أحمد بشتو
جلال أمين

الأولويات الاقتصادية أمام رئيس مصر

أحمد بشتو: مصر الآن تعيش بين عهدين اقتصاديين، ومخاضا لنظام جديد، يتمنى أعتقد كثيرون أن يكون مختلفا عمّا قبله، فمصر عانت وعاشت لسنوات ولعقود طويلة في حالة اختلالات وتشوهات اقتصادية كثيرة، حتى بدا لكثيرين أن الإدارة الاقتصادية الماضية كانت تتعمد اتخاذ الإجراءات الخاطئة وتدعيم وتوطيد علاقاتها بالفساد، أما المستقبل الاقتصادي المصري بعد انتخاب الرئيس فيرى الجميع أنه لا بد أن يكون مختلفا، متطهرا من الفساد، داعما للفقراء والعاطلين وفاتحا للآفاق في كل اتجاه، لكن بين فترات الانهيار الاقتصادي وآمال المستقبل لا بد أن نسترشد بآراء الخبراء والفقهاء الاقتصاديين، لهذا سعينا في هذه الحلقة للقاء عالم الاقتصاد المصري الدكتور جلال أمين، نسمع منه ونتأمل في هذه الحلقة الجديدة من الاقتصاد والناس، مشاهدينا أهلا بكم، دكتور جلال أهلا بك.

جلال أمين: أهلا بك.

أحمد بشتو: بداية نظرة طائر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر الآن، كيف تراه؟

جلال أمين: والله كلمة الوضع الاقتصادي والاجتماعي دي كلمة كبيرة قوي، تعال نركز على الاقتصاد على الأقل في الأول، طبعا كما يشعر الجميع ويلاحظ الجميع الحالة الاقتصادية سيئة والناس تعبانة جدا، والآمال التي كانت عالية من الخامس عشر من الشهر لما قامت الثورة، الكثير منها تبدد بسبب الأحوال الاقتصادية، الطموحات كانت أكبر بكثير والواقع كان أسوأ بكثير، أصبح أسوأ بكثير ممّا كان يمكن أن نتصور، أنا مش عايز أنكر، مش عايز أقول إن الوضع كان كويس قبل الثورة، الوضع الاقتصادي سيء في مصر منذ فترة طويلة جدا، على الأقل منذ أربعين عاما، لما جاءت الثورة، من الطبيعي إن الواحد يتوقع من أي ثورة أن تتدهور الأحوال الاقتصادية لفترة ما، على الأقل بعض الأوضاع الاقتصادية، اللي حصل إنه التدهور أصاب ميادين مختلفة من الحالة الاقتصادية والاجتماعية أيضا، واستمر مدة أطول بكثير ممّا كنا نظن ممكنا.

أحمد بشتو: هل هذا دكتور لما الناس في مصر انشغلوا كثيرا بالخلافات السياسية ولم ينشغلوا أكثر بالإجابة عن أسئلة إجبارية اقتصادية؟

جلال أمين: لأ الحقيقة لأ مش دا التفسير، التفسير إنك عندك ناس استلموا السلطة وكان المفروض إن الأحوال الاقتصادية تكون في قمة الأولويات، مش بس لأن الناس كانت تعبانة أصلا ولكن لأن الاقتصاد من أكثر الأشياء التي تهم الناس، خصوصا شعب فقير كالشعب المصري، فكان المفروض إن الممسكين بالسلطة يشرعوا بمجرد أن يستلموا السلطة في اتخاذ إجراءات معينة، في رأيي كان أهمها أن الأمن يُراعى، أن الأمن لا يسمح له بالتدهور لأنه ظهر، اللي ما كانش حتى واضح قبل كده بس ظهر بوضوح تام إن تدهور الأمن بيؤثر في حاجات كثيرة قوي في الاقتصاد، أولا بيؤثر في السياحة، السائح مش هييجي لو حس إن حياته غير آمنة، أو أنه لن يستطيع الوصول إلى الأماكن التي يريد رؤيتها، الاستثمار المحلي والأجنبي سيتحفظ ويؤجل قراره بالاستثمار لغاية ما الأمن يستتب، عدم استتباب الأمن يجعل النقل والمواصلات صعبة وفيها مخاطرة فتزيد التكاليف، فتزيد الأسعار، إلى آخره.

أحمد بشتو: يعني هي منظومة واحدة؟

جلال أمين: أهو كده.

أحمد بشتو: طيب، يعني دكتور والحالة هذه، هل الرئيس المصري المقبل لديه عصا سحرية يمكن بها أن يحل مشاكل كثيرة في وقت قليل كما يتمنى الكثيرون؟

جلال أمين: والله، ما فيش حد عنده عصا سحرية، لا في مصر ولا في غير مصر، إنما ممكن بس أعدل السؤال، هل ممكن علاج المشاكل دي بسرعة؟ الإجابة على هذا تتوقف على أي نوع من الرؤساء سيأتي، أنا ممكن أتصور رئيس معين أو غيره تبتدي الأشياء تنصلح بعد وقت وجيز جدا من مجيئه إلى الحكم، وبالعكس في أشخاص أعتقد المسألة ممكن تسوء بشدة إذا جاؤوا، غير إنه شخصية الرئيس، أولا هل هو مستعد يباشر كذا ميدان أو مجال اقتصادي في نفس الوقت ولا لأ؟ لأنه المشاكل الاقتصادية متشابكة، كلما تفكر في مشكلة تقول مش هأعرف أحل دي غير لما أحل مشكلة أخرى، يعني الاستثمار معتمد على الأمن، والتعليم معتمد على مرتبات المدرسين، ومرتبات المدرسين تعتمد على عندك عجز في الميزانية ولا ما عندكش؟ فلا بد إنه الشخص اللي ييجي يكون عنده هذه الرؤية الشاملة للأمور، ومش بس كده، ويستعين بأشخاص الشعب يثق بهم، وهو طبعا لازم يثق فيهم، أنا أقصد إيه، دي وهذا الاعتبار يدعو إلى بعض التفاؤل، بمجرد ما الشعب يحس إنه جاله رئيس الشعب يثق فيه، تبص تلاقي الأمور ابتدت تنصلح حتى قبل اتخاذ أي إجراء.

أحمد بشتو: طيب دكتور ما الأولويات الاقتصادية أمام هذا الرئيس؟

جلال أمين: دي نقطة مهمة لأنه كثير من المناقشات الدائرة الآن بتخلط خلطا غريبا بين مشكلات المدى القصير ومشكلات المدى الطويل، يعني أنا استغربت الحقيقة أنه منذ بعد أيام قليلة من قيام الثورة ونجاحها، نجاحها في إسقاط رئيس النظام، ابتدأ الكلام على ضرائب تصاعدية، ضرائب تصاعدية إيه! وأنت في حالة السياحة والأمن والاستثمار بالشكل ده؟ أنا أقصد إيه؟ أنت يجب بالضبط زي مريض عنده نزيف ما تقعدش تقله تعمله عملية تعالج مرض كان عنده من الصغر، يعني العدالة الاجتماعية دا مرض قديم جدا في مصر، ما تتصورش إنك أنت هتعالجه في أسبوع ولا شهر ولا سنة، ممكن تؤجل العدالة الاجتماعية بعض الشيء، ما بقولش تتجاهلها، بس تؤجلها بعض الشيء في سبيل إنقاذ حياة المريض.

أحمد بشتو: طيب ما الذي ينقذ حياة المريض الآن؟

جلال أمين: أولا زي ما قلت، رجّع الأمن بسرعة، فورا، أدي وحدة، افعل ما تستطيعه بسرعة لتأمين وتشجيع السياحة، لأن السياحة بتستخدم نسبة كبيرة جدا من العمالة المصرية وبيعتمد عليها نسبة كبير من العائلات المصرية، السياحة لما بتتدهور في مصر مش بس بتفقد عملة أجنبية مهمة، لكن في الواقع البطالة بتزداد بشدة، وأنت البطالة من أشد المشاكل خطورة في مصر، فعندك الأمن، عندك السياحة، عندك إذا كان في بعض الفئات تشعر بغضاضة ومرارة شديدة لأذى وقع عليهم حاول تحل مشاكلهم بسرعة، يعني إيه؟ بس بحيث ما تخليش فئات أخرى تشعر إنها ظلمت أو فضلت فئة على أخرى، فالأمن، والسياحة، والاستجابة لمطالب بعض الفئات، ويجب أن يعود نظام التخطيط فورا، لأنه للأسف نظام التخطيط هجرناه من حوالي أربعين سنة، مع إنه في الواقع التخطيط قصير المدى وطويل المدى ضروري لعلاج أي حالة مرضية، وما نصدقش الكلام اللي بيقال في الدول الرأسمالية إنه التخطيط ده شيء سيء، الشركات الكبيرة هي أكبر أطراف بتخطط، وتخطط على مدى كبير، وأنا دايما بقول من لم يخطط لنفسه خطط له غيره، لأنه إحنا في عالم ما تقدرش تسيبه بدون تخطيط.

أحمد بشتو: أكيد، دكتور هذه الأولويات التي تفضلت بها، لكن هذه الأولويات تطبيقها ربما يعتمد على الفريق الذي سيدير هذه العملية.

جلال أمين: صحيح.

أحمد بشتو: هل تعتقد أن الفريق المقبل سيكون متجانسا خاصة أنه ينتظر أن تكون الحكومة المقبلة حال تشكيلها بعد انتخاب الرئيس، ستكون ائتلافية من مختلف الأطياف، تمثل أطيافا كثيرة في المشهد السياسي المصري ما بين الليبراليين أو الإسلاميين أو غيرهم، هذا التجانس أو عدم التجانس إن حدث كيف سيؤثر على القرار الاقتصادي؟

جلال أمين: والله التجانس دائما شيء جيد، بس أنا بعلق أهمية كبيرة، هل الشخص أو الأشخاص وطنيين أو غير وطنيين؟

أحمد بشتو: إذن هذا هو المهم.

جلال أمين: أظن كده، إذا كان عندك عشرة أو عشرين شخص لهم نوازع مختلفة، وحتى أيديولوجيات تبدو وكأنها مختلفة، إذا كانوا وطنيين يطلعوا لك القرار اللازم في أربعة وعشرين ساعة، اللي بيعطل القرار السليم مش اختلاف الأيديولوجيات، ولا عدم التجانس اللي قاعدين على المائدة، إنما إنك عندك ناس مش عايزة تصلح، ودا اللي أنا بسميه موقف غير وطني، الموقف الوطني يعني ناس عندهم رغبة حقيقية في الإصلاح، إذا توفرت هذه الرغبة كل شيء يتحل، زي ما يقال إن اللي نيته طيبة كل الأمور بتتحل، إنما الرجل الشرير اللي مش عايز يصلح لا يمكن.

أحمد بشتو: طيب هذا يا دكتور يحيلنا إلى سؤال، أنت وصفت به حالة مصر طوال الفترة الماضية سياسيا واقتصاديا بالدولة الرخوة، متى يمكن، أو كيف يمكن أن نتحول من حالة الرخاوة إلى الحالة الصلبة أو المتماسكة نوعا ما اقتصاديا واجتماعيا في هذه الحالة؟

جلال أمين: أصل الرخاوة في الدولة اللي هي ميزت مصر على الأقل في الأربعين سنة اللي فاتوا ناشئة من عاملين، لماذا الدولة كانت رخوة ولا تزال في مصر لغاية دي الوقتِ؟ العامل الأول خارجي، والعامل الثاني داخلي، العامل الخارجي أن يكون أصحاب السلطة خاضعين لأوامر من الخارج، وبالتالي يعملوا ما يطلب منهم ولا يفعلون ما لا يتفق مع المصالح الخارجية، دا يخلي الدولة رخوة زي الشخص الضعيف الشخصية، وما يتشطروش غير على المواطنين، ودي دولة رخوة بمعنى لا تحترم القانون، الفساد فيها يبقى كبير، لأنه دائما القوى الخارجية تحب إن يكون في فساد في الداخل لأن اللي مش فاسد في الداخل ما تقدرش تشغله، دا العامل الخارجي، العامل الداخلي إن يكون أصحاب السلطة ومتصل بالخارجي، إن يكون أصحاب السلطة همهم فقط تكوين ثروة، إنه إيه؟ يهمهم مثلا إنه عندهم فيلا في الحتة الفلانية ولا ما عندوش، والفيلا دي في الصف الأولاني ولا مش في الصف الأولاني، لما يكون الهم هو تراكم الثروة وبالتالي لا بد أن تكون الدولة رخوة لأنها مش هتطبق القانون، أو تستثني من لا يجب استثناؤه، وبالتالي الدولة الرخوة دي بتبقى عنيفة وقاسية فقط على المواطنين، لا على نفسهم، يعني مش، ولا في تطبيق القانون، ولا إزاء الطرف الخارجي.

أحمد بشتو: دكتور جلال اسمح لي سنواصل مناقشة مستقبل اقتصاد مصر من وجهة نظرك بعد أن نأخذ فاصل قصير، مشاهدينا، إلى هذا الفاصل القصير نعود بعده للحوار مع العالم الاقتصادي الدكتور جلال أمين، فكونوا معنا.

[فاصل إعلاني]

إعادة هيكلة النظام المالي

أحمد بشتو: مشاهدينا أهلا بكم من جديد إلى هذه الحلقة الخاصة من برنامج الاقتصاد والناس والتي نقدمها مع العالم الاقتصادي الدكتور جلال أمين، دكتور في الجزء الأول تحدثنا عن الواقع الاقتصادي المصري، ماذا عن المستقبل؟ يعني كيف تراه؟ هناك من يرى أن النظام الاقتصادي المصري يمكن أن يكون حرا كما اتبع في الفترة الماضية، هناك حرية حركة لرؤوس الأموال، رجال الأعمال، الاستثمارات، وهناك من يرى أهمية مركزية الدولة، أو عودة مركزية الدولة من جديد، أنت مع أي الطرفين؟

جلال أمين: العولمة بتفرض عليك مزيج، طيب، هل هناك ضرورة أنه برضه الدولة تتدخل؟ أيوه، لأنه حرية كبيرة للسوق لا بد أنها تؤذي شرائح كبيرة جدا من الناس، زي ما الدول الرأسمالية إحنا بنسميها رأسمالية، اكتشفت مؤخرا، يعني منذ أزمة العام 2008، اللي إحنا لسه فيها لغاية دي الوقتِ، حتى الدول الممعنة في إطلاق الحرية لقوى السوق، اكتشفت إنه لا يمكن الدولة ما تتدخلش بدرجة فعالة، فإحنا الحقيقة مقبلين على هذا التزاوج، ومصر لا خيار لها إلا إنها تعمل هذا، هنا السؤال هو هل هتعمله بكفاءة ولا بقلة كفاءة؟ أنا عايز أزعم إن النظام بتاع الأربعين سنة دا لا حصّل اشتراكية، ولا حصّل رأسمالية، عملت خليط غير كفؤ.

أحمد بشتو: من كل الأشياء، طيب، الجديد أيضا في المستقبل الاقتصادي المصري وربما السياسي أيضا هو وصول إسلاميين إلى بعض مفاصل السلطة في مصر، على الأقل في مجلس الشعب حتى الآن، ربما الوزراء في بعض الوزارات السيادية في المستقبل، كيف ترى النموذج الاقتصادي الإسلامي تطبيقا على الحالة المصرية؟

جلال أمين: هو برضه دي عايزة توضيح، إنه إحنا بنقول عبارة الاقتصاد الإسلامي، إنما الحقيقة ممكن أنت تفهم هذه العبارة بطرق مختلفة، وفقهاء واقتصاديو الإسلام بيفهموا عبارة الاقتصاد الإسلامي بطرق مختلفة، ومن ثم ممكن جدا يفهموه بمعنى يسمح للدولة بالتدخل الشديد، بإعادة توزيع الدخل بدرجة كبيرة، وممكن تفهمه إنه بالواقع ما أنتاش مضطر تعيد توزيع الدخل بدرجة كبيرة والدولة مش مفروض تتدخل بدرجة كبيرة، فمجرد إنك تقول أن إسلاميين وصلوا إلى الحكم، أو كادوا يصلون إلى الحكم ما وضحلناش الأمور، لأن لازم تسأل أو تعرف أي نوع من التفسير.

أحمد بشتو: يعني هم فسروا ذلك بأنهم ربما يعدلون من بعض التعاملات المصرفية، المالية، في سوق المال مثلا، في تعاملات البنك المركزي، في إعادة هيكلة البنك المركزي ربما، هناك آراء خرجت في هذا الاتجاه.

جلال أمين: ممكن، وممكن قوي تقول الفوائد يبقى ما تزيدش عن حد معين وإلا تبقى ربا، ممكن، بس هل هذا يجعلك تنتمي إلى معسكر أيديولوجي ضد آخر؟ أنا ما أعتقدش هذا، وبالتالي اللي أنا عايز أوصله إنه العالم الخارجي ممكن جدا يتعامل مع حاكم أو فريق إسلامي بيحكموا مصر ولا يجدوا غضاضة في هذا إذا كان تعامل هذا الفريق معهم يسمح لهم بالاستثمار لا يقسو جدا زيادة عن اللزوم في معاملتهم في الضرائب مثلا، لا يمنعهم، لا يفرض عليهم شروط قاسية من حيث يروحوا فين، يستثمروا فين، في تشغيل العمال، إلى آخره.

أحمد بشتو: أي التجارب الاقتصادية التي حدثت في دول أخرى كماليزيا، تركيا، الهند، البرازيل، أي هذه التجارب تجدها أقرب للحالة المصرية يمكن تطبيقها في الاقتصاد هنا في الفترة المقبلة؟

جلال أمين: والله التجارب الثلاث اللي حضرتك ذكرتها كلها تجارب جذابة وممكن تكون مفيدة جدا لنا أكثر في اعتقادي من تجربة الهند مثلا، لأنه، وأكثر من تجارب دول أخرى في أميركا اللاتينية، لأنه البرازيل وتركيا وماليزيا، عملوا، خصوصا تركيا وماليزيا، البرازيل لسه الحقيقة النظام ما اتضحش بالدرجة التي اتضح في التجربتين الأخريين، وهي المزيج ما بين تدخل الدولة وحرية السوق، دي من ناحية، من ناحية أخرى إنه لأن ماليزيا وتركيا دولتان إسلاميتان فهم عملوا توفيق لطيف جدا بين احترام التراث والشريعة وبين أهداف التنمية، ولقوا إن الحقيقة ما فيش تعارض، إن ممكن جدا تحترم التراث والتقاليد، وفي نفس الوقت تأخذ الإجراءات اللازمة لتنمية الداخل.

أحمد بشتو: لكن في التجربة الماليزية تحديدا دكتور أقف هنا عند حالة تنمية الإنسان تحديدا، تقويته ودعمه وتثقيفه، وتعليمه، ربما هذه الحالة المفتقدة هنا في مصر كأكبر دولة عربية على الأقل سكانا، تزداد بمعدلات مرتفعة جدا يوميا، يعني هناك إحصاءات تقول إن المصريين يزيدون بخمسة آلاف نسمة يوميا، كيف يمكن تطبيق هذه التجربة على مصر؟ هل سنحتاج إلى وقت حتى نجني هذه الثمار؟

جلال أمين: هو الحقيقة من سوء حظ مصر إن في الأربعين سنة اللي فاتوا، اللي هي نمت فيها ماليزيا وحققت نجاحا باهرا، كان من أربعين سنة ماليزيا ما كانتش تختلف حالها عن حال مصر، دي الوقتِ بقت حالها أحسن بكثير جدا، ربنا رزق ماليزيا بحاكم وطني.

أحمد بشتو: مهاتير محمد.

جلال أمين: آه، وطني وكفؤ جدا، وما هواش ديماغوجي، ما هواش ديماغوجيتك، يعني ما هواش راكب راسه ولازم تبقى كده وبتاع، بيأخذ الاعتبارات العملية في الحساب، إحنا للأسف خلال الأربعين سنة اللي فاتوا لم يرزقنا الله بمثل هذه القيادة، لكن ما هي الثورة قامت عشان كده، يعني إحنا نأمل، وبالتالي لأن القيادة دي كانت مفتقدة، التعليم حدث له ما تعرفه، لأن التعليم في الستينات في مصر كان ماشي بطريقة لا بأس بها البتة، الحقيقة، صحيح بدأ نظام الأعداد الكبيرة، إنما كان ممكن دا يصلح ويرشّد دون أن تتخلى عن مجانية التعليم وعن التوسع فيه، إلى آخره، للأسف بقى من سنة 1970 وطالع، التعليم باظ كما ونوعا، هل حد يتصور إن الأميّة يبقى حولين أربعين في المئة لغاية دي الوقتِ مثلا؟هل يتصور المرء إنه يكون أحد الأعباء الأساسية على العائلة المصرية ما تنفقه على الدروس الخصوصية؟

أحمد بشتو: ثلاثين مليار جنيه سنويا.

جلال أمين: آه يعني أنا لو جيل أبوي مثلا تقله الحقيقة دي يقول لك مستحيل دا يتصور إنه يبقى أهم بند في الميزانية العائلية ما تنفقه على الدروس الخصوصية.

آفاق المستقبل الاقتصادي والاجتماعي

أحمد بشتو: بالتالي دكتور أنت لك كتاب اسمه "ماذا حدث للمصريين؟" رصدت فيه تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال نصف قرن تقريبا، كيف ترى ماذا سيحدث للمصريين؟

جلال أمين: أنا متفائل جدا الحقيقة، أولا متفائل في المدى الطويل، لأنه دي التاريخ بقلنا كده، لما تأخذ مصر في الـ 200 سنة الماضية، من ساعة ما محمد علي استلم الحكم، لغاية دي الوقتِ وهم تقريبا 200 سنة بالضبط، تلاقي إن مصر دي الوقتِ حالتها أحسن بكثير قوي مما كان فهو صحيح بيحصل تقلبات، بس التقلبات مش على، حول خط واحد موازي للأرض، دا خط صاعد والتقلبات بتتم حوليه فإيه؟ إحنا بنتقدم، دا أيام محمد علي، بيقول لك كان ما بين كل خمس أشخاص في واحد أعمى وأظن حتى كل ثلاث أشخاص في واحد أعور، حاجة كانت رهيبة جدا، يعني لما بتشوف درجة الانحطاط والبؤس في مصر، مش بس الأميّة، في أبسط الأشياء، في الصحة، إلى آخره، شوف معدل العمر المتوقع للحياة..

أحمد بشتو: متوسط الحياة.

جلال أمين: مش هأقول لك محمد علي، من سنة 1930، أو 1940، هتبص تلاقي حاجة وثلاثين سنة، دي الوقت متوسط العمر المتوقع للإنسان المصري حوالي سبعين سنة، يعني إحنا ضاعفنا، يعني دا تقدم، دا مش لا تخلف ولا استمرار على نفس المستوى، طيب، أنا متفائل في المدى الطويل، إنما حتى في المدى القصير ودا، أو المتوسط لأنه الثورة دي فجرت قوى جميلة جدا، هي كانت موجودة بس ما كناش شايفينها وما كنتش بتمارس عملها، مثلا، اكتشفنا إن المرأة المصرية تحررت، لما شفناها في الميدان بتعمل أعمال ما كناش إحنا متعودين عليها، هل الفتاة المصرية أصبحت بهذه الجرأة؟ هل الشباب المصري لهم حقيقة هذا الشعور الوطني القوي؟ اللي إحنا كنا فاكرينهم ما بهمهمش غير توافه الأمور، فأنا متفائل الحقيقة أما الحاجات اللي حضرتك أشرت إليها، إذا جم دول حكموا أو إذا دول ما حكموش، ففي نهاية الأمر الظروف الاجتماعية والدولية، هتفرض عليهم السير في الاتجاه الصحيح.

أحمد بشتو: على الأقل نختم بهذا التفاؤل الذي تفضلت به دكتور جلال أمين. 

جلال أمين: شكرا.

أحمد بشتو: أشكرك شكرا جزيلا على هذا اللقاء، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على طيب متابعتكم لهذه الحلقة الخاصة من الاقتصاد والناس، شكرا لكم وإلى اللقاء