مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

د. هالة أبو طالب: برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز
د. نصر السيد: مدير برنامج الإيدز الوطني – القاهرة

تاريخ الحلقة:

08/12/2002

- حقيقة انتشار الإيدز في العالم العربي مقارنة بالوضع الدولي
- مدى نجاح التجارب العربية في التعامل مع الإيدز

محمد كريشان: الإيدز وباء العصر في المنطقة العربية، تساؤلات حول صائد الأرواح بين عقلية التخفي والمداراة والحاجة الماسة للمواجهة.

السلام عليكم، أكثر من نصف مليون مصاب بالإيدز وحامل للفيروس المتسبب فيه، هذا ما أعلنه برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز ضمن أحدث تقديراته حول المرض في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تغطي الدول العربية، غير أن بعض العالمين ببواطن الأمور في المنطقة يشككون في هذا الرقم مؤكدين أن الواقع قد يفوق ذلك بكثير.

فما يعلن من أرقام هو في واقع الأمر تقديرات وليس إحصاءات، فضلاً عن تعامل معظم السلطات العربية مع طاعون العصر بمنطق التستر والإخفاء، وإذا كان تمسك شعوب المنطقة العربية بقيمهم الدينية الحاثة على العفة صمام أمان وعاملاً مضاداً للإيدز فإن عوامل أخرى تبعث على القلق، أهمها تفشي الفقر في مناطق عدة يشكل الشباب فيها أغلبية، أما في الدول الغنية مثل دول الخليج فهناك التركيبة السكانية المعتمدة على مئات الآلاف من العمالة متعددة الجنسيات التي تدخل وتغادر سنوياً في حركة لا تتوقف، لذلك لا عجب عندما نصطدم برقم يقول أن هناك 37 ألف شخص لقوا حتفهم في المنطقة خلال العام الحالي 2002 بسبب الإيدز، هذا ما يفصله أكثر ياسر أبو النصر في هذا التقرير الذي يحاول أن يرصد ملامح الوباء عربياً مقارنة بالوضع الدولي.

حقيقة انتشار الإيدز في العالم العربي مقارنة بالوضع الدولي

تقرير/ ياسر أبو النصر: مع كل طلعة شمس هناك نحو عشرة آلاف إصابة جديدة بالإيدز على مستوى العالم بواقع إصابة كل 11 دقيقة، تتسع دائرة الصدمة عندما نلحظ الارتفاع الصاعق من حالة واحدة في أوائل الثمانينات عند أول اكتشاف للفيروس إلى 42 مليون مصاب حالياً أكثرهم من الشباب، وإذا كان الإيدز قد صعد من المرتبة السابعة المرتبة الرابعة في قائمة أسباب الوفاة في العالم، وإلى المرتبة الأولى في أسباب الوفاة في إفريقيا، فالصورة في المنطقة العربية كما تعكسها الأرقام قد لا تبدو مفزعة للوهلة الأولى، برنامج الأمم المتحدة للإيدز يقدر عدد المصابين وحاملي الفيروس في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بـ 550 ألف حالة، 55% منهم إناث وتوازي 302500 حالة 37.7% من الرجال وتوازي 207500 حالة، والـ 7.3% الباقية هم من الأطفال الأقل من 15 عاماً ويوازي عددهم 40 ألف حالة، تلك هي المحصلة المؤلمة لتراكم المرض منذ اكتشفت أول حالة في المنقطة في النصف الأول من الثمانينات، ولكن في العام الحالي 2002 فقط اقتحم الفيروس 83 ألف حالة حتى بداية ديسمبر الحالي، الأطفال الأقل من 15 عاماً يشكلون منهم 13 ألف حالة وتسبب المرض في نفس العام الحالي في حصد أرواح 37 ألف شخص.

التفاؤل إذن نسبي والخطر محدق وقادم لا محالة إذا لم تدق كل أجراس الخطر، فما زالت الصدفة في المنطقة العربية تتكفل بالكشف عن معظم الحالات المعروفة، ومازالت المبادرة بالتوجه إلى مختبرات الفحص مغامرة محفوفة بالمخاطر، فإعلان الإصابة يعني العزلة والموت عشرات المرات قبل أن تفارق الروح البدن حتى وإن لم يكن للمصاب يد في إصابته.

سيدة 1: مرض الإيدز مرض المفجع الذي أصبحنا به الناس كلهم يهربون منا، والعائلات حتى عائلاتنا كلهم كرهونا ما عاد يجونا قعدنا منبوذين في الشارع.

سيدة 2: أنا أم لما ولدي يرجعوني بأتلقى فيه مرض بداية يعني مفيش حتى استعدادات بيش العيل يعني المستشفى انجي الدم بتاعه طبعاً خش الجرح وعن طريق رضاعة دي ما عنده اللوز ودي ما فمه ملتهب ودي ما.. وعارفين الدكاترة الكلام هذا عارفين يعني.

ياسر أبو النصر: سكن الفيروس القاتل دماء بعض هذه السيدات من خلال عنايتهن بأطفالهن الصغار الذين اقتحمهم الفيروس بدورهم عندما نقل إليهم دم ملوث في ليبيا أثناء تلقي العلاج على يد فريق طبي أجنبي، لكن التقارير الدولية تؤكد أن هذا هو الاستثناء، أما القاعدة فهي أن معظم الحالات المسجلة في المنطقة العربية تسلل إليها طاعون العصر إما من خلال الممارسات الجنسية غير الآمنة أو تناول المخدرات عن طريق الحقن الملوثة.

أما التربة المواتية لتضاعف الوباء مستقبلاً في المنطقة العربية فتصنعها عوامل أساسية ترى منظمة الصحة العالمية فيها خطراً جديراً بالانتباه:

أولها: احتواء المنطقة على أعداد من اللاجئين والمشردين لأسباب تتعلق بالحروب.

وثانيها: استمرار الحصار الاقتصادي بتداعياته الطبية على بعض البلدان الأخرى.

وثالثها: انتشار الفقر وافتقاد وسائل الوقاية والعناية اللازمة في مناطق عربية واسعة.

ورابعها: انفتاح دول عربية عدة أمام تيار كاسح من العمالة متعددة الجنسيات، وتبقى فاعلية المواجهة مرهونة دائماً بالقدرة على المكاشفة وإلقاء القفاز بقوة في وجه الوباء، فالتحلي بأكبر قدر من الشجاعة والصراحة هو المفتاح الحقيقي لمحاصرة الإيدز والحيلولة دون تفشيه بالصورة التي تهدد أمننا القومي.

محمد كريشان: الصورة في المنطقة العربية -وإن لم تكن الأكثر فزعاً بالنسبة إلى مناطق أخرى من العالم- إلا أن تصاعد الأرقام ووجود عوامل التفاقم يدعونا لعدم الركون كثيراً إلى الاطمئنان، وللمزيد من الوقوف على الحالة العربية تحدثنا مع الدكتورة هالة أبو طالب (خبيرة البرامج ببرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز للشرق الأوسط وشمال إفريقيا) سألناها أولاً عما إذا كانت الأرقام المعلنة عن المنطقة العربية خادعة أم تعطي فعلاً مؤشرات.. مؤشرات حقيقية؟

د. هالة أبو طالب: هو الحقيقة ممكن يكون بتدي انطباع خادع، لأن دي كلها أرقام تقديرية وليست حقيقية.

محمد كريشان: ولكن في هذه الحالة طالما تعتمدون على التقديرات ما الذي يحول في النهاية من الحصول على الأرقام الدقيقة إذا كانت أرقام بقية المناطق أصلاً دقيقة؟

د. هالة أبو طالب: هو فيها كذا حاجة ممكن تؤدي أولاً المنطقة مش.. مش ما كانتش مستعدة أو مؤهلة إن هي تفكر بمشكلة فيروس الإيدز، لكن.. فده طبعاً معناه إن هي كتسجيل القطاع الصحي مش.. ما كانش مؤهل، اللي عاملين بالقطاع الصحي مش حتى بيخطر على بالهم إن ممكن مريض قدامهم يحتاج تحليل للإيدز للفيروس، فما بيتمش البحث عن الحالة دي أو بتبقى أحد التشخيصات اللي هم ممكن يحطوها في بالهم أو يحاولوا يبحثوا عنها، ده واحد.

ثانياً: إن الناس اللي هي ممكن تكون سلكت سلوك معين أو تكون تعرضت لخطر الإصابة هي نفسها بتخاف أو.. بتخاف من أنها يتربط اسمها بسلوك خاطئ أو معين، لأن إحنا مجتمعاتنا للأسف لسه عندها مفهوم خاطئ إن اللي بيصاب بهذا الفيروس هو أكيد بيسلك سلوك خاطئ أو ضد العادات والتقاليد والأديان.

عامل آخر إن اللي بعد الإصابة بالفيروس، الفيروس بيفضل كامن، حوالي عشر سنين وساعات أكثر على ما يبتدي تظهر أعراض، فالمصاب ممكن يعيش في وسطنا وإحنا مش.. وهو مش عارف ولا اللي حواليه عارفين وما بيشتكيش من حاجة.

محمد كريشان: هناك أيضاً تقدير بأن عدد الإصابات سيرتفع في.. في المستقبل في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، على أي أساس بُني هذا التقييم؟

د. هالة أبو طالب: حضرتك إحنا لما.. طبعاً أنا.. أنا أتمنى والبرنامج يتمنى إن ده التقدير ده يكون خاطئ، بس إحنا بننظر لتجارب المناطق اللي حوالينا، يعني زي ما أشرت قبل كده إن عندنا.. وسط آسيا وشرق.. شرق أوروبا كان من عشر سنين بنفس أرقامنا، وكانت قليلة جداً، بس لأن هم ما.. ما.. ما اهتموش بالوقاية وما ركزوش على المشكلة، واعتقدوا إن هذه المشكلة ما تتعلقش بهم هُمَّ أو بمجتمعاتهم، واعتقدوا إنهم آمنين من هذا الفيروس، فما.. ما عملوش برامج وقائية وما حضروش نفسهم للوقاية والحماية، فده أدى إلى الانتشار، إحنا اللي بنحاول، إحنا مش بنحاول.. إحنا مش بنقدر إن ده ممكن يحصل، إحنا بنقول لو ما حصلش إن في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط الحكومات والمجتمعات قامت بنشر الوعي ووضع البرامج والاستراتيجيات والخطط اللي.. اللي بيشترك فيها كل القطاعات مش الصحي فقط -على فكرة- في تنفيذ هذه البرامج والخطط للحماية والوقاية، إحنا ممكن فعلاً نمشي على نمط المناطق الأخرى.

محمد كريشان: نعم، دكتورة، كبرنامج أمم متحدة لمكافحة الإيدز، ما طبيعة العلاقات التي بينكم الآن وبين الدول العربية؟ هل أنتم تنسقون أكثر على الصعيد الرسمي الحكومي، أم أيضاً على صعيد جمعيات غير حكومية أو جمعيات صحية خاصة بالموضوع؟

د. هالة أبو طالب: أنا سعيدة جداً إن حضرتك سألتني السؤال ده، أولاً: برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز طبعاً هو كان بيركز على مناطق أخرى غير شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لكن لأهمية حماية هذه المنطقة ولإبقائها على.. على معدلاتها المنخفضة والحفاظ عليها وحماية مجتمعاتها، قام دلوقتي أُنشئ أو أسس فريق عمل تقني فني اللي هو مقره القاهرة لمساعدة هذه الحكومات والدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واحنا بنتعاون في إن.. بنحاول إحنا دورنا أساسي غير إن إحنا بندي دعم فني، إحنا بندي بنحاول ننسق بين كل المنظمات الأمم المتحدة المعنية والمهتمة والحكومات، جميع القطاعات الحكومية المعنية برضو والجمعيات الأهلية.

محمد كريشان: الأرقام -دكتورة- تشير إلى أن مريض الإيدز يحتاج ما بين 600 إلى 1000 دولار شهرياً للتكفل بعلاجه، يعني هذا رقم ليس.. ليس من اليسير الحصول عليه في.. في المنطقة.

د. هالة أبو طالب: هو أهم حاجة حياة الشخص اللي هو بيصاب، الشخص إذا كان مرأة أو رجل أو طفل أو شاب، للأسف الوباء ده أول ما يبتدي يحصل إصابة به غالباً بيحصل ما بين سن 15 لـ 24 سنة ويبتدي الأعراض تبان بعد.. في منتصف الثلاثينات، حضرتك تقدر تتخيل مجتمع شبابه بيصاب بهذا الوباء، فده بيدي ضربة اقتصادية مهولة لاقتصاد أي دولة أو مجتمع، ده أساساً، لو بصينا لها من ناحية تكلفة العلاج إحنا كمنطقة دلوقتي إن إحنا الانتشار قليل، فلازم برضو نفكر إن موضوع العلاج مش هيكون هو درع الأولوية الأولى لاهتمام المنطقة، كمان لما نفكر إن مش كل من هو يصيب بالفيروس بيأخذ العلاج، لأن العلاج ده بينفع مصابين وما ينفعش مصابين آخرين، نسبة منهم فقط هم اللي بيأخذوا العلاج، فأنا أعتقد إن الحكومات في.. في المنقطة.. في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الحقيقة يعني كلهم ملزمين بالمواطنين بتاعهم وبيكفلوهم الرعاية والعلاج، طبعاً ده على المدى الطويل لو.. بعد الشر يعني إن إحنا لم نوضع هذه الخطط الاستراتيجية وجميع.. كل الجهات والقطاعات تتعاون في تنفيذها، طبعاً ده ممكن يؤدي للانتشار، ونمشي في.. على نهج المناطق اللي حوالينا والأقاليم اللي حوالينا واللي جرى لهم، فده ساعتها هيبقى مشكلة أولى، إن أنت هيبقى عندك عدد مهول من المصابين، وبالتالي هيبقى عندك نسبة منهم كبيرة هتحتاج لعلاج، وده هيبقى ضربة للاقتصاد بتاع أي دولة.

محمد كريشان: دكتورة هالة أبو طالب (خبيرة البرامج في برامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز في شمال إفريقيا والشرق الأوسط) شكراً جزيلاً لك.

رغم مناخ التستر الذي يحيط عموماً بالتعامل العربي مع ملف الإيدز إلا أن هناك تجارب ناجحة اقتحمت المشكلة بجرأة.

بعد الفاصل: نتعرف على بعض هذه التجارب وما أنجزته من نجاحات.

[فاصل إعلاني]

مدى نجاح التجارب العربية في التعامل مع الإيدز

محمد كريشان: انطلقت أغلب بلدان المنطقة العربية بخطىً خجولة نحو التعامل مع قضية الإيدز، وبدأت على الأقل في اختراق جدار الصمت المضروب عليه، مسجلة أولاً اعترافاً ولو جزئياً بوجوده، وموفرةً ثانياً بعض مؤسسات العناية بضحاياه، ومن بين هذه الدول يعتبر المغرب رائداً بصياغته استراتيجية وطنية للتحكم في هذا الداء وإدارته، رغم استمرار بعض جوانب القصور. إقبال إلهامي تستعرض من الرباط بعض جوانب التجربة المغربية.

تقرير/ إقبال إلهامي: في مستشفى ابن رشد، وهو الأكبر في الدار البيضاء لا تتوقف الحركة أكانت للمرضى أم للزوار، وحده هذا الجناح يسوده صمت مطبق، اللهم من صرخات متقطعة يخترق دويها الجدران السميكة للمشفى، إنه جناح الإيدز حيث يتخبط المرضى بين سندان فيروس قاتل ومجتمع قاس.

مريض 1: أصبحت أفكر في أمور لا إنسانية، أنا أيضاً إنسان وأريد أن أعيش ككل الناس.

إقبال إلهامي: 90% من مرضى الإيدز في المغرب، وهم رسمياً ألفاً و85 مصاباً يعالجون في هذا الجناح، 70% منهم لا يتعدون 40 عاماً، ثلثاهم ذكور والثلث الباقي إناث، 90% منهم ينحدرون من المدن والباقي من الأرياف، ما يوحدهم جميعاً أن الإيدز انتقل إليهم عبر الاتصال الجنسي.

مريضة: أصبت بعدوى المرض من زوجي رحمه الله، كان يتعاطى المخدرات، ولم أكن أعلم بذلك، بعد وفاته أحسست بدوار وأعراض مرضية. ذهبت للطبيب، وبعد التحاليل علمت بأني مصابة بالإيدز.

مريض 2: لا أخفي عنك أني مصاب بالشذوذ الجنسي، والشخص الذي كنت أعمل لديه كبناء اكتشف هو أيضاً أنه مصاب بالمرض، وبعد عامين من إصابتي بالإيدز لازلت حتى الآن غير قادر على التعايش مع المرض.

إقبال إلهامي: المفيد في تجربة المغرب في مجال محاربة الإيدز أن الأطباء المشرفين راكموا خبرةً في التعاطي مع الفيروس خلال عملهم الميداني في جمعيات غير حكومية، وذلك منذ منتصف الثمانينات، أي منذ ظهور أول حالة إيدز في البلد، الأمر الذي جعل منظمة الصحة العالمية تدعم نظم العلاج المغربية على أمل تصدير النموذج المغربي إفريقيّاً.

د. شكيب عبد الفتاح (مصلحة الأمراض المعدية - الرباط): إلى اتخاذ جميع الإجراءات بالنسبة لتحسين وسائل الوقاية، وبالنسبة لتوعية المواطنين كان ضامن بأن يمكن إننا قد ما نقولوش قضوا على المرض، ولكن كنا نتغلبوا على.. على المرض.

إقبال إلهامي: لكن الجهود الطبية المغربية ومعها الدولية ستظل عاجزة عن وقف زحف الإيدز في غياب ثقافة جنسية وجرأة في تناول عمق المشكل في مجتمع محافظ يعاني ثلثاه الأمية والفقر.

نجح المغرب في انتزاع دعم منظمة الصحة العالمية لبرنامجه في مكافحة فيروس الإيدز، لكن لازال عليه عمل الكثير، فتح الجبهة الداخلية، ورفع حاجز الصمت الذي يلف الفيروس ويخفي وراءه عشرات المصابين به الذين يخشون الإفصاح عن ذلك.

هذه الوصلة الدعائية لدعارة الأطفال في المغرب وإدمانهم على المخدرات تظل الأكثر جرأة لتطويق الفيروس الذي يهدد آلاف المشردين من أطفال الشوارع المعرضين لمخاطر الشذوذ والاغتصاب، وكانت الجامعات والمدارس المغربية محوراً لهكذا حملات بعد تداول تقارير تفيد بتعاطي 20% من الطلبة للمخدرات، هذا مركز الجمعية المغربية لمقاومة الإيدز، وهؤلاء متطوعون يستقبلون يومياً عشرات الاتصالات بعد فتح خطٍ ساخن يضمن السرية وتدفق المعلومات للمتصل الذي يمكنه الإفادة من مجانية التحليل في ثماني مراكز سرية، علَّ الأمر يفيد المشرفين في توضيح صورة وطبيعة انتشار الفيروس، الجمعية تخطت حاجزاً نفسياً آخر بإجرائها اتصالات ميدانية مباشرة مع العاهرات وفتيات الليل تحضهم على الوقاية كطوق للنجاة بأقل كلفة، مادام أن الإيدز ليس قدراً، ولكنه نتاج ممارسات محرمة ومنبوذة، سلاح الوقاية الذي تشهره المنظمات المغربية ومن ورائها الدولة، وسرية التحاليل الطبية، ومجانية علاج مرضى الإيدز، كل ذلك نجح في إرساء ثقة كانت مفقودة في السابق عدا عن استقرار وضع حاملي الفيروس الذين يتعدى عددهم الـ 20 ألفاً.

محمد كريشان: ومن التجربة المغربية إلى التجربة المصرية التي يمثلها معنا اليوم الدكتور نصر السيد (مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في مصر). دكتور أولاً هل يمكن أن نتحدث عن خصوصية ما لمريض الإيدز في البلاد العربية.

د. نصر السيد: بسم الله الرحمن الرحيم. هو بالنسبة لخصوصية مرض الإيدز في الدول العربية له خصوصية مختلفة شوية عن باقي الدول الأوروبية، مريض الإيدز لازال برضو الوصمة والنبذ والتمييز بين مريض الإيدز والمرضى الآخرين.

الإيدز لازال لحد النهارده برضو مرض له صلة بالعلاقات الجنسية.. العلاقات الجنسية المحرمة وإدمان المخدرات، ولازال برضو مريض الإيدز مش سهل قوي تقبله في المجتمع ولا في مكان العمل.

محمد كريشان: أشرت إلى الاتصال الجنسي وإلى المخدرات، ولكن هل يمكن أن.. أن نرجح أحد العاملين؟

د. نصر السيد: هو يعني لو.. لو قلنا على مصر تقريباً حوالي 65% عن طريق إدمان.. إدمان المخدرات أو العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، في العالم العربي كله أكثر من 80% من المصابين عن طريق علاقات جنسية أو إدمان المخدرات.

محمد كريشان: أشرت دكتور إلى الوصمة والنبذ، هل هذا يمكن أن يشجع نظرية العزل على حساب نظرية الإدماج التي أصبحت الآن سائدة بالنسبة لمرضى الإيدز؟

د. نصر السيد: هو لا يوجد عزل، ولا في مصر، أو في أي من الدول العربية، هو فيه رعاية طبية في المستشفيات للمرضى الذين يحتاجون إلى العلاج، لكن مبدأ العزل إنه يقعد في مكان مدى حياته، دا غير موجود أصلاً، لكن بعض الناس هناك مفاهيم خاطئة عندهم إن مرضى الإيدز يعزلون في بعض المستشفيات، وهذا المفهوم خاطئ، ويجب تغييره، ويجب على وسائل الإعلام جميعها التركيز على أن مريض الإيدز لا يعزل، ولكن يمكن أن يتعايش في المجتمع، ويعيش حياة عادية زي أي إنسان غير مصاب بالإيدز، فطرق العدوى محدودة ومعروفة.

محمد كريشان: ولكن كيف يمكن أن نحارب هذه المفاهيم الخاطئة؟ وفي نفس الوقت يمكن أن نضمن ألا يتسرب المرض من.. من شخص إلى آخر عندما يترك المريض هكذا؟

د. نصر السيد: بالتوعية، يعني لا يوجد وسيلة لتغيير المفاهيم وتغيير السلوك غير التوعية، ففي مصر عملنا برنامج واسع جداً للتوعية شمل المدارس والجامعات وإدراج الإيدز في المناهج، وإنشاء الخط الساخن للإيدز وعقد الندوات في جميع تجمعات الشباب، سواء الشباب في داخل النطاق التعليمي، أو خارج النطاق التعليمي في المصانع، أو نوادي الشباب، لابد من زيادة جرعة التوعية لتغيير مفاهيم الناس تجاه مرض الإيدز ومريض الإيدز.

محمد كريشان: ولكن هل زادت جرعة الإقبال على هذا النوع من البرامج؟

د. نصر السيد: طبعاً، يعني لو قلت لحضرتك مثلاً إن في مصر تلقينا في خلال الخمس سنين أكثر من 100 ألف مكالمة على الخط الساخن عن الإيدز، يتراوح عدد المكالمات من 20 إلى 150 مكالمة يومياً، نقدر نقول إن فعلاً تقبل الناس لفكرة الحديث عن الإيدز موجودة دلوقتي، لو شفنا مثلاً الندوات في الجامعات ممكن يحضرها ألف، أو 2، أو 3 آلاف طالب نتحدث بمنتهى الصراحة والحرية عن مرض الإيدز وعن وباء الإيدز، نقول فعلاً فيه نقطة تحول في تغيير المفهوم نحو الإيدز.

محمد كريشان: دكتور، مصر دولة سياحية، كذلك المغرب، كذلك تونس ألا يؤثر هذا في طبيعة الجرأة والشجاعة في تناول هذا الموضوع، طالما أن الموضوع له جوانب اقتصادية أيضاً؟

د. نصر السيد: بالعكس يمكن أكتر ناس ممكن يتقبلوا الحديث بصراحة وبوضوح جداً عن الإيدز هم العاملين في السياحة، وهناك عدة برامج للعاملين في السياحة وبرنامج الترصد الوبائي للمرض وبرنامج التوعية في مصر عاملين برنامج توعية منتشر في كل المدن السياحية والمناطق ذات الطابع السياحي، فلازم نقول الإيدز موجود مشكلة موجودة ولكنها محدودة، إنكار.. عدم وجود المشكلة لن يحل المشكلة، لابد من الاعتراف بوجودها لإيجاد إمكانية لحلها.

محمد كريشان: ولكن هل لاحظتم مثلاً بأن المناطق السياحية الأكثر احتكاكاً بالسياح الأجانب قد تكون هي الأكثر ربما تعرضاً لهذا النوع من المرض بالطبع؟

د. نصر السيد: بل بالعكس خلال الترصد الوبائي في مصر وفحص عينات دم من العاملين في السياحة هي أقل معدلات عدوى بالإيدز في مصر هي بين العاملين في السياحة نتيجة معلوماتهم الصحيحة والمتكاملة عن مرض الإيدز، وخاصة في مجال الوقاية من مرض الإيدز.

محمد كريشان: نعم، دكتور، حسب الأرقام الدولية المتداولة أقل من 1% من المصابين من مرضى الإيدز يحصلون على العلاج ماذا بالنسبة للدول العربية؟ ماذا بالنسبة لمصر؟ هل.. هل الحصول على العلاج متيسر للجميع؟

د. نصر السيد: هو علاج الإيدز نوعين يا إما علاج الأعراض أو الأمراض الانتهازية المرتبطة بالإيدز ودي مجاناً في كل المستشفيات المصرية، أما علاج الفيروس نفسه دا -زي ما حضرتك ذكرت مع دكتورة هالة- دا علاج مكلف جداً وغالي يصل تكلفة المريض حوالي ألف دولار يمكن خلال السنة الجاية -إن شاء الله- 2003 فيه بشائر إن إحنا هنحل هذه المشكلة بالتعاون بين الحكومة وبين الهيئات الدولية منظمة الصحة العالمية وهيئة اليونيسيف إن إحنا -إن شاء الله- هنوفر الدواء، لأنه هناك أدوية أنتجت بسعر رخيص في بعض الدول زي الهند مثلاً والبرازيل وجنوب إفريقيا، هناك ثلاث أدوية ومجموعة دوائية بتكلف المريض دولار في اليوم يعني 350 دولار في السنة، وطبعاً هتكون في متناول الجميع -إن شاء الله- ودي هناك أمل إن تكون في متناول الجميع خلال عام 2003.

محمد كريشان: هل معنى ذلك بأن الرهان بالأساس هو على مدى تعاون الدول الأجنبية مع مصر أو غيرها يعني؟

د. ناصر السيد: آه، لأن شركات الأدوية دي شركات عالمية، لا يوجد دولة عربية أو دول الشرق الأوسط دلوقتي أنتجت الدواء، يمكن إيران.. فيه هناك محاولات في إيران لإنتاج نوعين فقط من هذه الأدوية، إن تكلفة إنتاجها غالية جداً ومكلفة جداً ولازم وجود سوق مفتوح لتوزيع هذه الأدوية، فالغرب بيتحكم في هذه الأدوية لأنها بتنتج أصلاً في الغرب، وبعض الأدوية.. فيه هناك دواء مهم جداً بتنتجه شركة واحدة في العالم، علشان كده بتتحكم في السوق وفي سعر الدواء على المستوى العالمي.

محمد كريشان: نعم، ماذا عن الجوانب الاجتماعية والنفسية لتأطير المريض ومحاولة مساعدته في هذه المرحلة الحرجة؟

د. نصر السيد: لو اتكلمت عن مصر هناك برنامج اسمه برنامج الدعم والمشورة لمريض الإيدز ولعائلات مريض الإيدز هذا البرنامج يقدم لهم الدعم النفسي والاجتماعي وأحياناً المادي، مريض الإيدز هو مش محتاج أدوية بس، مريض الإيدز محتاج حد يسمع له، محتاج حد يتعاطف معاه، محتاج حد يزوره لو مرض محتاج إن المجتمع يتقبله، أسرته تتقبله، يمكن في خلال العشر سنين اللي فاتت حصل تغيير جديد جذري في مصر إن أكثر من 90% من أسر مرضى الإيدز والمصابين بالإيدز أصبحوا يتقبلوا المريض يقولوا لأ مش هنعالجه في مستشفى هنعالجه في البيت، هاتوه وإحنا نعالجه بس فهمونا طرق العدوى علشان ما حدش يتعدى، فتغيير المفاهيم وتغيير اتجاه نحو مريض الإيدز تبدأ بتوعية الأسر، تقبل الفريق الطبي اتغير كتير جداً خلال العشر سنين اللي فاتت، يمكن في التمانينات كان كل الأطباء والتمريض بيهربوا من مريض الإيدز، دلوقتي في مصر ممكن أي مريض إيدز يخش أي مستشفى يتقبله الطبيب والتمريض يقدم له الرعاية الطبية اللازمة له حسب حالته دون خوف من مريض الإيدز أو من نقل المرض إلى الفريق الصحي.

محمد كريشان: في هذه المعالجة النفسية والاجتماعية ما هي الفاعليات الاجتماعية أو السياسية المدعوة أكثر من غيرها للتجاوب مع مثل هذا المسعى؟

د. نصر السيد: يمكن بننادي كل الجمعيات الحكومية إنها تلعب دور..، في مصر عندنا حوالي عشر جمعيات غير حكومية بتلعب هذا الدور دور المساندة النفسية والاجتماعية لمريض الإيدز والمحيطين به، إن المريض بيمر بعدة مراحل، بيمر بمرحلة.. مرحلة من القلق والاكتئاب والعزلة وأحياناً محاولات الانتحار، وكل دي نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية والوصم والتمييز ضده من المجتمع، علشان نخفف هذا الوصم والتمييز دا بيجي برضو بالدعم النفسي والاجتماعي للمريض والمحيطين به.

محمد كريشان: أنشأتم صندوق لمكافحة الإيدز، كيف يسير لحد الآن؟

د. ناصر السيد: هو الصندوق مش مصري هناك الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز وهذا الصندوق بيساعد الدول المتضررة بالإيدز، بيقدم لها الدعم التقني والدعم المادي وبيزود الدول أحياناً بالأدوية وبالخبرات وبيساعدها في تنفيذ الأنشطة وخصوصاً أنشطة التوعية، ويمكن -إن شاء الله- مصر يكون لها حظ كبير في الدعم من الصندوق العالمي للإيدز سنة 2003 إن شاء الله.

محمد كريشان: دكتور نصر السيد (مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في مصر) شكراً جزيلاً لك.

وبهذا نصل إلى نهاية حلقة اليوم، دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.