- تحايل على البؤس المتزايد في غزة
- اللبنانيون خبرة في التعاطي مع الأزمات

أحمد بشتو
عمر شعبان
زهير حطب
أحمد بشتو: مشاهدينا أهلا بكم إلى حلقة جديدة من الاقتصاد والناس. ترى كيف يعيش الناس ويتعايشون في أوقات الشدة والنكبات؟ فمن الأزمة الأخيرة في لبنان واستمرار الحصار على غزة ومشاهد العنف والدمار في العراق المحتل وأوضاع الناس في الصومال المدمر ودارفور السودانية المنكوبة أوضاع مأزومة يعيشها الناس في تلك المناطق، قد لا يشعر أهل المغرب العربي مثلا كيف يوفر الناس في تلك المناطق قوت يومهم، ولا يتصور الناس في الخليج كيف تصرف أب أو أم في مناطق الحصار والدمار بتوفير الدواء والغذاء لأطفالهم، ناهيك عن التعليم وتأمين باقي الضروريات، نظريا قد نفهم لكننا عمليا قد لا نتصور والصورة قد لا تكون بالوضوح الكافي. مع الخبرة واستمرار المعاناة صار الناس في تلك المناطق خبراء في إدارة أزماتهم والتي تتطلب الضغط على كل المتطلبات الأساسية للحصول في أغلب الأحيان على الحدود الدنيا من كل شيء. سنحاول ملامسة تلك الصورة لعلها توضح شيئا ما في حلقة نتابع فيها:

_ الحصار الإسرائيلي يدفع بأرباب العمل والعمال إلى جانب الناس إلى حياة البؤس وشظف العيش.

_ كيف تعامل المواطن في لبنان مع الأزمة الأخيرة؟

أحمد بشتو: حلقة تعتقد أن جنرالات الحرب لا يشعرون بويلاتها قدر ما يعانيه الناس وتابعونا. الوضع الإنساني في غزة غير مسبوق في التاريخ الحديث، فهناك في تلك المساحة الضيقة يعيش مليون ونصف المليون فلسطيني نصفهم عاطلون عن العمل ومعظمهم يعيش على دولار واحد فقط يوميا، هناك من العادي أن تستمع لشكوى أب يعول خمسة أو ستة أو تسعة من الأبناء لا يجد ما يسد به رمقهم لأنه ببساطة لا يعمل، هناك وبسبب الحصار الإسرائيلي الخانق اعتاد الناس على التعايش مع النقص في كل شيء الغذاء والدواء والطاقة والوقود، هناك لم تجد إلا الشكوى ومع ذلك فالناس هناك ما زالت لديهم القدرة على التكيف مع أوضاع وصفها كل من رآها بالمأسوية، لكن ليس من رأى كمن عاش الحالة يوميا وتعايش مع مفرداتها. الأرقام التي تصف الحالة قد لا تكون ذات قيمة، فجفاف الأرقام والإحصاءات والنسب المئوية لن يصف ويوصف حالة إنسانية مأسوية. وائل الدحدوح يحاول في تقريره التالي تجميع أجزاء الصورة الغزاوية.

تحايل على البؤس المتزايد في غزة

[تقرير مسجل]

وائل الدحدوح: وكأن هموم الدنيا تكدست على رأس هذا الرجل وهو يرى مشروع عمره ينهار، أبو حسن صاحب أحد أهم مصانع الخياطة في قطاع غزة، بدأه قبل ثلاثة عقود بثلاث ماكينات في بيته الصغير حتى أصبح بهذا الحجم الكبير.

أبو حسن: اليوم نحن مع الإغلاقات اللي انوجدت عنا، الإغلاق المستمر هذا، أصبح اليوم لا نحن قادرين نشغل نفسنا، حتى من الصفر مش قادرين نبدأ ولا قادرين نشغل عمالنا اللي تعودوا أنهم يشتغلوا عنا، اليوم وصلنا إلى مرحلة مغلقة.

وائل الدحدوح: الركود الذي سببه الحصار ألقى بظلال قاسية على أبو حسن وأسرته على كافة المستويات خصوصا وأن هذا الوضع راكم عليه مبالغ كبيرة من الديون.

أبو حسن: أنا شخصيا منعكف قاعد في البيت لا بأطلع ولا بأنزل، لأنه لا أحد بيسمع شكوتي ولا أحد معني في همي، نحن جماعة أصحاب عمل مش متسولين ونحن نرفض أنه نحن متسولين، يعني أقول لك أنه بالنسبة لي كشخص أنا بأتمنى أن الله يأخذني قبل ما أصل مرحلة نأخذ كابونات.

وائل الدحدوح: هذا واحد من 250 عاملا كانوا يعملون في مصنع أبو حسن بأجر جيد، اليوم يبيع بعض الحلوى في سوق جباليا ليحصل على قوت أطفاله بربح زهيد.

العامل: ماشي وخجلان من حالي، مش علشان ببيع أوجا، علشان مش قادر أطعمي أولادي، لأن ابنك لما يجي يطلب منك الشغلة وما تقدرش تلبي له إياها شو بدك تسوي؟ ابنك الصغير مش حيفهم الوضع اللي أنت عايش فيه.

وائل الدحدوح: وضع يترك بصماته على واقع أسرة هذا العامل البسيط التي تحاول بما تيسر لها مواجهة أعباء حياة تشتد صعوبة يوما بعد يوم.

زوجة العامل: اختلف كثير، أيام ما كان يشتغل في المصنع بقى وضعنا الحمد لله بقى كويس، بس هالأيام الوضع يعني صعب بالمرة. يعني صعب مش قادرين ندبر الأكل صرنا، يعني الآن وقفت على الأكل مش قادرين نجيب الأكل نشتري الأكل، وكل شيء غالي طبعا في السوق يعني الواحد مش قادر يشتري حاجة.

وائل الدحدوح: غير أن هذا الحال وأصعب منه حاضر في غالبية البيوت في القطاع.

أبو حسن: نحن اليوم منموت موت أكثر من بطيء.

وائل الدحدوح: أبو حسن ليس إلا واحد ممن انتزعهم الحصار والإغلاق من حياة ميسورة إلى حياة البؤس، حياة ليس فيها أدنى أمل في عودة قريبة إلى رغد العيش، فالحصار الإسرائيلي ابتلع كل شيء. وائل الدحدوح، الجزيرة، غزة فلسطين.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: سنحاول الغوص في الصورة مع ضيفنا من غزة الخبير الاقتصادي عمر شعبان. سيد شعبان يعني كما قال أبو حسن الناس في غزة يموتون موتا بطيئا، يعني هذا ليس خبرا لكن التعايش مع الحالة هو المثير حقا، كيف يتم ذلك؟

عمر شعبان: يعني لا شك أن أهالي قطاع غزة يعانون بشكل غير تقليدي وبالتالي هذا يتطلب منهم أساليب غير تقليدية لمواجهة الأزمة، على الرغم أن قطاع غزة عاش منذ سنوات طويلة أوضاعا مأسوية ولكن لا تقاس مأسوية تلك الأوضاع بما يعيشه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ الحصار الذي فرض في الرابع عشر من يونيو من العام الماضي. الأسر الفلسطينية تتعامل مع الأزمة بأساليب مختلفة، بالبداية هي تحاول أن تستغني عن المدخرات، الذهب وبعض المعادن الثمينة الأخرى وهذا حصل منذ فترة طويلة، يوم يأتي الخط الثاني من مواجهة الأزمة عبر بداية بدء التخلص أو ببيع بعض الأثاث المستخدم أو الأثاث طويل المدى في المنازل مثل الثلاجات وبعض قطع الأثاث، وقد برز في تقريركم أن بعض الأسر الفلسطينية ليس لديها الأثاث الذي هو من المتطلبات الدنيا لأي أسرة في هذا العصر. الخط الثالث تبدأ الأسر الفلسطينية وهنا يكمن الخطر في إعادة ترتيب أولوياتها، فتبدأ بتوزيع أو بإعادة توزيع مواردها المحدودة جدا على المتطلبات الأساسية كالتعليم والغذاء، الأسرة الفلسطينية بشكل عام وفي قطاع غزة بشكل خاص، تعطي قدسية غير مسبوقة للتعليم وبالتالي تضع التعليم في المرتبة الأولى وبالتالي هذا يكون على حساب المواد الغذائية على سبيل المثال فتتخلص الأسرة الفلسطينية من عادة تناول المأكولات الجيدة كاللحوم على سبيل المثال وتجد أسرا فلسطينية في قطاع غزة تأكل اللحم مرة كل شهر بعد أن كانت سلعة أساسية على مائدة الأسرة الفلسطينية، هذا يؤثر بشكل مدمر وخطير على صحة الإنسان وبدأنا نشهد نتائج هذه الكارثة على المستوى الصحي للأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة. هناك مؤشرات ودراسات صدرت حديثا تقول إن الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة وصلت نسب سوء التغذية بينهم إلى 30%، عشرات الحالات من الأطفال في المستشفيات تعاني من سوء التغذية، الأطفال في المدارس بدت عليهم ملامح عدم القدرة على التركيز وعدم القدرة على الاستيعاب، حالات عدد من الأطفال ليس لديه القدرة على الصمود في الفصل لساعات طويلة وذلك نتيجة للنقص الكمي والنوعي في الغذاء، وبالتالي الأسرة الفلسطينية على الرغم من قدرتها الإبداعية في مواجهة هذه الأزمات إلا أن شدة الأزمة ضربت بكل قدرات الأسرة الفلسطينية في مواجهة هذه الأزمة، نقطة إضافية..

أحمد بشتو (مقاطعا): سيد عمر اسمح لي أن أذهب إلى حال الناس في غزة يصفونه بأنفسهم.

[شريط مسجل]

مشارك1: الوضع الحالي اللي نعيش فيه نحن وضع سيء، المأساة لدرجة.. لدرجات تحت الصفر يعني، منعيش في وضع يعني ما عمرنا عشنا في هذا الوضع، الاقتصاد، وضع الاقتصاد صعب جدا بشكل عام.

مشارك2: والله الأمور هذه الله يعلم فيها، يعني الواحد كيف بيقدر يدبر حاله في هيك وقت يعني؟ العيشة صعبة، يعني حصار ونفس الوقت غلاء في البلد يعني.

مشارك3: ما حدش بيدق باب دارك بيقول لك خذلك هالشيكل، ما حدش ولا واحد فيهم ولا أي واحد فيهم بيدق باب دارك بيقول لك خذلك هالشيكل. بس عايشين على الكابونات، على الوكالة، على الـ UN، يعني بيطلع كابونات يا منبيعهم، يا منصرفهم يا منأكلهم، هاي العيشة عندنا هيك عايشين.

مشارك4: تعيسة جدا، يعني بأطلع من الصبح يعني ماليش قادر أرجع إلا في الليل، من الطلبات ومن هان ومن هان، تسع أطفال عندي أو تسع أولاد أبناء منهم ثلاثة في الثانوية العامة، يعني في ولد لي ابن بده نظارة مش عارف أساوي له نظارة من الظروف التعيسة اللي منعيشها.

مشارك 5: صار لي ثلاث سنوات والله ما دخلت داري كابونة واحدة، وأنا عامل من عمال إسرائيل، لا من حكومة حماس دخلني كابونة ولا من حكومة فتح دخلت لي كابونة وأنا عايش على.. من وجه الله.

مشارك6: أنا بلا مؤاخذة عندي تسعة أنفار، عندي ولد في الجامعة بيأخذ الأول وحافظ القرآن وبيحفظ قرآن، أنا بدي أوفر له أنا كل يوم عشرة شيكل أقل حاجة، غير هيك كتب عنده، عنده شغلات كثيرة يلزمه دفعات طول السنة فأنا بدي أوفرها له، كيف بدي أوفرها له؟

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: سيد عمر، كما تابعت الصورة لا تحتاج إلى أي تعليق، الناس قد لا يتصورون أن عائلة من سبعة أفراد في المتوسط عائلها بدون عمل، بدون دخل بدون طعام في أغلب الأوقات. بعد أن وصل الناس للحضيض لهذا الحضيض، كيف يتعاملون أو كيف هم مستمرون في التعامل مع الأزمة؟

تواجه الأسرة الفلسطينية أزمة الحصار بالقدر الذي تستطيع فيه أن تستغني عن الكثير من السلع، فهناك أسر كثيرة لم تعد تمتلك القدرة على تناول وجبة ثالثة بل تتناول وجبتين فقط

عمر شعبان:
يعني بشكل صادق الوضع في غزة وصل إلى مراحل تفوق قدرة الإنسان على التحمل ويجب أن لا نقوم بتفعيله، أن نقول الأسرة الفلسطينية في قطاع غزة تستطيع مواجهة هذه الأزمة، هذه الأزمة أشد بكثير وأقوى بكثير ومتواصلة وتشمل كل جوانب الحياة لدرجة لا يمكن لأي أسرة في العالم مهما كانت قوية أن تواجه هذه الأزمة، تواجه الأسرة الفلسطينية هذه الأزمة بالقدر الذي تستطيع عبر آليات مختلفة كما قلت هي تستغني عن الكثير من السلع، أسر كثيرة لم تعد تمتلك القدرة على تناول وجبة ثالثة بل تتناول وجبتين فقط، المستوى الغذائي الذي يتناوله متوسط الأسرة الفلسطينية في انخفاض شديد. الأسرة الفلسطينية بدأت تتخلص كما قلت من الكثير من عاداتها، بدأت تعيد ترتيب أولوياتها، هناك مخاطر شديدة تؤثر على حاضر ومستقبل الأسرة الفلسطينية على سبيل المثال كما أشار من لديه ابن في الجامعة ابن أو بنت في الجامعة، الكثير من العائلات الفلسطينية طلبت من أبنائها ومن بناتها أولا أن تستنكف عن الدراسة، بعض الأسر الفلسطينية طلبت من أبنائها أن لا يواظبوا يوميا في الجامعة، بعض الأسر التي تسكن مناطق بعيدة عن مدينة غزة حيث الجامعات موجودة يأتي الطلاب مرة كل أسبوع وهذا يؤثر على مستوى التحصيل. الصورة في قطاع غزة قاتمة ولكي نوضح بشكل أكثر هناك ثلاث جهات للمساعدة في قطاع غزة، الجهة الأولى هي منظمة الأونروا أو وكالة غوث والتي تهتم بقطاع اللاجئين عبر تزويد في برنامجين أساسيين توفير فرص عمل لمدة شهرين بمردود مالي لا يزيد عن 250 دولارا في الشهر وهذا يستفيد منه كل من لديه أسرة يفوق عددها ستة أفراد ويعمل مرة كل ستة شهور لمدة شهرين وبالتالي حتى الآن المردود المالي لهذا البرنامج لا يفي بالحد الأدني، البرنامج الآخر هو توزيع كوبونات غذائية للأسر التي يزيد عددها عن ستة أفراد أيضا ويحدث هذا مرة كل ثلاثة شهور، أخذا بالاعتبار الأصناف التي تقوم بتوزيعها الأونروا لا تزيد عن ثلاثة أصناف، هي سكر وزيت ودقيق فقط وبالتالي لا تشمل الأصناف الأخرى. البرنامج الآخر هو برنامج الغذاء العالمي الذي يهتم بغير اللاجئين وهو أيضا لا يستطيع الوصول لكل قطاعات المجتمع، هناك قطاع من المجتمع وهم العمال الغير مدرجين بالأونروا والغير مدرجين بفئة غير اللاجئين والغير مدرجين ببرنامج الشؤون الاجتماعية هم هؤلاء منذ سنوات طويلة لا يعترف بهم أحد وهم الطبقة العاملة التي عملت بإسرائيل ويزيد عددهم عن مائة ألف أسرة.

أحمد بشتو: يعني يبدو أن على الناس في غزة أن يعيشوا على الأسودين فقط، التمر والماء، أشكرك جزيل الشكر من غزة الخبير الاقتصادي عمر شعبان. بعد الفاصل، في لبنان أزمة قصيرة أعادت لأذهان الناس ذكريات أزمات سابقة، تابعونا.

[فاصل إعلاني]

اللبنانيون خبرة في التعاطي مع الأزمات

أحمد بشتو: أهلا بكم. في لبنان يختلف السياسيون حول كل شيء ويتفق الناس على شيء واحد هو أن الجميع يعاني من الأزمة. من مناطق المتن وإقليم الخروب وعكار والضاحية الجنوبية تجلى التوحد مع حالة الأزمة، رغم الخلافات المذهبية والاختلافات السياسية في وقت الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما عاش الناس في لبنان أزمة في كل شيء حتى صاروا من أفضل الخبراء في التعامل معها، كانت المجدرة هي الطبق الغذائي الرئيسي لكثير من العائلات لفترات طويلة، والمجدرة هي خليط من العدس والأرز وكفى، استعاد الناس ذكريات المجدرة أثناء الهجوم الإسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز من عام 2006 ومعها استعادوا ذكريات الدمار وشح المياه وانقطاع الكهرباء، وقبل أيام قليلة ولأيام قليلة استعاد الناس من جديد إحساس الأزمة لا أعادها الله، لنر كيف رصدتها سلام خضر من قلب بيروت.

[تقرير مسجل]

سلام خضر: استغلت السيدة صمت الرصاص لتقصد صيدلية قريبة فحاجتها للدواء بدت أقوى من خوفها من الاشتباكات، ومثلها كثيرون ينتظرون وقف الاشتباكات للبحث عن متاجر تفتح أبوابها للحصول على حاجياتهم اليومية وما إن يجدوها حتى يعودوا بما استطاعوا حمله، فالمخاطرة بدت في أيام الاشتباكات مزدوجة، مخاطرة بالخروج من المنزل ومخاطرة أيضا بفقدان أساسيات الحياة اليومية.

مشارك1: بعض الطرقات مفتوحة وتجيب أكلك تأكله..

مشارك2: الحمد لله ما طولت، بس الله يعين اللي بيشتغل يومي هذا اللي ما قادر أنجق يطعمي أولاده.

سلام خضر: لبنان بلد الأزمات المتلاحقة يقول البعض، ولبنان من البلدان التي تعرف كيف تتكيف بالحد الأدنى مع الأزمات ربما، فمن بين السواتر الترابية كان السيدات والرجال يعبرون بحثا عن بسطة خضار أو فاكهة أو أي شيء ليعودوا به إلى المنزل، طبعا مع كل أزمة يختل ميزان العرض والطلب فترتفع الأسعار، إنها المعادلة التي لا يستطيع أحد السيطرة عليها.

مشارك1: بهالأحوال هذه ما أحد بيسأل على الغلاء، المهم أن يتأمن الشيء.

مشارك2: إيه صار في غلاء، يعني الشغلة كان ثمنها 500 صار ثمنها 750 و 800 واللي ثمنها ألف صار ثمنها 1200، 1500.

سلام خضر: لكن وما إن انتهت الأزمة بشقها الميداني حتى بدأت مرحلة رفع الأضرار بما تيسر لتعود الحركة سريعا إلى شوارع العاصمة ومعها صور غابت لأيام، المقاهي والمحال والمارة هم أثقلتهم أيام الاشتباكات وما زالوا تحت وطأة المجريات السياسية، لكن يبدو أنهم أيضا عازمون على تخطيها. عادت الحياة إلى طبيعتها بشكل شبه كامل تقريبا في العاصمة اللبنانية فالأزمة الأخيرة أثبتت أن اللبنانيين لهم القدرة على تجاوز الصعوبات خاصة وأن الأزمة الأخيرة استمرت لأيام قليلة فقط. سلام خضر، الجزيرة، بيروت.

[نهاية التقرير المسجل]

أحمد بشتو: الصورة اللبنانية نناقشها مع ضيفنا من بيروت الدكتور زهير حطب أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية. دكتور حطب، المثير أن الناس في لبنان يستطيعون الحياة وسط الدمار، كيف استطاعوا الوصول إلى هذه الصيغة العبقرية؟

زهير حطب: الحقيقة لا توجد عبقرية بالموضوع، هناك رغبة وتمسك بالحياة وهناك رغبة في أن يؤمن الإنسان حياته ويكون بالحد الأدنى من الأمان ومن التمكن من صيانة نفسه وأسرته وتأمين الحد الأدنى المطلوب للمعيشة وللاستمرار، فلبنان مستمر بهذه الأوضاع ويتعايش معها منذ العام 1975 وحتى اليوم..

أحمد بشتو (مقاطعا): بداية الحرب الأهلية، طيب دكتور حطب يعني في الأزمة الأخيرة تحديدا كيف استطاع الناس لملمة الأمور بشكل سريع والتأقلم مع الأزمة على قصر توقيتها أو وقتها؟

زهير حطب: الفترة الأخيرة كانت وكأنها مقتطعة من المراحل السابقة من الخبرات ومن المشكلات التي استمرت طويلا، كانت وكأنها نوع من مشهد مقتطع من تلك الفترة الطويلة، في الحقيقة كان التوقع والانتظار، يعني يتحضر الناس لشيء صعب ولكن لم يكن متوقعا بهذه السرعة والفجائية، كان الأمر محدودا بمجرد إضراب عام موجود في البلد وهو ككل إضراب يمر بسلام على لبنان تمر به مسيرة أو غير ذلك وتقفل المحلات والمدارس وبعد ذلك يعود كل شيء على حاله ولكن في هذا اليوم كان واضحا أن ما بدأت به الاشتباكات ونوعا ما مظاهر العنف في الشوارع رأسا أعطى ذلك إشارة ضمنية لأرباب الأسر بأن عليهم أن يتصرفوا تصرف طوارئ، تصرف الطوارئ هو أن الأسرة أصبحت الآن تعيش حالة خارج عن الروتين اليومي وخارج عن العادات اليومية..

أحمد بشتو (مقاطعا): يعني ورفع لحالة الطوارئ داخل الأسرة اللبنانية حدث وسنشاهد ردة فعل ورأي الناس حول ما حدث لهم في الشارع اللبناني.

[شريط مسجل]

مشاركة1: أصلا نحن متمونين وثاءبت أنه ممونين يعني مثل كل بيت لبناني تيضل المونة فيه واجدة والخير واجد إن الله راد على طول.

مشارك1: الأسعار غليت غليت، مش غليت، يعني ارتفعت تقريبا دوبلت يمكن.

مشارك2: كل شيء كان مؤمن بس التعاونيات كلها مسكرة ومحلات قليلة اللي فاتحه يعني، بس يقدر واحد يؤمن حاجته من المحلات اللي فاتحة.

مشارك3: في بعض المحلات كانت فاتحة وفي بعض المحلات كانت مسكرة، بس الله يحبب الشعب اللبناني ببعضه.

مشارك4: العالم بيدبروا حالهم هون بلد العجائب.

مشارك5: يعني أنا عايش هون بلبنان 15 سنة حرب، صرت متعود.

مشارك6: يعني كان في عندنا شيء وكنا عم نقدر نؤمنه نضهر شوي ونجازف وهيك، وتظبط.

[نهاية الشريط المسجل]

أحمد بشتو: دكتور حطب، لعل المثير أيضا أن الإضرابات التي حدثت أو الأزمة التي حدثت، حدثت في مناطق تسكنها أسر متوسطة الحال ليست فقيرة، قد تكون الأزمة أوسع إذا كانت المشكلة في مناطق فقيرة بالفعل.

زهير حطب: الحقيقة هذا صحيح، المناطق المدنية عادة مناطق تتدرج فيها الأوضاع الاقتصادية للأسر وتتفاوت بين فقير وبين مقتدر وبين ثري، الشوارع التي طالتها الأحداث هي شوارع تشكل مروحة واسعة من هذه العينة من المناطق اللبنانية، تسكنها أسر قادرة ولكن هناك أسر فقيرة لا تستطيع أن تؤمن أو أن يكون لديها مخزون تستطيع أو أنها عملت على تخزينه حتى الساعات العصيبة مثل هذه الأوضاع، فلذلك الأسر التي تعيش على دخول ومداخيل منتظمة هي التي تمكنت من أن تنتقل إلى حالة طوارئ وأن تعيش يعني بشكل ما باطمئنان..

أحمد بشتو (مقاطعا): طيب دكتور، يعني الأزمة إذا اعتبرنا أن لها وجها إيجابيا هل زادت بشكل ما ترابط الناس في لبنان اجتماعيا خاصة في المناطق التي تعرضت لكثافة الأزمة؟

زهير حطب: يعني الموضوع دائما بلبنان عادة الأسر ترتيب علاقاتها الاجتماعية على أساس قرابي، بالماضي يعني في بدايات 1975 وفي القرن الماضي كانت الأسر وخاصة الأسر الشباب الذين يتزوجون حديثا ينتقلون إلى سكن في مناطق جديدة أو في مناطق تشهد بناء وإعمارا جديدا ولو كان ذلك بعيدا عن الأهل والأقرباء والأصدقاء، أما اليوم فكل أسرة يعني عادت لتقطن أمام أقربائها وأمام أصدقائها وفي المناطق التي تتقاسم فيها علاقات من نوع أولي يعني علاقات دم علاقات قرابة، علاقات انتماء ديني وطائفي وغير ذلك وبالتالي يشعر الإنسان بنوع من الأمان. هذه الشبكة هي شبكة موجودة عمليا، يعني بالأوضاع الأمنية السيئة كل إنسان يقدم ما يستطيع إلى أقربائه وإلى من هم يسكنون بجواره وهم في معظم الأحيان من الأقرباء. هلق أنا أستطيع أن أقول لك إن هذه الفترات العصيبة التي مررنا بها أسفرت أن وجود ما كنا نتحدث عنه كثيرا بانتقاد شديد وهو السيلولير الخليوي، وأن كثافة انتشاره بين أيدي الناس كان مصدر إزعاج بفترات السلم ولكن في فترات يعني الاشتباكات الأخيرة تبين أن وجود السيلولير هو بمثابة وجود مال أو وجود طعام أو وجود مخزون لدى الأسرة..

أحمد بشتو (مقاطعا): ولعل هذا من مزايا التكنولوجيا الحديثة..

زهير حطب: طبعا.

أحمد بشتو (متابعا): دكتور زهير حطب من بيروت أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية أشكرك جزيل الشكر على هذا الإيضاح. في ختام الحلقة من المؤسف حقا أن كل الأزمات التي يعيشها الناس من المحيط إلى الخليط تفرض عليهم فرضا سواء لعوامل خارجية كما نرى في غزة والعراق والصومال أو بسبب عنجهية وسوء تدبير من الحكومات العربية هنا وهناك، نرجو أن تراسلونا وتقترحوا علينا أفكاركم عبر البريد الإلكتروني iqtsad@aljazeera.net لكم تحيات المخرج صائب غازي وأطيب تحياتي أحمد بشتو، إلى اللقاء.