يعرف الجميع باريس عاصمة الحب والجمال والنوافذ المشرعة على برج إيفيل، لكن كثيرا من الناس لم يسمع عن ضواحي باريس التي يسكنها الفقر والبطالة، وعن المواجهات والعنف المتبادل بين الشرطة وسكان الضواحي.

في 19 يوليو/تموز 2016 وفي ضاحية بومون سور واز، اعتقلت الشرطة الشاب أدما تراوري (24 عام) بتهمة العنف ضد الشرطة ولكنه مات بعد اعتقاله بساعات، وقالت الشرطة إنه توفي نتيجة نوبة قلبية بسبب جرعة زائدة من المخدرات والكحول.

لكن شقيقته المدرسة الشابة آسا تراوري تتهم الشرطة بقتله وتقول إن التشريح الأخير أثبت أن شقيقها توفي نتيجة الاختناق، وإن عائلتها تعرضت لضغوط كبيرة وقمع شديد من أجل التنازل عن القضية، حتى أصبح لدى العائلة قتيل وثلاثة أشقاء في السجن.

في المقابل يؤكد إريك ستيملين وهو رئيس فخري لإقليم أمني في فرنسا أن تراوري وأسرته معروفون بالانحراف، لكنه يقر بأنه عندما قبض عليه قاوم الشرطة فتوجب عليهم تكثيف عددهم للسيطرة عليه وربما اختنق أو حصل شيء من هذا القبيل وأن القتل لم يكن متعمدا أو محاولة اغتيال.

حلقة (2018/2/11) من برنامج "شاهد عيان" سلطت الضوء على مشاكل ومعاناة سكان ضواحي باريس، والتحديات التي تواجه المهاجرين من أجل تحسين واقعهم والاندماج في المجتمع.

احتقان وتهميش
لكن حادثة أدما لم تكن الأولى في المواجهة بين الشرطة وسكان الضواحي، ففي عام 2005 شهدت باريس واحدة من أعنف الاضطرابات في تاريخ فرنسا الحديث، عندما تعرض بونا تراوري (15 عاما) وزياد بونا (17 عاما) للموت صعقا في محطة كهرباء أثناء هربهما من الشرطة في ضاحية كليشي سوبوا.

وبعد عشر سنوات من الاحتجاجات يزداد الاحتقان في الضواحي المهمشة، وبحسب الشابة من أصول مغاربية ألفة التي تشرف على جمعية خيرية توفر خدمات اجتماعية وتربوية لسكان ضاحية كليشي، فإن الضواحي تعاني من فقر فاحش لدرجة لا توصف وغياب للعدالة وللخدمات وفرص العمل، لذلك فمن الطبيعي أن ينحرف الشباب لأنه ليس لديهم ما يفعلونه.

وتؤكد أن الجميعة التي تترأسها تعمل على جمع كل ما رخص ثمنه مما تريد المحال التجارية الكبرى التخلص منه لأنه مكسور أو منتهي الصلاحية وتعيد بيعه لسكان الحي بأسعار أقل.

أما فريد وهو أحد الناشطين في المجال الثقافي بضاحية أرجنتاي فيقول "نحن هنا لا نشعر بأننا فرنسيون لأننا أبناء المهاجرين، وكأن البعض يريد للضواحي أن تكون مرادفة للأشياء السيئة والقذرة، ليس هناك أي ثقة بنا أو تواصل معنا والشرطة تقوم بإيقافنا لمجرد الشكل والهوية".

الشرطة والأقليات
كلمات فريد جاءت مطابقة لدراسة أجراها الباحثان فابيان حوبارد وريني ليفي، للمركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية بعنوان "الشرطة والأقليات" والتي أشارت إلى أن عمليات التحقق من الهوية تقوم على أساس المظهر وليس على أساس الاشتباه، حيث تظهر النتائج أن الأشخاص ذوي البشرة السمراء والعرب يجري إيقافهم بشكل غير متناسب مقارنة بإيقاف الأشخاص ذوي البشرة البيضاء؟

ويقر الصحفي المستقل آلان غراش بأن الإعلام الفرنسي يلعب دورا أسوأ من السياسيين في تشويه الضواحي وربط مشاكل الضواحي بالإسلام، بينما توصل سياسات الدولة رسالة لأبناء الضواحي أنهم ليسوا فرنسيين وهذا يدعم جهود المتطرفين في استقطاب شباب من الضواحي.

أما في ضاحية أولناي سو بوا فتشكل مسألة ترميم المجمعات التجارية والسكانية هاجسا لدى السكان، الذين يؤكدون أن ترميم المباني لا يحل مشاكل البطالة والتعليم والاندماج المجتمعي.

ووفقا للموظف المفصول من البلدية بسبب معارضته للمشروع آدما تراوري، فقد قامت الدولة ببناء منازل وأسواق جديدة للبيع وليست للإيجار، ولا يوجد من يستطيع شراء تلك المنازل سوى الطبقة المتوسطة، وهذا يعني أن الكثير من سكان الحي سيجبرون على الرحيل من المكان، بالإضافة إلى أن هيئة التجديد الحضاري ترفض إعادة افتتاح محلات بيع الحجاب أو المنتجات العربية والإسلامية بحجة أنها ترفض التجارة الطائفية.

في المقابل تؤكد الدولة أن مشروعها للتجديد الحضاري في الضواحي بتمويل يقدر بـ 155 مليار يورو، وسيستفيد منه أربعة ملايين مواطن من خلال تجديد 600 حي سكني في الضواحي وإنشاء 520 مؤسسة تربية لتوفير 520 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وأنه حتى نهاية 2017 استفاد من المشروع 63 ألف مواطن.