- إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة
- العمل تحت الشمس اللاهبة

- مصر البعيدة عن التعصب

إلى مصر لإنقاذ آثار النوبة


كريستيان لوبلان: بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري 12 عاما، ثم أتيت إلى مصر 1973 لتولي وظيفتي ولم يجل بخاطري أبداً إنني سوف أمضي كل هذه السنوات في مصر وعندما أسافر كل عام إلى فرنسا لتمام بعض المهام أشعر بالحاجة إلى العودة إلى مصر، أفتقد مصر.. أنا كريستيان لوبلان عالم مصريات ومدير قسم الأبحاث بالمركز القومي للبحوث أقيم في مصر منذ حوالي ثلاثين عاما، رحلتي الأولى إلى مصر تعود إلى الأعوام 1970 و1971 لقد حالفني الحظ آنذاك بأن تعرفت في القاهرة على عالم المصريات الفرنسي ذي الموهبة الفذة والذي يمثل بالنسبة لي نموذجا حقيقيا في علاقته بمصر الفرعونية وهو سرج سونورو الذي كان يشغل منصب مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة. كانت هذه الرحلة الأولى إلى مصر بمثابة الإلهام والاكتشاف للحضارة المصرية ليس فقط القديمة ولكن الحالية أيضا، ثم عدت إلى فرنسا حين انتهيت من بعض المهام قبل أن أعود إلى مصر عام 1973 ولكن تلك المرة من أجل إقامة جد طويلة حيث إنني جئت للعمل في مصر داخل سياق مصري خالص، مركز دراسات وتوثيق آثار مصر الفرعونية.

"
في طفولتي قمت بجمع التبرعات في مدرستي وأرسلتها إلى اليونسكو بعدما وجهت الأخيرة نداء إلى كل العالم للمشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي
"
لقد بدأ شغفي بمصر الفرعونية وعمري بعد 12 عاما كان ذلك في مرحلة كانت تشهد حدثا عظيما فقد شهدت مرحلة الستينيات الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة وكنت في ذلك الوقت تلميذا بالمدرسة بالمدينة التي كنت أحيا بها وفي أحد الأمسيات أذاع التلفزيون رد أندريه مالرو وزير الثقافة الفرنسي في ذلك الوقت على النداء الذي وجهته اليونسكو لكل دول العالم لمساعدة مصر في إنقاذ هذا التراث الفرعوني وكان هذا النداء يهيب لدول العالم المساهمة ماديا فطلبت اليونسكو من العالم أجمع المشاركة في إنقاذ الآثار المصرية المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي بأسوان وعندئذٍ قمت بجمع التبرعات من مدرستي وقمت بإرسال هذه التبرعات إلى اليونسكو في باريس وقد قام مدير اليونسكو بالرد علي مشاركا إياي بحرارة كما أرسلت أيضا خطاب أخبرته فيه أنني في مصر قلبا وقالبا وأنني سوف أبذل كل ما في وسعي وكنت لازلت طفلا صغيرا لمساعدة مصر في الحفاظ على آثارها فقامت حينها سكرتارية الرئيس عبد الناصر بإرسال رد تحثني فيه على الاستمرار في الاهتمام بالحضارة الفرعونية. بعد الشهادة الثانوية التحقت بمدرسة اللوفر وتمكنت من العمل بهذا المتحف لسنوات ومن هنا بدأت عملي كعالم مصريات هذا إلى جانب دراستي الجامعية لأنه بالإضافة إلى الدراسة بمدرسة اللوفر حصلت على درجة الليسانس في التاريخ ودرجة الماجستير في التاريخ القديم ودرجات الدكتوراه المتتالية في علم المصريات بالإضافة إلى دراسة اللغة المصرية في المدرسة العملية للدراسات العليا، منذ وجودي في مصر عملت في أكثر من موقع أثري أول هذه المواقع استغرق سنوات عديدة وكان منقطة وادي الملكات حيث كنت أعمل بالأقصر على البر الغربي في طيبة لمدة حوالي عشرين عاما فهذه المنطقة الأثرية القديمة عبارة عن مقابر العصر الفرعوني الحديث والتي كانت حتى ذلك الوقت لا تزال بكرا لم تمتد لها على الإطلاق يد التنقيب وكانت تحتاج إلى عمل منظم فبدأنا العمل في تلك المنطقة مع بداية السبعينيات ثم بدأ العمل بها يأخذ منحى أوسع فلقد حالفنا الحظ بالحصول على دعم مادي من بعض الجهات مما أتاح لنا تطوير الأبحاث وعمليات التنقيب التي امتد العمل ليشمل جبانة المقابر بأكملها ومن ثم تمكنا من فتح حوالي ثمانين مقبرة لم تكن قد اُكتشفت من قبل وبالطبع كانت قد تم نهبها في العصور القديمة أو ربما قد قام بزيارتها بعض الرحالة في العصور الوسطى ولكنها لم تكن قد خضعت أبدا لعمليات تنقيب أثرية ولذلك فقد امتد العمل بها لسنوات عديدة حتى تمكنا في آخر الأمر من كتابة تاريخ هذه الجبَّانة بعد إعادة ترتيبها. بعد إنهاء مهمتنا في وادي الملكات كان علينا بالطبع مواصلة أبحاثنا الأثرية والتاريخية عن عائلة رمسيس الثاني وطلبنا من السلطات المصرية السماح لنا بتولي الدراسة العلمية لمعبد رامسيوم، من وجهة النظر البحثية وفيما يتعلق بعلم المصريات هذا المعبد يعتبر مادة رائعة للدراسات الأثرية فنحن بصدد إعادة اكتشاف تاريخ قصر المليون عام.. في هذا الجزء قمنا بعمل رائع ونستكمله كل عام قمنا بتنظيف كل عناصر المعمار وخاصةً الأعمدة مع الوضع في الاعتبار بأن كل هذه النقوش كانت تختبئ وراء أقنعة من غبار القرون فكان علينا اللجوء إلى تقنية معينة في التنظيف عن طريق ماكينات متخصصة وشديدة الدقة سمحت لنا تدريجيا بتنظيف أسطح تيجان الأعمدة والأعمدة ذاتها والوصول رويداً رويداً إلى ألوان الماضي السحيق، لذا فكل هذه الألوان التي ترونها على هذه الأعمدة والتي كانت مختفية من قبل هي نتيجة عمل أنجزناه خلال السنوات الماضية وما أتاح لنا الوصول إلى هذا الانسجام اللوني، لكن العمل لم ينته بعد حيث توجد أجزاء كثيرة من هذا المعبد يجب التعامل معها بنفس التقنية.. تنظيف الأسطح للوصول إلى الألوان القديمة لأن هذه الألوان هي ألوان رمسيس الثاني، بدأ هذا العمل في عام 1991 ومازال مستمرا حتى يومنا هذا وهو يتم في نفس إطار العمل بوادي الملكات أي في إطار تعاون علمي وثيق مع زملاءنا المصريين الذين يعملون معنا باستمرار فمركز دراسة وتوثيق مصر الفرعونية على صلة وثيقة بهذا الموقع كما هو الحال بالنسبة لنا حيث نعمل معاً لقد قاموا بالتنظيف وهكذا يمكننا البدء في رص كتل الأحجار هنا.

أحد العاملين في المشروع: سوف نقوم برصها كلها هنا.

كريستيان لوبلان: وهو كذلك ولكن قد لا تنجح في إدخالها كلها هنا يمكنك الاكتفاء فقط بما سيتبقى.

أحد العاملين في المشروع: يمكننا إدخال الكتل الجميلة التي ستستخدم كقمم للمصاطب والاحتفاظ بها هنا والباقي يمكن تكسيره ووضعه هناك.

كريستيان لوبلان: نعم وهو كذلك يجب أن نحصل على عدد كبير من الأحجار يكفي لسد الفراغات أرجو أن نحصل مع الموسم الجديد إلى الحجر الجيري اللازم لاستكمال هذا القطاع، ما هي إحدى الكتل المستخدمة لملء الفراغات؟ هذا جيد لأنه بدأ يتعلم هذا العام عندما نجد بين العمال المهرة ومن يبدون اهتماما أكبر بوجه من أوجه العمل، حينها نبذل جهداً أكبر لتدريبهم بطريقة أفضل فهناك الكثير من العمال بدءوا بالعمل في المراحل الأولى من التنقيب إلا أنهم تدريجيا يصبحون من أهم الحرفيين ويحترفون تقنية نحت الأحجار بعد تدريبهم على يد النحاتين الذين نجلبهم من فرنسا وهذا في غاية الأهمية وأني أفضِّل وجود الكثير من النحاتين المصريين على جلب نحاتين فرنسيين في مجال ترميم الآثار وأعتقد أنه في موقع بحجم هذا الموقع توجد إمكانية حقيقية لتدريب أفضل العمال المهتمين والمعنيين بالعمل الذي نقوم به هنا.

[فاصل إعلاني]

العمل تحت الشمس اللاهبة



"
أقضي أربعة أشهر من حياتي بالأقصر حيث يبدأ عمل بعثتنا الأثرية مع بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول وينتهي مع نهاية شهر يناير/كانون الثاني
"
كريستيان لوبلان: العمال المصريين الذين يعملون معنا بالموقع هم أبناء عائلات نعرفها جيدا فهي عائلات تعمل معنا منذ عقود ولقد رأيناهم أطفالا يكبرون أمام أعيننا وعندما ترك بعضهم المدرسة ولم يحصلوا على عمل مناسب في المنطقة اختاروا العمل مع البعثات الأثرية الأجنبية التي تعمل في طيبة، إذاً فأنا ألتقي سنويا بنفس العمال المدربين جيدا على هذا النوع من العمل والسعداء بالعمل معنا خلال تواجدنا هنا أننا نعمل مع نفس العمال والحرفيين كل عام أعني نستعين بنفس العمال في الموقع وبالتالي يسود هنا جو عائلي، يمكنني القول بأننا هنا عائلة كبيرة يتلاقى أفرادها كل عام ويعملون معا على ترميم معبد رمسيس الثاني أقضي أربعة شهور من حياتي المصرية بالأقصر حيث يبدأ عمل بعثتنا الأثرية مع بداية شهر أكتوبر وينتهي مع نهاية شهر يناير، إذاً فأنا أعمل خلال أربعة شهور من السنة في معبد رامسيوم وهو موقع أثري هام تبلغ مساحته عشرة هكتارات وتقوم به عمليات تنقيب وعمليات ترميم وحفاظ على الآثار بالإضافة إلى برنامج لإعداد تقييم الموقع أثريا لذلك فأنا أستعين بحوالي من 120 إلى 130 عامل وحرفي مصري يعملون معنا باستمرار خلال شهور البعثة الأربعة بمواعيد عمل شاقة فنظرا لأن الجو حار في مصر يجب الاستيقاظ في ساعة مبكرة فاليوم بالنسبة لي يبدأ في حوالي الرابعة والنصف أو الخامسة صباحا حيث أنه بعد الانتهاء من العمل في الموقع والذي يستغرق ست ساعات يكون هناك مهام أخرى لإتمامها بالمنزل كتدوين الملاحظات اليومية الخاصة بالموقع فكل يوم يجب تدوين تطورات العمل كما يجب إدارة البعثة الأثرية فأنا لدي عدد كبير من العاملين والزملاء بالإضافة إلى الأثريين الذين يأتون من فرنسا والذي يتراوح عددهم كل عام ما بين ثلاثة وخمسين وثلاثين عالم آثار يأتون للعمل في هذا الأثر وفقا لبرامج عمل محددة مسبقا ولذلك فعلي أن أقوم بتسهيل مهام كل منهم ومساعدته على إتمامها على أكمل وجه لذا فيوم العمل هنا طويل سواء كان ذلك في الموقع أو في مكتبي بمنزل البعثة حيث أباشر أيضا يوميا الشق المالي كشراء المواد اللازمة وإعداد أجور العمال والحرفيين الذين يعملون خلال شهور البعثة وكل هذه الأعمال تمر من خلال مكتبي عندما أتيت إلى مصر لتولي هذا المنصب لم يجل بخاطري أبداً أنني سوف أقضي كل هذه السنوات في مصر بمعنى أنني كنت أنوي قضاء بعض الوقت ثم العودة إلى فرنسا للعمل سواء في مجال المتاحف أو في مجال التعليم.

مصر البعيدة عن التعصب



"
مصر على غرار العديد من دول الشرق والدول العربية حظيت بميزة أن الجزء الأكبر من سكانها شباب على عكس دول الغرب التي بدأ سكانها يشيخون
"
بالطبع البدايات كانت صعبة ولكنني أعتقد أنه على مدار السنين ومن خلال تجربتي في هذا البلد فلقد رأيت مصر تتغير مصر تتطور مصر تتقدم ومن أكثر الأشياء روعة رؤية نفثات الحرية التي بدأت تهب على مصر والتي أسعد بها كثيرا لا أريد التحدث عن السلبيات ولكن ما يمكنني قوله هو أن مصر على غرار العديد من دول الشرق والدول العربية حظي بميزة أن الجزء الأكبر من سكانها شباب على عكس دول الغرب التي بدأ سكانها يشيخون الشباب هم الأمل هم أمل أي بلد وعلى هؤلاء الشباب أن يستعدوا للمستقبل، بالطبع الشباب المصري يواجه عدة مشاكل، مشاكل متعلقة بالتعليم والإعداد بوجه خاص أنا أرى ذلك جلياً من خلال عملي في مختلف الأوساط المصرية وفي عصر تغزو فيه العولمة العالم، إذا كانت مصر ترغب في الاحتفاظ بمكانتها وتسعى إلى المزيد من التطور فيجب عليها أن تبذل جهداً كبيراً من أجل إعداد وتعليم شبابها فعلى شباب الغد.. مصر الغد أن تستعد إذا نظرنا إلى ماضي العالم العربي بصفة عامة نجد أن ذكرى الماضي كانت تحتل مكانة رفيعة ولكن كذلك التأمل والتفكير وبالتالي فالعتاب الذي أوجهه اليوم هو أن بلا شك ذكرى الماضي قد طغت على التفكير، بلا شك العمليات الإرهابية في الآونة الأخيرة قد دفعت الغرب إلى التساؤل ولكن يجب ألا نقع في شرك الخلط فأنا أعيش في مصر منذ 32 سنة وأنا على يقين من حقيقة واحدة أنا أثق في المصريين فأنا لا اعتقد أن الشعب المصري شعب كيف أقولها شرس بل على العكس فهو شعب دافئ جداً يعرف كيف يستقبل الأجنبي ويبذل الجهد للتقرب منه وبالتالي لا يمكن أن أتصور أن وقوع عمل إرهابي في مصر يعد مؤشرا لتطور المجتمع المصري في هذا الاتجاه، حقيقة لا أعتقد لأن المصري بطبعه يحب الحرية ويحب الحياة وأنا لدى ثقة كبيرة في مصر ولا اعتقد أنها يمكن أن تنزلق إلى مستنقع التعصب الديني، إن الأجانب الذين يعيشون في مصر لديهم نظرة دائما ما تقارن بين مصر اليوم ومصر الأمس وإذا ما قارنا بمصر أمس قد نقول أن مصر الأمس كانت أكثر جمالاً ولكن مصر تلك كان عدد سكانها قليل مقارنة بعدد سكانها اليوم بالتالي يجب أن نضع في الاعتبار عدة عوامل فالحكومة التي تتولى كل هذه المسؤوليات تقوم بمهمة ليست باليسيرة يمكنني القول بأن إدارة شؤون بلد مثل مصر يتطلب شجاعة فائقة فهو ليس بالأمر الهين بالتأكيد ليس هينا، أحيا ببساطة شديدة في مصر وربما يكون هذا هو ما أقدره بشدة كما أنه لديَّ الكثير من الأصدقاء المصريين الذين يجعلونني أشعر حقاً أنني في بلدي وبالتالي فليس لدي أي سبب للرحيل فأنا سعيد في هذا البلد الذي أشعر أنه وطني الثاني وعندما أسافر كل عام إلى فرنسا سواء لزيارة العائلة أو لإتمام بعض المهام المهنية أبقى هناك شهراً أو شهراً ونصف أشعر في نهايتهم بالحاجة إلى العودة.. بحاجة إلى العودة إلى مصر افتقد مصر.