما، فقلت في نفسي ربما يكون هذا في صالحها، كما أن ابنتي تتكلم العربية أفضل من زوجها فرغم أنه فلسطيني.. درس في مدرسة داخلية في إنجلترا، لذلك تتقن ابنتي العربية أفضل بكثير من زوجها سمير، يصعب القول ما أحب أو ما لا أحب، لكن بشكل عام أحب كل شيء هنا باستثناء بضعة أمور صغيرة، مثلاً لا أحب رؤية الناس وهم يلقون بالقاذورات في الشارع ويوسخون شوارع عمّان، رغم أن عمّان مدينة نظيفة للغاية، آمل أن يحافظ الجميع على نظافة الشوارع.. وأخيراً وبعد ثلاثين عام من إدارتي للمطعم الصيني أنا سعيد لأنني شجعت الناس وعلمتهم كيف يتناولون ويستمتعون بالمطبخ الصيني واليوم باتوا يعرفون كيف يستمتعون بها وكيف يطلبونها، لذلك أشعر بالفخر لذلك وكأنني نشرت جزء من الثقافة الصينية في المجتمع العربي، هذا أشبه بالتبادل الثقافي، لم أشعر أبداً بالحنين إلى وطني، عندما أذهب إلى الصين أشعر بالحنين إلى الأردن، صدقاً فمع كل يوم يمضي عليّ هنا أنسى وجهي، فجميع من حولي أردنيون لذلك أشعر تلقائياً أنني أردني أيضاً، فقط عندما أنظر إلى وجهي أدرك أن لدي ملامح صينية، لذلك لم أشعر قط بالحنين للوطن أو أنني غريب هنا، أشعر أن هذا البلد قد تبناني كما أنني أستمتع بالحياة هنا.