- حلم زيارة بيروت وتوثيق صبرا وشاتيلا
- العنف الاجتماعي ومراحل إنتاج الفيلم

مونيكا بوركمان: أنا ألمانية الأصل وأُدعى مونيكا بوركمان وقد أضيف لقب سليم إلى اسمي بعد الزواج، ليس لدي أخوة، ولدتُ في مدينة ألمانية تدعى آخين وهي قريبة جداً من حدود بلجيكا وهولندا، كان والداي يحبان السفر معظم ذكريات طفولتي تأتي من إسبانيا وإيطاليا ومصر فقد كنا نسافر لمدة شهرين كل صيف وهذا أدى إلى شعوري بالفضول تجاه لغات أخرى وحضارات أخرى وبلدان أخرى، حين أنهيت دراستي كنت أريد الكتابة واكتشاف بلدان أخرى، لذا فكرت في أن أفضل طريقة لفعل ذلك هي بدراسة اللغات وحين انتهيت من الدراسة قررت دراسة العربية والتركية ثم ذهبت لمدة عام واحد إلى دمشق لأدرس هناك.



حلم زيارة بيروت وتوثيق صبرا وشاتيلا

"
بدأت العمل في القاهرة كصحفية مستقلة لصالح الإذاعة الألمانية وعملي بالصحافة سمح لي بالسفر كثيراً إلى الشرق الأوسط، وكنت أهتم بالمواضيع المرتبطة بالعنف
"
وهذه السَنة في دمشق وَلَّدت تغيراً كبيراً في حياتي لأنها كانت المرة الأولى لي في بلد عربي. وفي تلك الفترة قدمت للمرة الأولى للاحتفال بعيد رأس السنة وكانت زيارتي الأولى إلى بيروت، بدأتُ العمل في الصحافة في ألمانيا قبل ذهابي لدمشق واستمر عملي في الصحافة بشكل خفيف في دمشق حول المواضيع الثقافية. وحتى اليوم لا أعلم سبب إعجابي ببيروت الأمر بالنسبة كان في عقلي الباطني يتعلق بما قرأته في الكتب وما شاهدته على شاشة التلفاز وما إلى ذلك، لكن أظن بأننا أردنا الذهاب وبعد ذلك بمحض الصدفة قابلت فريقاً ألمانياً في مجال الإعلام في دمشق كانوا ينتجون فيلماً عن حياة الرئيس حافظ الأسد وكان المُصوِر اللبناني مجيد قصير ومنتج لبناني ومراسل ألماني الأصل في أثناء تناولنا للقهوة وكانوا قد أتوا لتَوِّهم من بيروت فقلت لهم أنني أرغب بالذهاب أيضاً وأرغب فعلاً بزيارة تلك المدينة والبلاد. وقالوا لي إنهم قادرين على تحضير ذلك لي وهكذا حضروا لي الزيارة وحضرت للمرة الأولى في أواخر يناير/كانون الأول من عام 1986 ولا زلت أذكر تلك اللحظة صعدت على متن الطائرة من دمشق إلى بيروت وقبل الهبوط كنا ندور لفترة طويلة لا أعلم السبب فوق مدينة مدمرة جداً، فسألت نفسي ما الذي أتيت لأفعله هنا؟ ما سبب مجيئي؟ ثم هبطت الطائرة فتم ترتيب كل شيء بقيت مع بعض الأصدقاء لأسبوع واحد وقد كان للسفر تأثير كبير علي، كانت زيارتي الأولى لبيروت والتي كانت في ذلك الوقت مدينة مدمرة بالكامل أثر هذا في كثيراً أعتقد أن ذلك سبب وجودي اليوم هنا. حضرت إلى مصر عام 1989 بهدف عمل برنامج إذاعي فسنحت لي الفرصة لاستئجار مكتب لدى وكالة الأخبار الألمانية (DPA) وكان لديهم مكتب غير مستخدم فقررت استئجاره والاستقرار في القاهرة لم أكن قد فرغت من دراستي بعد وأنهيت دراستي وأنا في القاهرة ولم أخطط لمدة بقائي في القاهرة لكنني بقيت في النهاية لعشرة سنوات تقريباً وبدأت العمل في القاهرة كصحفية مستقلة بشكل رئيسي لصالح الإذاعة الألمانية ليس في مجال الأخبار بل لنقل القصص الرئيسية في فقرة مدتها ساعة واحدة. وبين الوقت والآخر كنت أعمل لصالح الصحافة كان هذا النوع من الصحافة يسمح لي بالسفر كثيراً في الشرق الأوسط وأمضيت الكثير من الوقت في تونس والجزائر وكنت أحضر لمدة شهر واحد على الأقل في العام إلى لبنان وكان تركيزي.. أجهل السبب.. ربما كان إرثاً ألمانياً إلا أنني كنت دوماً مهتمة بمواضيع مرتبطة بشكل أو بآخر بالعنف، كان السؤال الرئيسي بالنسبة لي كيف يتحول الأشخاص إلى العنف؟ ما الذي يجعل الإنسان الطبيعي عنيفاً؟ قد يكون السبب هو أنني أردت اختبار الحرب خلال انتقالي بين بلدان مناطق متوترة وواحدة من التجارب التي أثرت في بشكل كبير كانت العمل الذي قمت به هنا في لبنان مع قناص سابق والذي شرح لي هذا النوع من العنف الفردي حيث بإمكانه السيطرة على شارع بأكمله وما إلى ذلك وإحدى أقوى التجارب كذلك كان عملي على تاريخ صبرا وشاتيلا أمضيت وقتاً طويلاً في المخيم.

لقمان- زوج مونيكا: صحيح إنه مونيكا من زوار بيروت صحيح إنه اكتشفنا لاحقاً إنه في عندنا عدد كبير من الأصدقاء المشتركين ولكن لسوء الحظ أو لحسن الحظ لا أعرف لم يُتح لنا أن نلتقي إلا من حوالي أربع سنوات في زيكو هاوس بمناسبة محاضرة كان عم بيعملها صديقنا علي الأتاسي اللي في آخر المحاضرة عرفنا على بعض تحت عنوان إنه كلانا نهتم بنفس الموضوع، يومها ما حدد ما هو الموضوع ولكن بعد ما رجعت التقيت مع مونيكا وبدأنا نحكي فهمت بمعنى أنها تهتم بعمل شيء عن موضوع صبرا وشاتيلا، بلشنا نحكي بالمرحلة الأولى تصور لا مونيكا ولا أنا كل واحد منا قال للثاني عن شو عم يفتش فعلياً، كانت خلينا نقول مثل هذه لحظة استطلاع، بس أدعي إني شوي فهمت إن الشغل الذي بودها إنه ينعمل عن أصحاب الشهادات من المقلب الآخر اللي هن الناس اللي شاركوا بهذا الحدث.. خلينا نحكي موضوعياً نسميه حدث.. والشيء الذي تبلور شيئاً فشيئاً إنه كمان ما عم تفتش عن ناس مدربين بمعنى ما على الحكي لا تفتش على شهادات لسياسيين مدربين على الحكي ومدربين على تغيير طبقاتهم الصوتية ولكن على ناس هم شاركوا يدوياً، هذا الاهتمام من قِبَلِهَا خلينا نقول إنه تقاطع مع اهتمام شبيه ولو إنه كل واحد منا عنده أسبابه الخاصة، لأنه أنا كمان بمعنى ما عم أفتش أعرف أكثر عن هذا الحدث ياللي لا زال يطرح علي مشكلة كبيرة، نحن اليوم موجودين بهذه المنطقة بحارة حريك المجزرة صارت على بعد أقل من.. لا أعرف قد إيش كيلومتر ونصف أو كيلومترين وكثير يدهشني إنه أنا اللي كنت قريب جداً من مسرح هذا الحدث أو إذا بدكم هذه الجريمة لأنها جريمة أخذني نفس الوقت أكتشف إنه الذي كان يصير هو مجزرة الوقت اللي أخذه لشخص موجود على بعد آلاف الكيلومترات ولربما بأماكن أخرى من العالم. وهذه كانت لحظة البداية التي تبلورت بجلسة خلينا نقول مكاشفة ومعالنة وقلنا فيها لبعض بمعنى ما أنه.. عن ماذا نفتش؟ والآن بدأ أنه ممكن نشتغل على هذا المشروع سوا.

[فاصل إعلاني]

العنف الاجتماعي ومراحل إنتاج الفيلم

مونيكا بوركمان: أنا مهتمة بظاهرة العنف الاجتماعي والتي تحدث خلال المجازر وبما أنني أعرف صبرا وشاتيلا منذ زمن بعيد وبما أنني قمت بعمل إذاعي عن تاريخ المخيم كان من الواضح عاطفياً بالنسبة لي بأنني أردت التعامل مع هذه المجزرة وكان ذلك لأسباب شخصية أكثر منها سياسية لاختياري لصبرا وشاتيلا. وبما أنني لم أكن أعيش هنا لم أعرف كيف يمكنني العثور على أشخاص شاركوا فيها وصدفة أجريت مقابلة عام 1999 مع أحد الأشخاص وكانت تلك هي نقطة البداية حيث ظننت أنه قد يكون من الممكن إنتاج فيلم إذ أنها كانت مع ذلك فكرة غير واضحة المعالم وأصبح كل شيء مؤكدا حين قابلت لقمان.

لقمان: عملية البحث خليني أقول إنها صعبة وسهلة، سهلة لأن قانون العفو ساهم عملياً مثل ما ساهم بتبييض عدد كبير من السياسيين بلبنان ساهم أيضاً بتبييض عدد كثير كبير يعد بالآلاف من الميليشيين السابقين إن كان عبر دمجهم بالجيش أو عبر دمجهم بالإدارات أو بشكل أبسط عبر إعادة اعتبارهم بالمجتمع بشكل عادي، فأنا في أقول إن نحن بلبنان عايشين بين آلاف من القتلة أو لربما هم عايشين بيننا حين نبحث بالموضوع، فهذا من الجانب السهل إنه هؤلاء الناس الذين كنا عم نفتش عنهم موجودين كان عندنا يقين بأنه كثير قريبين بمعنى إنه ممكن يكونوا بالحي المجاور أو بالشارع المجاور. وبالطبع تعرف إنه البنية فينا نقول كتير تقليدية بلبنان تسمح بالوصول من شخص لشخص مثل بلعبة سباق البدل. وهيك بلشنا نوصل إنه نتعرف على بعض الأشخاص اللي كان عندهم مساهمات حربية طويلة. كانت الشغلة الأصعب بعد التعرف على هؤلاء الأشخاص إنه واحد يبني معهم علاقة ثقة لأنه كنا واضح بالنسبة لنا إنه هذا الفيلم لا لازم يكون محاكمة ولا راح يكون ريبورتاج، من الأساس كان طموحنا أن يكون فيلم بكل معنى الكلمة فللوصول لهذا الفيلم كان مفروض أن طبعاً تتوفر إمكانات مادية بس كمان كان مفروض إنه تتوفر خلينا نقول المادة البشرية، فمِن هنا صار شغل كثير طويل في أقول بمعنى ما إنه كان شغل (Casting) لأنه تعرفنا على حوالي 15 شخص من الذين شاركوا بهذه المجزرة وكنا بالطبع عم نحاول إنه نشوف رواياتهم نتحقق من رواياتهم نتحقق من الشيء اللي عم يقولوه والشيء الأهم نشوف لأي أحد هؤلاء الأشخاص مستعدين إنه يلاقوا حالهم ذات يوم بمواجهة كاميرا.

مونيكا بوركمان: طلب الشهود البقاء مجهولي الهوية وكنا نأمل في التركيز من ناحية التصوير على لغة الجسد وهذه فكرة لم تطرأ مع هذا الفيلم إلا أنها كانت ملاحظة لأن الناس قادرين على التحكم أكثر بكلماتهم إلا أنهم لا يتحكمون بأجسادهم بنفس الشكل فإذا أراد الشخص إخفاء شيء ما كلامياً تخبر لغة الجسد أموراً مختلفة، أحد المشاهد الرئيسية في هذا الفيلم هنالك من يقول أنه من الصعب قتل الضحية الأولى وقتل الضحية الثانية أقل صعوبة وحين يصل المرء إلى ضحيته الرابعة أو الخامسة والسادسة يصبح أمراً أشبه باللعب ويمكن الإحساس بأي شيء. هذا ينطبق على صبرا وشاتيلا ولكن ينطبق أيضاً على بقية العالم أينما جرت الأحداث في رواندا أو البوسنة أو الجزائر في بولندا أو النازيين وما إلى ذلك، هذا أحد المشاهد الرئيسية وأود إضافة شيء آخر ما كان مثيراً للاهتمام بشكل كبير حتى أنه كان مذهلاً أحياناً جميع الشهود اعتادوا وبسرعة على آلة التصوير وكانت لديهم حاجة كبيرة للتحدث عن الأمر تحدثوا للمرة الأولى حول ما حدث بالتفصيل ونحن متأكدون نوعاً ما أنها ستكون المرة الأخيرة إلا أنهم أظهروا حاجة نفسية للتحدث عن الأمر، تطلب مونتاج الفيلم وقتاً طويلاً عملنا عليه هنا وكنا مسرورين جداً بالعمل مع آن دو موران وهي التي عملت على مونتاج الفيلم ودخلت بالتفصيل في هذا الموضوع. وأظن أن ما نملكه اليوم من هذا الفيلم هو أفضل ما كان بوسعنا تقديمه أنا سعيدة من هذه الناحية وآمل بشكل ما لأن الفيلم عرض لأول مرة في بالينالا عام 2005 ثم ظهر في مهرجانات أخرى وسوف يعرض في المهرجانات القادمة وسيعرض على شاشة السينما ونحن ننتظر لحظة عرض الفيلم في لبنان وآمل على درجة شخصية أن يلهم هذا الفيلم الآخرين للقيام بأعمال مشابهة.

لقمان: بس أنا كلبناني في الآخر أعتبر أن هذا الفيلم حقق بالنسبة لي على الأقل درس تطبيقي بكيفية التعاطي مع تاريخ حروبنا اللبنانية ومِن هنا أقول إنه رغم.. لربما في له عيوب أكيد كل شغل له عيوب، بس أتصور أن نموذجي بالمقاربة تبعه وهذه المقاربة ياللي تحب أشوفها عم تتكرر بالنسبة لأحداث ولملفات أخرى بصرف النظر عن الشيء الذي يقال أحياناً من أن فتح الملفات قد يخل بالسلم الأهلي أنا أعتبر أن إذا بنهار اللبنانية يريدون أن يصلوا لسلم أهلي حقيقي فعليهم أن ينظروا أول شيء لبعض وجه لوجه وينظروا للتاريخ وهذا الشيء للأسف حديث اليوم مازال موضوع يثار حوله الشكوك إن لم يكن الريب.

مونيكا بوركمان: واحد من الأعمال كان العمل الذي قمت به في الجزائر حيث ذهبت عام 1993 لأجد حلاً لسؤال لماذا يتمكن بعض الناس من العيش مع الخوف؟ ولماذا لا يتمكن البعض الآخر من العيش معه؟ وفي تلك الفترة بدأت اغتيالات الكثير من المثقفين في هذا السياق قابلت صحفياً ومديراً لصحيفة لو ماتان ويدعي سعيد مقبل وأجرينا مقابلة دامت طويلاً أولاً حول الحياة اليومية مع الخوف وكان يملك نظرية حول الأمر وحاولت إقناعه على نشر نظريته، ظننت أن هذا قد يؤمن له الحماية إلا أنه لم ينشرها وبعد عام تعرض للقتل وبالنسبة لي كان الأمر بمثابة صدمة كبيرة لأنني شعرت بأنني أحمل وصية ما ولم أشعر بأنني أملك الحق بنشرها نوعاً ما حيث شعرت أنها تنتمي إليه حقاً، استغرق ذلك وقتاً طويلاً جداً قبل أن اتخذ القرار كان هذا التأخير لأسباب شخصية جداً، لكن في الواقع سيتم نشرها الآن قريباً جداً بعد شهر واحد تقريباً على شكل كتاب وسوف ينشر هنا في لبنان في دار النشر الدار الجديد ويملكها لقمان وأنا سعيدة جدا بالأمر وأشعر أيضاً بالراحة لأنها ستنشر.

"
خلال عملنا بالفيلم اكتشفنا حالة إفلاس على مستوى توثيق الحرب فأسسنا أمم للتوثيق والأبحاث استطعنا من خلالها الحصول على مواد مكتوبة وشهادات
"
             لقمان

لقمان: خلال شغلنا على الفيلم وبالتحديد بالمرحلة السابقة للتصوير يعني خلال مرحلة البحث اكتشفنا فعلياً حالة الإفلاس اللي ممكن نوصفها لربما هي أكثر من الإفلاس على مستوى توثيق حرب فأسسنا شيء اسمه أمم للتوثيق والأبحاث، بشغلنا بأمم أنا ومونيكا نكفي الاستحصال على المزيد من المواد إن كان المواد المكتوبة أو على مزيد من الشهادات مثل ما أنه بإطار أمم بدأت من كام شهر ننظم نشاطات علنية مفتوحة خلينا نقول يعني عروض أفلام يعني (Workshops) يعني معارض.

مشارك: آخر (Workshop) عملوه سوى ياللي جمعوا شباب مع بعض من مختلف الطوائف، بالفعل هذه الفترة هذه يعني اللي أنا كان حضرت قسم منها وصورت قسم منها كانوا كثير متنافرين أول ما تلاقوا مع بعض وبعدين من خلال هذه الفترة اللي قضوها مع بعض شيء حلو كثير يعني خرج منها إنه صاروا أصحاب هؤلاء الناس هودي اللي كانوا بالفعل ما يعرفوا بعض ولا يهتموا ببعض ولا يعني، بالعكس كانوا يمكن يخافوا من بعض يكرهوا بعض فطلعت النتيجة أنه أصبحوا أصحاب وأصدقاء يعني.

مونيكا بوركمان: بانتهائي من تصوير الفيلم شعرت بأنني أيضاً أنهيت شيئاً لنفسي كل هذه الأبحاث الشخصية حول العنف وأشعر بشكل ما بأنني قد تحررت منه وحين انتهينا من الفيلم تزوجنا وكان الفيلم يعتبر طفلنا الأول بما أننا عملنا على إنتاجه معا أشعر بأن ما نفعله مع أمم من المهم جداً فعله وأشعر ببساطة بأنني قد نجحت وأنا سعيدة بذلك.