مقدم الحلقة: خديجة بن قنة
ضيوف الحلقة: - د.يمنى العيد: كاتبة وناقدة لبنانية
- د. زهرة الجلاصي: أستاذة وباحثة – جامعة القيروان
- د. رضوى عاشور: ناقدة وروائية مصرية
تاريخ الحلقة: 18/02/2002


- علاقة المرأة بالكتابة ومدى تحكمها بها عبر التاريخ

- دوافع المرأة للكتابة
- معوقات دخول كتابة المرأة مرحلة الإبداع


يمنى العيد
زهرة الجلاصي
رضوى عاشور
خديجة بن قنة

خديجة بن قنة: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم.

أنا امرأة لا أقل ولا أكثر.

أعيش حياتي كما هي خيطاً مخيطاً.

وأغزل صوفي لألبسه.

لا لأكمل قصته مهره وشمس، وأرى ما أرى كما هو في شكله.

يبد أني أحدِّق ما بين حين وآخر في ظله.

لا لست شمساً ولا قمراً.

أنا امرأة لا أقل ولا أكثر.

هكذا قال محمود درويش عن الأنثى بلغة الذكر فخير الكلام -كما قيل- ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً، فهل يمكن للمرأة أن تُغيِّر هذا العُرف الراسخ وتدخل الكتابة بوصفها سيدة اللفظ والمعنى معاً؟

الكتابات السنائية المعاصرة هل خلَّصت المرأة من نموذج الشهر زاد للمقاومة وأسلوب مي زيادة في التكيُّف مع الواقع؟

هل تحوّلت المرأة من موضوع للغة إلى ذاتٍ فاعلة تسوق اللغة وتشارك في الخطاب؟

وهل تعكس دعوة المرأة إلى اعتماد النص المؤنث موجة نسوية جديدة تشير إلى نوعٍ من التمركز حول الأنثى من خلال المطالبة بالاختلاف بدل المساواة.

للحديث عن الكتابة النسائية، خصائصها، معوِّقاتها، ومستقبلها نستضيف في استوديوهاتنا بالدوحة الدكتورة رضوى عاشور (الناقدة والروائية، أستاذة الأدب الإنجليزي بكلية الآداب بجامعة عين شمس في القاهرة)، والدكتورة يمنى العيد (الكاتبة والناقدة)، والدكتورة زهرة الجلاصيي (أستاذة الأدب بجامعة القيروان بتونس).

أهلاً بكنَّ جميعاً ضيفاتٍ على هذه الحلقة من برنامج (للنساء فقط).

نود أن نبدأ حديثنا أو حوارنا حول موضوع المرأة والأدب بعلاقة المرأة بالكتابة، يعني هل تستطيع المرأة التحكُّم بالخطاب المكتوب بعد مراحل تاريخية طويلة من تحكمها في الخطاب الشفهي من متعة الحكي؟

علاقة المرأة بالكتابة ومدى تحكمها بها عبر التاريخ

د. يمنى العيد: أنا أولاً يعني بأريد أعلق على السؤال اللي تطرحيه، لماذا ننطلق من القول بأن المرأة تريد أن تتحكم بهذا الخطاب ولا نقول بأنها تشارك هذا الخطاب.. في إنتاج هذا.. في إنتاج هذا الخطاب؟ هي لم تتحكم، شهر زاد لم تتحكم في الخطاب الشفوي، ولا المرأة الآن بهدف أن تتحكم وإلا لما استطعنا أن نضع الأدب في مجاله كفن يحتفل بالقيم الإنسانية الكبرى ويناهض كل تحكم به وبغيره بموضوعه وبلغته، حقيقةً إنه المرأة في.. في.. في الماضي لم تستطع أن تشارك بنفس النسبة التي شارك بها الرجل في إنتاج الخطاب أو في إنتاج إذا بدك التعبيرات الأدبية، يعني عندما نتكلم عن الخطاب أو عن الكتابة نتكلم عن تعبيرات أدبية، هذه التعبيرات تنطلق –إذا شئنا- من حاجة عند الإنسان ومن شروط موضوعية لا يمكنه أن يأتي إلى الكتابة أو إلى التعبير الأدبي بدون هذه الشروط، ولعلَّ أهم هذه الشروط هي التثقُف وحرية التثقف، يعني الحرية في تلقي أو في التعامل مع الثقافة وشروط هذه الثقافة، هل كانت متاحة للمرأة كما أُتيحت للرجل، سواء كانت هذه الثقافة شفهية أم مكتوبة، أعتقد إنه المرأة في القديم وحتى زمن قريب لم يُتح لها أن تتعامل مع المرجعيات الثقافية كما تعامل معها الرجل، من الجاهلية حتى الآن..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: لكن تاريخ.. طالما أشرت إلى.. عُدت إلى زمن الجاهلية، يعني تاريخ الأدب من وقت الجاهلية وحتى الآن لا يحفظ في ذاكرته أسماء نساء بقدر ما يحفظ الكم الهائل من أسماء الرجال من الشعراء والأدباء.

د. يمنى العيد: صحيح.

خديجة بن قنة: إلا ربما في رثاء الأخ أو الزوج.

د. يمنى العيد: هنا.. اتفضلي.

د. رضوى عاشور: لا.. اتفلضي.

د. يمنى العيد: أنا بدي أشير لنقطة، أولاً: إنه نسبة المشاركة ما كانت، الخطاب تميز بفضل ما قدمه الرجل، هذا أولاً، وفيه عوائق طبعاً، ومش معناته المرأة هي دون الرجل أو أقل قدرة على الإنتاج، إنما فيه ظروف اجتماعية وثقافية وحتى سياسية نستطيع أن نقول، ثم أن هناك عدد من النساء قُلن الشعر في الجاهلية وفيما بعد والآن، لكن لم يجر الاهتمام بهن، نحن الآن.

خديجة بن قنة: ولم تدوَّن ربما أشعارهم.

د. يمنى العيد: لم يجر.. يعني هنا مسؤولية إذا بدك من كتب عن الأدب، من قدَّم هذا الأدب.

خديجة بن قنة: من كتب إذاً هو الرجل.

د. رضوى عاشور: لأ، أعتقد إنه هذه نقطة على درجة كبيرة من الأهمية، لأنه يعني هناك الدراسات منها مثلاً دراسة أحصت 242 شاعرة من الخنساء في مطلع القرن السابع الميلادي إلى ولاَّدة بنت المستكفي في.. في القرن الـ11، يعني 242 شاعرة.

هناك دراسة أخرى تُحصي 45 شاعرة في المائة عام الأول من العصر العباسي، لو نظرنا إلى الجدات الشاعرات هنجد تنوُّع هائل، العابدة، الجارية، الأميرة، التي تقول باستحياء، والتي تقول بجرأة تصل إلى حد المجون، إلى آخره، فهناك تنوُّع وهناك عدد لا يُستهان به، وكما قالت الدكتورة يُمنى العيد إنه ربما لم يُقدِّم لنا التاريخ الأدبي يعني، أو لم يُقم التاريخ الأدبي بواجبه في البحث والتنقيب وفي إعادة بناء صورة يعني شبه دقيقة.

خديجة بن قنة: ربما لأن الذي يبحث وينقِّب هو الرجل.

د. يمنى العيد: صح.. صح.

خديجة بن قنة: وهو الذي يدوًّن وهو الذي يحفظ.

د. رضوى عاشور: جزئياً آه، جزئياً، لأنه يمكن الإنسان قلق من إنه دايماً يطرح المسألة مرأة، رجل، يعني في هذا القلق.

خديجة بن قنة: يعني تكريس لمنطق الصراع مع الرجل؟

د. رضوى عاشور: آه، يعني..

خديجة بن قنة: نعم، دكتورة زهرة.

د. زهرة الجلاصيي: أنا أختلف مع الدكتورة يمنى، يعني عندما تقول طرح السؤال: هل امتلكت المرأة مقاليد الكتابة؟ وأختلفت مع الدكتورة رضوى على اعتبار أن مهما نقبنا ومهما بحثنا في التاريخ فسنجد أسماءً قليلة بالمقارنة مع ما كتبه الرجل، والسبب بسيط جداً، وهي أن وظيفة الكتابة هي بالأساس وظيفة رجالية، لأن منطق توزيع الأدوار في مجتمعاتنا الأبوية اقتضى أن يكون يعني فعل الثقافة والكتابة إلى غير ذلك من اختصاص الرجل، يعني المرأة تبدع.. تُبدع في مجال الإنجاب، في توضيب البيت، إذاً منطق كامل في توزيع الأدوار، والدليل على ذلك أن المدينة من مدينة أفلاطون إلى الفارابي إلى إخوان الصفا لا مكان فيها للنساء، إذاً أعتقد أننا لو بحثنا اليوم نتعسف عن التاريخ ونبحث عن أسماء شاعرات وكاتبات هُن قليلات فالماكينة الثقافية يعني لم تتح المجال إلا للقليلات للبروز، ليس معناها أن ثمَّة نساء وقع وأدهُن بين..، لكن أعتقد من وجهة نظري، وهذا مربوط حتى بالظرف الموضوعي العام، يعني المرأة لم تتعلم، يعني فئات قليلة بحكم ربما ظروفهَّن أو وجودهن ربما تمكَّن من اكتساب التعليم والثقافة، لأن التعليم والثقافة هو يعني الباب للوصول للإبداع، إذاً أعتقد أننا لو نظرنا نظرة تاريخية مقارنةً بما كتبه الرجل نفهم يعني منطق كامل في توزيع الأدوار، المرأة هي وافدة جديدة على حقل الكتابة، لننظر.. لا فائدة في المسائل التاريخية ننظر في حاضرنا، في حاضرنا القريب نأخذ مثالاً بسيط في تونس مثلاً انفجار هذه الكتابات.. كتابات المرأة لم تظهر إلا في الستينيات، لماذا سأتعسف أنا على التاريخ وأبحث عن كاتبات لم يوجدن، أو أقول: أنه يعني وقع التغاضي عنهنَّ؟

إذاً فما واقع موضوعي، لابد أن نقر به، وهو هذا الواقع يفرض نفسه..

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنة: نواصل الفكرة التي كنا نتحدث عنها وهو كيف أن التاريخ ظلم المرأة أدبياً. دكتورة يمنى، كان لديك تعليق على كلمة الدكتورة زهرة.

د. يمنى العيد: الحقيقة يعني الدكتورة زهرة عم تقول إنه فيه توزيع للوظائف، يعني أنا بأعتقد إنه هذا الكلام يعني بيشير إلى نوع من الافتعال.. من القصدية، نحنا لو عُدنا مثلاً إلى العصر الجاهلي فلاحظ إنه الأدب المنتج وخاصةً الشعر ارتبط بسلطة.. بالسلطة، يعني بسلطة القبيلة.. بالقوة، يعني المعيار اللي كانوا يقيموا فيه الشعر هو الفحولة، وعلى ها الأساس يعني فيه ارتباط بين الثقافة وبين السلطة وحتى في عصرنا الحديث، فكان يُمتدح شعر أو يُقدم شعر المديح والهجاء على شعر مثلاً الرثاء، الرثاء اللي هو تعبير عن شيء ذاتي عاطفي واللي هو يمكن أكثر تلائماً مع حاجات المرأة للتعبير، فها النوع من الشعر، أو ها النوع من.. من الأدب اعُتبر في معيار القوة شيء يعني خارج الأدب، وسائد كان في الأدب هو على تلائم أو على وفاق مع القوة اللي هي تدعم السيطرة والتسلُّط، وهذا هو أعتقد سبب رئيسي ارتباط الثقافة وتسخير السلطة، تسخيرها الثقافي لديمومتها، هذا عامل موضوعي، عندما كانت المرأة في السلطة قبل نزول الديانات السماوية في أيام الملاحم والمتولوجيا كانت المرأة هي السيدة، وكان ما يُقال في التعبيرات كان لصالحها، فمفيش عملية توزيع وظائف، فيه واقع موضوعي تطور فيه متغيرات تاريخية هي التي يعني تُخوِّل المرأة أن تدخل أو أن تكتُب أو أن تُعبر ولا تخولها.

خديجة بن قنة: إذاً الأدب هو.. نعم يعني رؤية إنسانية لا تنتمي لا إلى المؤنث ولا إلى المذكر.

د. زهرة الجلاصي. لحظة لو سمحت يعني منطق توزيع الأدوار، منطق توزيع الأدوار هو يختلف عن الواقع الموضوعي، ثمَّة واقع موضوعي على مقتضاه تُوزَّع الأدوار، بقي نحن اليوم عندما نعود للحقبة الأمومية وعندما نعود إذاً إلى التاريخ القديم ونبحث عن رموز كتبن إلى غير ذلك، أعتقد أن في هذا نوع من الإشباع الكاذب حسب وجهة نظري، هو إشباع كاذب، لماذا؟ لأننا كأنما نحاول أن نبحث عن أشياء نتجاوز بها، نقول ها.. ها نحن ها.. كما لو كنا نبحث عن وجودنا في رموز مضى عليها زمن وقدَّمت تجارب يعني محدودة نسبياً إزاء ما كتبه الرجل، أنا لا أنكر أن ثمَّة تجارب عبر التاريخ، ولكن لو قارناها بصورة موضوعية مع المكتوب.

خديجة بن قنة: بما أنتجه الرجال.

د. زهرة الجلاصي. مع الرجل هي لا تساوي شيئأً، تكاد تكون يعني محدودة، وهذا واقع موضوعي يعني لما نتنصل منه؟

خديجة بن قنة: نعم، دكتورة رضوى، هو إشباع كاذب؟

د. رضوى عاشور: لأ، أنا مختلفة الحقيقة مع زهرة شوية، لأنه إحنا متفقين، أو نحن متفقات على أن التاريخ والواقع التاريخي لم يُنصف المرأة، لأنها كانت الجانب الأضعف، والجانب المسيطَر عليه، يعني لا أعتقد أن هناك خلاف بشأن هذا، لكن الخلاف في إنه رغم هذا إلا أن الكاتبة العربية في تقديري لها موروث يعني لا يُستهان به وموروث أغنى من الكتابة في أمم أخرى كثيرة، يعني لدينا من يحلو لي أن أسميهم "جدَّات قديمات" جدة كبيرة كده اسمها "الخنساء" ها؟ لها شعر جميل ومبكرِّ، وقادرة، يعني كنت أنا والدكتورة يُمنى بنتكلم قبل ما ندخل البرنامج على طول، وما قاله الرواة بشأن الخنساء إنه لما راحت عكاظ ونشدت مرثيتها المشهورة عن صخر:

"قذى بعينيك أم في العين عوار" وإلى آخره، قال لها: لو إنه أبا بصير إن أبا بصير الأعشي لو ما كانش أنشد قبلك لقلت عنك: أشعر أشعر العرب، روحي أنت أشعر النساء، قالت له: لأ، أشعر النساء والرجال، واستخدمت عبارات لن أستطيع أن اقتبسها نصاً، لأنها شديدة الجرأة يعني لا.. لا تُقال على التليفزيون، يعني ها.. وما يرويه عنها الرواة يدل على امرأة كذا، ننتقل إلى الولادة وأبياتها "أنا والله أصلح".. إحنا بنتكلم عن امرأة صحيح هي في السلطة أميرة، لكن امرأة من القرن الحادي عشر.

أنا واللهِ أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أُمكِّن عاشقي من صحن خدي وأمنح قُبلتي من يشتهيها

امرأة حرة وقوية ومسيطرة، لكن هي.. وشاعرة كبيرة، فما أقوله ليس إنه المرأة استطاعت أن تنجز في التاريخ القديم أو الحديث إطلاقاً، هي جانب أضعف، جانب مقهور مقموع إلى آخر، لكن رغم هذا...

خديجة بن قنة [مقاطعة]: لكن أكثر ما حُفظ للمرأة في ذلك الوقت يعني لا يخرج عن إطار.. أكثره لا يخرج عن إطار الرثاء وكأنه حرام يعني.

د.رضوى عاشور: هذا غير حقيقي، يعني دعوايا إنه هذا غير حقيقي.

د. زهرة الجلاصي: لأ، فيه شعر غزل.

د.رضوى عاشور: لأ، شعر كثير.

د. زهرة الجلاصي: فيه شعر غزل.

د.رضوى عاشور: منه والشعر شعر العابدات، يعني رابعة العدوية، شعر الجواري ومنه المناظرات مع الرجال وشعر فيه ذكاء وفيه حيلة وفيه كذا، لكن هذا الشعر يحتاج لإلقاء الضوء عليه ويحتاج للدراسة، وهناك نماذج يعني أنا في تقديري إنه مثلاً نموذج الجارية الشاعرة، هذا نموذج لم يُدرس بغربتها الوجودية بتحايل.. التحايل، بالمكر، بالدهاء، بالقهر، بالكذا، يعني هناك ملامح من تاريخ المبدعة العربية يحتاج للدراسة.

[موجز الأخبار]

دوافع المرأة للكتابة

خديجة بن قنة: دكتورة زهرة الجلاصي، ما الذي.. ما هي الدوافع التي تدفع المرأة للكتابة؟ وماذا تكتب عندما تكتب؟

د. زهرة الجلاصي: في الواقع يعني نحن ندخل ربما لصميم الموضوع الآن، ما الذي حدا بالمرأة إلى أن يعني تفتك –إن شئت- مقاليد الكتابة؟ رغم أننا فيما سبق من حديثنا حاولنا أن نبحث عن شرعية ما لعلاقة المرأة بالكتابة، طيب هذا ربما يدفعنا في سجالٍ لا ينتهي، المهم لنا الآن إذاً دوافع عديدة موضوعية وذاتية جعلت المرأة إذاً تروم أن تمتلك هذا.. هذا السلاح، لأن سلاح الكتابة هو سلاح مهم، عامل موضوعي أساسي في نظري هو في انتشار التعليم، ديمقراطية التعليم، ثمَّة يعني تحوُّل واضح في وضع المرأة العربية في كل بلداننا العربية، إذاً هذا إفراز يعني طبيعي لامرأة تعلمت، تثقفت، فُتحت في وجهها الكليات والمعاهد والفضاءات العامة يعني صار لها تجربة نستطيع أن نقول في الحياة وصار لها يعني معارف وزاد يخوَّل لها أن تدخل هذا الميدان، لأن ميدان الكتابة كما تعلمين ليس ميداناً سهلاً ويقتضي معارف حرفية، مهارات، تجربة، ثقافة إلى غير ذلك، إذاً هذا تقريباً بدأ يتوفر للمرأة، وعندما توفرت لها كل هذه يعني المعطيات الأساسية أرادت أن تجازف وأن تفتك وأن ما سُلب منها.. فيما مضى وأن تثأر -إن شئتِ- من زمن الغياب ومن.. من سنين المسغبة لتفرض وجودها.

خديجة بن قنة: لتعوَّض ما فات.

د. زهرة الجلاصي: إذاً اليوم كان يعني -نستطيع أن نقول- المشهد الثقافي في وطننا العربي تغير، كيف تغيَّر؟ تغير بظهور يعني هذه المرأة التي صارت تطالب بحقها في.. في أن يكون.. تكون مقروءةً، أن تكون مكتوبةً، أن تكون منتجةً..

خديجة بن قنة: يعني مقروءة من طرف من؟ يعني لمن تكتب المرأة؟

د. زهرة الجلاصي: هي تكتب.

خديجة بن قنة: عندما نعلم أن نسبة كبيرة من النساء في الوطن العربي نساء أميَّات.

د. زهرة الجلاصي: لأ، هي تكتب.

خديجة بن قنة: يعني هل هي تعكس الثقافة نعم، الثقافة الشفاهية لنساء أميات أم ماذا؟

د. زهرة الجلاصي: لأ، نحن.. نحن نتحدث عن الكتابة، يعني عندما وصلنا أخت خديجة للكتابة تجاوزنا الشفوي.

خديجة بن قنة: نعم، لكن أقصد أن تنُقل عن النساء الأميات هذه الثقافة الشائعة.

د. زهرة الجلاص: يعني باختلاف تجارب الكاتبات هنالك من تروم أن تُبلغ خطابها لعامة النساء، هنالك من تروم أن تُبلِّغ خطابها للجمهور العريض، إذاً من حقها أن تكون مقروءة من الجمهور العريض ليس فقط من مجموعة..

خديجة بن قنة: من النساء والرجال.

د. زهرة الجلاصي: ومن فئة معينة، إذاً.. هي تروم أن تكون منتجة خطاب ويكون لها صوت يُغيَّر صورتها، والدليل أن ثمَّة شيئاً تغيَّر في المشهد الثقافي حتى علاقة الرجل بالكتابة تغيرت، لأن فيما مضى كانت يعني كائناً محكي عنه بالوكالة، إذاً الرجل كان يرسم صورة المرأة، كان يدخل في سيكولوجية المرأة ويقدم..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: واليوم المرأة أيضاً تدخل في.. سيكولوجية الرجل وتتقمص دور الرجل في.

د. زهرة الجلاصي: نعم، إذا وصلنا الآن في صورة الرجل في كتابات المرأة وهو موضوع تناولته الدورة الماضية للمبدعات في.. في سوسة مهرجان سوسة الدولي في إحدى دوراته مُلتقى المبدعات العربية تناول هذا الموضوع فعلاً.

خديجة بن قنة: تبادل الأدوار.

د. زهرة الجلاصي: صورة المرأة في كتابات الرجل، إذاً فالأشياء تغيَّرت بعد أن كانت هي موضوعاً في.. في كتاباته، إذاً ثمَّة تقدُّم، ثمَّة تطور في.. في المشهد الثقافي، وهذا لا نستطيع أن.. أن ننكره.

خديجة بن قنة: نعم، دكتورة رضوى.

د.رضوى عاشور: لأنه أنا قلقة بشأن سؤالك، اللي هو إيه؟ لماذا تكتب المرأة؟ لا نسأل أبداً: لماذا يكتب الرجل؟ البشر يحتاجون للكتابة، وباختلاف الكتَّاب والكاتبات سوف نجد دوافع لهذه الكتابة.

خديجة بن قنة: لكن أقصد هل هي نفس الدوافع التي تدفع الرجل للكتابة؟

د.رضوى عاشور: أكيد.

خديجة بن قنة: أم أنها تعكس عالمها الخاص.. عالم المرأة؟

د.رضوى عاشور: عفواً.. هو.. هو دائماً الكتابة تتضمن التعبير عن الأنا، دائماً عن النفس، لكن فلان يكتب لأنه يريد أن يُغني فيكتب شعراً غنائياً، فلان يكتب لأنه يريد أن يعيد بناء تاريخ.. تاريخاً كاملاً، أو يكتب ملحمةً إلى آخره، نفس الشيء بالنسبة للمرأة، يعني لماذا تكتُب الكاتبة؟ سوف أقول: هناك إجابات متعددة بتعدد الكاتبات، يعني، لكن قد يكون هناك قواسم مشتركة، من هذه القواسم المشتركة أننا نريد أن نعبِّر عن أنفسنا وأن نطرح حضورنا في هذا الواقع، لأننا عشنا طويلاً في الظل..

خديجة بن قنة: لكن (…) دكتورة يُمنى أن الرجل عندما يكتب يتفرغ لكتابة، المرأة تنتسب إلى أطفال، وتنتسب إلى زوج، وتنتسب إلى بيت، ومسؤوليتها تزيد وتتراكم..

د.رضوى عاشور: هذا.. هذا حقيقي.

خديجة بن قنة: وهي إذن تناضل على عدة جبهات، الكتابة هي جبهة من هذه الجبهات.

د.رضوى عاشور: هذا حقيقي، يعني كأن الكاتبة بحاجة طوال الوقت لكي تسرق وقتاً.

خديجة بن قنة: نعم

د.رضوى عاشور: من هذا الإلتزام أو ذاك لكي تكتب ومثلاً أنا كان هذا شعوري طوال الوقت، لكن من موقعي الآن يعني وأنا أصغر سناً أشعر بهذا فقط، لكن من موقعي الآن وأنا أكبر في السن من فترات طبعاً كنت فيها يعني امرأة في الثلاثينيات أو الأربعينيات أو كده، أستطيع أقول إن حتى هذه التجربة، تجربة التوُّزع هي يمكن أن تتحول إلى ثراء حقيقي للكاتبة المبدعة. يعني كاتبة أننا نساء نركض، نركض باستمرار، أننا تحت ضغط، أننا أمهات، وعاملات وكاتبات ونقوم بأكثر من مهمة.. هذا من زاوية من الزوايا مرهق، من زاوية من الزوايا قد يكون مهلكاً، لكنه إن لم يهلك فهو يعطي للكاتبة ربما امتلاءً بخبرات أكثر، بمعارف أكثر وبمساحات من المشاعر والتوتر و.. وإلى في.. في تقديري يعني.

خديجة بن قنة: يعني دكتورة رضوى تقول أن السؤال لا يطرح بالنسبة للرجل.. لماذا يكتب؟

د. يمنى العيد: بالضبط.

خديجة بن قنة: المرأة لماذا تكتب؟ يُطرح السؤال عندما نعلم أن كثير من المبدعات والأديبات، وعلى مراحل مختلفة لجأن إلى أسماء مستعارة ليكتُبن، وهذا يدلُ على أن هناك خوفاً ما يعتريهن، فلماذا اللجوء في هذه الحالة إلى الأسماء المستعارة؟

د. يمنى العيد: أنا بدي.. بدي أكد ما قالته رضوى وأضيف شيء، يعني إذا طرحنا السؤال على هذا النحو: لماذا يكتب الإنسان؟ يعني نذهب عميقاً في السؤال، فيه حاجة عميقة عند.. عند الإنسان ليعبر ويحقق ذاته. يعني بشكل من أشكال الحياة الكتابي، وهو الشكل الأعمق والأكثر إرضاءاً للذات في مقابل الموت.

لاحظي إنه كثير من الأدباء الكبار دائماً يضعون الكتابة في علاقة بين الحياة والموت، يعني الموت الحتمي يعطيكي نوع من.. قضية خلود، نوع من الشعور إنك تعيشين بالشكل الأعمق في علاقتك مع الحياة، هاي أول نقطة، يعني لماذا يكتب الإنسان، والمرأة إنسان، يعني متفقين، فإذن لماذا حُرمت من أن تعبر المرأة عن ذلك وبقيت -إذا بدك- يعني وكأنما لا تعيش، يعني ليلى بعلبكي حطت عنوان لكتابها "أنا أحيا"، "أنا أكتب فأنا أحيا"، فهذا شكل من أشكال الحياة الأكثر إرضاءً للنفس، الكُتَّاب بيقول: "أكثر متعة نشعر بها رغم كل العذاب وعناء الكتابة اللي أشرت له الخاص بالمرأة، هي أكبر متعة، فلماذا تحرم المرأة من هذه المتعة؟

خديجة بن قنة: إذن المشكلة ليست مشكلة كفاءة في الكتابة.

د. يمنى العيد: أنا بدي أقول نقطة تانية، نقطة تانية: إنه المرأة عندها تجربة خاصة في حياتها، يعني نحنا رغم إنه بنعمل معادلة أو إنه المرأة هي إنسان، لكن المرأة تعيش تجربة خاصة في حياتها، علاقتها بالمكان، علاقتها بالزمن، علاقتها بالأشياء أحاسيسها، عندها امتدادات، الرجل -إذا بدك- يعني عندها علاقة الولادة، هذه لا يعيشها الرجل، الرجل يستخدم الاسم رمز للاستمرارية، فمن ثم مثلاً فلان بن فلان بنسميه على اسم بيُّه [أبيه] وبينتمي إلى بيُّه، هو مستمر الرجل كإنسان بالرموز. المرأة تستمر عبر الولد. يعني في تجربة كتبتها.. شو اسمها.. مي التلمساني، حكيت عن ها تجربة الولادة، علاقة بالحياة وبالكتابة بنفس الوقت، فإذ فيه خصوصية رغم كل شيء في المعاناة، علاقتنا بالحياة كامرأة. لماذا نحرم من التعبير عنها؟، ونضيف إلى الأدب شيئاً جديداً.

3: إنه المرأة أيضاً في الكتابة قدرت تحقق إضافة نوعية في يعني في البنية نفسها، في نوعية الكتابة، يعني بأعطي مثال بسيط، يعني مثلاً دايماً الراوي في الكتابة الروائية بيحكى أن إما رجل البطل أو امرأة، يعني فيه بطل هو رجل أو امرأة، في حب دنيا زاد"، يتناوب الكلام البطل ما عاد الكلام بينتقل بدون ما عم بنقول: هلا الرجل عام يحكي. التركيب الروائي كله صار مزدوج.

[فاصل إعلاني]

معوقات دخول كتابة المرأة مرحلة الإبداع

خديجة بن قنة: لإلقاء مزيد من الضوء الآن على المعوقات التي تحول دون حصول تراكمٍ كافٍ لدخول الكتابة النسائية مرحلة الإبداع نتوقف مع تقرير أعدته مراسلتنا من دمشق ليلى موعد.

ليلى موعد: حسب أحد الكتاب فإن بين الأدب النسائي والواقع أنثوية تحاول أن تقتص من الحضارة الذكورية الظالمة على امتداد العصور، وهذا حق أُريد به باطل إذا انقلب إلى مخافات مقصودة ومماحكات وإسرافات، كأن الأنثوية تحاول أن تلعب على الذكورية لعبة معكوسة، فينقلب الصراع بين الجائعين والمُتخمين إلى صراع بين الشوارب والخلاخيل، لكن وسط غلبة للغة كتابة ذكورية كما يهوى الرجل، فهل تريد شهر زاد أن تكسب يوم حياة آخر بسرد القصص؟

ندى العلي (كاتبة وباحثة في الأدب النسائي): هذا عائد لأن هي بتركيبتها الذهنية، بالرجل أكيد بيقدم لها إنه هيك فلازم تكون كأنثى، يا إما تكون TOP، يا إما لا شيء. حتى النماذج بيقدمها ببطلات هن الـTOP، هن نماذج غير واقعيات، بتحسي ببطلات النساء، يعني البطلة بتكون امرأة جميلة ورائعة ومثقفة وفهيمة وكذا.. كذا.. كذا، الأخريات حقودات وشريرات وضغينات وكذا كذا.. كذا، هذا النموذج الفردي، والنموذج الكامل، هذا غير موجود بالواقع، هي كما يشتهيه الرجل وكما يريده الرجل.

ليلى موعد: ويبدو أن محاولة الفصل القسرية لنتاج المرأة الكاتبة عن نتاج الرجل الكاتب بشكل دعوة غير مباشرة لإخراج الأدب النسوي من حظيرة الأدب الرسمي، وإدخاله في عالم الأدب المنزلي، الذي يُشرف عليه الرجل، لكن هذا لا يمنع من احتفاء الرجل أو المجتمع بنص أدبي جديد تكتبه امرأة، كونه يشكل ظاهرة، وإن كان على حساب القيمة الفنية والإبداعية لهذا النص.

سعاد جروس (كاتبة وناقدة): الرجل أنا بألاحظ إنه في عنده احتفاء مبالغ فيه بالمرأة في ميدان الأدب، وهذا الاحتفاء أحياناً عم بيجي على حساب المرأة، يعني ما هو عم بييجي ما عم بينميها، بقدر ما إنه عم بيعيق تطورها، لأنه عم بيمدحها زيادة.

ناديا خوست (أديبة وكاتبة): هذا المولد المعقد للنص الأدبي لا يمكن أن يُحرض عليه رغبة في.. في الاختلاف عن الرجل وإثبات الذات، إنه أنا امرأة وأريد أن أكتب نص مختلف عن نص الرجل، ولذلك أنا لا أرى أبداً أن يعني المرأة التي تكتب بالشكل الجدي تفكر بالمنافسة مع الرجل، وإنما تفكر بأن.. بأن تؤدي المشروع أداءً جيداً، وأداء راقي.

ليلى موعد: وترى العديدُ من الأديبات أنه من غير الإنصاف القول: إن المعوقات الاجتماعية والتاريخية والسيكولوجية أثرت بشكل مطلق على قصور عوالم الإبداع الفكري لدى المرأة، فالعديد من النساء ظهرن على الساحة ووقفن نداً للرجل في نتاجه الأدبي لتشكل المعوقات السالفة فيما بعد تجربةً غنية، رفدت مسيرة المرأة الأدبية، وشكلت أساساً صلباً لنجاحها.

كوليت بهنا (قصصية): فيه رائدات نسائيات صرن عم بيحاربوا عشرات السنين، نحنا هلا عم ننعم.. بجهودهن وبحصاد التعب اللي هن تعبوه، طبعاً لسه الطريق طويل كتير.

ليلى موعد: وتعزو بعض المتابعات للأدب النسائي قلة تميز الكثير من الكاتبات إلى عدم تشكيلهن لتيارات واضحة في الحياة الثقافية، ونزوع أخريات للانغماس في الإعلان عن ذواتهن ورغباتهن بصورةٍ ممجوجة، فيما لا يزال الطريق أمام المرأة العربية -مع بعض الاستثناءات- محفوظاً بالخداع ما لم يتم اخضاع نتاجها الأدبي لنقد حقيقي يجردها من الامتيازات الأنثوية التي تتيح لها الشهرة على حساب جدية عملها كمبدعة.

ليلى موعد –(الجزيرة)- لبرنامج للنساء فقط- دمشق.

خديجة بن قنة: إذن تحدث تقرير ليلى عن بعض العراقيل التي تواجه الكتابة النسائية، لو نتحدث عن هذه العراقيل عموماً والمعوقات التي تعوق الكتابة النسائية ماذا يمكن أن نقول دكتورة زهرة.

د. زهرة الجلاصي: المرأة الكائن الكاتبة إذن ليست مفصولة عن البيئة التي تتواجد فيها وعن المجتمع الذي تعيش فيه، نعرف أن الإبداع يتواجد جدلياً مع وضع اجتماعي كامل إذن وضع المرأة في مجتمعاتنا العربية وحتى في المجتمعات الأوروبية وضع لا يزال يطرح إشكالاً كبيراً، نتناوله في مجتمعنا العربي بصورة خاصة، المرأة كانت ولا تزال في قلب معضلة الحداثة، إذن هي مشتتة بين متطلبات الحداثة، ومتطلبات الحداثة جعلتها تواجه فعلاً الكتابة، وبين التقاليد هذه التقاليد التي تفرض عليها في ذات الوقت أن تكون أُماً، وأن تكون ربة بيت، وأن تحسم مجموعة من الأدوار، فضلاً عن أدوارها خارج البيت، يعني هي.. هي إن شئتِ هي الأم، هي.. هي.. هي الأم الطاعمة، هي.. هي الأم المرضع، هي.. هي الزوجة الخدوم، هي أيضاً في ذات الوقت المرأة العاملة خارج البيت وهي الكاتبة. فكيف لها أن تحسُم بين كل هذه الوظائف؟ الإشكال المطروح في أن سن الإبداع بالنسبة للمرأة عادة في الدراسات يعني الاجتماعية، ترى أن يبدأ عادة ينطلق مع فترة الشباب، تكون فيها ربما أكثر تفرغاً، ولكن في هذه السن ربما تفتقد لتجربة أكبر ومعارف أكبر.

خديجة بن قنة: إذن هناك سن للإبداع برأيك؟

د. زهرة الجلاصي: لحظة لو سمحتي، يعني سن الشباب عادة تكون متفرغة لتبدع أو تقدم على التجربة، ثم سن متأخرة نسبياً، يعني عندما يكبر الأبناء ويعني تجد أن لديها تفرغ آنذاك تعود –معناها- للكتابة، لذا قلَّما تتواصل هذه التجارب إلا في ظروف معينة، كذلك نلاحظ أن ظروف عديدة جعلت عدد من المبدعات يواجهن صعوبات أُسرية، فكثيراً ما تنفصم العلاقات، إما بالطلاق أو بوضع يعني اختيار العزوبية، أو بشيء من هذا القبيل من هنا إذن يطرح الإشكال، إذا كان رجل يعود للبيت طبعاً هو يقوم بوظيفة، وهو أيضاً الرجل الكاتب، ما إحنا في مجتمعات عربية قلة من يتفرغون للكتابة. هو نفسه يعني واجه صعوبات، هو ليس متفرغاً، إلا أنه على الأقل بحكم منطق الأدوار لما يعود للبيت يستطيع أن يجد وقت للكتابة.

خديجة بن قنة: للكتابة.

د. زهرة الجلاصي: بينما وقت المرأة عادة ما يكون شحيحاً، هناك من تكتب في آخر الليل، يعني يكون على حساب راحتها، على حساب أشياء كثيرة. إذن هذا.. هذه أيضاً من أبرز المعوقات التي تجعل التراكم الكمي لا يتوفر بما هو مطلوب، رغم أننا نتفاءل اليوم بحضور المرأة على المشهد الإبداعي، ورغم أن ثمة زخم من الإبداعات، وثمة نوع من التراكم، إلا أنه ما زال.. دون المستوى.

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: يعني أنت دكتورة زهرة يعني تركزين أكثر على.. من العراقيل على المسؤوليات الملقاه على عاتق المرأة.

د. زهرة الجلاصي: تعدد الأدوار.

خديجة بن قنة: المرأة نعم، سنعود إلى بقية العراقيل، فقط أذكر المشاهدين بأنه بإمكانهم المشاركة معنا في هذا الحوار بجميع محاوره، وذلك من خلال الاتصال بنا سواءً عبر الهاتف على رقم: 4888873 (974)، أو عبر الفاكس على الرقم: 4885999 (974)، أو عبر الإنترنت على العنوان التالي:

www.aljazeera.net

وننتظر طبعاً آراء وأفكار الجميع، الدكتورة رضوى نواصل الحديث عن العراقيل.

د. رضوى عاشور: أقول إن المعوقات التي تحول دون أن تصل صبية موهوبة إلى أن تكون كاتبة أصلاً، وهذه المعوقات عديدة ونصفها أو ربما أكثر من النصف تنطبق على الولد وعلى البنت بمعنى، مجتمع يعاني من الفقر ويعاني من الأمية، مجتمعاتنا العربية ككل يعاني من الفقر والأمية، وإذن.. إذن أنه يفلت الولد أو البنت الموهوب أو الموهوبة، أن يفلت وأن يستطيع أن يتعلم و.. وأن يجد فسحة من الوقت لكي يمارس ما لديه من موهبة في إبداع أدبي ما، هذه أصلاً تكاد معجزة لو تصورنا إنه هذا الولد أو البنت مولودين في قرية من القرى النائية، فدي أصلاً يعني.

خديجة بن قنة: نعم.

د.رضوى عاشور: بعد هذا نتصور أن الشخص أفلت وأن المرأة استطاعت أنها.. أن تكون كاتبة. تُواجَه بقى بمعوقات من نوع أخر، أنا بشكل شخصي تقلقني، إنه تكتب فيقال لها هذا رائع لأنه متوقع أن تكتب المرأة في حدود معينة وبمستوى معين، يعني إنه يبقى هذا مقبول منها لأنها امرأة، هذا غير مقبول يعني إذا قدمت المرأة نصاً وقالت: هذا أدب، فلابد أن يكون أدب، ولابد أن يكون نص يليق بالموروث وبما هو كائن من.. من كتابات أدبية، لكن نحن نواجه أحياناً بأن يُقال: إنه هذه نصوص جميلة لمجرد إن الكاتبة امرأة، أو يقال: إنه هذه النصوص جميلة لمجرد أن الموضوعات تستهوي جمهوراً بعينه يعني، أو يتوقع من الكاتبة أن تكتب في مواضيع بعينها، وأنا في تقديري هذه خدعة كبيرة جداً، يعني هي هذا القول ينقلنا من سجن إلى سجن، يعني بمعنى إنه تعالي هنا يا كاتبة أنت اكتبي عن عواطفك، أو اكتبي عن ظلم الرجل لكي، لكن ليست هذه هي فقط.

خديجة بن قنة: نعم، ولكن إذا تابعنا الحركة الأدبية النسائية نجد أن كَمّاً كبير من الروايات يتناول فعلاً موضوع الحب، وغدر الزوج، وغدر الحبيب، وتبشيع صورة الرجل، فلا يمكن أن ننكر ذلك.

د. رضوى عاشور: هل هذه روايات جيدة يا سيدة خديجة؟

خديجة بن قنة: نعم.

د. رضوى عاشور: هل هذه روايات جيدة أو نصوص جيدة؟ ده.. ده سؤالي.

خديجة بن قنة: لكن هذا هو الواقع موجود.

د. رضوى عاشور: دا سؤالي يعني، أنا قلقة بشأن هذا، يعني فعلاً.. فعلاً يعني.. يعني مَنْ.. مَنْ سيكتب الألف ملمح من ملامح هذا الزمان وهذا المكان؟ من سيكتب عن القضايا الكبرى للإنسان، الموت والحياة؟ من سيكتب عن صراعنا القاسي والدامي من أجل التحرر؟

خديجة بن قنة: نعم، وكأن المرأة محصورة في مجال معين ولا يحق لها أن تتناول مثلاً مواضيع سياسية والفلسفية وغير ذلك وإنما..

د. رضوى عاشور: نعم، بالضبط، يعني أنا أحلم، حقيقة أحلم بإمرأة تكتب نصاً كبيراً عن تحرير جنوب لبنان، وتكتب نصاً كبيراً عما يحدث في فلسطين، وعندما أقول: أحلم بنص من هذا النوع لا أتحدث عن نص خفيف يسجل انتصارات ونضال وشعارات، لأ، إنما يعبر عن مركب المشاعر.

خديجة بن قنة: نعم، سنعود للحديث عن العراقيل.

د. يمنى العيد: ولكن هذا لو سمحتِ لحظة.. بس لحظة لو سمحتِ..

خديجة بن قنة: وبعد ذلك أعطي المجال للدكتورة يُمنى، لم تتحدث، لكن فقط آخذ مكالمة الآن من الدكتورة سعاد المانع، تنضم إلينا من المملكة العربية السعودية الدكتورة سعاد معنا؟

د. سعاد المانع: أهلاً..

خديجة بن قنة: أهلاً بيكي.

د. سعاد المانع (كاتبة وأديبة – الرياض): أهلاً بكِ، أنا سعيدة بهذا الحوار مع الدكتورة يُمنى العيد والدكتورة رضوى عاشور والدكتورة زهرة الجلاصي، وبك أنتِ أيضاً.

خديجة بن قنة: شكراً.

د. سعاد المانع: هنا إذا كان تسمحوا لي بشيء من التعليق على بعض النقاط التي وردت، أنا مهتمة بالموضوع هذا، فكرة الشفاهية عند المرأة أود فقط أن أضع ملاحظة صغيرة يمكن من الغبن أننا نقارن ما يوجد في تاريخنا تماماً بما يوجد في تاريخ المرأة سواء في اليونان، أو في العصور الأوروبية التالية، أو في العصر الحديث، نحن في تاريخنا القديم ظل الأدب شفهياً، لم يبدأ التدوين إلا في فترة متأخرة بالتالي، إذا كانت الخنساء في ذلك الوقت من تقول الشعر شفاهة، فمعنى هذا أنها كانت في حدود ما كانوا يقولون الشعر شفاهية، لم يكن.. تُكتب كتابات قليلة، ولكن لم يكن هناك التأليف، نجد بعد ذلك فكرة الجواري، أنا كنت أريد أن أتحاشى هذه العبارة، لكن لم أجد أفضل، هناك عديد.. سجلها صاحب الفهرست أن لهم.. أن لهن أشعار، أكثر من ستمائة ورقة جمعت في أحد النقاط.. في.. عند أحد من كتبوا عن هؤلاء الشاعرات، لكن هذه مثل هذه الكتابات ما زالت محتاجة لدراسة، قد يكون ما اطلعت عليه منها كله بيدور في حدود الغزل، لكن مازالت في تصوري هو بحاجة إلى التنقيب، قد نجد في المكتبات شيء يصلح لنا.. أنا مع الدكتورة زهرة أننا لماذا نتشبث بالماضي؟ المفروض أن ننظر إلى ما هو موجود حالياً، هذه النقطة لها وجاهتها تماماً.

خديجة بن قنة: طبعاً، دكتورة سعاد لننظر إذن كما قلتِ كما هو موجود حالياً، هناك الآن لنتحدث عن المملكة العربية السعودية، هناك طفرة في الإنتاج الأدبي النسائي في السعودية، يعني رغم أن المرأة أو الأديبة تفتح عينها على مجموعة من المحاذير ومن الممنوعات، كيف تقيمين ذلك؟

د. سعاد المانع: هنا أولاً أود أن أقول بصرف النظر عن ما.. عن محاذير، المرأة.. هناك قفزة في التعليم قد لا تشابه أي بلد عربي إذا وضعت التعليم الذي جاري المرأة بدأ في الستينات، التعليم الرسمي للحكومة، ومباشرة بدأ التعليم الجامعي، الثانوي ثم الجامعي ثم.. المراحل العليا، الدكتوراه، من هنا عندنا جيل كبير متعلم من السيدات، عدد كبير، من جانب آخر هذه الطفرة في الكتابات برغم كل شيء هناك كثيرات يكتبون، إذا كان بإمكاني أن أشير إلى عدد من الكاتبات في تصوري إنه هناك أكثر من أحد أخذ جائزة و.. على الكتابة، (رجاء عالم)، هنا أخص الكتابة الإبداعية، الكتابة المتصلة بالرواية (رجاء عالم) أخذت على.. وروايتها مقروءة، من.. هناك بجانبها كاتبات أخريات، أنا لا أقصد إنها الكاتبة الوحيدة، ولكن كتابتها متميزة بالنسبة تكاد.. تكاد تُسجل تاريخ مكة، التاريخ الطبيعي في مكة وأحياء مكة من خلال هذه الكتابة..

خديجة بن قنة: نعم، دكتورة سعاد المانع، شكراً نكتفي بهذا القدر الكاتبة والأديبة السعودية شكراً جزيلاً لك دكتورة يمنى، ونحن نتحدث عن العراقيل والمعوقات، هل يمكن أن نقول أن دور النشر العربية أيضاً تهمِّش من هذا الإنتاج؟

د. يمنى العيد: أنا بدي أؤكد على المعوقات، يعني نتكلم بالضبط عن ها المعوقات وهي عديدة طبعاً بيناتها دور النشر، ممكن أن تكون يعني لكن خلينا ناخد نعدها عد العلم.. التعليم مش ممكن نأتي إلى الكتابة بدون تعليم والتعليم ليس بمعنى الشهادة، والتعليم بمعنى فتح أبواب على.. على العوالم المتعددة، وهذا لم يتح للمرأة وإن أُتيح لها أتيح لها في مرحلة متأخرة وفي دراسة أنا قمت بها لاحظت إنه مرحلة إقدام المرأة على الكتابة، يعني كانت مترافقة مع مرحلة انتشار التعليم، يعني الازدهار اللي حصل.. حصل مع وصول المرأة إلى الجامعة وإلى التعليم الرسمي، فهاي ناحية، الناحية التانية إنه الكتابة بدها تجربة يعني إذا ما فيه تجربة.. إذا المرأة مخنوقة في البيت، محبوسة بدها تكتب، وبدها تطلع للعالم، وبدها جرأة، يعني الكتابة –عن جد- بدها جرأة، أن تقول الأشياء والمرأة تخاف لأنها مقموعة، تاريخياً مقموعة تخاف أن تقول، يعني فيه أشياء بالتقرير اللي عملتيه قالوا إنه بتحكي هيك وبتحكي هيك، بتقول هايدي ضد هايك وهايدا مش بالواقع، صحيح ها الجانب إنه المرأة أولاً يمكن ما تعيش التجربة بعمق، ليس.. ليس متاح لها أن تعيش تجارب الحياة.

ثانياً: إذا عاشتها لا تتجرأ على قولها.

خديجة بن قنة: وإذا قالتها تستعمل اسماً مستعاراً.

د. يمنى العيد: ممكن أن تستعمل.. ولأنه يعني نحنا التقييم عندنا نماهي –خاصة في الكتابة الروائية- نماهي بين الكاتبة أو بين البطلة وبين الكاتبة، بنقول هاي البطلة هي الكاتبة، وتعيَّر أو تدان أو تحاكم المرأة.

خديجة بن قنة: وفيه كاتبات في هذا السباق لا يجرؤن حتى على ذكر اسم بلدة البطلة لأنه قد يُربط ذلك باسم بلدتها.

د. يمنى العيد: بالظبط، بهذا المعنى إنه فيه مسألة الحرية، اللي هي مسألة عامة، يعني من المعوقات عدم وجود حرية، لاحظي إنه كم كتاب.. كم كاتب يُدان أو يدخل السجن أو يُحاكم أو يُطرد أو.. أو يعني يُحلل قتله إذا تكلم..

خديجة بن قنة: ومن الكاتبات أيضاً..

د. يمنى العيد: ومن الكاتبات أيضاً، فإذن مسألة الحرية..

خديجة بن قنة [مقاطعةً]: سنعود إلى هذه النقطة، فقط آخذ مكالمة الآن، أراكِ دكتورة زهرة تطلبين الكلمة، لكن فقط نأخذ المكالمة، ونعود إلى الحوار، معنا الدكتور حسام الخطيب من الدوحة، تفضل دكتور.

د. حسام الخطيب: مساء الخير يا خديجة.

خديجة بن قنة: مساء النور.

د. حسام الخطيب (كاتب وناقد – الدوحة): مساء الخير للكاتبات المتألقات ولا أدري كيف حُشرت في هذه الكوكبة من النساء الخبيرات بموضوع المرأة، وإنني أكاد أرتعد فرقاً من هذا الدخول..

د. يمنى العيد: لا يا دكتور حسام..

د. حسام الخطيب: ماذا أقول؟ فقط لمحة بسيطة جداً عن الماضي، لقد كثر الكلام حول الشاعرات في الماضي، إن الشاعرات في الماضي لا يمثلن لا كماً ولا كيفاً إلا جزءاً زهيداً جداً من الإنتاج الشعري العربي الهائل المتفوق على مدى العصور، والحقيقة أنني في إشرافي على الدراسات العليا أشرفت على أكثر من دراسة حول شعر النساء، في إحدى الدراسات لم تستطع الدراسة أن تكمل رسالتها بسبب ندرة الأشعار التي جُمعت أي لدينا شاعرات كثيرات، ولكن لدينا شعر قليل، ربما جزء منه طُمس، ولكن في الحقيقة إنتاج المرأة غير متكامل في الماضي ولذلك أسباب كثيرة ذُكرت في البرنامج.

الآن نأتي إلى المعوقات، في رأيي طبعاً أن المعوقات هي ذات نوعين النوع الأول هو التابو الخارجي، التحريم الخارجي الاجتماعي، وهو يشمل الرجل والمرأة، ولكنه يشمل المرأة بقوة أكبر وبظلم أكثر، التابو الداخلي في رأيي هو الأهم، لأننا مع تطور الحياة الاجتماعية نجد أن المرأة بدأت تأخذ حقوقها، وبدأ المجتمع يصغي لها، وبالتالي بقي أن تتخلص في ذاتها من التابوه الذي تراكم عبر العصور، ولاسيما فيما يتعلق بحرارة تعبيرها عن تجاربها الداخلية ونحن نعرف أن هناك بعض النساء الرائدات دخلن هذا المضمار، ولكنهن تعرضن لكثير من التشويه والقيل والقال وما أشبه ذلك إلا أن الفرصة الآن متاحة، وأعتقد أن التطورات التاريخية الآن تجعلنا نتفاءل بأن المرأة ستقدم لنا نكهة جديدة في الأدب غير متعلقة فقط بتجربتها النوعية الخاصة بوصفها امرأة، وهذه تجربة مهمة جداً ويجب أن تدخل عالم الكتابة، ولكن أيضاً متعلقة بتجربة المجتمع العربي الحديث والإنسان العربي الحديث للدخول في عصر جديد.. عصر الحرية وعصر الإبداع، وبالتالي..

خديجة بن قنة[مقاطعةً]: من شروط الإبداع -كما ذكر الدكتور حسام- التخلص من التابو، يعني هذه التابوهات السياسية والدينية التي تُفرض على الكتابة، سواء رجالية أو نسائية، في النهاية عندما نحلل أسبابها، نجد أن الرجل هو الذي يفرض هذه التابوهات.

د. حسام الخطيب: لاشك.. لاشك أن الرجل فرضها من خلال حضارته العامة، وهي ليست موجهة يومياً لكل امرأة على حدة، هي تركيبات حضارة متراكمة عبر العصور كان الذكر فيها هو السيد وكان المجتمع الأبوي هو المسيطر، لكن هذا يقودني إلى شيء آخر مهم جداً، وهو أن المرأة يعني في أول إنتاجها كان لها هبَّات عنيفة ومعها حق في ذلك، وأنني أريد أن أذكِّر الناس بفدوى طوقان، بالشاعرة فدوى طوقان، هذه الإنسانة الرقيقة الناعمة اللطيفة، لها في ديوانها الأول "وحدي مع الأيام" هبات هائلة جداً، أحاول من الذاكرة أن أُذكِّر فقط ببيتين أو ثلاثة في قصيدتها "من وراء الجدران" تقول:

بنته يد الظلم سجناً رهيباً

لوأد البريئات أمثاليا

وكرت دهور عليه ومازال

ينطق كاللعنة الباقية

وقفت بجدرانه العابثات

وقد عُفرت بتراب القرون

وصحت بها يا بنات الظلام

ويا بدعة الظلم والظالمين

لُعنت احجبي نور حريتي

وسدي عليَّ رحاب الفضاء

ولكن قلبي هذا المغرد

لن تمنعي فيه روح الغناء

تصورن أن هذه هي فدوى طوقان، التي في سيرتها الذاتية بعد ذلك "رحلة جبلية" رحلة صعبة، بدأت تتكلم كلاماً معتدلاً لطيفاً، ولكنها لم تغير موقفها، غرضي من هذا الشاهد أن أقول: إننا الآن بدأنا نخرج من ردة الفعل النسائية تجاه الظلم الذي أحاق بالمرأة على مدى.. القرون إلى تركيبة جديد نحاول فيها أن نستفيد من تجربة النساء في الأدب، ليس فقط لصالح الأدب، ولكن لصالح المرأة التي حُرمت من التعبير زمناً طويلاً، والآن آن الأوان لأن تعبر عن نفسها وتحقق ذاتها عن طريق.. عن طريق هذا.

بقيت كلمة -من فضلك- وهي أنه ليس يُفترض أن ننتظر من المرأة أن تكتب عن المرأة فقط، وقد ذُكر هذا الكلام في الحوار وإنني أقدره كثيراً وأود أن أستشهد بكتابين جديدين أو بعملين جديدين ها هما أمامي، هما للدكتورة نادية خوست التي أسهمت في هذا البرنامج اليوم من دمشق، الأول هو "شهداء وعشاق في بلاد الشام" انظرن إلى هذا العنوان –شهداء وعشاق في بلاد الشام- والثاني هو "أعاصير في بلاد الشام" والكتابان يحكيان خروج الفلسطينيين أثناء النكبة وما تابع.. وما تبع ذلك من أهوال، فإذن هذا هو إسهام عظيم.

خديجة بن قنة: نعم.. نكتفي بهذا القدر شكراً جزيلاً لك دكتور حسام الخطيب، آخذ مكالمة الآن دكتورة جيهان أبو زيد من مصر، تفضلي دكتورة جيهان.

د. جيهان أبو زيد: آلو.. أهلاً بيكِ أخت خديجة، مساء الخير.

خديجة بن قنة: أهلاً، مساء النور.

د. جيهان أبو زيد: تحياتي لكل الأستاذات الفاضلات، أنا بيسعدني أكون معاكم إن شاء الله على البرنامج، وبس اسمحي لي بمداخلة صغيرة امتداداً لكلام الدكتورة رضوى عاشور حول.. الحقيقة أنا لا أستطيع أن أُقيِّم إذا كان هناك أدب في العصور السابقة نسائي بأي كم، أنا بأتكلم من ناحية الكم، لأنه حطي علامة استفهام على التأريخ للأدب النسائي من الذي كان يؤرخ للنساء الأديبات؟ من الذي كان يؤرخ للإنتاج الأدبي النسائي على مدى العصور كاملة؟ أنا بأعتقد أكثر ما أجتهد الرجل في العصور السابقة كان يؤرخ لجسد المرأة ولملابس النساء ولنوعية العطور وأدوات الزينة التي تستخدمها النساء، لكن الأدب النسائي أنا أشكك في هذا التأريخ لأنه.. لأنه يكن ضمن اهتمامات من يؤرخ، أيضاً المؤرخ في كل الأحوال كان رجل ليس لديه اهتمام نوعي بالجانب الآخر في المجتمع وهو النساء.. وهن النساء، فإذن هناك تحيز مبدئياً لمن يؤرخ عنهم، وبالتالي بتُستبعد النساء من هذا، فهذه نقطة طويلة جداً وثار عليها الجدل ولم تُحسم، وأعتقد إنها لن تُحسم.

نقطة ثانية في قصة العراقيل، و.. والصديقات تحدثن ببلاغة في هذه النقطة، أحب أن أضيف إليها هو البعد النفسي للنساء نفسها، المرأة التي تُربي جيل آخر، المرأة التي تُربي نساء أخريات، المرأة أحياناً –وعلم النفس له باع طويل في الحديث.. في هذا الحديث- تعزز القهر الذي جُبلت عليه، لأنه هناك صدام قاسي جداً هيكون مع المجتمع إذا ما ربَّت ابنتها –على سبيل المثال- على اتجاهات أخرى أكثر تحرراً منها وبالتالي هي بتحاول تكون في الجانب الأكثر أماناً، وبالتالي أحياناً بتكون واعية أنها تستمر في مسلسل القهر المتدرج لأنه هي تريد أن تكون فتاة بالصورة التي يتوقعها منها المجتمع، المجتمع يتوقع من الفتاة أن يكون لها أدوار محددة بارعة في الأدوار التي يقدرها فقط وليست الأدوار الأخرى، المجتمع لن يُحيِّي الأم التي لديها كاتبة أو مبدعة في أي مجال إذا ما كانت هذه الفتاة لا تجيد الطبخ -على سبيل المثال- ولا تجيد فن تزيين نفسها، فهذه نقطة أيضاً إحنا بنحتاج إن إحنا فيها نتوجه للنساء أنفسهن في إعادة العلاقة مع الذات، وإعادة العلاقة مع الذات.. مع ذاتهن وبالتالي هتكون في أسلوب التربية.

النقطة الأخيرة هي.. أيضاً أنا أريد أن أتساءل: من الذي يقيِّمها؟

خديجة بن قنة: باختصار شديد –لو سمحتِ- دكتورة جيهان.

د. جيهان أبو زيد: حاضر، من الذي يقيِّم أعمال النساء؟ المقيم سواء كان المقيِّم رجل ناقد أو ناقدة، وغالباً أنا بأتحدث هنا عن الرجال النقاد، ماذا يلتقط وهو ينتقد النص الأدبي، هو.. أحياناً بيلتقط ما يعكس الأنثى في الكتابة ويبني كل نقده من هذه الزاوية، وهذه أيضاً جانب شديد الخطورة، وبالتالي في مواجهة هذا نحن نحتاج بشدة إلى مزيد من الناقدات العربيات اللي ربما يكونوا أكثر موضوعية.

خديجة بن قنة: نعم، دكتورة جيهان أبو زيد من مصر شكراً لك، كان لديكِ تعليق دكتورة زهرة الجلاصي.

د. زهرة الجلاصي: والله أعتقد إننا في مسارنا.. يعني حوارنا وتداخلات كأنما صرنا يعني نميل إلى استجلاب للمأساة، يعني إلى نظرة فيها ما فيها من الانسياق خلف المعوقات والسلبيات إلى غير ذلك لكن لا ننسى أن ثمة وجه آخر أيضاً للعملة، وجه آخر وهو أن ثمة ما يُسمى اليوم بالميز الجنسي الإيجابي، فثمة مجموعة من الآليات التي تحفِّز المرأة على الإبداع من ناحية، وتدفع بها إلى المشهد الثقافي من ناحية أخرى في –أعتقد- كثير من دور النشر تتسامح مع المرأة الكاتبة، يعني ربما تساعد في ظهور بعض المخطوطات، بقطع النظر حين حتى عن قيمتها ما باعتبار أن صاحبتها امرأة، واسمحي لي أيضاً أن أقول بشيء من الحرج أن موجة صارت جديدة وهي تبحث.. تبعث يعني على الحيرة، ظهور عديد من البنيَّات والنساء اللاتي يتجملن بالأدب، يتجملن بالكتابة، معناها تريد أن تظهر وتجد.. وتجدين لذلك -كيف أقول يعني؟- مقاولات كاملة لدفعهن في المشهد، سواء من وسائل الإعلام التي تتواطئ بشكل أو بآخر..

خديجة بن قنة[مقاطعةً]: هذا يقودنا إلى الحديث عن علاقة الرواية النسائية بالجسد هناك إنتاج أدبي أو موجة من الإنتاج الأدبي تتمحور فيها الرواية حول الجسد، هل هذا التعبير الأنثوي..

د. زهرة الجلاصي: نعم.. قد يكون هذا.. قد يكون هذا يعني نوع من الدفع ببعض التجارب تبدأ فيها جرأة، لأن صاحب دور النشر هو تاجر قبل كل شيء وهو يعرف بحسه.. حسه التجاري أن بعض الكتابات التي تتوفر على شيء من الإثارة ستلقى رواجاً في السوق ربما يعني يشجع أو يساعد على نشر تجارب في هذا الاتجاه، ونحن يعني نربأ بالمرأة أن تتخذ من جسدها أو من الكشف عن الجسد أداةً للانتشار وللبروز، نأبى.. يعني نربأ بهذا التوجه.

د. يمنى العيد: يعني بغض النظر عن هذه المسألة فيه.. فيه القيمة الإبداعية، يعني الإبداع هو الإبداع، قد نجد كتاب روائي يتكلم عن الجسد بشكل على مستوى إبداعي هو كتاب بيكون مبتذل يعني، ينفع للقيمة، أنا بدي بس أؤكد..

خديجة بن قنة[مقاطعةً]: وهذا بالنسبة للمرأة والرجل، الكاتب والكاتبة يعني..

د. يمنى العيد: بالضبط يعني هم الرجال عم بيكونوا فيه عندهم إباحية أكثر من النساء، بس مش هون الموضوع، الموضوع هو في القيمة الفنية للعمل، أنا بدي أؤكد على شغلات بسرعة، أنا بأقول إن الرجل ما يفرضه الرجل -اللي حكى عنه الدكتور حسام، أوافقه كتير عليه- لا يفرضه من موقعه كذكر، إنما يفرضه من موقعه في المجتمع، حتى أقول ذلك حتى لا نقع في خطاب ضد.. بين الذكورة والأنوثة ونخفي العوامل التالية يعني يصر الخطاب ذكور.. الصراع بين الذكر والأنثى ونغيب الصراعات الأخرى يا اللي أكثر أهمية وأكثر فاعلية في حياتنا الاجتماعية، وأكثر حاجة نحن إلها فإذن..

د. رضوى عاشور: يعني أقاطعك يا دكتور يمنى..

د. يمنى العيد: اتفضلي..

د. رضوى عاشور: وتكملي بعد دقيقة،إنه دي نقطة أرجو إن إحنا نؤكد عليها، لأنه بيبدو من مسار الحديث كإننا بنتكلم مرأة، رجل..؟ كتابة مرأة، كتابة رجل، وما أعتقدش..

د. يمنى العيد: ثنائية يعني خطرة.. طبعاً.. طبعاً..

د. رضوى عاشور: مع هذا الثنائية، هذا..

خديجة بن قنة: طب كيف يمكن تجاوز هذه.. الضدية الثنائية واعتبار هذا الأدب، يعني إعطاؤه رؤية إنسانية بعيدة عن المذكر أو المؤنث يعني بعيدة عن أي انتماء جنسي، كيف يمكن أن نتجاوز ذلك؟

د. رضوى عاشور: لا.. لا هي مش بعيداً عن.. مش بعيداً عن، يعني بمعنى إنه أنا هأكتب فجزء من كتابتي هو تجربتي كامرأة، لكن أنا لا أنظر إلى الأدب بهذا الشكل ولا أنظر إلى المجتمع بهذا الشكل، لأنه فيه أبناء جيلي، فيه الناس الرجال والنساء الذين يشتركون في مصالح معينة وفي موقع معين وفي فكر فلسفي معين، إلى آخره... إلى آخره..، فالمسألة يعني من غير الدقيق طرح المسألة كثنائية بين رجل وامرأة وكتابة رجل وكتابة امرأة، اتفضلي يا دكتورة يمنى، أنا قاطعتك.

د. يمنى العيد: أنا بأؤكد على ذلك كيف سألتي كيف أن.. أن نرى إلى ما يقوم به الرجل لا بصفته -مثل ما قالت ذكر- إنما نبحث عن الأسباب، ما الذي دفع الرجل إلى أن يقاوم المرأة في زمن ما أو يكون ضدها؟ ما الذي دفعه في زمن آخر أن يكون معها؟ من هو.. من هو الرجل الذي مع المرأة أو مع كتابات المرأة يعني أنا بدي آخد مجموعة، ابن رشد بالزمن القديم حكي كلام يعني ما بنتصور إنه بيحكى بها الأيام، بياخد روائيين ذكور أخدت محمود درويش أنت، بياخد نص لأدونيس، بياخد نصوص لسمع الله إبراهيم، في روايته اللي هي "وردة" البطل عنده امرأة هي التي تقود حركة الثورة، يعني فيه عدد من الرجال هم يعني مع المرأة، لكن باعتبار قيم معينة فإذا نحنا أكدنا على الأدب بما يحمله من قيم، ونظرنا إلى مناهضة الرجل للمرأة من موقعه الاجتماعي السياسي الفكري العقائدي إلى آخره، بتكون المشكلة محلولة، وبعدين شغلة تانية، إنه في مسألة الحرية اللي بدي أؤكد عليها إنه من المعوقات هي الحرية لأنه لاحظي إن إحنا مثلاً حكينا شيء عن السيرة الذاتية، لا الرجل ولا المرأة يتجرؤون على كتابة سيرهم الذاتية بحرية.

خديجة بن قنة: لماذا؟

د. يمنى العيد: لأنه بيخافوا فيه.. فيه محاكمة بالمجتمع، وبالأدب بحاجة ليرقى للصدق، يعني الرجل يكتب عناصر من سيرته الذاتية في أسلوب روائي يعني الرواية اللي إلها طابع سيرة ذاتية هي أهم من السيرة الذاتية أنا اشتغلت على السيرة الذاتية يعني أخذت عدد من.. من الأدباء الرجال، حتى.. حتى أدونيس في مقابلة صحفي مع مجلة "الوسط" بيقول: أنا لا أجرؤ –بما معناه- عن إني أحكي، لأني سأُحاكم من قبل أهلي، لأنه ما فيش حرية للفرد، (حنا مينا) كتب ثلاثيته وكتب فيها عناصر من السيرة الذاتية وهو بيرجع يعود فيروي في علاقته مع الكتابة كيف أخته قامت ليه وقالت له خد إنه بدك فلوس مصاري بس ما تكتب ها الأشياء عنا.. كتب كيف بيُّه [أباه] كان يعامل أمه، يعني هذا القمع ضمن الأسرة، يعني.. فإذن مسألة الحرية يعني مسألة جد هامة أن توظف هذه الحرية لا من شان أشياء فضائحية، إنما لتبيان المواقف الحقيقية، التناقضات التي نعيشها في مجتمعنا إذا بينَّاها بحرية، معناته إن إحنا هنقدر نكون عم ننتج أدب يحمل قيم إنسانية كبرى.

خديجة بن قنة: نعم، طيب، هل.. سمعت..

د. زهرة الجلاصي: نحن اليوم أعتقد بحاجة إلى تحليل نظرتنا لهذه الكتابة، نعم نحن متفقون على أن الكتابة تمثل ذلك المشترك، المرأة الكاتبة كما الرجل، تحمل الأمثلة الثقافية السائدة في عصر ما، تكتب اللغة التي يكتب بها الرجل، قرأت وربما تابعت ولها معارف مثل التي حصل عليها الرجل، إذن ثم الجانب المشترك في الكتابة، لكن في وقت من الأوقات أُطلق مصطلح شاع بكثرة وهو الأدب النسائي أو الكتابة النسائية، فكأنما هو نوع من التلطف أطلقه الرجل على كتابة المرأة، باعتبار أن هذه الوافدة الجديدة تكتب ربما بشكل مختلف و.. كأنما سنحصر هذه الكتابة باعتبارها يعني تابعة وباعتبارها هامش مقابل المركز الذي يمثل كتابة الرجل، لكن اليوم مع اكتساب المرأة لتقاليد الكتابة أعتقد أنها بدأت تفرض حضورها في الساحة الثقافية، من المفروض أن نترك هذا المصطلح الذي لم يعد..

خديجة بن قنة: إذن أنتن متفاءلات بمثل حال الكتابة النسائية؟

د. زهرة الجلاصي: نعم، لم يعد يفي بالحاجة لم يعد.. لا نؤمن بالعزل.. لكن.. لكن وإن كنا لا نؤمن بالعزل فإننا لا ننفي الخصوصية، لأن نحن مع الاختلاف..

خديجة بن قنة: نعم، أدركنا الوقت، معذرة لكنَّ، ليس بوسعي في النهاية إلا أن أشكر ضيفاتنا الروائية والناقدة المصرية الدكتورة رضوى عاشور (أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس)، والدكتورة زهرة الجلاصي (الأديبة والأستاذة في جامعة القيروان بتونس)، و(الكاتبة الناقدة اللبنانية) الدكتورة يمنى العيد، شكراً لكن جميعاً.

شكراً لمشاهدينا أيضاً على المتابعة، ونلقاكم الأسبوع المقبل بحول الله، أطيب المنى وإلى اللقاء.