اشتكى مواطنون إندونيسيون تحدثوا لحلقة (12/9/2015) من برنامج "الاقتصاد والناس"، من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في بلادهم، حيث تتضاءل فرص الحصول على وظائف في مقابل تقلب في أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية لعامة الناس.

وربط بعض المتحدثين الواقع الاقتصادي الراهن بالأوضاع السياسية عموما في إندونيسيا التي تشير التوقعات إلى أن عدد سكانها سيصلون إلى 255 مليون نسمة خلال العام الجاري، يتركز نصفهم في جزيرة جاوا التي لا تتجاوز مساحتها 7% من مساحة البلد. مع العلم أن عدد الفقراء في هذا البلد يبلغ 30 مليونا.

وشهد اقتصاد إندونيسيا تحولات من الإنتاج الزراعي إلى التصنيع بشتى صوره.

ويستقطب قطاع الزراعة في إندونيسيا نحو أربعين مليون عامل من مجموع 125 مليونا يوجدون في سوق العمل، لكن هذا القطاع عانى من التهميش خلال العقدين الأخيرين، ولم يزد نصيب الزراعة من الميزانية العامة للدولة سوى 2%.

كما أن معظم الإنتاج الزراعي يستهلك محليا، بينما ثلث منتجات القطاع الصناعي يتم تصدريها.

الحكومة والزراعة

أرقام عن الوضع الاقتصادي في إندونيسيا(الجزيرة) video


أستاذ علم الاجتماع في جامعة غاجة مادا، د. سوبيجو سيران بورهاجو، يرى أن الزراعة كانت محورية في الخطط والموازنات الحكومية، لكن السياسيات الحكومية الحالية لا تقف إلى جانب الفلاحين.

ويضيف أن بعض أبناء الفلاحين يضطرون لترك الريف والعمل في المصانع، كما يشير إلى أن التحول نحو الصناعة لم يكن ناجحا جدا، حيث لم يؤهل القطاع لامتصاص الإنتاج الزراعي الوفير في شكل صناعات غذائية.

وبحسب مديرة المعهد الإندونيسي لتطوير الاقتصاد والتمويل، د. إيني سري هارتاتي، فإن إندونيسيا تملك ثروات طبيعية وقطاعا زراعيا وثروة سمكية، إضافة إلى معادن تحت الأرض مثل الفحم الحجري والذهب والغاز، لكن المشكلة -تواصل المتحدثة- تكمن في طريقة التعامل مع هذه الثروات، وأشارت إلى أن البلد بحاجة لسياسة صناعية ناجعة.

وتوجد في هذا البلد الآسيوي صناعة ثقيلة في جزيرة جاوا مثل السيارات، ويؤكد عارف إمام، وهو مدير تسويق في شركة صناعات أنهم يعتمدون في صناعتهم على نحو 60% من المواد الأولية المحلية المنشأ مقابل 40% من المواد المستوردة.

وفي الوقت الذي تتسع فيه الهوة بين الفقراء والأغنياء، تسعى إندونيسيا إلى تنويع اقتصادها، وهو ما تشير إليه إليداواتي علي عمر -وهي مالكة شركة- بقولها إن صناعة الأزياء المحلية تهدف إلى التعامل مع الطبقة المتوسطة التي تشكل نحو 40% من السكان.

اسم البرنامج: الاقتصاد والناس

عنوان الحلقة: تجربة اندونيسيا في بناء اقتصاد متماسك

مقدم الحلقة:  صهيب جاسم

ضيوف الحلقة:  

- سوبيجو سيران بورهارجو/أستاذ الاجتماع الزراعي بجامعة عاجة مادا

- إيني سري/مديرة المعهد الإندونيسي لتطوير الاقتصاد والتمويل

- عارف إمام/مدير التسويق في شركة صناعات

- زكي النهدي/رئيس شركة تصنيع سيارات إندونيسية

- إحسان الدين نورسي/مؤسس رابطة خبراء الاقتصاد السياسي في إندونيسيا

- إليداواتي على عمر/مالكة شركة

- بورباسا يودي ساديوا/مستشار الرئيس الإندونيسي للشؤون الإستراتيجية

تاريخ الحلقة: 12/9/2015

المحاور:

- أهمية القطاع الزراعي في اندونيسيا

- إندونيسيا مركز مهم للصناعات الثقيلة

- عقبات جسيمة تعرقل مسيرة التنمية

- نهوض قطاع صناعة الملابس والمنسوجات

صهيب جاسم: سبعون عاماً على استقلال إندونيسيا استقلالٌ سبقه نضالٌ وتضحياتٌ وحروبٌ استمرت عقوداً بل قروناً من الزمن، إنها ذكرى يحتفل بها الإندونيسيون في مدنهم وأريافهم وهي مناسبةٌ يستقرئ فيها المثقفون والإعلاميون والساسة مسيرة بلادهم وما تحقق من إنجازات أو ما وقع من إخفاقات. 

مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الاقتصاد والناس والتي سنقدمها لكم من جاكرتا وعددٍ من مدن جزيرة جاوة ونحاول تسليط الضوء فيها على اقتصاد إندونيسيا وما شهده من تحولاتٍ من الإنتاج الزراعي إلى التصنيع بشتى صوره فأهلاً بكم. 

تشير التقديرات الرسمية إلى احتمال وصول عدد الإندونيسيين هذا العام إلى 255 مليون نسمة ويتركز أكثر من نصف السكان هنا في جزيرة جاوة رغم أن مساحة جاوة أقل من 7% من المساحة الكلية لإندونيسيا، وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي 888 مليار دولار أميركي وقد تحقق ذلك بعد 15 عاماً من النمو الاقتصادي بنسبٍ تراوحت ما بين 4 و 6%، ومن بين 125 مليون شخص في سوق العمل يعمل 40 مليون إندونيسي في قطاع الزراعة و 25 مليوناً في التجارة والخدمات و 18 مليوناً في الخدمة الاجتماعية والوظائف الحكومية، وقد ارتفع عدد العاملين في القطاع الصناعي في السنوات الماضية إلى 15 مليون شخص، وبينما يشكل النفط والغاز والمعادن ثلث صادرات إندونيسيا فإن ثلثي الصادرات من القطاع الصناعي وهذا من ثمرات عقودٍ من التوجه نحو التصنيع وبينما يتجه معظم الإنتاج الزراعي إلى السوق الداخلية، وبعد عقودٍ من التنمية الاقتصادية فإن الطبقة المتوسطة بلغت 45 مليون شخص بينما الفوارق ما زالت كبيرة بين النخبة الغنية والطبقة المتوسطة والفقراء، ونحن نتحدث هنا عن عشرات الملايين من الفقراء وهؤلاء يتجاوزن عشر السكان على أقل تقدير وربما كان العدد أكبر.

] آراء من إندونيسيا بشأن الأوضاع الاقتصادية[

مواطن إندونيسي: أثر تدهور الوضع السياسي على أوضاعنا الاقتصادية وليس هناك تقدمٌ ملحوظ لكن بالنسبة للسياحة في منطقتنا فوضعها جيد.

مواطنة إندونيسية: كثيرٌ من الناس يشتكون من صعوبة إيجاد عمل أو مصدر دخلٍ جيد وهناك تقلبٌ في أسعار السلع ويصعب التحكم بها.

مواطن إندونيسي: نأمل أن يكون الحصول على العمل أسهل لكننا نشعر بأن أوضاع العمل تزداد صعوبة والقوة الشرائية لعامة الناس تضعف.

أهمية القطاع الزراعي في اندونيسيا

صهيب جاسم: ما أهمية القطاع الزراعي ضمن أنشطة الاقتصاد الإندونيسي اليوم وهل أثرت التنمية الاقتصادية خلال العقود الماضية سلباً أو إيجاباً أو على الفلاحين وعلى الإنتاج الزراعي بشكلٍ عام؟

سوبيجو سيران بورهارجو/أستاذ الاجتماع الزراعي بجامعة عاجة مادا: في رأيي يواجه قطاع الزراعة خلال العقدين الأخيرين تهميشاً واضحاً ففي عقدي السبعينات والثمانينات كان القطاع الزراعي محورياً في الخطط والموازنات الحكومية ولكن في الفترة الأخيرة تراجع دور الزراعة ويمكن معرفة ذلك من خلال النظر إلى نسبة ما يخصص للزراعة من موازنة الدولة السنوية والتي لا تزيد عن 2% فقط هذا مقابل عدد العاملين في مجال الزراعة والذين يبلغ عددهم 40 مليون شخص، كما تُسهم الزراعة بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي إضافةً إلى أهمية الزراعة في تأمين الغذاء لسكان البلاد ومع ذلك فإن السياسات الحكومية لا تقف دائماً إلى جانب الفلاحين.

صهيب جاسم: التوجه نحو التصنيع هل كان في صالح المزارعين بفتح فرص جديدة في مجال الصناعات الغذائية أم أن الفلاح ظل يسوق منتجاته بطرقٍ تقليدية في أقرب الأسواق المحيطة بريفه أو قريته؟

سوبيجو سيران بورهارجو: لأن عدد الفلاحين كبيرٌ في إندونيسيا فقد ولد هذا إشكالاً في توزيع الأراضي حيث إن معدل مساحة الأرض التي يملكها غالبية الفلاحين هي نصف هكتار فقط وهذه المساحة لا تكفي لتوفير الدخل المناسب لعوائل الفلاحين ولهذا فإن بعض أبناء الفلاحين يضطرون لترك الريف والعمل في المصانع، لا بد من سياسة تعزز القيمة التجارية للعمل الزراعي وحتى يجنى الفلاح من زراعته دخلاً جيداً لا بد أن يكون متوسط ما يملكه هكتارين، هذا سيشجع أبناء أسر الفلاحين على الحفاظ على نشاطهم الزراعي ولهذا لم يكن التحول نحو الصناعة ناجحاً جداً فالإنتاج الزراعي وفير لكن القطاع الصناعي لم يُؤهل لامتصاص ذلك الإنتاج في شكل صناعات غذائية ليشتغل فيها أبناء الأرياف ليحصلوا على قيمة مضافة لمحاصيلهم، هذا باستثناء زيت النخيل الذي تطورت الصناعة المرتبطة به.

صهيب جاسم: إذاً ما الذي على الحكومة الإندونيسية أن تنفذه من سياسات للحفاظ على توازن وتكامل حتى بين القطاع الزراعي والقطاع الصناعي ولضمان الأمن الغذائي ولرفع مستوى معيشة الفلاحين أو المزارعين بصورةٍ عامة؟

سوبيجو سيران بورهارجو: من أهم القضايا الإصلاح الزراعي الذي يكون من أهدافه توسعة ملكية الأراضي التي يملكها كل فلاح فبدون ذلك لا معنى لاستخدام أي تقنيات حديثة بل إن الفلاح سيشعر بعدم جدوى عمله في حقله الصغير ثم يأتي بعد ذلك تشييد المرافق الأساسية اللازمة كالسدود وقنوات الري والطرق الزراعية وتوسعة المناطق الصالحة للزراعة وإنتاج الآلات الزراعية محلياً لرفع مستوى إنتاجية الفلاحين، ثم التأمين على الإنتاج الزراعي لتعويض الفلاح مالياً عن خسارته فيما لو تعرض لكارثةٍ كفيضانٍ أو وباء كنحوه كما يحصل في تايلاند أو اليابان لأنهم يقدرون عمل الفلاح الذي يؤمن غذاء الشعب الياباني إضافةً إلى توفير تمويل المصارف الزراعية للفلاحين وهذا ما نفتقده هنا.

إيني سري/مديرة المعهد الإندونيسي لتطوير الاقتصاد والتمويل: لا بد أن نكون من الشاكرين على ما أنعم الله علينا من ثروات طبيعية تبدأ من القطاع الزراعي وما ينتجه من حبوب ومحاصيل وفواكه ثم الغابات والثروة السمكية، كل ذلك ما هو فوق تراب هذه الأرض وما في باطن الأرض خيراتٌ أخرى فلدينا الفحم الحجري والذهب والنفط والغاز، لكن المشكلة في أسلوب تعاملنا مع هذه الثروات أننا لا نؤدي حقها بالشكر الواجب وأعني بذلك أننا لم نسعَ لأن نحصل بها على عوائد أكثر فما نستخرجه أو نجنيه من هذه الثروات نبيعه كمادةٍ خام ولهذا نحن بحاجة إلى سياسة صناعية ناجعة تتعامل مع المعادن الموجودة لدينا بدلاً من تأسيس مصانع لأصناف نحتاج لاستيراد بعض موادها الأولية من الخارج.

صهيب جاسم: بعد حديثنا عن القطاع الزراعي وتصدير المواد الخام نأتي إلى مدينة مالانغ في وسط جزيرة جاوة لنطلع على تجربة رائدة في الصناعات الثقيلة في إندونيسيا قبل أن نتابع جولتنا مع صناعة السيارات، تابعونا بعد الفاصل.

]فاصل إعلاني[

إندونيسيا مركز مهم للصناعات الثقيلة

عارف إمام/مدير التسويق في شركة صناعات: تاريخياَ تأسس مصنع نيو أرمادا الذي نحن فيه الآن قبل 41 عاماً بدأنا العمل بورشة منزلية صغيرة ومع تطور عملنا حصلنا على عقدٍ مع الحكومة لإنتاج ألف سيارة خاصة بعمل البلديات وفي بداية عقد التسعينيات بدأنا توسعة عملنا من سيارات نقل الركاب الصغيرة والمتوسطة إلى حافلات السفريات الكبيرة.

صهيب جاسم: ما الذي تُصنعونه محلياً وما الذي تستوردونه من الخارج من كل حافلة أو شاحنةٍ تنتجونها في هذا المصنع؟

عارف إمام: تشكل المواد الأولية محلية المنشأ نحو 60% مما نعتمد عليه في صناعتنا مقابل 40% من القطع والمحركات والمواد المستوردة، لكن لا ننسى أن بعضاً مما يُصنع محلياً من قطع معينة يعتمد جزئياً على موادٍ خام مستوردةٍ أحياناً وهذا يحدد السعر وهذه خاصية الصناعة اليوم، فليس هناك من يُصنع سيارةً أو حافلةً بشكلٍ كاملٍ تحت سقف مصنعٍ واحد.

صهيب جاسم: هل تخشون من حدوث أزمةٍ ماليةٍ أخرى ربما ستؤثر كثيراً على مبيعاتكم؟

عارف إمام: القلق من ذلك حاضرٌ بالتأكيد لاسيما بعد أن تجاوزت قيمة صرف الدولار 14 ألف روبية إندونيسية بينما كانت قيمته دون 12 ألف روبية خلال الأعوام الماضية، هذا يؤثر على بيعنا لحافلاتنا ويضعنا في مأزق بين الاضطرار لرفع الأسعار وتراجع الطلب في الأسواق هذا العام ولو لم نرفع الأسعار للزيادة في كلفة المواد الأولية المستوردة فستنهار صناعتنا.

صهيب جاسم: مع قرب الانفتاح التجاري لدول جنوب شرق آسيا هل أنتم مستعدون للمنافسة في سوق آسيان المشتركة مع بداية العام المقبل؟

عارف إمام: رضينا أم لم نرض رحبنا بذلك الانفتاح التجاري أم رفضناه فلا خيار لنا سوى أن نستعد للمنافسة حتى نظل لاعبين مؤثرين في السوق لا أن نقف متفرجين أمام هذه التغيرات، علينا أن نرفع مستوى إنتاجيتنا في مواجهة منافسينا كالصين التي تنتج السيارات والحافلات بأسعارٍ رخيصة وهذا تحدٍ بالنسبة لنا.

صهيب جاسم: قبل مجيئنا إلى هذا المعرض سلطنا الضوء على الصناعات الثقيلة ومنها صناعة الحافلات والشاحنات في جاوة الوسطى وعلى علاقة بهذا القطاع صناعة السيارات ليست بعيدة عن هذا القطاع، ما الذي تعنيه صناعة السيارات بالنسبة للمجتمع الإندونيسي وبالنسبة للاقتصاد الإندونيسي؟

زكي النهدي/رئيس شركة تصنيع سيارات إندونيسية: لا يخفى عليك أن صناعة السيارات تعتبر من الروافد الكبيرة بالنسبة للقطاع الصناعي الإندونيسي وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد في أي بلد، لهذا عنت الحكومة من البداية في إعطاء الأطر التنفيذية والقانونية لصناعة السيارات في إندونيسيا وهي تمثل قطاع كبير بروافده من جميع صناعة قطع الغيار وما يتبعها من صناعة الإكسسوارات للسيارات.

صهيب جاسم: من اللافت أن المصنعين اليابانيين اختاروا إندونيسيا كأحد المراكز المهمة لتصنيع السيارات بجنوب شرق آسيا بل في قارة آسيا بأجمعها، ما سر هذا الاختيار ما الذي توفره إندونيسيا لهذه الصناعة اليابانية؟

زكي النهدي: بدايةً إندونيسيا تعتبر أكبر بلد في جنوب شرق آسيا وهي تعتبر من القطب الآسيوي، اليابانيون كانوا مستعمرين لاندونيسيا في فترة حقبة الحرب العالمية الثانية ولهذا هم يعني اليابانيون لديهم فكرة واسعة عن إندونيسيا وقدراتها البشرية وقدراتها ثرواتها الموجودة وموقعها الإستراتيجي بحيث أنها هي المسيطرة على مضيق ملقا بالنسبة للتجارة وتوزيع التجارة العالمية، ثانياً لا يخفى لديك أن اليابان من أكثر الدول أو هي الدولة الأولى استثماراً في إندونيسيا في كل القطاعات والصناعات، الشيء الثالث إندونيسيا لديها من الموارد البشرية ومخرجات التعليم المهني ما يجعلهم ما يجعل إندونيسيا قادرة على تخريج هذه الموارد البشرية الكافية للإشراف لهذه الصناعات، وأيضاً المواد الخام الموجودة في إندونيسيا على مثال المواد مثل المطاط بالنسبة للإطارات وكل هذه وكل الصناعات هذه يعني المكملة لصناعة السيارات متوفرة في  إندونيسيا وممكن عملها، الشيء الأخير أن اليابانيين من السبعينات هم في إندونيسيا وهم يسيطرون تقريباً على 90% من صناعة السيارات في إندونيسيا.

صهيب جاسم: هذا يعني أنهم يصنعون الكثير من قطع السيارات محلياً؟

زكي النهدي: هم يُصنعون تقريباً إلى 60 إلى 70% هي عبارة عن صناعة محلية، القانون الإندونيسي لا يسمح للشركات بالتملك الكامل للمصانع هنا في إندونيسيا فكل الشركات الأجنبية لديها شريك محلي شركات محلية، هذه الشركات المحلية تمتلك من 30 إلى 50% من أسهم هذه الشركات، فكل الشركات الأجنبية التي تأتي لديها شريك محلي وكل الموارد البشرية الموجودة في هذه الشركات هي تقريباً حوالي 90% كلها إندونيسية بالكامل، إضافة إلى البعثات الخاصة لهذه الشركات أو بين الحكومتين في المجال التقني والمهني.

عقبات جسيمة تعرقل مسيرة التنمية

صهيب جاسم: رغم ما تحقق من إنجازات في مختلف الأصعدة والمجالات فإن عثرات ما زالت تعرقل مسيرة التنمية وكلما لاحت في الأفق أزمة مالية أو سياسية تجدد الحديث عن هذه الإشكالات لماذا هذا الوضع يتكرر من حين لآخر؟

إحسان الدين نورسي/مؤسس رابطة خبراء الاقتصاد السياسي في إندونيسيا: منذ عهد الاستعمار لم يتغير الهيكل العام للاقتصاد الإندونيسي فنحن نعتمد على تصدير المواد الخام بدون أي قيمةٍ مضافةٍ لها كما أننا لا نتحكم بدائرة الإنتاج والتوزيع لهذه الثروات فحتى السوق المحلية للأجانب فيها نصيبٌ وافر وبعد الإصلاح السياسي شهد القطاع المالي من أسواق أسهم ومال تزايداً لسيطرة الأجانب فيه فمن مجموع التعاملات اليومية في البورصة التي تقدر بنحو 6 تريليونات ونصف تريليون روبية أكثر من 5 تريليونات بيد الأجانب و 38% من سندات الدولة يسيطر عليها مستثمرون أجانب، ثم ظهر نظام فتح المجال للاستثمار الأجنبي فصار من السهل تدفق رؤوس الأموال وخروجها من البلاد ثم أغرقت السلع المستوردة الأسواق فانعكس هذا على نسب التضخم فهناك خطأٌ في بنية الاقتصاد الذي صار بعيداً عن روح دستورنا وأسس اقتصاداً على مفهوم مستورد من الولايات المتحدة الأميركية.

صهيب جاسم: الأمر الآخر هو ما يتعلق بمعضلة الفقر وبالجدل الدائر حول نسبة الفقراء، من حين لآخر يتحدث المحللون حول ارتفاع أو انخفاض عدد الفقراء في إندونيسيا خلافاً للحديث المتفائل عن ارتفاع عدد من يحسبون في عداد الطبقة المتوسطة التي بها تتحرك عجلة الاقتصاد محلياً؟

إحسان الدين نورسي: الصورة العامة لتوزع الثروة والفوارق بين الطبقات توضحها سيطرة أغنى 20% من السكان على 40% من الثروة والباقي يتوزع بين 40% من الطبقة المتوسطة والوضع أسوأ لمن هم أفقر، جغرافياً تسهم جزيرة جاوة بـ 58% من الناتج المحلي الإجمالي والبقية متوزعة على الجزر الأخرى ولو قلنا إن اقتصاد إندونيسيا هو في المرتبة الـ 17 في العالم من حيث ناتجها المحلي فهذه حقيقةٌ افتراضية لأن نسبة لا بأس بها من ذلك الناتج يعود للأجانب، ولو تحدثنا عن الفقر فالجدل يبدأ من تعريف الفقير فإندونيسيا عرفته بالشخص الذي يحصل على أقل من دولار ونصف في اليوم بينما البنك الدولي يعد من يحصل على أقل من دولارين فقيراً، ومع ارتفاع قيمة الدولار يزداد الوضع سوءاً ولهذا أقدر عدد الفقراء بـ 31 مليون شخص وهناك مؤشرات أخرى يحسب بها عدد الفقراء ومستويات فقرهم لاسيما لو تعرضت البلاد لأزمة تؤثر على القوة الشرائية لأدنى فئات المجتمع وامتلاكهم لوسائل الإنتاج وتؤدي بالكثيرين إلى البطالة.

صهيب جاسم: الإشكالية الأخطر التي تؤثر على تنفيذ المشاريع التنموية وحتى الاستثمارات الأجنبية هي الفساد المالي والإداري فبعد محاكمة لمئات المسؤولين والبرلمانيين في إندونيسيا ما زال الفساد المالي  يمثل عائقاً يصعب تجاوزه؟

إحسان الدين نورسي: عندما نتحدث عن المال السياسي أو ديمقراطية الشركات فإننا ندعم وجود نظامٍ فاسدٍ مالياً، فنظام سياسي كهذا ينتج فساداً مالياً يبدأ هذا من سّن القوانين والتنظيمات فنظام ديمقراطية المال يؤدي إلى عدم الثقة وعدم الطاعة والفوضى ويمتد الأمر إلى البرلمان حيث نشهد توكيلاً شعبيا افتراضيا وفي الحكومة تُقر سياسات زائفة بمجموعها تمثل سُلطةً لا تُمثل ضمير الشعب ولهذا عندما أُسست هيئة مكافحة الفساد فإنها تظل كعمال الإطفاء العاجزين عن إطفاء مصدر الحريق وهكذا المدعي العام والشرطة، وهكذا فالديمقراطية الليبرالية بمجموعها أظهرت نظاماً قضائياً يمكن المتاجرة به.

نهوض قطاع صناعة الملابس والمنسوجات

صهيب جاسم: ما بين الحديث عن ازدهار الصناعة الثقيلة وإعادة التقنية من جهة وعن إشكالات الفقر والفجوة بين الفقراء والأغنياء والفساد المالي والتحديات وازدواج اقتصاد إندونيسيا من جهة ثانية يأتي دور بعض القطاعات كصناعة النسيج والملابس الجاهزة والمنتجات الجلدية يبرز دورها في تحسين مستوى معيشة ملايين الإندونيسيين الذين يعملون في هذه الصناعات والذين يتوزعون بين كبرى المصانع والمعامل الصغيرة والمتوسطة، وقد تجاوزت قيمة صادرات هذا القطاع العام الماضي 12 مليار دولار أميركي وتتركز معظم المصانع في جزيرة جاوة ويعكس نمو هذه الصناعة تحسناً ملحوظاً في القوة الشرائية بين الطبقة المتوسطة من الإندونيسيين، إضافة لاعتماد هذه الصناعة على الطلب في الأسواق الأوروبية والأميركية والعربية وأسواق اليابان وجنوب شرق آسيا، لكن أبرز ما تواجهه هذه الصناعة من تحديات المنافسة من السلع الصينية والفيتنامية الأرخص ثمناً وارتفاع كلفة الطاقة الكهربائية والزيادة الملحوظة في مستوى العمالة الإندونيسية.

إليداواتي على عمر/مالكة شركة: نعم إن إندونيسيا هي رابع أكبر دولةٍ من حيث عدد السكان في العالم وإمكانات تسويق الملابس هي للسوق المحلية وصناعة الملابس لا يمكن أن تتوقف عن الإنتاج في ظل حاجةٍ قائمة، أقول هذا من واقع خبرتي في مجال النسيج والملابس والأزياء منذ عام 1990، في البداية لم تكن صناعة الأزياء في إندونيسيا جذابة لكن خلال السنوات الـ 15 الأخيرة شهدت السوق تغيراً واضحاً نتج عن النمو الاقتصادي والزيادة في القوة الشرائية لدي المستهلك الذي صار يبحث عن الملابس الأفضل وصار الناس أكثر معرفةً بتوجهات الأزياء، هذا الطلب المتزايد دفع إلى ظهور صناعة ملابس جاهزة محلية وظهرت كذلك ماركات تجاريةٌ جديدة تتعامل مع الطبقة المتوسطة في إندونيسيا.

صهيب جاسم: تشهد إندونيسيا اهتماماً واضحاً خلال السنوات الماضية بالصناعات الإبداعية هل تعتقدون ما تقومون من إنتاج في صناعة الأزياء جزءاً من هذه الصناعة الإبداعية؟

إليداواتي على عمر: هذا ما أراه بالفعل فصناعة الأزياء في إندونيسيا جزء مما يوصف بالقطاع الإبداعي خاصةً الأزياء الإسلامية لأن الفتيات والسيدات المسلمات يبحثن عن التنوع في التصاميم وظهرت رابطةٌ لمصممي موضات الأزياء ومن عملها تدشين موضاتٍ كل عام للأزياء الإسلامية لتصنع بذلك توجهاً للتصاميم سنوياً وهذا يدفع المصممين إلى الإبداع كل سنةٍ في تصاميم جديدة ولا يمكن عزل ذلك عن القطاع الفني حيث يظهر الفنانون والفنانات في المسلسلات والأفلام وهم يرتدون تلك الأزياء، وخلال السنوات الماضية ظهرت أفلامٌ سينمائية بصبغة دينية واضحة بملابس إسلامية ولا يقتصر الأمر على شهر رمضان فحسب بل طوال العام، وقد شاركنا نحن مع القطاع الفني في إنتاجه بأزيائنا.

صهيب جاسم: خلا العامين الماضيين سمعنا كثيراً من الدراسات والبحوث التي تتحدث عن وصول اقتصاد إندونيسيا إلى المرتبة 16 بين الأمم لكننا منذ عدة أشهر نشهد انشغالا واضحاً في الإعلام الإندونيسي في الحديث عن الإشكالات التي يواجهها اقتصاديات هذه الدول، كيف تُقيِم وضع الاقتصاد الإندونيسي اليوم؟

بورباسا يودي ساديوا/مستشار الرئيس الإندونيسي للشؤون الإستراتيجية: ربما وصلنا إلى المرتبة الـ 15 هذا العام لم يعد هذا حلماً، التحدي الذي نواجهه في المستقبل المنظور هو ها سنصبح فعلاً الدولة السادسة أو السابعة من حيث ناتجها المحلي خلال العقدين المقبلين، هذا يستوجب أن تتجاوز نسبة النمو 7% هذا يعتمد على إدارتنا للإشكالات التي نواجهها اليوم، صحيحٌ أن هناك تباطئاً في النمو الاقتصادي لكن هذا له علاقة بالاقتصاد العالمي فهذا لا يعني أن أسس اقتصادنا ضعيفة أو توشك على الانهيار فنحن نتأثر بدائرة  نمو الاقتصادات حول العالم علينا أن نسعى جاهدين للحفاظ على مستوى جيد من النمو حتى في وقتٍ كهذا، ولهذا فحكومة الرئيس جوكو تركز حالياً على مشاريع البنية التحتية أملاً في أن يتعافى اقتصادنا في الربع الأخير من العام بنسبة نمو تتجاوز 5%.

صهيب جاسم: لو تحدثنا عن المدى الطويل، ما هي أهم المشاريع المحورية التي تعمل الحكومة على تنفيذها لتحفيز النمو الاقتصادي خلال العشرية المقبلة؟

بورباسا يودي ساديوا: أولاً علينا أن نعزز تنافسيتنا بتحسين البنى التحتية التي ما زالت تعاني بعض الإهمال لو أنشأنا المزيد من تلك المرافق سيعين هذا القطاعات الرئيسية كالصناعة والزراعة فأي أزمة تواجهها البلاد تعرقل عملية التحول من الزراعة إلى الصناعة ولهذا لا بد من تحريك ذلك التحول ورفع قيمة ما ننتجه زراعياً، هذا سيحفز النمو الاقتصادي بصورةٍ عامة ويُحسن مستوى معيشة السكان، ومن المبادرات التي يهتم بها الرئيس جوكو تعزيز الأمن الغذائي بتوسعة المواد المستصلحة للزراعة خلال العقد المقبل وتشييد المزيد من السدود وقنوات الري وتعبيد طرقٍ سريعةٍ كالطريق الذي يربط أقصى شمال جزيرة سومطرة بأقصى جنوبها ونسعى لتشييد المزيد من محطات توليد الطاقة الكهربائية لعامة السكان ودعماً للمصانع ولكل الأعمال التجارية.

صهيب جاسم: بعد عقدٍ من النمو الاقتصادي تواجه إندونيسيا هذا العام وفي الذكرى الـ 70 لاستقلالها تحدياتٍ كثيرة حذر خبراء وسياسيون من خطورتها على مسيرة التنمية في ظل قلقٍ من احتمال تكرار حدوث أزمة مالية كالتي عصفت بدول جنوب شرق آسيا عام 1997 ومن يحذر من وقوع أزمة يدرك أن العشرية المقبلة ستكون حاسمة ومصيرية في إحراز تقدم نحو جعل إندونيسيا سابع أكبر اقتصاد في العالم خلال عقدين. مشاهدينا الكرام وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج الاقتصاد والناس، هذه تحية لكم مني ومن فريق البرنامج في الدوحة وهنا في جوقجاكرتا بوسط جزيرة جاوة ودمتم في حفظ الله ورعايته.