مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

كلاوديو كوردني: خبير القانون الدولي- منظمة العفو الدولية
د.وحيد عبد المجيد: نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية

تاريخ الحلقة:

30/06/2002

- ظروف إنشاء المحكمة وصلاحيتها وعوامل تهديدها
- دور المجتمع المدني في تعزيز القانون الدولي

- أسباب عدم مصادقة الدول العربية على المحكمة

مالك التريكي: دخول المحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ في أول يوليو/تموز بين التساؤل العام بقطع الخطوة الكبرى على طريق تعزيز حكم القانون الدولي وبين مخاوف الدول الكبرى من احتمالات ما يسمى بالاستغلال السياسي.

أهلاً بكم. من مفارقات القرن الماضي أنه كان أفظع قرون التاريخ البشري عنفاً ودموية، حيث راح فيه مئات الملايين ضحايا للتهجير القصري وعمليات الاختفاء والتعذيب والرق والاغتصاب والتطهير العرقي والإبادة وجرائم الحرب، وسواها من الجرائم ضد الكرامة الإنسانية، ولهذا فإن العالم يأمل الآن أن يكون مولد المحكمة الجنائية الدولية في مطلع يوليو/تموز رادعاً دائماً ضد مقترفي مثل هذه الشنائع بحيث يصدق الشعار المتفائل الذي رُفع بعد الحرب العالمية الثانية أي شعار: "لا فظائع بعد اليوم"، إذ رغم أن المجتمع الدولي أنشأ منذ ظهور الأمم المتحدة أنظمة قانونية إقليمية ودولية لحماية حقوق الإنسان فإن ذلك لم يمنع وقوع ملايين أخرى من البشر بعد ذلك ضحايا للفظائع التي يحرمها القانون الدولي، بل إن مما يخزي البشرية أن عدداً قليلاً للغاية من الأشخاص المسؤولين عن هذه الجرائم وهم عادة من بين المهزومين في الحروب قُدِّموا للعدالة أمام المحاكم المحلية أو الدولية، بحيث أن معظم المذنبين قد اقترفوا هذه الجرائم البشعة وهم مطمئنون إلى إن من شبه المستحيل أن يقدموا للعدالة أو أن ينزل بهم أي عقاب، إلا أن الاهتمام الفعلي بإنشاء محكمة جنائية دولية للنظر في مثل هذه الجرائم لم يستأنف إلا في نهاية الحرب الباردة وخاصة بعد اندلاع الحرب الأهليو في يوغسلافيان وبعد جهود مكثفة خاصة من المنظمات غير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان وقعت 121 دولة النظام الأساسي للمحكمة في روما يوم السابع عشر من يوليو/تموز عام 98، ولكن قدرة المحكمة على النظر في الدعاوى تتوقف على ما إذا كانت الدولة المعنية قد صادقت على الاتفاقية المنشئة للمحكمة، ولهذا فإن منظمات حقوق الإنسان لا تزال تواصل لإقناع جميع دول العالم بالمصادقة، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية تعارض المحكمة الجنائية الدولية معارضة شديدة لأنها تخشى أن تستخدم استخداماً سياسياً ضد المسؤولين السياسيين أو ضد العسكريين الأميركيين.

محمود تميم يستعرض ظروف إنشاء المحكمة الجنائية في هذا التقرير الذي تقرأه رفاه صبح.

ظروف إنشاء المحكمة وصلاحيتها وعوامل تهديدها

تقرير/محمود تميم -قراءة -رفاه صبح: عبر آلاف السنين من تاريخ الوحشية البشرية أفلت من العقاب الدنيوي أعتى جناة العالم إطلاقاً، مجرمي الحروب والمسؤولين عن الإبادة العرقية وجنودهم، واليوم ومع نهاية أكثر قرون التاريخ دموية يخطو الإنسان خطوة جديدة في بناء مؤسسات مهمتها محاكمة مثل هؤلاء الجناة مستقبلاً، إنها المحكمة الجنائية الدولية، التي تم الاتفاق على إنشائها بروما في يوليو 98 بعد سنوات من البحث والنقاش واكتمل عدد المصدقين على المعاهدة الخاصة بها وهو ستون دولة يوم الحادي عشر/أبريل الماضي في احتفال خاص بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهي بذلك تعتبر أول هيئة قضائية دولية مستقلة دائمة لملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم المقترفة ضد الإنسانية.

فكرة إنشاء مثل هذه المحكمة برزت منذ الحرب العالمية الأولى، وعقب الحرب العالمية الثانية شكلت محكمتا (نورمبرج) و(طوكيو) محكمة نورمبرج بشكل خاص التي أقيمت لمحاكمة النازيين المسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية اعتبرت أول تجربة من نوعها ومثلت سابقة هامة في تاريخ القضاء الدولي غير أن عدة عوامل ومنها الحرب الباردة، وخشية دول من انتقاص سيادتها حالت دون إنشاء محكمة دولية جنائية.

التجربة الثانية: ظهرت في العقد الماضي في تأسيس محكمة جنائية دولية في رواندا لمحاكمة جرائم حرب رواندا عام 94، وأخرى في لاهاي للفصل في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفت في يوغسلافيا السابقة، ومن المتهمين الذين يحاكمون فيها حالياً الرئيس اليوغسلافي السابق (سلوبودان ميلوسوفيتش) في أول محاكمة من نوعها في التاريخ لرئيس دولة، اعتبرت هذه المحاكمات سوابق شجعت على إنشاء المحكمة الدولية الجنائية الدائمة التي لم يكون من حقها النظر في الجرائم التي سبقت تأسيسها، كما أن ولايتها ستكون قاصرة على البلدان التي صدقت على معاهدتها وعلى مواطني هذه الدول أو عندما يقوم مجلس الأمن بإحالة قضايا عليها تقع ضمن اختصاصها.

المحكمة الجديدة التي يأمل أنصارها في أن تكون وسيلة ردع قوية لمنتهكي حقوق الإنسان ستتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها، وهي أيضاً مقر محكمة العدل الدولية، وسوف تكون الملاذ الأخير للقضايا التي لا تستطيع الدول الأعضاء أو لا تريد النظر فيها.

ورغم أن هذه المحكمة لم تنظر في الجرائم التي سبقتها، ورغم الدعم السياسي الكبير لفكرة إنشائها إلا أن دولاً عديدة أحجمت عن توقيع معاهدة إنشاء المحكمة أو التصديق عليها، ومن أبرز هذه الدول روسيا والصين، وحتى الولايات المتحدة التي وقعت على المعاهدة في روما، لكن الكونجرس رفض التصديق عليها، وتعرض الرئيس السابق (بيل كلينتون) لضغوط شديدة من البنتاجون حتى لا يوقع المعاهدة إلا إذا ضمن استثناء الأميركيين من سلطاتها وكأنهم فوق القانون الدولي والمعروف أن هناك من يطالب بمحاكمة مسؤولين أميركيين ومنهم وزير الخارجية الأسبق (هنري كسينجر) كمجرم حرب، وعبَّر وزير الخارجية الأميركي الحالي (كولن باول) عن هذه المخاوف بقوله: إن عدم خضوع المحكمة لأي مساءلة سيؤدي إلى سلطة أعلى حتى من سلطة الأمم المتحدة، وسيكون بإمكانها مراجعة الأحكام التي تصدرها المحاكم الأميركية، ومن مظاهر قلق واشنطن إصرارها مؤخراً على منح قواتها المشاركة في حفظ السلام في البوسنة حصانة من الملاحقات القضائية الدولية، وهددت باستخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد أي قرار لتجديد مهمة قوات حفظ السلام هناك إذا لم يُلبي طلبها، أما في إسرائيل فيرفض الكنيست الإسرائيلي التصديق على الاتفاقية التي وقعتها الحكومة خشية تعرض المسؤولين والجنود الإسرائيليين إلى الملاحقة القانونية مستقبلاً عن جرائم يقترفونها ضد الشعب الفلسطيني، كما حدث في صبرا وشاتيلا سابقاً وفي جنين وغيرها من المدن الفلسطينية مؤخراً، ويخشى الإسرائيليون خاصة من البند المتعلق ضمنياً بالاستيطان الذي يعتبر جريمة حرب.

أما بين الدول العربية فلم يصدق على المعاهدة غير الأردن، رغم توقيع حكومات عدد منها على المعاهدة.

ويخشى المراقبون من أن العوامل السياسية التي أجلت إنشاء هذه المحكمة وقلصت عدد الدول التي صدقت عليها، وعناصر القصور التي تضمنتها معاهدة إنشائها ربما تؤدي مستقبلاً إلى إقعادها عن القيام بالمهام التي أُنشئت من أجلها.

مالك التريكي: يمثل مولد المحكمة الجنائية الدولية إذن خطوة واسعة على طريق السعي إلى الحيلولة من هنا فصاعداً دون قيام أمثال (هتلر) و(بينوسيه) و(كولبوت) بارتكاب جرائم شائنة ضد القانون الدولي بينما يكونون في اطمئنان تام إلى أنهم في حصانة من العقاب وقد كان للمجتمع المدني الدولي ممثلاً في المنظمات غير الحكومية –ولا سيما منظمات حقوق الإنسان- دور كبير في العمل على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث شُكِّل منذ عام 95 تحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية يضم أكثر من ألف منظمة مدنية ومن أهم هذه المنظمات وأكبرها منظمة العفو الدولية، التي يوجد معنا الآن أحد خبرائها القانونيين السيد (كلاوديو كوردوني) الذي يشغل وظيفة مدير البحوث في المنظمة.

سيد كلاوديو كوردوني، هناك كثير من الجرائم التي ارتكبت ضد القانون الدولي في مناطق مثل الشيشان، مثل كمبوديا، مثل جواتيمالا، لكن المحكمة الجنائية الدولية لم تنظر إلا في الجرائم التي ستُرتكب بعد دخولها حيز التنفيذ في مطلع يوليو/تموز، فما أهمية هذه المحكمة إذا كان المذنبون الذين ارتكبوا هذه الجرائم قبل مطلع تموز سيكونون في منجى من الملاحقة القضائية؟

كلاوديو كوردوني: في الواقع –على الأقل- ما تعنيه هذه المحكمة أنه بعد يوم غدٍ والأول من يوليو سيكون لها مجال أن تضع أمام القانون كل من هم مسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة وكل شيء يُنتهك.. يَنتهك حقوق حقوق الإنسان، فالأهمية لهذه المحكمة أنها ستكون موجودة وتحل محل المحاكم المحلية عندما تكون هذه المحاكم المحلية غير قادرة على مقاضاة هؤلاء المجرمين أو لأسباب سياسية تكون هذه الدول غير قادرة على محاكمة المجرمين فيها، فبالتالي ستلجأ إلى قضاء دولي وهذا نظام دولي في القانون سيوفر ضمانات أفضل للشعوب ولكل المسؤولين عن الجرائم في أن يقفوا أمام القانون وستبدأ فاعليتها من الأول من يوليو، فكل من يرتكبون.. كل من.. كل من ارتكبوا جرائم قبل اليوم سيكون هنالك إمكانية لمحاكمتهم أمام محاكم محلية كما هو في حالة (بينوشيه) وغيرها.

مالك التريكي: لكن نعرف أن المحاكم المحلية لم تقم دوراً.. دوماً بواجبها، هل من الممكن أن تُنشأ محاكم خاصة مثلاً للشيشان أو كمبوديا أو جواتيمالا على غرار ما حصل بالنسبة ليوغسلافيا ورواندا؟

كلاوديو كوردوني: أعتقد أن أهمية المحكمة الدولية الجديدة هي أنها ستكون قادرة على تغطية أي بلد في العالم فور قيام هذه الدولة بالتصديق على هذه المحكمة، فلا داعي لوجود دراسة مجدداً لقضايا، في كل مرة تطرأ قضية جديدة، ففي كمبوديا ويوغسلافيا هذه المحكمة ستكون دائمة وقادرة على محاكمة هذه القضايا على أن تكون الدول المعنية قد صادقت على هذه المحكمة وعلى أن يكون مجلس الأمن قد قرر الطلب من المحكمة في التحقيق بهذه القضية في تلك الدولة، حتى وإن لم تكن هذه الدولة موقعة على المحكمة.

مالك التريكي: لكن هنالك جرائم ربما ارتُكبت أو بُدِءَ في ارتكابها قبل مطلع يوليو-تموز وربما أثرها أو الأعمال المرتبطة بها مستمرة إلى ما بعد يوليو/تموز، بداية يوليو-تموز مثلاً الاستيطان، هناك نقطة غير واضحة قانونياً، الذي فهمناه هو أن الاستيطان في.. في منطقة محتلة، ربما يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية التي تدخل في اختصاص المحكمة، ماذا.. ماذا ستقوم المحكمة في مثل هذه الحالات، مثلاً ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

كلاوديو كوردوني: هنالك عدد من القضايا كهذه القضية وهي من مسؤوليات المحكمة والمشكلة هي أنه بما أن إسرائيل ليست من الدول الأعضاء في المحكمة فبالتالي فهذه المحكمة لن يكون لها الصلاحية القانونية للحكم في هذه القضية ما لم يقم مجلس الأمن بالطلب من المحكمة في أن تدرس هذه القضية، وبالتالي مجرمي الحرب أيضاً يمكن محاكمتهم في أي مكان وفقاً لمعاهدة جنيف وهنا ينطبق معاهدة جنيف الرابعة على هذه الحالة وهذه جرائم حرب يمكن محاكمتها في أي مكان في العالم على أن تكون هذه الدولة الثالثة موقعة على الاتفاقية، لذلك هنا دور مهم للمحاكم الدولية في أن تضع هؤلاء المجرمين أمام القانون، وبالتالي يكون دور هذه المحكمة داعماً، وبالتالي بعد ازدياد عدد الدول المصادقة على هذا المحكمة سيكون هذا الدور فعالاً.

مالك التريكي: إلى جانب إسرائيل التي لم تصادق على الاتفاقية هنالك أيضاً الولايات المتحدة والولايات المتحدة تهدد الآن بأنها ربما تسحب جنودها من عمليات حفظ السلام في البوسنة وفي غيرها وحتى تسحب التمويل الذي يبلغ 27% من هذه من ميزانية هذه العمليات، ثم قامت بشيء غير موجود في القانون هو سحب التوقيع، موقفكم.. موقف منظمة العفو الدولية هو القائل بأن الضمانات في المحكمة تزيل المخاوف التي تعلنها أميركا، أليس هذا موقفاً ضعيفاً، أليس المطلوب منكم أن تضغطوا أكثر على الولايات المتحدة لكي تنضم إلى المحكمة؟

كلاوديو كوردوني: بالنسبة للأيام الأخيرة كنا نقوم بمجموعات ضاغطة على مجلس الأمن في عدم قبوله لمطالب الولايات المتحدة واليوم.. وهذا المساء في نيويورك سيكون هنالك مظاهرات أمام الأمم المتحدة لكن القلق لدينا هو أن الولايات المتحدة ستطالب بمقياس ومعيار عدالة خاص بها وهذا أمر لا نقبل به، نحن نقول أن يجب أن يكون هنالك معيار واحد للجميع.. لجميع الدول ولجميع المجرمين، بغض النظر عن جنسياتهم وعن جرائمهم، وأيضاً يجب ألا يكون مجلس الأمن خاضعاً لأي ضغوطات أو تهديدات من شأنها تقويض إجراءات المحكمة الدولية التي ستبدأ فاعليتها يوم غد.

مالك التريكي: السيد كلاوديو كوردوني (الخبير القانوني في منظمة العفو الدولية من لندن) شكراً جزيلاً لك.

139 هذا عدد الدول التي وقعت على الاتفاقية التي أنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية، أما عدد الدول التي صادقت على الاتفاقية فإنه يتجاوز السبعين، إلا أنه لا يوجد بين هذه الدول سوى دولة عربية واحدة، لماذا؟

[فاصل إعلاني]

دور المجتمع المدني في تعزيز القانون الدولي

مالك التريكي: كان للمجتمع المدني الدولي دور كبير في إنجاح مشروع المحكمة الجنائية الدولية، إذ لم يكن أكثر النشطاء تفاؤلاً يتوقعون أن يكتمل النصاب القانوني أي مصادقة الستين دولة إلا بعد أعوام طويلة ولكن حملات منظمات حقوق الإنسان أحدثت الأثر المطلوب بسرعة غير متوقعة، حيث لم تستغرق المسألة سوى أربعة أعوام، ومعنا لبحث دور المجتمع المدني في تعزيز القانون الدولي الدكتور وحيد عبد المجيد (نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية).

دكتور وحيد، رئيس تحالف المنظمات غير الحكومية من أجل المحكمة الجنائية الدولية قال إنه لم يكن يتوقع أن يتم أو أن تتم المصادقة على الاتفاقية المنشئة للمحكمة إلا بعد 50 سنة وربما بعد مائة عام ولكنه فوجئ بهذه السرعة، ما هو في تقديركم العامل الذي رجح مسارعة الدول إلى المصادقة على هذه المحكمة؟

د.وحيد عبد المجيد: لا.. هو التقدير الأول المتشاءم في الحقيقة كان مُبالغاً فيه، لأنه ينبغي أن نعرف أننا ندخل مرحلة جديدة في التاريخ بالفعل، وإنه انتشار مفاهيم ما يسمى القانون الدولي الإنساني في العالم بيسير بخطى يعني سريعة نسبياً رغم إنه فيه تفاوت شديد في هذه السرعة من منطقة إلى منطقة أخرى، لكن في الحقيقة التحولات التي شهدها العالم منذ انهيار الكتلة الاشتراكية، وانتشار الديمقراطية في شرق ووسط أوروبا، ومنها في عديد من البلاد الإفريقية والأميركية اللاتينية، أوجد مناخاً جديداً في العالم، لكنه بالطبع ليس هو ما نتمناه، لأنه عدد الدول المنضمة إلى.. أو اللي صدقت وانضمت بشكل كامل إلى هذه المحكمة الآن لا يتجاوز ثلث دول العالم إلا بقليل يعني، وهذه مازالت نسبة.. نعم

أسباب عدم مصادقة الدول العربية على المحكمة

مالك التريكي: الملاحظ دكتور، دكتور عبد المجيد، آسف على المقاطعة، الملاحظ أن الانقسام بشأن المحكمة المصادقة أم عدم المصادقة لم يتم حسب نوعية الأنظمة السياسية، أي أنظمة ديمقراطية أم غير ديمقراطية، لأن هنالك عدداً معتبراً من الدول الإفريقية التي صادقت على المحكمة منها مالي.. السنغال، لكن هنالك دولة عربية واحدة صادقت هي الأردن، لماذا حسب رأيك؟

د. وحيد عبد المجيد: نعم، هو للأسف الشديد إن مستوى تطور الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي هو المستوى الأقل في العالم الآن، وإنه إفريقيا جنوب الصحراء تسبقنا في هذا المجال إذا نظرت إلى عدد الدول التي حدث فيها تحول ديمقراطي في إفريقيا جنوب الصحراء، وأجريت فيها انتخابات، وحدث فيها تداول للسلطة، وأصبح فيها رؤساء سابقون، ستجد إنه هناك على الأقل 6 أو 7 دول فيها هذه.. حدثت فيها هذه التحولات وعدد آخر من الدول تسير في هذا الاتجاه، في حين إنه هذا التطور في عالمنا العربي مازال في ما يمكن أن نسميه المربع رقم واحد، إنه مازلنا نحاول توسيع هامش محدود من الحرية في عدد من الدول العربية وعدد مازال محدوداً أيضاً، في حين إنه معظم البلاد العربية لم يحدث فيها تطور ملموس في هذا الاتجاه، ولذلك بأعتقد إنه النتيجة التي رأيناها إنه دولة واحدة.. عربية واحدة هي التي صادقت على مشروع هذه المحكمة من بين 13 دولة كانت قد وقعت عليها يدل على إنه بالفعل العالم العربي، احتل المرتبة الأخيرة للأسف الشديد في مستوى التطور في الديمقراطية وحقوق الإنسان على الصعيد الدولي.

مالك التريكي: إلى جانب، دكتور عبد المجيد، إلى جانب هذا الوجه المعياري للمسألة، هنالك.. هنالك أيضاً جانب وصفي يعني إضافة إلى الجانب الأخلاقي أو القيمي، أليس هناك جانب مصلحي في المسألة؟ مثلاً هنالك دول عربية على سبيل المثال لبنان وقعت فيه مجزرة قانا، أليس من مصلحة لبنان أن ينضم.. هذا مثال -مجرد مثال-أن ينضم إلى هذه الاتفاقية، لأن ذلك يسهل عليها رفع قضايا ضد مرتكبي جرائم الحرب وهنا هي إسرائيل؟

د.وحيد عبد المجيد: نعم، هو بطبيعة الحال يعني ليس فقط لبنان ولكن أيضاً عدد من الدول العربية على الأقل الدول في المنطقة.. ما كانت منطقة مواجهة.. المنطقة المحيطة بإسرائيل لها مصلحة، العرب جميعاً لهم مصلحة في محاصرة إسرائيل يعني لو راجعنا حجم الخوف الذي ظهر في إسرائيل منذ أن بدأت فكرة والتحرك في اتجاه إنشاء هذه المحكمة، نجد إنه حقيقة هناك خوف حقيقة وكان آخر تعبير عنه من يومين أو ثلاثة أيام في جريدة "هاآرتس"، المعلق الإسرائيلي المعروف (زائيف شيف) كتب مقالاً مهماً جداً بيدعو فيه الإسرائيليين والحكومة الإسرائيلية للتفكير في كيفية التعامل مع هذا الوضع، مع الوضع الذي سينشأ منذ دخول المحكمة حيز التنفيذ في أول يوليو، ولكن الأوضاع الداخلية في البلاد العربية للأسف هي التي حكمت مواقفها، لأنه هذه.. يعني حكومات هذه البلاد كلها بدرجات.. بدرجات مختلفة، للأسف الشديد لديها مخاوف من أن ترفع عليها قضايا في هذه المحكمة، وأن يستدعى مسؤولون فيها للمثول أمامها إذا صادقت وانضمت انضماماً كاملاً إليها، لأنه الأوضاع الداخلية في هذه البلاد- طبعاً بدرجات متفاوتة- ولكنها في.. في مجملها ليست على ما يرام.

مالك التريكي: الدكتور وحيد عبد المجيد (نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية من القاهرة)، شكراً جزيلاً لك، وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.