مقدم الحلقة

محمد كريشان

ضيوف الحلقة

كمال الهلباوي - الباحث في الدراسات الإستراتيجية
د. قاسم جعفر - باحث بالقضايا الإستراتيجية
حميد غل - رئيس الاستخبارات الباكستانية السابق

تاريخ الحلقة

25/10/2001

- نشأة طالبان وأبعادها التاريخية والدينية والسياسية
- واقع طالبان في ظل الهجوم الأميركي عليها
- مستقبل طالبان والتأثيرات الداخلية والإقليمية والدولية

د. قاسم جعفر
الجنرال حميد كول
د. كمال الهلباوي
محمد كريشان
محمد كريشان: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم مرة أخرى في حلقة جديدة من حلقات (أولى حروب القرن)، ونخصصها هذه المرة لموضوع حركة طالبان، طالبان النشأة، طالبان الواقع الحالي، وطالبان المستقبل، سنحاول أن نتناول هذه القضية ارتباطاً بالتطورات الحالية، حتى نستطيع أن نخلص في النهاية قدر الإمكان لمعرفة ما إذا كان لحركة طالبان أي دور في المستقبل مع استمرار الهجمات الحالية على أفغانستان والإصرار الأميركي على ضرب قواعد هذه الحكومة أو الحركة.

لتناول هذه الموضوع معنا في الأستوديو الدكتور قاسم جعفر (باحث في القضايا الاستراتيجية) أهلاً به وسهلاً، وعبر الأقمار الاصطناعية من إسلام آباد الجنرال حميد جول وهو (رئيس المخابرات الباكستانية السابق)، ومعنا أيضاً عبر الأقمار الاصطناعية من استوديوهاتنا في لندن الدكتور كمال الهلباوي، وهو (باحث في القضايا الإسلامية).

نشأة طالبان وأبعادها التاريخية والدينية والسياسية

إذاً سنتناول موضوع حركة طالبان سنتناولها بجانب تاريخي قدر الإمكان، معرفة الخلفية الثقافية والتاريخية والعقائدية لهذه الحركة، حتى نفهم بقية التطورات وكيف وصلت إلى الحكم، إذاً هناك جانب تاريخي. هناك جانب يتعلق بالواقع الحالي، وهناك جانب نحاول فيه استشراف آفاق المستقبل، وكبداية لهذا الحوار نتابع هذا التقرير الذي أعده حسن إبراهيم حول نشأة الحركة، وخاصة في الجانب العقائدي الديني لها.

تقرير/ حسن إبراهيم: قد يعتبر اختزالاً للتاريخ القول: إن حركة طالبان تكونت فقط كرد فعل تلقائي على الحرب الطاحنة التي دارت بين فصائل المجاهدين وحكومة الرئيس الأفغاني المخلوع دكتور برهان الدين ربَّاني، فحسب ما يقول هؤلاء فإن الحركة تكونت في قندهار عام 94، وتمكنت من دخول كابول عام 96، وهذا توصيف تنقصه الدقة، فطالبان حركة عريقة معقدة التركيب والمنطلقات والمقاصد، ولعل توخي الدقة يجبرنا على تمييز الانبعاث السياسي للحركة عن النشأة والتكوين، ويمكن القول: بأن الظرف التاريخي كان مواتياً ما بين عامي 94، 96 لكي تنتصر حركة الطلبة أو طالبان كما يتم جمع لفظ طالب بلغة "البشتون" العنصر الغالب على الحركة.

تنتمي حركة طالبان إلى المذهب الحنفي الديوبندي الذي ترسخت جذوره في شبه القارة الهندية من القرن التاسع عشر، و"ديوبند" مدينة صغيرة تبعد حوالي مائة وأربعة وأربعين كيلو متراً شمالي دلهي، وقد انطلقت من هذه المدينة الصغيرة تعاليم هذا المذهب، الذي يصنف بأنه مغرق في سلفيته، ويشكل الطلبة الرصيد الحي الفاعل لحركة طالبان، فهي مازالت تتبع المنهج الكلاسيكي القديم الذي وضعه في القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي الشيخ نظام الدين بن قطب السهالوي، وتنقسم الدراسة التي لم تتغير كثيراً منذ ذلك الحين إلى شقين: العلوم الآلية، مثل: النحو، والصرف والأدب العربي، والبلاغة، والأدب الفارسي، والمنطق والفلسفة القديمة، والرياضيات، والهندسة.

ثم العلوم الأساسية، مثل: التفسير، وعلوم القرآن، والسنة وعلومها، والفقه، وأصول العقائد، وعلم الكلام، و الفرائض، والتجويد، وغيرها.

مراحل الدراسة هي: الابتدائية، والمتوسطة، والعليا، والتكميلية، بالإضافة إلى سنة تكميلية أخرى لدراسة كتب الحديث بصورة موسعة كالستة الصحاح، وموطَّأ الإمام مالك وغيرها.

ولا يمكن الفصل بين شخصية الأفغاني بأبعادها الإثنية والعقائدية والتاريخية عن فهم حركة، وهناك بالطبع تنافس تاريخي بين مدارس الديوبندية المختلفة، لكن معظمها أسهم ليس فقط في تكوين حركة طالبان بل في تشكيل شريحة مؤثرة من صناع القرار السياسي في باكستان المجاورة، ولعل كثيراً من أعضاء جمعية علماء باكستان ينتمون إلى واحدة من مدارس الفقه الحنفي الديوبندي.

تتمركز قيادة الحركة في قندهار، التي اعتبرت تاريخياً مقبرة الغزاة منذ البريطانيين عام 1841م، وحتى الحقبة السوفيتية.

يعزو كثيرون ذلك إلى شدة مِراس أهل قندهار وتقليديتهم، وشظف معيشتهم، واستعداهم الفطري لتحمل الصعاب. ولعل أهم ما يحمي قندهار تاريخياً هو الذي وقف حجر عثرة أمام تطور طبيعي للفقه الديوبندي وطريقة تعامل حركة الطلبة مع مختلف المستجدات العصرية، ولو قفزنا عبر المراحل التاريخية لوجدنا أن تسلم حركة طالبان الحنفية الديوبندية البشتونية للسلطة كان سهلاً للغاية، فقد وصلت الحرب الأهلية بين مختلف الفصائل الأفغانية إلى طريق مسدود، ولم يتصد لحسم الحرب واقتلاع السلطة عنوة إلا الملا محمد عمر مجاهد وأتباعه، الذين تدفقوا على قندهار، وكابول، وجلال آباد من مختلف أنحاء باكستان وأفغانستان.

كثيرون من ناصحي حركة طالبان أرادوا منها تسليم المعارض الإسلامي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، لكنها فضلت تحمل القصف الأميركي وخسارة كل شيء على تسليم رجل استغاث بها، وتحالف معها، وبايع أميرها الملا محمد عمر على المنشط والمكره.

التركة التي ورثتها طالبان لا شك ثقيلة، ولا يمكن فهم ردود أفعال الحركة إلا بالتعرف على مكوناتها إثنياً ودينياً وتاريخياً.

محمد كريشان: إذاً كان هذا تقرير حسن إبراهيم كمدخل لهذا النقاش.

الدكتور قاسم جعفر، التقرير تحدث عن البيئة الثقافية، وخاصة المدارس الدينية التي منها نبعت الحركة، ولكن مع ذلك دائماً عند الحديث عن حركة طالبان نعود تقريباً بشكل آلي للحديث عن أن باكستان هي التي رعت التكوين، وبعضها يعتبرها أن باكستان هي التي أنشأتها أصلاً، وهناك حديث أيضاً شبه آلي عن أن الولايات المتحدة رعتها، وعلى الأقل دعمتها لاحقاً حتى تصل إلى السلطة. هل تعتقد بأن الأمور يمكن أن تقدم بمثل هذا.. بمثل هذه الصورة التبسيطية ربما؟

د. قاسم جعفر: لأ، لا أعتقد أنها تبسيطية، أعتقد أنها عودة إلى الموضوع في سياساته الحقيقية، طبعاً هناك بيئة ثقافية، وقبلية، وإثنية، وعرقية، ومناطقية، تحكم نشأة طالبان، وهذا شيء طبيعي يتحكم بكل.. بنشأة كل الحركات في العالم، كل حركة تنشأ في العالم من بيئة معينة، سواء كانت ثقافية أو غيرها. أما الظروف السياسية التي تؤدي إلى نشوء مثل هذه الحركات فهي الظروف التي في رأيي يجب أن نركز عليها، لأن المدارس الإسلامية موجود أصلاً قبل طالبان وستبقى بعد طالبان، فليست هي الأساس في نشأة طالبان، الأساس في نشأة طالبان هي الظروف السياسية التي حكمت الأزمة الأفغانية في أعقاب إخراج القوات السوفيتية، وفي أعقاب سيطرة فصائل المجاهدين في ذلك الوقت على كابول.. على الحكم في أفغانستان، ومن ثم اندلاع النزاع بين هذه الفصائل، في ذلك الوقت كلنا نعرف أن الباكستان كانت تدعم بقوة المجاهدين والجهاد الأفغاني ضد الوجود السوفيتي، وبطبيعة الحال كانت هذه الفصائل –يعني- مؤلفة من.. عدة تيارات، وكان هناك على سبيل المثال الجمعية الإسلامية التي لا يزال يتزعمها حتى الآن برهان الدين رباني الرئيس الذي لا تزال تعترف به الأمم المتحدة كرئيس لأفغانستان، طبعاً هو ليس موجوداً في.. ليس موجوداً في كابول، ولكن هو الآن يعتبر القطب السياسي للمعارضة الشمالية.. التحالف الشمالي، وقائده العسكري الراحل أحمد شاه مسعود وهؤلاء كانوا من الطاجيك أساساً. كان هناك الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار، والذي كان –يعني إذا صح التعبير- رجل باكستان في تلك المرحلة. وكان هناك فئات وأحزاب أخرى مثل: عبد رب النبي سياف.. عبد رب الرسول سياف، ويونس خالص وغيرهم...

محمد كريشان[مقاطعاً]: ولكن دكتور، يعني عفواً، حركة طالبان جاءت أساساً استجابة لحاجيات معينة، حتى بأنها لما أتت يعني كان هناك نوع من الترحيب به لأن.. إلى.. إلى جانب الاقتتال كان هناك أيضاً وضع...

د. قاسم جعفر[مقاطعاً]: هذا.. هذا في مرحلة لاحقة.

محمد كريشان[مستأنفاً]: كان أيضاً وضع اقتصادي سيئ، ووضع أمني سيئ.

د. قاسم جعفر: صحيح..صحيح.

محمد كريشان: وهناك حديث عن إتاوات واستفحال للإجرام وغيره.

د. قاسم جعفر: صحيح.. صحيح، ولكن كله في مرحلة لاحقة، كل هذا نشأ في مرحلة لاحقة.

محمد كريشان يعني ممكن هناك نشأة طالبان.. الثقافية –إن صح التعبير- ونشأتها السياسية لاحقاً كحركة تطمح إلى.. إلى تغيير الوضع.

د. قاسم جعفر: أعتقد قد يكون من الصحيح القول أن طبيعة طالبان الثقافية والدينية ساهمت في نشأتها السياسية، ولكنها لم تنشئها سياسياً، ما أنشأها سياسياً كانت الحاجة الباكستانية إلى حليف يستطيع السيطرة على النزاع المتفاقم في ذلك الحين بين فصائل المجاهدين، وخاصة بعد أن بدأ نجم قلب الدين حكمتيار، الذي كان فعلاً رجل الباكستان في تلك المرحلة ورجل البشتون، الحزب الإسلامي كان.. يعني هو السلف الذي خلفته طالبان في تمثيل عاملين أساسين: البشتون على المستوى الداخلي والباكستان على المستوى الإقليمي، فعندما ضعف حكمتيار في مواجهة أحمد شاه مسعود شعرت الباكستان بأن الحاجة باتت تقضي الآن بالبحث عن بديل.

محمد كريشان: ربما.. نعم.

د. قاسم جعفر: هذا البديل جاء عن طريق طالبان، وطبعاً.. يعين تمت الاستفادة آنذاك من استفحال الوضع الداخلي بين المجاهدين، كما تفضلت من إتاوات، وخلافات، واغتصابات، ويعني كلام.. كان لا يجب أن يحصل أساساً، ولكن للأسف حصل، وجاءت طالبان على أرضية خصبة من الاستعداد الداخلي لتقبلها لوضع حد لهذه الشواذات، ومن جهة أخرى الدعم الإقليمي متمثلاً بالباكستان الذي جاء ليحل مكان هذه الفوضى العارمة، فبالتالي سيطرت على..

محمد كريشان: إذاً.. التقى العامل الداخلي مع العامل الإقليمي.

د. قاسم جعفر: والدولي طبعاً.

محمد كريشان: والدولي.

د. قاسم جعفر: من خلال المساندة حتى لا نقول الدعم، ولكن على الأقل الموافقة الأميركية والتشجيع الأميركي، علماً بأن الولايات المتحدة كانت في ذلك الوقت بدأت تفقد الأمل إلى حدٍ ما بفصائل المجاهدين المتنازعين، واعتبرت –مثلما اعتبرت الباكستان- أن طالبان قد تشكل البديل الأفضل أو الأقل سواءً في هذه المعادلة، فدعمت طالبان.

محمد كريشان: الحاجة.. الحاجة الباكستانية ربما نسأل عنها (رئيس المخابرات الباكستانية السابق) الجنرال حميد جول في إسلام آباد. هل جاءت حركة طالبان فعلاً تلبيةً لحاجة باكستانية ملحة؟

الجنرال/ حميد كول: لا، هذا ليس صحيحاً، فإن حركة طالبان كانت رد فعل تلقائي للموقف الذي ساد بعد انهيار نظام نجيب الله، ونتيجة للمعارك التي شبت.. نشبت بين الفئات المتحاربة هناك، وأعتقد أن باكستان مجرد أنها سايرت الوضع، لأنه كانت هناك حاجة لدى باكستان لكي يكون لها صديق في أفغانستان. وأكثر من ذلك أعتقد أنه من غير الإنصاف أن نقول: أن باكستان هي التي أوجدت طالبان، فهذا ليس صحيحاً، ومن.. يجب أن نقول أن حركة مثل هذه لا يمكن أن تنشأ من قوى خارجية، فالجميع يعرفون أن الحركة كانت قوية بالفعل، ولا يمكن لأحد أن يحرم هذه الحركة من هذه الصفات، وكانت يجب أن تتأكد من تحقق مصالحها في أفغانستان.

محمد كريشان: ولكن سيد جول، هل تعتقد بأن باكستان استثمرت وضعاً معيناً لإيجاد طالبان؟ يعني هي التي كانت وراءها.. بالكامل رغم أنك تنفي، أم أنها استثمرت وضع معين للدفع به؟ هل هي شيء مؤقت، أم كان شيء مخطط له؟

الجنرال/ حميد كول: نعم، استغلت هذا الوضع عندما بدأت طالبان في.. تلقي الدعم داخلياً من أفغانستان، وبدأت تحقق تقدماً، وقد استقبلوا بالترحيب من المؤسسة التي كانت قد سئمت من سلوك المجاهدين وقادة المجاهدين الأفغان، وأباطرة الحرب الذي أوجدتهم هذه المعارك، والوضع الذي أوجدوه لباكستان، كانوا يتاجرون في الأسلحة وفي المخدرات، وكان الناس يختطفون من أفغانستان، وكان اللاجئون لا يرجعون إلى باكستان، ولذلك فإن باكستان رأت أنه قد يكون من المناسب أن تساير حركة طالبان، ولكن الأهم من ذلك لا يمكن أن نعزي ذلك إلى أي.. أي تلاعب من.. أو تحكم من باكستان.

محمد كريشان: نعم، بالنسبة لضيفنا الدكتور كمال الهلباوي وهو (باحث في القضايا الإسلامية) وعاش فترة من الفترات في باكستان، وتابع –ربما- في فترة من سنة 88 إلى بداية الـ 90. دكتور، هل تعتقد بأن بالنسبة لباكستان التي كانت دائماً في توتر مع أفغانستان منذ نشأتها، أي باكستان، عام 47، وكانت دائماً تخشى من استثمار الهند لهذا التوتر، هل تعتقد بأن طالبان جاءت أساساً رهاناً باكستانياً بحتاً؟

د. كمال الهلباوي: لا نستطيع أن نقول أنه رهان باكستاني بحت، لأن السياسة الأفغانية التي ترسم في.. سواء في أفغانستان أو باكستان، هناك دول أخرى خارجية لها يد فيها، ولعل اللواء.. الجنرال جول يذكر هذا في بعض الكلمات، ويدرك أن أميركا لا تترك باكستان وحدها تفرض سياسة معينة على أفغانستان. أمر آخر إنه الحرب التي قادها المجاهدون ضد السوفييت لم يكن المجاهدون وحدهم هم الذين يقفون ضد السوفييت، إنما تيسرت لهم أمور جعلتها كأنها حرب عالمية تدور على أرض أفغانستان، وقودها الأفغان، والمستفيد منها الأميركان.

محمد كريشان: نعم، ..

د. كمال الهلباوي: فالسياسة الأفغانية تتقرر في أفغانستان، وتتقرر في باكستان، وتتقرر أيضاً في أميركا بجزء كبير.

محمد كريشان: ربما هذا أيضاً ما أشار إليه حميد جول في.. في تصريح كان له عام 95، وسنعود لنسأله عن –ربما- التباين بين ما قاله عام 95 وما يقوله الآن.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: نعود للجنرال حميد جول في إسلام آباد.

دكتور، في ندوة انتظمت في إسلام آباد عام 95 نقل عنكم هذا القول، وأنا الآن أقتبس بالكامل بين قوسين (سياسة باكستان في أفغانستان تديرها الاستخبارات الأميركية، وحركة طالبان زُرعت زرعاً في أفغانستان).

هل مازلت متمسكاً بهذا الرأي، أم ربما عدّلته إذا ما فهمنا جيداً كلامك السابق؟

الجنرال/ حميد كول: أنت محق تماماً في إظهار هذا التفاوت، فقد كان موقفي مختلفاً في ذلك الوقت عما هو عليه الآن، والسبب.. هناك سبب لذلك، فحتى ربيع عام 1995م كنت متمركزاً في كابول، وكنت أنظر إلى حركة طالبان من.. من موقفي ذلك، واعتقدت.. كما ذكر في كابول في تلك الأيام، عندما كنت مشتركاً في تحقيق السلام بين مسعود وحكمتيار، أن حركة طالبان كانت تلقى دعم حكومة باكستان، خاصة وزارة الداخلية الباكستانية، والمخابرات الأميركية أيضاً، لأن (روبين روفيل) الذي كان مساعد وزير الخارجية في أميركا في ذلك الوقت أَبْدت ملاحظة بالغة الإيجابية عن حركة طالبان، لذلك فكانت وجهة نظري مختلفة في ذلك الوقت، ولكنني عندما عدت في أوائل 95 إلى باكستان بدأت في مراجعة نفسي حول كل ما يتعلق بحركة طالبان، وبالتالي كان عليَّ أن أغير رأيي، فموقفي اليوم بعد قيامي بالعديد من الأبحاث والدخول في آليات الحركة، فإنني أعتقد أنه من الصحيح أن حركة طالبان كانت حركة أصولية، ولكنها كانت يدعمها التجار الأفغان الذين كانوا يريدون فتح طرق جديدة، ومن الحكومة الباكستانية التي كانت تريد نشاطات مشابهة أن تستمر دون توقف، وبالطبع من قبل أميركيين، والشركات الأميركية التي طُلب منها.. كُلِّفت ببناء خطوط أنابيب عبر أفغانستان كل هذه العوامل المشتركة وفَّرت المجال لحركة طالبان، ولكن أن نقول أن حركة طالبان أوجدتها أو أنشأتها باكستان أو من القوى الخارجية، لا أعتقد أن ذلك صحيح.

محمد كريشان: نعم، دكتور كمال الهلباوي في لندن، يعني إذا كان.. المُلاّ محمد عمر.. لو كان له أن يسمعنا ربما لردد نفس الجملة التي قالها عندما جوبه بمثل هذه الحجج، قال: "الحركة نتجت عن التوكل المحض"، يعني العناصر الذاتية الخاصة، وقال: "أخرجوا كل تصور غير هذا عن أذهانكم"، هل من السهل فعلاً إخراج أي تصور من الذهن، كما يريد الملا محمد عمر؟

د. كمال الهلباوي: لا أنا.. لا أتصور أن ما قاله المُلاّ عمر صحيحاً، إنما الذي قاله الملا هو يصدقه، هو يصدق ما قاله، وما كتبناه في كتاب عن طالبان في معهد الدراسات السياسية، لأنه هو رجل أولاً عالم، وعالم بسيط، وتحرك حركة مع العلماء والطلبة، ويدرك أن تاريخ أفغانستان السابق كان للطلبة دائماً ورجال الدين كلمة قوية في تقرير مصير الملوك، حتى إن بعضهم قُتل بفتوى، وبعضهم طُرد من الحكم بفتوى، ولكن لعله لا يدرك الأسباب الخارجية والتأثيرات الخارجية التي دعمته ودعمت الحركة للتخلص ممن نسميهم الآن "أباطرة الحرب"، وهم القادة المجاهدين الذين حرروا أفغانستان، منهم من قُتل ومنهم من طرد إلى طهران، ومنهم من يعيش بين الجبال، ومنهم من يعيش بطاجيكستان. هؤلاء القادة الحقيقيون الذين حرروا أفغانستان وجاهدوا تحت تنظيمات معروفة للجميع، إنما لم يكن هناك تنظيم معروف اسمه تنظيم "طالبان" أو حركة طالبان، وطلبة المدارس كانوا ينتشرون في كل تنظيم، بعضهم كان ينتشر في كل تنظيم، فأنا أتصور أن الملا محمد عمر يصدق ويقول ما قاله عن إخلاص، لأن أيضاً علم طالبان بالتأثيرات الخارجية والأثر الأميركي على باكستان وتدخل باكستان أعتقد أنه علم محدود في هذا الإطار.

محمد كريشان: نعم، دكتور قاسم.

د. قاسم جعفر: أنا أوافق فعلاً على ما تفضل به الدكتور كمال، يعني قد يكون الملا عمر فعلاً يعني مقتنع تماماً بأن طالبان جاءت تلبية لحاجة أفغانية، وأن.. كان التعبير عن رفض الأفغان والطلاب والعلماء للوضع المستفحل والمتدهور الذي شاب البلاد في أعقاب انتصار المجاهدين، ومن ثم في أعقاب تنازعهم، ويعني تفشي الفوضى في صفوفهم، ولكن –وعودة إلى ما قاله الجنرال جول قبل قليل- يعني الجنرال جول فعلاً..

محمد كريشان[مقاطعاً]: هو على الأقل اعترف أنه غيَّر موقفه يعني..

د. قاسم جعفر: يعني لا أعرف تماماً إذا غير موقفه، لأنه.. الموقف ليس إذا كان تغييراً أو غير تغيير، الموقف هو أن لا شيء سيء في الاعتراف بأن بلداً كباكستان لها مصالح إقليمية مشروعة في دولة جارة لها كأفغانستان، وبالتالي ليس هناك ما يعيب في أن تعترف الباكستان بأنها فعلاً دعمت طالبان، وعملت على إنشائها، وعملت على مدها بالأسلحة والذخائر، ودرَّبت عناصرها، بل ووفرت لها الفرصة لتطويع المقاتلين والعناصر من حتى.. من صفوف البشتون الباكستانيين، وفتحت الحدود أمامها، وإلا يعني ما يقوله الجنرال جول قد يؤدي إلى واحد من اثنين: إما أن باكستان كانت فعلاً فاقدة للسيطرة تماماً على جزء كبير من أراضيها ومن حدودها، حتى تتمكن طالبان من تجييش جيش مؤلف من حوالي 20 إلى 25 ألف مقاتل، وتفتح به الحدود عبر الباكستان، وتتجه إلى الأراضي الأفغانية بدبابات، ومدرعات، وأسلحة، وذخائر، دون علم للسلطات الباكستانية أو دون مقدرة من السلطات الباكستانية على الوقوف في وجهها، أو أن هذا كان يحصل تماماً بالتنسيق، والتعاون، والتشجيع من السلطات الباكستانية.. إذا ما سألت معارضين أفغان اليوم، بمن فيهم من كانوا رجال الباكستان أيام الجهاد ضد السوفييت، مثل قلب الدين حكمتيار، ناهيك عن برهان الدين ربَّاني أو القائد الراحل أحمد شاه مسعود، لقالوا تماماً: أننا عندما كانوا يواجهون طالبان لم يكونوا يواجهون طالبان، كانوا يواجهون فعلاً المؤسسة العسكرية الباكستانية الداعمة لطالبان. أنا لا أقول أن هذا عمل سيء من جانب.. من وجهة النظر الباكستانية، هذا عمل مبرر، لأن للباكستان مصالحها المشروعة في.. في.. في أفغانستان، تماماً مثلما تقول إيران أن لها مصالح مشروعة، تماماً مثلما للهند، لأوزباكستان، لطاجيكستان، المشكلة التي ينبغي علينا أن نركز عليها الآن هي في ضوء هذا.. هذا التاريخ، وفي ضوء الواقع الحاضر كيف سيؤثر التبني الباكستاني لطالبان في مقابل وفي مواجهة التبني الإقليمي لكل من الفصائل الأخرى على محاولة صياغة مستقبل أفغانستان؟ وبالتالي ربما –وهذا ما علينا أن.. أيضاً أن نركز عليه- كيف سيكون مستقبل طالبان مؤشراً على مستقبل ما يسمى "بالتحالف الدولي" الذي تقول الولايات المتحدة أنها تعمل أو عملت على إنشائه من أجل تحديد مستقبل هذه الحرب، لأن مستقبل طالبان فعلاً سيكون هو المؤشر على ما إذا كان هذا التحالف سيستمر أم لن يستمر، وبالتالي ما هي المرحلة التالية؟

محمد كريشان: نعم، أنت دكتور، يعني مهَّدت لنا بطريقة سلسة جداً الانتقال لمحورنا الثاني والمتعلق بالواقع الحالي لحركة طالبان في ظل الضربات الحالية الموجهة لأفغانستان، وهو المحور الثاني.

[فاصل إعلاني]

واقع طالبان في ظل الهجوم الأميركي عليها

محمد كريشان: بإمكان السادة المشاهدين المشاركة في هذا البرنامج من خلال موقع الجزيرة على الإنترنت:

www.aljazeera.net

وهناك وحدة خاصة تتابع المشاركات وتحولها إلى الأستديو، وسنحاول أن نطرح الأسئلة التي تبقى في صميم الموضوع والمتعلقة بحركة طالبان: النشأة، الواقع، المستقبل. إذاً وصلنا إلى محور واقع حركة طالبان الآن، هذه الحركة التي أمسكت بزمام السلطة منذ زُهاء الخمس سنوات، وعاشت في –تقريباً- شبه عزلة دولية كاملة، ولكنها استطاعت مع ذلك أن تبسط سيطرتها على زُهاء 90% من أفغانستان، ولكن كل هذه المعطيات ربما ستنقلب ظهراً على قلب، أو ستنقلب بالكامل تقريباً بعد الضربات.

محمد الصافي، أعد لنا تقرير حول واقع الحركة ارتباطاً بنشأتها، وأيضاً محاولة لاستطلاع آفاق المستقبل.

تقرير/ محمد الصافي: قبل سنوات قليلة كان العالم كله في عجلة من أمره لطيّ ملف أفغانستان في النسيان والتخلص من التركة التي خلَّفها في شكل فسيفساء قبيحة لتقاسم القوة في مسرح داخلي يتميز بالتطاحن العنيف بين رفقاء السلاح، الذين غدوا فرقاء نزاع محموم على السلطة، وعناصر مستعدة لنقل التجربة الأفغانية إلى الخارج بحلوها ومرها، وفيما العالم مشغول في كل هذا تردد من مجاهل مدينة قندهار الصحراوية الجنوبية المعروفة ببسالة أهلها تردد لأول مرة اسم "طالبان"، فيما قيل آنذاك أنه احتجاج أفغاني داخلي مسلح على الفساد المستشري في البلاد وحالة الفوضى العارمة التي وصلت إليها الأمور.

[التسلسل الزمني لتقدم طالبان]

نوفمبر/ تشرين الثاني عام 94: ظهور اسم مرة لأول مرة في وسائل الإعلام بعد إنقاذها لقافلة مساعدات باكستانية.

فبراير/ شباط 95: طالبان على مشارف كابول بعد إحكام سيطرتها على مناطق نفوذ حكمتيار حول العاصمة إثر انسحابه من مقره في (تشاراسياب) جنوب كابول.

مارس/ آذار: المعارك تنشب بين طالبان وقوات مسعود لأول مرة في محيط كابول.

سبتمبر/ أيلول: مدينة هرات تتهاوى تحت ضربات طالبان بعدما ورد عن بروز خلافات شديدة بين مسعود ووالي هرات إسماعيل خان.

وبعد أقل من سنتين على انطلاقها وفي السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام 96 الحركة تدق أبواب كابول، وتشنق الرئيس السابق نجيب الله وأخاه على رؤوس الأشهاد، وكغيرها من الحركات يبقى الملا عمر رمزاً غامضاً محاطاً بكثير من السرية وبعيداً عن الخوض في الأمور اليومية لشؤون البلاد، وتتولى وجوه بارزة من الصف الأول إدارة الأمور، وإن كان ما يعرف اصطلاحاً "بجناح الصقور" قد استمال الملا محمد عمر الذي يقول القلائل الذين رأوه إن قدراته العلمية متواضعة، كما أنه ليس شخصاً كاريزماتياً.

ويتربع على أعلى هذا السلم كذلك الملا أمير خان متقي (وزير التربية الحالي والناطق الرسمي باسم الحركة، والذي خاص حروباً في معظم الجبهات قائداً لقوات طالبان)، وفي جناح الحمائم يبرز اسم الملا محمد ربَّاني الرجل الثاني في الحركة والذي توفي في أبريل هذا العام، إلى جانب وكيل أحمد متوكل (وزير الخارجية الحالي)، ويأتي الصف الثاني شبه خالٍ من أسماء ذات وزن ثقيل لم ترث الطالبان فقط أطلال عاصمة مدمرة وبلد ممزق أنهكته الحروب، واقتصاداً أو بقايا اقتصاد، بل ورثت بلداً اعتاد على الحرب، وأصبحت الحركة الجديدة طرفاً في صراع جاءت أساساً في محاولة لإنهائه، عاب الكثيرون على الحركة افتقادها لبرامج واضحة للحكم في ميادين الاقتصاد والسياسة، وكونها حركة من عرقية البشتون لم تستطع أن توسع قاعدة الحكم لتشمل باقي العرقيات والتنظيمات، إضافة إلى اتهامها بممارسة مجازر بشرية ضمن سياسة التطهير العرقي ضد خصومها وسكان مناطق الشمال، كما أن موقفها من تعليم المرأة وإعطائها حقوقاً مدنية ظل مثار جدل كبير.

القشة التي كادت أن تقسم ظهر البعير أو قسمته في العلاقات المتعثرة أصلاً بين طالبان والمجتمع الدولي كانت إقدام الحركة على تدمير تماثيل بوذا في "باميان"، وهي الخطوة التي لقيت استياءً دولياً واسعاً، وإن الكثير يرى أنها تصرف هدف الطالبان من خلاله إلى لفت أنظار العالم إلى المأساة التي يعيشها الإنسان الأفغاني الأولى بالاهتمام، ولكنها كانت صيحة في واد.

لكن الملف الأكثر جدلاً هو وجود أسامة بن لادن المطلوب أميركياً، والذي غدا بسببه القضاء على الحركة التي تؤويه من أولويات واشنطن، ويرى المراقبون أن هذه العلاقة غدت مصيرية بعد الضربات الأميركية ضد أفغانستان.

بعض مسؤولي طالبان أكدوا بعد استتباب الأمر في يد الحركة عام 96 أنهم سيركزون على تحقيق استقرار للأوضاع في أفغانستان، وينسحبون من السلطة بعد 5 سنين، ولعلَّه من الغريب أن تكتمل السنون الخمس وأفغانستان أبعد ما تكون عن الاستقرار، وطالبان أقرب ما تكون إلى الخروج من الساحة السياسية.

محمد كريشان: إذاً دكتور يعني حسب.. التقرير الذي كنا نتابعه أنه ربما طالبان الآن أقرب ما تكون إلى الخروج من السلطة، ولكن مع ذلك هناك إشكال على صعيد التعاطي مع طالبان هي مرغوبة وممنوعة، يجب أن تحذف، البعض يعتبرها يجب أن تبقى، يعني هل تعتقد بأن هناك معضلة حقيقة، ولم يقع بعد بلورة موقف إقليمي ودولي في التعاطي مع طالبان، وبالتالي هذا ربما الموقف يخدمها للصمود أكثر؟

د. قاسم جعفر: أولاً أنا يعني أشك في أننا نستطيع أن نقول في هذه المرحلة أن طالبان باتت على وشك الخروج من السلطة، أعتقد أن هذا يعني.. إذا كنا من الجانب المعارض لطالبان أعتقد أنه مبالغ. يعني تفاؤل مبالغٌ فيه، وإذا كنا إلى جانب طالبان أعتقد أنه تشاؤم مبالغٌ فيه لا أعتقد أن هناك ما يشير –على الأقل حتى الآن- إلى أن طالبان أصبحت على وشك الخروج من السلطة، طالبان لا تزال حتى الآن في السلطة، وحتى إشعارٍ آخر لا أعتقد أن موضوعها قد حسم بعد بشكلٍ حقيقي، لا على المستوى العسكري ولا على المستوى السياسي، وسأشرح لماذا.. هناك من يقول أن.. أن الهدف من هذه الحرب التي تشن حالياً هو مكافحة الإرهاب، وبالتالي إخراج طالبان من السلطة، وبالتالي القضاء على تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وغيره من جماعات موجودة، وأن هذا الهدف هو ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه. حتى الآن الحرب التي تشن لا تحقق هذا الهدف، والإستراتيجية التي تعتمد –حتى الآن على الأقل، وكما هو ظاهر- ليست الاستراتيجية القادرة على تحديد هذا الهدف، الاستراتيجية التي يتم تحقيقها أو تنفيذها حالياً هي إضعاف طالبان بما يكفي لإقناعها بتغيير مواقفها، ولكن ليس لإخراجها من السلطة، وإلا لكانت الولايات المتحدة قد اتبعت استراتيجية مختلفة تماماً. إذا سألت التحالف المعارض في الشمال سيقولون لك: أننا لن نر حتى الآن أي جهد أميركي حقيقي يهدف إلى إضعاف مواقع طالبان في الخطوط الأمامية، بما يسمح لنا إما بالتقدم نحو "مزار شريف"، أو حتى طبعاً ناهيك عن التقدم نحو "كابول". ويفسرون ذلك طبعاً بأنه ناتج عن موافقة الولايات المتحدة مع الرغبة الباكستانية بالإبقاء على نوع من شعرة معاوية مع طالبان بما يسمح بما ورد في التقرير، أي بروز ما يسمى بتيار معتدل يؤدي إلى جعل الحركة يعني أكثر ليونةً في تعملها مع الواقع المحيط بها.

قضية الاعتدال في طالبان وهنا نفصل مرةً أخرى بين السياسة والفقه و..، قضية الاعتدال هنا لا تصبح بطبيعة الحال مسألة ما علاقة بالفقه أو علاقة بالـ.. بالثقافة أو بالتقاليد، يعني التيار (الأكثر اعتدالاً) –بين هلالين- في طالبان لن يكون أكثر اعتدالاً لا بتعامله مع المرأة، ولا بإرساله البنات إلى المدارس، ولا بـ.. يعني تحقيق انفتاح ما في البلد نحو العالم..

محمد كريشان: أمور نسبية جداً يعني.

د. قاسم جعفر: نسبية سياسياً، هو سيكون أكثر اعتدالاً سياسياً، بمعنى أن سيكون أكثر قابليةً للتأثر بالرغبات السياسية والاستراتيجية والأمنية الباكستانية التي تخدم الآن المصلحة الأميركية، بكلام آخر. "تخلوا عن أسامة بن لادن إذا أردتم فتبقون في الحكم، وبالتالي نحن سنغطيكم". هذا هو الكلام الباكستاني الذي وافقت عليه الولايات المتحدة حتى الآن، على الأقل، هذا قد يتغير.

محمد كريشان: هو عفواً يعني طالما نتحدث يعني عن المعتدلين والمتشددين في طالبان، وزير الحدود وشؤون القبائل في حكومة طالبان جلال الدين حقاني سُئل هذا السؤال المتعلق بمدى وجود معتدلين ومتشددين في حكومة طالبان، كان ذلك في برنامج (لقاء اليوم) البرنامج.. الحوار أجراه مراسلنا في إسلام آباد أحمد موفق زيدان سأل هذا السؤال بالتحديد عن وجود معتدلين ومتشددين لجلال الدين حقاني، فكان له هذا الجواب:

جلال الدين حقاني (وزير الحدود وشؤون القبائل في حركة طالبان): ما عرفت بأن يكون إسلام درجتين: يكن واحد اعتدال وواحد يكون متشدد، والله ما عرفت هذا، في الإسلام درجة واحدة كان الإسلام.. الإسلام دين وسط ودين الخير، والله –سبحانه وتعالى- أرسله هذا بواسطة حضرة المحمد –صلى الله عليه وسلم- وآله وسلم، وهذا الدين القرآن ليس القرآن كتابين، وليس الأحاديث صنفين، وليس الدين.. دين بطريقتين بأن يكون واحد متشدد ويكون واحد يكون معتدل.. والله أنا ما أعرف هكذا.. بأن في طالبان فلان معتدل وفلان متشدد، هذا كلام الناس هم يقيسوننا.. يقيسوننا على أنفسهم، في أنفسهم هكذا عندهم طريقتين واحد يكون متشدد وواحد يكون..، الإسلام إذا يكون خلاف هواهم هم يسمون هذا متشدد، وإذا يكون موافق هواهم يسمون هذا بدين معتدل.

محمد كريشان: إذن جلال الدين حقاني وزير الحدود وشؤون القبائل في حكومة طالبان رداً على سؤال لأحمد موفق زيدان حول مدى صحة وجود معتدلين ومتشددين في حكومة طالبان.

لو ننتقل إلى الجنرال حميد جول في إسلام آباد وهو الرئيس السابق لجهاز المخابرات الباكستاني، دكتور في.. جنرال عفواً، في كتاب مهم أصدره مولوي حفيظ الله حقاني حول "طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين"، وهو عن معهد الدراسات السياسية في إسلام أباد، ويعتبر يعني كتاب ربما من الكتب القليلة التي حاولت معالجة ظاهرة طالبان بحد معقول من التوازن، وقد استشهد به حتى فهمي هويدي في كثير من كتاباته حول طالبان، هناك في هذا الكتاب جملة مهمة ربما تلخص معضلة باكستان في التعامل مع طالبان.

يقول الكاتب في هذا الكتاب، وهنا أفتح قوسين يقول "إذا لم تنتبه باكستان لتعاملها فستتحول علاقتها بطالبان إلى عداءٍ سافر، كما حدث مع الأحزاب الجهادية السابقة، وستحاول باكستان مرةً أخرى أن توجد بديلاً عن طالبان، وبذلك تحترق أفغانستان في أتون الحروب المتكررة". ربما كانت هناك نبوءة سياسية في هذا الموضوع، هل هناك –وهنا السؤال- هل هناك معضلة باكستانية الآن في تحديد طبيعة العلاقة التي يجب أن تكون مع طالبان؟

الجنرال/ حميد كول: نعم، وهذا لا يتعلق فقط بالنسبة لطالبان، ولكن بأي حكومة أفغانية، إننا لا يمكن أن نفرض عليهم أي شيء، وإذا فكرت باكستان أن بإمكانها أن تملي عليهم.. لأن باكستان قد فعلت.. كانت تريد ذلك في بعض الوقت، ولكن تكون على خطأ، لأني كما قلت لك بأن الأفغان يمكن توجيههم باتجاه معين إلى حد معين، ولكن لا يمكن تجاوز ذلك، وهذا ينبطق ليس فقط على طالبان ولكن علينا جميعاً، فباكستان تجد نفسها الآن في معضلة لأن الأميركيين يملون على باكستان ما ليس يعد في صالح باكستان، ومصالح باكستان كانت مع حكومة طالبان التي رسخت سيادة القانون في أفغانستان، وتوقفت تجار السلاح والمخدرات، والقوة أو السلطة المركزية تم تأسيسها حول.. على 95% من أفغانستان، ويعتبر إنجاز ممتاز ومجيد من وجهة نظر باكستان، وبعض اللاجئين رغم الظروف الشاقة التي سادت في السنوات الثلاثة.. فإن عدد كبير من اللاجئين قد يعودون الآن، وقد أدهشني وسرني في أغسطس من هذا العام عندما دعيت إلى مشاهدة العرض العسكري في أغسطس، شعرت بسعادة غامرة لأني تركت باكستان في عام 1995م، وعدت إلى أفغانستان بعد 6 سنوات ونصف العام، وعندما رأيت كابول ليلاً شعرت بدهشة وسرور، لأن عودة الكهرباء إلى جميع البيوت، وكانت هناك مياه جارية ومياه قابلة للشرب، ومتاحة تقريباً لكل البيوت، والطرق تم تعبيدها وكان هناك زراعة الأشجار، كانت الظروف تشير إلى السلام وأعتقد هذا ما كانت تحتاجه باكستان، والآن يتعين على باكستان أن تقضي أو تدمر حكومة.. حركة طالبان، فإن ذلك يعتبر ضد مصالح باكستان القومية.

محمد كريشان: ولكن يعني جنرال، إشارة الدكتور قاسم جعفر قبل قليل إلى "شعرة معاوية" في تعامل باكستان، يعني كيف تستطيع باكستان من ناحية أن تنأى بنفسها عن طالبان، وفي الوقت أن لا تسقطها بالكامل في حساباتها لترتيب الوضع المستقبلي؟ كيف يمكن.. كيف يمكن أن تحسم باكستان هذه الإشكالية؟

الجنرال/حميد كول: أعتقد أن الباكستان الآن في مأزق، لأنها تجد صعوبة، والأميركيون أيضاً يجدون صعوبة في خلع أو الإطاحة بطالبان، وأنا أتفق مع دكتور هلباوي عندما يقول أن لن يكون من السهل التخلص من حركة طالبان، أعتقد أنهم يزدادون قوة، فمنذ بدأ القصف ومقتل الأفغان فإن هناك المزيد من التعاطف والدعم داخل.. لطالبان داخل أفغانستان، ولذلك فأنا أعتقد في نهاية الأمر ربما كان يتعين على باكستان أن تتعامل مع نفس حكومة طالبان، وبالتالي يجب أن تكون حريصة جداً في تعاملها معها الآن.

محمد كريشان: ولكن هل تعتقد بأن هذا الحرص في التعامل مع طالبان يمكن يجد تفهماً من الولايات المتحدة؟ يعني هل هناك برأيك تنسيق أميركي باكستاني صلب لتحديد أية نوع.. أي نوع من التعامل يجب أن يكون مع طالبان؟

الجنرال/ حميد كول: كيف يكون تنسيق وثيق فهو غير طبيعي، لقد.. باكستان قد أرغمت على التعاون عن طريق الابتزاز، ولذلك فإن تعاون باكستان يعتبر تعاوناً غير طبيعياً ومصطنعاً، فالباكستان ممزقة بين مصالحها الوطنية، ومصالحها في أفغانستان والمصالح الأميركية، فالأميركيون يرغمون الآن باكستان على أن تفعل ذلك.

محمد كريشاان: على كل يعني قضية كيفية ترتيب مستقبل الحكم في أفغانستان دون إهمال لطالبان، ولكن أيضاً دون إبقاء المجال مفتوحاً لها بالكامل هو ربما المعضلة الحقيقية التي على المجتمع الدولي أن يواجهها.

[موجز الأخبار]

مستقبل طالبان والتأثيرات الداخلية والإقليمية والدولية

محمد كريشان: نصل الآن إلى محور المستقبل، وعدد كبير من مشاركات المشاهدين عبر الإنترنت من خلال موقعنا على الجزيرة نت، دكتور قاسم جعفر، عدد كبير من المساهمات يتساءل حول مستقبل الحركة، يعني هناك حرب ضدها، يريدون إلحاق الهزيمة بها، ولكن في نفس الوقت عدم شطبها بالكامل، يعني كيف يمكن لهذه المعادلة أن ترى النور؟ ومن يتحكم في درجة الشطب ودرجة الإبقاء؟ هل هو التحالف؟ هل هي باكستان، هل هي دول الجوار؟ كيف ترى المسألة؟

د. قاسم جعفر: يعني مستقبل طالبان سيكون مستقبل الحرب، ومستقبل الحرب سيكون مستقبل التحالف، والتحالف هو ما.. يعني.. ما نتحدث عنها هو القوى الإقليمية المحيطة بأفغانستان، الولايات المتحدة تخوض هذه الحرب وهي حريصة –حتى الآن- كل..يعني في كل.. يعني بين كل حين وحين علينا أن نركز على كلمة "حتى الآن"، لأن كل الأمور.

محمد كريشان: قابلة للـ..

د. قاسم جعفر: قابلة للتغير.. حتى الآن الولايات المتحدة فضلت أن تخوض هذه الحرب على أساس أو في إطار ما يسمى "بتحالف"، هذا التحالف من يشمل؟ الباكستان طبعاً، دول الجوار الأفغاني التي توفر الآن تسهيلات عسكرية وغيرها للولايات المتحدة، بالإضافة طبعاً إلى بعض الدول العربية والإسلامية التي إن.. يعني حتى لا نقول أنها دخلت في التحالف، ولكنها على الأقل لم تعترض حتى الآن بشكل جدي على ما يحدث، بالإضافة طبعاً إلى أوروبا وحلفاء أميركا التقليديين، هذا التحالف أساساً قائم على فكرة واحدة وهي أن الولايات المتحدة لا تريد أن تقوم بشيء ما في هذه الحرب حتى الآن –مجدداً – يؤدي إلى فرط عنقود هذا التحالف، هذا يضع الجميع، وليس فقط كما قال الجنرال جول، وأنا أوافقه أن باكستان في مأزق، ولكن ليس فقط باكستان في مأزق، يضع الجميع في مأزق، وبما في ذلك الولايات المتحدة، والمأزق هو التالي: الباكستاني لا تريد أن تشطب طالبان، بل تريد أن تحافظ طالبان على قدرٍ ما من الوجود، بما في ذلك.. طبعاً لاعتبارات عرقية وغيرها، ولاعتبارات إقليمية باكستانية ليس فقط بشتونية. في المقابل هناك دول لن ترضى بذلك، إيران على سبيل المثال، ستؤدي إلى إثارة حفيظتها كثيراً فكرة بقاء طالبان بأي شكل من الأشكال في السلطة في كابول، هذا أيضاً سينطبق على دول مثل أوزبكستان وطاجيكستان وغيرها التي لها مصالح أساسية في هذه البلاد، التحالف الشمالي طبعاً عليها أن لا تنسى أنه مؤلف من الطاجيك والأوزبك والهزارة، وهذه الدول لها.. وهذه الأطراف لها امتدادات إقليمية.

إذن إرضاء باكستان أصبح مرشحاً لأن يضع الولايات المتحدة في موقع إغضاب الأطراف الأخرى التي بالنسبة للولايات المتحدة تعتبر مهمة وحيوية جداً في هذا المجال، في العكس هو الصحيح أيضاً، هل ستستطيع الولايات المتحدة أن تنفذ إستراتيجيتها العسكرية وتسليم بن لادن؟ يعني دعنا أن لا ننسى أن الهدف من هذه الحرب ليس طالبان، الهدف من هذه الحرب أساساً هو ما تقوله الولايات المتحدة أنه الرد على هجمات نيويورك وواشنطن التي اتهمت في المسؤولية عنها بن لادن ومجموعته وأفرادها.

محمد كريشان: ولكن طالبان هي.. هي البوابة، هل تعتقد بأنه يمكن الفصل؟ الآن أصبح الأمر بهذا الشكل؟

د. قاسم جعفر: حتى الأسبوع الماضي سمعنا.. الرئيس (بوش) يقول: "أن طالبان تستطيع أن تنقذ نفسها الآن وليس غداً إذا ما وافقت على تسليم بن لادن"، وهذا كلام مهم، يعني يصدر في وسط.. في خضم حربٍ مستعرة، نسمع من القائد العام للدولة التي تخوض هذه الحرب أن الطالبان تستطيع أن تنقذ نفسها إذا ما وافقت على تسليم بن لادن.

السؤال ليس هنا، السؤال: كيف تنوي الولايات المتحدة خوض هذه الحرب في مراحلها اللاحقة؟

محمد كريشان: يعني هل.. هل.. هل ربما تنوي خوضها، وهنا أريد أن أنتقل إلى لندن إلى الدكتور كمال هلباوي، هل يمكن أن.. أن نفهم مما ذكره الدكتور قاسم جعفر أن المسألة ربما تكون على غرار سيناريو حرب الخليج الثانية؟ هل.. هل المطروح الآن إنهاك طالبان ولكن دون إسقاطها كما تم الأمر مع إنهاك العراق والرئيس صدام حسين ولكن دون شطبه؟ يعني هل ترى الأمر أيضاً بهذا الشكل مع أفغانستان؟

د. كمال الهلباوي: الوضع في أفغانستان يختلف، لأن الحرب الخليج التانية صدام حسين قائد واحد ورئيس واحد في العراق، أما في أفغانستان فهناك قادة كثيرون وفصائل كثيرة، منها ما هو معارض، ومنها ما هو مع طالبان ولكن أيضاً ينتهز الفرصة لكي يصبح في المقدمة ويقود أفغانستان بالشكل الذي يراه مناسباً فمستقبل طالبان يعتمد على أمور كثيرة ذكر أهمها الدكتور قاسم، إنما يتوقف الباقي على هل أميركا ستستمر في الحرب بهذا العنف الذي تقوم به وتضرب المدنيين، أم يمكن النظر في أمر المعالجة السياسية مرة أخرى؟ العالم العربي وموقفه القائم الموجود، والدول المجاورة لأفغانستان، تفكير طالبان أنفسهم، وما يمكن أن يفعلوه في الداخل، لأن طالبان وضعت نفسها في مأزق، ووضعت الأمة في مأزق، وأنا عندما أقول وضعت نفسها في مأزق لا أعني بذلك أنها آوت بعض المجاهدين العرب، فهذا شرف يحسب لها بعدما دولهم لم تتحمل عودتهم إليها، إنما كان من الضروري أن تنصرف جهود طالبان بعدما استتب الأمر لها، وجهود العرب الموجودين في أفغانستان إلى تنمية المجتمع تعليماً، وثقافةً، وحضارةً، وتقنيةً، حتى تخرج من التخلف الذي هي فيه، ومن سنوات الدمار الكثيرة الموجودة، مستقبل الطلبة..

محمد كريشان[مقاطعاً]: ولكن يعني عفواً.. يعني عفواً دكتور كمال، عفواً على المقاطعة يعني..

د. كمال الهلباوي: اتفضل.

محمد كريشان: مثلما أشار الدكتور قاسم إلى المعضلة أن معضلة باكستان ومعضلة التحالف، ومعضلة دول الجوار، الآن أصبح هناك نوع من التجاذب، دور إيراني، دور تركي، دور لعديد الأطراف تحاول أن يكون لها دور معين في ترتيب المرحلة المقبلة. كيف ترى إمكانية استجابة واشنطن لهذه الحسابات الإقليمية؟

د. كمال الهلباوي: المسألة ليست..

محمد كريشان: هل ستراعي طموحات إيران، وطموحات باكستان، وطموحات الهند، وطموحات تركيا؟ هل لها أن تصيغ كل هذا بأسلوب مقبول؟

د. كمال الهلباوي: يا أخ كريشان، حتى أيام المجاهدين والذين كانوا يجاهدون الاستعمار السوفيتي كانت كل هذه القوى موجودة، وهناك كتاب يسمى "الاستراتيجيات الدولية في القضية الأفغانية" صدر أيضاً عن معهد الدراسات السياسية، كل هذه القوى موجودة من اليوم الأول الذي قرر فيه الأفغان مواجهة السردار محمد داوود ثم مواجهة الشيوعيين، إنما أنا عايز أوضح نقطة أن مستقبل الطلبة غير مستقبل الحركة، لأنه مستقبل الطلبة مستمر مع أفغانستان إلى ما شاء الله، طالما استمرت هذه المدارس واحترام الملالي والمولوية، إنما مستقبل الحركة لا أظنه سيستمر بالوضع الذي هي عليه، بل إن الحركة ستضعف، للأسف الشديد، وربما تأكلها المشاكل الداخلية بعد ما تهدأ مجموعة العواصف، وتستمر أيام الحرب الشديدة، ويكثر عدد الجرحى والأيتام والأرامل، وتكثر الهجرة، هذه كلها مشكلات يجب أن تجد طالبان لها دعماً، كانت في السابق أيام المجاهدين باكستان آوت 4 مليون مهاجر، وإيران آوت أكثر من 2 مليون مهاجر، والعالم كله كان يصل إلى دعم الأفغان، هيئات إغاثة مائة من الغرب، 20 أو أكثر من العالم العربي والإسلامي، الآن كل هذا مفتقد، للأسف الشديد، طالبان وضعت نفسها ووضعت الأمة في مأزق كبير جداً يجب إنها تراجع نفسها وتستشير علماء الأمة في هذا الأمر.

محمد كريشان: نعم.. دكتور كمال هلباوي أشار إلى نقطة مهمة جداً وهي إمكانية أن تؤدي العوامل الذاتية الداخلية في سياق الحركة نفسها، وخاصةً مع استمرار الهجمات، إلى تفاعلات داخلية ربما تعجل بنهاية طالبان أو على الأقل أن.. أن تصبح أضعف مما هي الآن، وهو المحور أو السؤال الذي سنوجهه للجنرال حميد جول.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: الجنرال حميد جول في إسلام آباد، ضيفنا في لندن الدكتور هلباوي أشار إلى نقطة مهمة وهي إمكانية أن تواجه طالبان، وخاصة مع استمرار الضربات ومع استمرار الهجوم الدولي الدبلوماسي عليها، أن تجد نفسها في وضع تآكل داخلي، ومواجهة لعديد المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وهذا هو العنصر المحدد ربما لبقاء الحركة أو اندثارها، هل تشاطر هذا التحليل؟

الجنرال/ حميد جول: أشك كثيراً في ذلك، أعتقد مع.. مع كل صاروخ يسقط على أفغانستان فإن طالبان تزداد قوة، فإنها لا تضعف، فإنها تكسب تعاطف الدول المختلفة، ودولة مثلها فإن الوقت سيأتي عندما يجب أن تقاتل أو تواجه كل الأمة الأفغانية وليس فقط طالبان، وفي الوقت الحاضر فربما يبدو أنها.. فإن هذا العدوان قد ضعف ويبدو أن طالبان فازت بالجولة الأولى، ولكن فيما عدا ذلك فإني أعتقد أن التحالف لا يدري كيف يتحرك، ولا يبدو أن لديهم أي هدف واضح، سواء عسكرياً أو سياسياً، وتجمع الفئات المختلفة التي اجتمعت في بيشاور أمس واليوم أعتقد أنها قد وصلوا.. لم يتمكنوا من التوصل إلى أي اتفاق حاسم، وبالمثل فإن قتل المدنيين والأبرياء من النساء والأطفال، وأعتقد أن التحالف –نفسه- سينهار، وهناك بالفعل بعض الأصوات التي بدأت تخرج من الصين ومن روسيا ومن أماكن أخرى، وأنا شخصياً أعتقد بأن هذه الحسابات التي قام بها الهلباوي وغيره إنها صحيحة طالما لم يكن هناك أي قتال، ولكن بعد أن بدأ القتال فإن الموقف على الأرض وفي ساحة المعركة سوف يحدد النتيجة، وفي الوقت الحاضر يبدو أنه يتحول إلى صالح طالبان.

محمد كريشان: جنرال جول، على ذكر اجتماع بيشاور، يعني هل معضلة باكستان أيضاً من جهةٍ أخرى هي البحث عن بدائل أخرى لطالبان؟ هل بإمكان باكستان أن تجد لها حليف جديد من خلال الأطراف الأخرى يكون أيضاً مقبول أميركياً ومقبول من بقية دول الجوار؟

الجنرال/ حميد جول: ربما لا يكون مقبولاً للآخرين، ولكن حقيقة الأمر أن الموقف الواقع هو الذي سوف يرغم أو يفرض حلاً معيناً، وأعتقد أن ما ينبغي أن يحدث هو أن يجب أن يكون هناك توقف لعمليات الغارات الجوية، وإطلاق الصواريخ، وبعدئذٍ يجب تشجيع الحوار، ولكن ذلك لم يتحقق، وإذا كان من الممكن إرسال وفد يبدأ حوار بين التحالف الشمالي وبين طالبان، وربما بالفئات الأخرى التي تدور في هذا المدار، ربما يمكن التوصل إلى حل، ولكن إذا ما استمرت الحرب فإني أخشى أنه لن يمكن التوصل إلى حل.

الأمر الآخر الذي يجب أن يتم هو أن مسألة إبعاد أسامة بن لادن يجب الفصل بينه وبين الآليات السياسية الداخلية في أفغانستان، فطالما تم الربط بين العنصرين فإننا لا نعتقد أنه سيمكن التوصل إلى حل سياسي في الداخل.

محمد كريشان: نعم.. دكتور قاسم جعفر، يعني هل تعتقد بأن فعلاً مثلما ذكر الجنرال جول إمكانية تلاشي التحالف وليس تلاشي طالبان، يعني الآن القصة ربما أصبحت معكوسة بهذه الحالة؟

د. قاسم جعفر: يعني كما قلنا قبل دقائق أن الولايات المتحدة ستواجه بالاختيار، عليها أن تختار إما أن تستمر في خوض هذه الحرب بالطريقة التي قامت بها حتى الآن، والتي كما يبدو لم تحقق الكثير من الأهداف العسكرية، فالأهداف التي دمرت حتى الآن كانت إما شبه مدمرة أو معطلة أصلاً من مطارات وقواعد وما يُحكى عن مراكز قيادة وتحكم، يعني معلهش..

محمد كريشان: مجازاً يعني..

د. قاسم جعفر: نحن في طالبان وفي أفغانستان لا أعتقد أن هذا هو الموضوع الذي يحدد حجم الآلة العسكرية الأفغانية، ليس الأمر موضوع العراق أو يوغسلافيا أو.. أو..أو بلد من هذا القبيل، فهذا القصف العسكري الجوي الأميركي والصاروخي الأميركي كان قصفاً يعني -إذا.. إذا صح التعبير- من نوع إثبات الوجود وعرض العضلات أكثر منه لتحقيق أهداف عسكرية معينة، باستثناء طبعاً ما.. ما نجم عنه حتى الآن من خسائر يعني مؤلمة ومؤسفة في صفوف المدنيين الأبرياء.

أما على الصعيد السياسي فعلى الولايات المتحدة أن تختار هل تنوي فعلاً أن تذهب إلى أفغانستان للقضاء على طالبان ولمحاولة القبض على أسامة بن لادن أو القضاء على تنظيمه وقواعده، أو أنها ستكتفي بهذه الحرب الائتلافية؟ هذه الحرب الائتلافية لن تؤدي إلى أهداف الولايات المتحدة، أعتقد أن السؤال الذي سنواجه جميعاً بضرورة الإجابة عليه في وقتٍ لاحق، قد يكون أيام أو أسابيع أو ربما أشهر، هو متى ستختار الولايات المتحدة أن تستغني عن هذا التحالف الذي بات يثبت لها أكثر وأكثر، ليس فقط من جهة الباكستان، ولكن على المستوى الإقليمي العام، وربما حتى العربي، أن يثبت لها أنه لم يعد ذا جدوى، وبالتالي عليها أن تذهب منفردة مع حلفائها الأطلسيين، أي بريطانيا وأستراليا وغيرها وكندا على سبيل المثال، أو أنها تريد أن تستمر بهذه الحرب التي لم يعني فعلاً أصبحت شبه عبثية، فعندما..

محمد كريشان[مقاطعاً]: يعني إذن.. إذن لا فضل لطالبان في هذه اللخبطة في الحسابات، يعني هي مجرد البقاء هو الذي يطرح الحسابات هذه؟

د. قاسم جعفر: أخشى ما أخشاه أننا سنصل في يومٍ من الأيام إذا استمر الوضع السياسي والاستراتيجي على ما هو عليه الآن، أخشى ما أخشاه أن تعود الحرب الأفغانية إلى مستواها الداخلي الإقليمي المحدود العادي، يعني العادي بمعناه الدولي، ولكن المأساوي بمعناه الأفغاني.

محمد كريشان: وتستمر..

د. قاسم جعفر: وتستمر حتى إشعارٍ آخر بكل العناصر التي قامت بها خلال العقدين الماضيين، وفي هذه الأثناء تتحول واجهة الاهتمامات إلى مناطق أخرى من العالم تقررها الولايات المتحدة هذا هو أخشى ما أخشاه..

محمد كريشان: وهو ربما الخشية التي يبديها كثيرون، وبالتالي مثلما اتضح أن ربما الحديث عن نشأة الحركة واضحة ومحسومة إلى حدٍ ما، الواقع متقلب ودائماً في صيغة "حتى الآن" مثلما قال الدكتور قاسم جعفر، ولكن المستقبل مازال مفتوحاً على احتمالات عديدة وغير واضحة.

نشكر ضيوفنا في هذه الحلقة من إسلام آباد عبر الأقمار الاصطناعية الجنرال/حميد جول (رئيس المخابرات الباكستانية السابق)، من أستديوهاتنا في لندن الدكتور كمال الهلباوي (الباحث بالقضايا الإسلامية والمتابع للشأن الأفغاني)، وفي الأستديو الدكتور قاسم جعفر (الباحث في القضايا الاستراتيجية).

شكراً لكم جميعاً، وإلى أن نلتقي معكم في حلقةٍ قادمة، تحيةً طيبة، وفي أمان الله.