- أسباب تجدد قضايا توظيف الأموال في مصر
- السياسات الحكومية والبيئة الاستثمارية في لبنان

أحمد بشتو
محمود عبد الفضيل
محمد زبيب
أحمد بشتو: مع الاقتصاد والناس مشاهدينا أهلا بكم. حين تتوافر السيولة في الأسواق وترتفع مدخرات صغار المستثمرين تظهر هنا وهناك شركات ما يسمى بتوظيف الأموال، هذه الشركات تقوم بتجميع أموال الناس بزعم تشغيلها في أنشطة متنوعة وتعد المستثمرين بنسب فوائد وأرباح ضخمة تصل لـ30% وأحيانا لـ60%، يصف المختصون ما يحدث فعليا بنظرية المغفل الأخير ففعليا يقوم صاحب النشاط بإعطاء الأرباح للمستثمر الأول من إيداعات المستثمر الثاني وللثاني من الثالث وهكذا.. حتى إذا اكتشفت اللعبة صار الخاسر هو المستثمر أو المغفل الأخير. انتشرت ظاهرة هذه الشركات أول مرة في البلدان العربية مع الطفرة النفطية الأولى في منتصف السبعينيات وتكررت مع الطفرات التالية، أيضا فالرغبة في الثراء السريع وتقلبات البورصات وتدني فوائد ومرابحات البنوك أدت لتهافت الناس على شركات النصب هذه. هذه أمور سنعرضها في هذه الحلقة حيث نتابع..

- تجدد قضايا توظيف الأموال في مصر على الرغم من فضح العديد منها.

- خسائر مالية عالية في بلدات لبنانية بسبب إفلاس شركة استثمارات مالية.

حلقة تتساءل هل هو حلم الثراء السريع فقط أم السبب هو غياب وسائل اقتصادية مطمئنة يتكئ عليها الناس؟ وتابعونا..

أسباب تجدد قضايا توظيف الأموال في مصر

أحمد بشتو: كوكتيل من نصب شركات توظيف الأموال وجشع الناس الذين يسلمون أموالهم لشركات وهمية، وتقصير الأجهزة المالية والاقتصادية والاستثمارية في الدول العربية. هكذا يصف الخبراء حالة توظيف الأموال. في الأردن ما زال الناس يتحدثون عن شركة البورصات العالمية التي نهبت الأموال وهناك أيضا وفي محافظة الكرك فقد الناس مليارات الدينارات تحت زعم استثمارها في البنوك، وفي مصر ورغم صدور قانون عام 1988 ينظم توظيف الأموال إلا أن إحصاءات حكومية مصرية كشفت أن 59 جريمة توظيف أموال تم تسجيلها في الأعوام الثلاثة الأخيرة وصلت فيها قيمة المبالغ التي تم الإبلاغ عنها لأربعة مليارات ونصف مليار جنيه، كان أغربها قيام ربة منزل بجمع سبعة ملايين جنيه من الناس بزعم توظيفها في تجارة كروت شحن الهواتف النقالة مقابل فائدة شهرية قدرها 30%. ومحمد البلك من القاهرة يصور الحالة.

[تقرير مسجل]

محمد البلك: لا فرق بين غني وفقير فالكل قد سقط في شباك مافيا توظيف الأموال بمصر التي تتمدد دون رادع بينما يواصل الضحايا البكاء على اللبن المسكوب، تحويشة العمر كما يسميها المصريون ربما تضيع هباء منثورا إذا نجحت إغراءات الربح السريع في إغواء من يحاول استثمار أمواله في أنشطة لا يعلم عنها شيئا مثل تجارة المواد الغذائية أو بيع كروت شحن الهاتف الجوال والتي باتت جسرا للنصب على آلاف الضحايا، فالعبرة تظل غائبة على الرغم من أن قضايا توظيف الأموال لا تغيب عن الصحف المصرية.

حمدي عبد العظيم/ الرئيس السابق لأكاديمية السادات: الشخص اللي بيعمل كده كنصاب بيبقى حريصا على أن يدي بالفعل في البداية مبالغ مرتفعة جدا تخليه يصدق وغيره يصدق، فبالفعل في أرباح عالية غير طبيعية من النشاط اللي هو بيعلنه، مرة يقول لك كروت شحن مرة يقول لك عربيات مرة يقول لك أنا بأشتغل في المضاربة في الخارج في البورصات العالمية مرة يقول لك أنشطة سياحية إلى آخره لكن ليس له نشاط مرخص لتلقي الأموال.

محمد البلك: إذاً هي قضية متعددة الجوانب ومتباينة المتاهات خاصة مع إخفاق الأداء المصرفي للبنوك الخاصة والحكومية في إيجاد آلية لجذب عملاء جدد على الرغم من التحدي الذي تمثله ظاهرة توظيف الأموال لهذه البنوك الشرعية منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

سامح محروس/ صحفي بجريدة الجمهورية: الجهاز المصرفي لا يحافظ على أموال الناس النهارده في عندك معدل تضخم، لو طرحنا معدل التضخم اللي هو 14% من 6,5% يعني إذاً في تآكل في رأس المال بما يعادل حوالي 8% سنويا، فدي مسألة يعني خطيرة جدا لازم الجهاز المصرفي ينتبه إليها. أنا مش بأقول إن ده نوع من الطمع لكن أنا بأعتبر أن في طبعا ثورة تطلعات موجودة، الناس عايزة تستهلك الناس عايزة تقتني عايزة تجيب عايزة تعمل وفي نفس الوقت الجهاز المصرفي لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات الناس أو الحد الأدنى من القدرة على الحفاظ على أموال المودعين.

محمد البلك: السعد والشريف والريان وأخيرا البوشي أسماء مصرية رنانة سطعت في مجال  نهب الأموال والتي وقع في شباكها أسماء أكثر لمعانا مثل الفنانة ليلى علوي ونجم الكرة المصرية محمود الخطيب، قضية توظيف الأموال على الرغم من كونها لقاء بين الطماع والنصاب كما يقال في مصر فإن احتمال تجدد هذا اللقاء لا يزال قائما بقوة فالعقوبات لم تعد رادعة لمافيا توظيف الأموال وقضية البوشي خير دليل على ذلك. محمد البلك، الجزيرة، القاهرة.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: ونرحب من القاهرة بالدكتور محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. دكتور عبد الفضيل نرجو أن تشرح للناس آليات عمل هذه الشركات، أين الخلل، الخطأ فيها؟

محمود عبد الفضيل: يعني هنا أول شيء أن الخلل يكمن في أن ما فيش أي نظام رقابي يحكم هذه الشركات يعني جميع المؤسسات المالية يبقى لها حسابات منتظمة وخاضعة لجهات رقابية مثل المصارف وشركات التأمين، حنجد أن في كل التجارب شركات توظيف الأموال في مصر والبلدان العربية أن هذه المؤسسات ليس لديها حسابات منتظمة كما نقول، ده أولا من الناحية الشكلية، ولا يوجد بها رقابة تضع الضوابط وتضع القيود على نشاطها وأوجه الاستثمار أوجه سلمية، فيها مخاطر ما فيهاش مخاطر، أول حاجة..

أحمد بشتو (مقاطعا): لا توجد جهات رقابية دكتور محمود رغم وجود القانون الصادر عام 1988 ينظم عمل هذه الشركات؟

محمود عبد الفضيل: أنا بأقول هو كل التجربة كانت قبل هذا القانون يعني القانون جاء بعد أن كانت هذه الشركات تمرح وتعمل، بالذات شركات السعد والريان وغيرها دون أي قانون ينظم أعمالها ودون أي ميزانيات منشورة، ده أولا يعني، ففي أي مكان آخر أيضا هي نفس القصة لا يوجد نظام رقابي لهذا النوع من الشركات على غرار المصارف وعلى غرار شركات التأمين. الخلل الثاني متعلق بأسلوب توظيف هذه الأموال يعني لا يوجد في العالم إمكانية لتوظيف كمية لا نهائية من الأموال لتدر نفس العائد الشديد أو الكبير اللي بيقولوا عليه صافي يعني مادة صافية يعني 30% و40% صافي لا شك أن هناك خللا ما في أسلوب توظيف هذه الأموال، يعني ما هي الأنشطة التي يمكن أن تدر هذه العوائد الصافية؟ وإحنا لو كررنا وقلنا معلش..

أحمد بشتو (مقاطعا): وهذا هو سؤالي الكبير، لكن اسمح لي برضه أيضا دكتور محمود يعني رغم تكرار الجرائم والإعلان عنها في مصر الناس يقعون في نفس الفخ وما يزالون، لماذا إذاً؟

محمود عبد الفضيل: لأن هناك روح الجشع تسيطر على المودعين والمستثمرين الصغار لأن دائما هناك طمع يعني حينما.. يعني طبعا هناك من يبررها بأن التضخم معدلاته أعلى من معدلات الفوائد في البنوك بس هذا لا يبرر لأن المخاطرة مختلفة، يعني أنت عندك عائد أقل صحيح في البنوك والمصارف وقد يكون أقل من التضخم وبالتالي فهو عائد حقيقي سلبي ولكن لا يبرر أن الناس رغم كل هذه التجارب وكل هذه المحاولات المستمرة للنصب المالي -أنا بأسميها النصب المالي- أنه في الآخر يأخذ المخاطرة ويخسر رأس ماله لأنه هو أنت OK تأخذ عائدا أكبر ولكن معرض لخسارة رأس المال..

أحمد بشتو (مقاطعا): وهذا الوضع هو الغريب بالفعل في الشارع المصري. واسمح لي الدكتور محمود أن نذهب الآن إلى آراء الناس في مصر نتابع آراءهم حول طبيعة نشاط وأسباب ظهور شركات توظيف الأموال هناك.

[شريط مسجل]

مشارك1: الاقتصاد مقفول فبيحاول كل واحد أن هو يصل للمستوى العالمي للمعيشة زي ما بيقولوا المستوى العالمي، فكل واحد بيبقى عايز إيه؟ عايز يستولي على الصفقة في خلال فترة وجيزة ويبقى الصبح مليونير لأن النهارده ولا محدود الدخل لو دخله ألف جنيه ما بيكفيش ولو دخله ألفي جنيه ما بيكفيش.

مشاركة1: أكيد طبعا الحالة الاقتصادية الناس لو أنها محتاجة أنها تزود فلوسها فبتدور على طريق حتى لو كان مش مضمون.

مشارك2: الإنسان دائما اللي معه فلوس يبقى خائف أن مثلا أن هو يشتغل بحاجة تفشل أو ما تفشلش فبيحب أن المكسب بتاعها يبقى سريع ومن غير ما يتعب.

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: دكتور عبد الفضيل يعني الفوائد البنكية قليلة ومخاطرتها أقل لكنها آمنة على أية حال، لكن أيضا البيئة الاستثمارية لا تستوعب مدخرات الناس خاصة الصغار منهم وهو ما يدفعهم بالتالي إلى هذه الشركات، أليس هذا يعني دافعا قويا؟

محمود عبد الفضيل: أنا حأعلق على الكلام اللي قالوه الناس إن الكلام اللي قالوه الناس إن فعلا في ضائقة مالية للطبقة الوسطى وللفئات محدودة الدخل فهو بيحث عن أي دخل إضافي، ولكن دي نوع من المقامرة أما لما ألجأ إلى شركات من هذا النوع وتكرر التجربة طبعا من ناحية أخرى أن الحل ليس في المقامرة إنما الحل في فعلا البحث عن بدائل مضمونة وفيها قدر من المخاطرة ولكن ليست قائمة على رجال ليس لهم تاريخ مالي معروف، هنا في قصور في السياسات المالية والسياسات الادخارية الموجودة لأن فعلا الناس يعني مضطرة أن هي تلجأ ولجؤوا إلى البورصة لبعض الوقت وبعدين أيضا لم تكن البورصة السبيل، حصلت خسائر كبيرة بالبورصة..

أحمد بشتو (مقاطعا): وهل لهذا السبب، دكتور محمود، صغار المستثمرين أو المدخرين دائما هم أكبر الضحايا؟

محمود عبد الفضيل: طبعا لأنهم ما عندهمش المعلومات الكافية ولا أنهم يميلوا إلى المقامرة ويقول لك هي صابت أو خابت زي ما بنقول بالبلدي، فبالتالي همها الطبقات اللي هي أكثر.. مش عاوزين التعليم لأن هناك متعلمين ومهنيين وقعوا في مؤسسات وشركات الأموال في الثمانينيات في مصر وكانت فضيحة كبرى أن ناس متعلمة وعلى مستوى عالي أيضا دخلوا في هذه التجربة، إنما نقدر نقول الذين يديرون أموالهم بقدر كبير من الرشادة أكيد عندهم معلومات أفضل وعندهم تقدير أحسن للمخاطرة، أما الطبقات الشعبية والفقيرة تلجأ إلى المخاطرة واللي أنا بأقول الهامش بين المخاطرة والمقامرة هو هامش ضعيف جدا يعني هو يتصور أنه يقاطر بالمال لكنه حقيقة يقامر بالمال، ويبدو أن الناس تلدغ من الجحر أكثر من مرة.

أحمد بشتو: لكن دكتور محمد اسمح لي يعني قد نلتمس للبعض عذرا خاصة من هؤلاء الصغار إذا كان لديهم مدخر صغير، الفائدة البنكية قليلة لا تكفيه هو يريد أن يستثمر هذه الأموال وينميها، ما الطريقة إذا كانت البيئة الاستثمارية ضيقة؟

محمود عبد الفضيل: يعني هي دي القصة أن لا بد من أوعية إدخارية جديدة تحقق عائدا أكبر وتكون أكثر أمنا، هذا موضوع مطروح على راسمي السياسات المالية وعليهم أن يبحثوا عن نوعية إدخارية غير موضوع الودائع. أنا بأقول بورصة الأوراق المالية كانت أحد هذه الأشكال ولكن أيضا أحيانا التلاعب في البورصة أضر بصغار المدخرين وخرجوا منها أحيانا بخسائر كبيرة أيضا، فطبعا نقدر نقول إنه فعلا هناك زنقة -زي ما بنقول بالبلدي- زنقة لصغار ومتوسطي الدخل.

أحمد بشتو: نرجو أن تكون هناك فرصة للخروج من هذه الزنقة كما وصفتها دكتور محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة شكرا لك على هذه المشاركة. بعد الفاصل واحد من الناس في لبنان يحكي كيف تبخرت مدخراته في شركات توظيف الأموال، وتابعونا..



[فاصل إعلاني]

السياسات الحكومية والبيئة الاستثمارية في لبنان

أحمد بشتو: أهلا بكم. نفس مشهد توظيف الأموال نراه مكررا في دول الخليج النفطية فالسعودية طاردت واحدا من هؤلاء فقد جمع الرجل ثلاثمائة مليون ريال من الناس بزعم توظيفها ثم هرب إلى لبنان، وحكومة أبو ظبي أصدرت تحذيرا من التعامل مع النشاطات الوهمية كقيام أحدهم بجمع أموال الناس لتوظيفها مقابل أرباح تصل لـ 40% شهريا، ونفس الحالة لاحظها مسؤولو البنوك في دبي حين اندفع عدد كبير من المواطنين والمقيمين للحصول على قروض بهدف توظيفها في شركات توظيف الأموال مقابل فائدة شهرية أكبر بكثير من فوائد البنوك، وفي لبنان طفت على السطح أخيرا قضية صلاح عز الدين الذي وصفه أهل الجنوب اللبناني بفقاسة المال، يأخذ القليل فيفقس مبالغ طائلة حتى انهارت شركته وخسر الناس معه مدخراتهم، وسلام خضر التقت أحد هؤلاء وجاءت بالتقرير التالي.

[تقرير مسجل]

سلام خضر: خسر وجيه مدخرات 15 عاما من العمل في دولة أفريقية فحتى السيارة التي يقودها مرهونة لصالح أحد المصارف، باختصار أفلس الرجل تماما. خسارة الأموال حدثت لوجيه بعد أن أفلس صلاح عز الدين أحد رجال الأعمال اللبنانيين الذي كان يقبل مساهمات في شركاته مقابل عائدات مالية عالية للغاية.

وجيه شور/ مستثمر في إحدى شركات توظيف الأموال: 15 سنة شغل وهالـ15 سنة كانت كلها أحلام ليجي يوم من الأيام أصل على لبنان أحقق.. ما أعيش أكثر من الناس أعيش مثلي مثل أي إنسان، أفتح بيت أتزوج أفتح مصلحة، هيدا كله فجأة راح. أنا نفسي مش عارف حالي شو بدي أعمل مش عارف حالي كيف بدي أتصرف مش عارف حالي شو الحل شو نتيجتها شو نهايتها.

سلام خضر: وجيه ليس الخاسر الوحيد فهنا في بلدة طورا الجنوبية يندر من لم يستثمر أمواله مع عز الدين، لكن قضايا مماثلة ليست مستجدة في لبنان الذي يشهد منذ نشأة الجمهورية سلوكا من هذا النوع، فالليبرالية الاقتصادية المطبقة في البلاد شكلت بيئة ملائمة لاحتضان ما يسمى محليا بالكونتوارات المالية أي الشركات التي تشغل الأموال مقابل فوائد عالية جدا، بعض علماء الاجتماع يرجعون تفشي هذا النوع من الاستثمارات وتهافت الكثيرين عليه إلى رغبة بالترقي في سلم الطبقية الاجتماعية خاصة في بلد تظهر فيه الطبقية بأكمل مظاهرها.

حسان حمدان/ أستاذ بالجامعة اللبنانية: هي عقلية أن واحد يكون عنده بواسطة هالنوع من الاستثمارات ترقي اجتماعي سريع وأن يكون في تمثل بالآخرين بطبقة اجتماعية أو فئة اجتماعية أعلى منه بالإنفاق وبالاستهلاك وبامتلاك واقتناء بعض.. السيارة، الـ cellular الهاتف، تلفزيون جديد، إلى ما هنالك.

سلام خضر: هذا على صعيد محدودي المدخرات أما لمن يمتلك حسابات مصرفية ضخمة فالميركنتلية (mercantile) قد تكون الدافع لهكذا نوع من الاستثمارات أي تجميع الأموال واعتبارها كنزا لا يمس. هذه البلدة هي واحدة من أكثر البلدات في لبنان تضررا من خسارة أموال في شركة استثمارات مالية، فعلى الرغم من تكرار حالات إفلاس شركات تعد بعوائد مالية مرتفعة إلا أن ذلك لم يحد من انتشار شركات مماثلة والخاسر الأكبر دوما طبعا هو المستثمر الصغير. سلام خضر، الجزيرة، من بلدة طورا جنوب لبنان.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: ومن بيروت نرحب بالسيد محمد زبيب رئيس قسم الاقتصاد في صحيفة الأخبار اللبنانية. سيد زبيب لماذا لا يوجد في لبنان قانون ينظم تلقي الأموال واستثمارها؟

محمد زبيب: في الواقع هناك قاعدة سائدة في لبنان تفيد بأن انعدام التنظيم أو قلة التنظيم قد تكون من الحوافز لتدفق المزيد من أموال اللبنانيين الموجودة في الخارج إلى الداخل، هذه القاعدة غير قانونية وغير علمية وليست مؤسسة لوضع أفضل تسوده قواعد الشفافية والاحترام لقواعد عمل السوق. في لبنان حالات من الفوضى عادة تعززها الأهداف التي ترسمها السياسات الحكومية وقد شاهدنا في حالات سابقة أن هذه الفوضى حتى امتدت إلى المؤسسات أو القطاعات التي تنظم بموجب قوانين مرعية الإجراء. في هذه الحالة أريد هنا أن أشير فقط للدلالة فقط إلى أن لبنان شاهد حالات تعسر مصرفي وشهد فضائح اختلاسات وسرقات أموال من مصارف قائمة كفضيحة بنك المدينة المشهورة، أي أنها حالة الفوضى لا تنحصر في القطاعات أو في الأسواق غير المنظمة ولكن أيضا تطال في ظل منظومة الفساد وفي ظل طغيان ثقافة الريع تطال أيضا القطاعات المنظمة وهذا أمر خطير..

أحمد بشتو (مقاطعا): يعني حالة الفساد التي تحدثت عنها سيد محمد والبيئة الاستثمارية التي وصفتها بأوصافك هذه أم الطمع الذي قد يدفع الناس للوقوع في هذه الأفخاخ؟

محمد زبيب: نعم يمكننا الحديث عن حالات طمع ولكن يجب قبل ذلك أن نتحدث عن المسؤول عن سيادة ثقافة الطمع، فالمعروف أن الاقتصاد اللبناني تحول إلى اقتصاد ريعي بامتياز وبالتالي السياسات الحكومية والسياسات النقدية الممارسة منذ عام 1990 حتى اليوم عززت شعور الناس بالرغبة إلى جني أرباح سريعة وبشكل هائل وكبير جدا، أريد هنا أيضا أن أشير إلى أن السياسات النقدية في لبنان ولا سيما في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي فرضت نوعا من أسعار الفائدة على منتجات أو أدوات الدين الحكومية وصلت أحيانا إلى 44% وهذا عائد لا يمكن تحقيقه من أي استثمار طبيعي، الناس في لبنان تعودت..

أحمد بشتو (مقاطعا): يعني هي مشكلة ذات حدين. طيب اسمح لي سيد محمد هنا أن نتوقف مع الناس في لبنان كيف يقيمون أداء هذه الشركات.

[شريط مسجل]

مشارك1: الشركات اللي بتعطي الفوائد العالية هي ابتزاز أموال الشعب وما عم يتقيدوا بأي قوانين عالمية أو إقليمية بالنسبة للاقتصاد.

مشارك2: معلش نخليها بالبنك نأخذ فائدة 2% أو 10% أم بحدود 80% أو 40% فأجي أنا حطينا المبلغ فكان المبلغ اللي معنا بسيطا يعني ما بيستقبل إلا مبلغ كبير فقمت جمعت شوية من أولادي من أخواتي من صهراتي من جيراني شي 10، 15 واحد جمعنا مبلغا وحطيناه.

مشارك3: وقت بتكون العملية صحيحة بدها تجي صحيحة أكيدة الفوائد العالية وقت بتكون 30% و 40% المفروض بيتشكك فيها الواحد.

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: السيد محمد، كما تابعت آراء الناس في لبنان، لكن الملاحظ أن حالات توظيف الأموال تظهر بكثافة مع زيادة مدخرات اللبنانيين خاصة مع الطفرات النفطية، ما الوسائل التي يمكن للشخص أن يقي بها نفسه إذا كانت البيئة الاستثمارية -كما وصفتها- غير مواتية؟

محمد زبيب: في الواقع في هذه الحالة لا يمكن أن نتحدث عن خيارات فردية، المطلوب من الحكومة اللبنانية أن تسارع إلى تصحيح السياسات وبالتالي إعادة النظر في بنية الاقتصاد اللبناني، يكفي أن أشير هنا إلى أن قطاعي الصناعة والزراعة في لبنان لا يمثلان أكثر من 13% إلى 14% من الناتج المحلي، وفي الأشهر الـ 12 الماضية شاهدنا تدفق حوالي 14 مليار دولار كودائع إضافية إلى القطاع المصرفي في حين أن تسليفات القطاع الإنتاجي لم تتجاوز سبعمائة إلى ثمانمائة مليون دولار كزيادة سنوية. كلفة الإنتاج في لبنان كلفة عالية جدا وأيضا كلفة الخدمات والعبء الضريبي هو عبء غير متوازن هو عبء حيادي لا يشجع على الاستثمار، المطلوب التعديل في هذه السياسات لكي يستطيع الناس أن يثقوا في أنهم إذا وظفوا في الاقتصاد الحقيقي سيكون هناك مردود لتوظيفاتهم وبالتالي مردود على المدى الطويل، يجب تغيير الثقافة السائدة باتجاه احترام أكثر لقواعد السوق بما هي قواعد صارمة تحاسب على الأخطاء التي ترتكب..

أحمد بشتو (مقاطعا): طيب سيد محمد يعني إذا كان أهل لبنان هم من أكثر الشعوب هجرة وعملا في الخارج ومن أكثر الشعوب أو الناس دفعا للأموال إلى بلدانهم لا توجد حتى الآن في لبنان صناديق لاستثمار هذه الأموال، يعني هل يضعها الناس في صناديق مقفولة وكفى؟

محمد زبيب: لا، ليس هذا ما أقصد بالتحديد إنما أقول إن هذه ليست خيارات فردية، المناخ الاستثماري في أي بلد ومنه لبنان يجب أن يبنى على قاعدة أهداف ووسائل محددة، هذا الأمر في لبنان لا يبدو واضحا، السلطات في لبنان وبمختلف أنواعها هي تروج أو تساهم في الترويج لنشاطات من النوع التي تؤدي عادة إلى خسائر للأفراد غير المحميين. قلت إن السياسات النقدية في لبنان ليست مبنية على أهداف اقتصادية حقيقية وإنما على أهداف قصيرة المدى تسعى إلى ما يوصف في لبنان بلعبة تركيب الطرابيش بمعنى أن هناك مشكلة يجري حلها بسرعة ولو على كلفة عالية جدا، هذا النمط من السياسات ومن الأدوات النقدية يشجع الناس على طلب مردود عالي جدا وبزمن قياسي جدا وبالتالي يشجع بعض المستثمرين على جباية هذه الأموال من الناس وإعادة توظيفها طمعا أيضا في تحقيق أرباح عائدة لهم.

أحمد بشتو: يعني على أية حال نرجو أن تتغير هذه الصورة وأشكرك على هذه المشاركة سيد محمد زبيب رئيس القسم الاقتصادي في جريدة الأخبار اللبنانية. في ختام الحلقة تقبلوا أطيب التحية مني أحمد بشتو، طابت أوقاتكم وإلى اللقاء.