مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

مردخاي كيدار/ جامعة بار إيلان
نبيل عمرو/ عضو المجلس التشريعي الفلسطيني

تاريخ الحلقة:

27/02/2003

- المخاوف الفلسطينية من استغلال شارون للحرب على العراق
- خارطة الطريق والإصرار الأميركي الإسرائيلي على تهميش عرفات

محمد كريشان: آلة الحرب الإسرائيلية تعيث فساداً في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة تساؤلات حول خطط (شارون) لفرض واقع جديد على الأراضي الفلسطينية في ظل انشغال العالم بتطورات الأزمة العراقية.

السلام عليكم. مع اقتراب نُذُر الحرب في المنطقة يبدو أن العراق لن يكون الخاسر الأوحد من تلك الحرب في حال نشوبها، ففي موازاة الحشود العسكرية في الخليج يشحذ رئيس الوزراء الإسرائيلي سكاكينه لضحية أخرى، خاصة بعد تشكيله حكومة ائتلافية ذات صبغة يمينية متطرفة.

ما يخشاه الفلسطينيون هو أن يستغل شارون انشغال العالم بالحرب المحتملة ضد العراق، لتنفيذ مجزرة سياسية غير مسبوقة في الأراضي الفلسطينية، مجزرة لا تقتصر على إبعاد الرئيس الفلسطيني وحسب، بل قد تمتد لتشمل عمليات اغتيال لبعض رموز الصف الأول في حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين، ناهيك عن مخاوف تتعاظم يوماً بعد آخر إزاء احتمال قيام إسرائيل باجتياح غزة بالكامل وربما القيام بعمليات تهجير جماعية للفلسطينيين.

زياد بركات في هذا التقرير الذي يقرأه عبد السلام أبو مالك يستعرض أبرز السيناريوهات الكارثية المتوقعة على الجبهة الفلسطينية.

المخاوف الفلسطينية من استغلال شارون للحرب على العراق

ياسر عرفات (الرئيس الفلسطيني): فقد قررت تعيين رئيس وزراء.

تقرير/زياد بركات، قراءة/عبد السلام أبو مالك:

بإعلانه هذا حاول الرئيس الفلسطيني ما أمكن استباق السيناريو الأسوأ الذي قد تلجأ إليه إسرائيل في حال نشبت الحرب على العراق، فإبعاد عرفات بالتزامن أو بعد الإطاحة بالرئيس صدام هو حلم شارون المعلن منذ زمن وما يخشاه الفلسطينيون أن يستغل شارون الحملة الأميركية المتوقعة على العراق لإبعاد رئيسهم قسراً إلى الخارج وتنفيذ عمليات اجتياح واسعة في قطاع غزة على وجه الخصوص للإجهاز على ما تبقى من بنية تحتية للمقاومة، وهو ما حذر منه عرفات قبل أيام.

ياسر عرفات: حكومة إسرائيل هي المحرضة الأولى على هذه الحرب، كي تستغل انشغال المجتمع الدولي بها، من أجل تنفيذ مخططاتها وتصعيدها العسكري ضد شعبنا، بما فيها محاولة التهجير القسري.

عبد السلام أبو مالك: وكان شارون استغل فعلاً انشغال العالم بالملف العراقي وتداعياته خلال الأسابيع القليلة الماضية، وقبل يومين من فوزه بالانتخابات الإسرائيلية قام الجيش الإسرائيلي بأكبر عملية له في قطاع غزة منذ بدء الانتفاضة، مخلفاً وراءه 13 شهيداً وعشرات الجرحى.

وفي التاسع عشر من الشهر الجاري سقط 14 شهيداً في الأراضي الفلسطينية في يوم واحد، وقبل أيام قام الجيش الإسرائيلي باجتياح بلدة بيت حانون، مخلِّفاً وراءه 7 شهداء ودماراً دفع السلطة الفلسطينية إلى إعلان البلدة منطقة منكوبة.

وفي موازاة ذلك لم يخفِ شارون مخططاته لاستقدام المزيد من اليهود، حيث دعا -مؤخراً- لاستيعاب مليون مهاجر يهودي كمرحلة أولى لاستيعاب معظم يهود العالم بحلول عام 2020، وهو ما يثير مخاوف الفلسطينيين من سيناريو الترانسفير أو تهجير الفلسطينيين جماعياً في خضم الحرب المحتملة على العراق.

وعلى خلاف حرب عام 1991 التي تمخضت عن مؤتمر مدريد للسلام، فإن الإدارة الأميركية الحالية لم تربط حربها المرتقبة على العراق بأي وعود جدية لتحريك ما يسمى بالمسار الفلسطيني، الأمر الذي يعزز من مخاوف الفلسطينيين من سيناريوهات كارثية تنتظرهم، ومن أن يكونوا الخاسر الأكبر بعد العراق من أي حرب محتملة.

وفي هذا السياق يمكن اعتبار حوارات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية مسعى استباقياً لقطع الطريق على شارون وخططه، ورغم اختلاف وجهات النظر بين الفلسطينيين إلا أنهم متفقون في عمومهم على شيء واحد على الأقل، وهو أن شارون سيسعى جاهداً لاستغلال أي حرب في المنطقة لتحويل الأنظار عن ممارسات جيشه في الأراضي الفلسطينية، وربما لربط حملته ضد الفلسطينيين وقيادتهم بالحملة الأميركية على العراق ورئيسه.

ولذلك تذهب بعض الاجتهادات الفلسطينية إلى حد الطلب بوقف عسكرة الانتفاضة لمدة عام، وهو ما تعارضه بعض فصائل المقاومة الفلسطينية، ويخشى متبنو فكرة التهدئة استغلال شارون وائتلافه اليميني الحاكم أي عملية استشهادية في العمق الإسرائيلي لاستهداف بعض قيادات الصف الأول من فصائل المقاومة، وفي المقابل يرى متبنو فكرة مواصلة الانتفاضة أن شارون هو نفسه سواء نشبت الحرب في المنطقة أم لا، وأنه ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه سوى قيودهم.

محمد كريشان: إذن ثمن باهظ يخشى الفلسطينيون فعلاً دفعه سياسياً وأمنياً وحتى استراتيجياً من جراء الأزمة العراقية الحالية واقتراب شبح الحرب المخيف، وقد ازدادت هذه المخاوف مع إعلان حكومة شارون الجديدة ذات التوجه اليميني المتشدد.

معنا من تل أبيب مردخاي كيدار (أستاذ العلوم السياسية في قسم الدراسات العربية بجامعة بار إيلان في تل أبيب). سيد كيدار، ما الذي يمكن أن يفعله شارون بحكومته الجديدة أكثر مما فعله؟

مردخاي كيدار: أولاً يجب التعقيب على هذا الفيلم الذي عرضتموه هنا بالاستغراب، وكأنه يخلق الصورة وكأن الإسرائيليون هم مسخ أو مصاصة الدم التي تشحذ السكاكين وتنتظر اللحظة السانحة لسلخ.. لسلخ الفلسطينيين، وهذا صورة خاطئة لأن الإسرائيليون لا يرغبون في سلخ الفلسطينيين ولا في تهجيرهم القسري، ولا في تهجيرهم لا القسري.. وكل هذه الادعاءات ليس لها أساس من الصحة تماماً، ولكن هناك يجب الملاحظة أن ما يجري خلال الحرب إذا ما اندلعت في العراق بيننا وبين الفلسطينيين كله منوط على التصرف الفلسطيني، فإذا أطلقوا الصواريخ علينا وإذا انفجروا في شوارعنا وفي باصاتنا وفي المقاهي وفي الملاهي الإسرائيلية، فهم يتحملون المسؤولية كاملة، وعليهم أن يعرفوا ذلك.

محمد كريشان: نعم، سيد كيدار يعني إذا كانت صورة إسرائيل -كما قدمناها في هذا التقرير- هي صورة قبيحة ومتجنية يعني لا نريد أن نفتح ملف سياسات إسرائيل، ولكن -على الأقل- نريد أن نتحدث عن كيفية استغلال حكومة شارون -وهي حكومة احتلال. يعني لا يمكن أن تقول كلام غير.. غير هذا -لاستغلال هذه الأزمة الدولية لمزيد تعميق الوضع السيئ في الأراضي الفلسطينية؟

مردخاي كيدار: الوضع هو سيئ بدون ما.. ما يصير فيه عراق، الوضع سيئ في الأراضي.. في الأراضي الفلسطينية بسبب التعنت الفلسطيني على حق العودة أو حق عودة اللاجئين وعلى خلع القدس من.. من قلب إسرائيل، وعلى المزيد من المتطلبات التي يرونها أساسية، وإذا علمتم أن الفلسطينيين منذ 98 كان من المفترض أن تكون لهم دولة.. دولة كاملة.. كاملة السيادة وعلى رأسها السيد عرفات، إذا استكملت مسار.. مسار أوسلو.. ولكنهم فتحوا في هذه الانتفاضة..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني عفواً سيد كيدار يعني.. يعني أنا لا أريد أن أصادر حقك في.. في التحليل، ولكن سيد كيدار نحن نستضيفك هنا ليس كمسؤول في حكومة شارون وليس كمسؤول إسرائيلي، نريد أن نتحدث معك بكل صراحة كأستاذ في العلوم السياسية وكمحلل.

مردخاي كيدار: يا أخي.. يا أخي أنا كلامي صادق..

محمد كريشان [مقاطعاً]: يعني حتى.. حتى لا نخلط الأمور، يعني هناك وضع احتلال في الأراضي الفلسطينية، وهناك حديث عن أن شارون قد يستغل انشغال العالم بالأزمة في العراق، حتى يزيد من إحكام هذه القبضة، نريد أن نأخذ رأيك في هذا الموضوع، أنت تقول الوضع سيئ.. سيئ بسبب مواقف الفلسطينيين وليس بسبب الاحتلال في هذه الحالة؟

مردخاي كيدار: هناك تفاهم.. شبه تفاهم بين الحكومة الإسرائيلية وبين الحكومة الأميركية، لعدم تصعيد الأوضاع إما في الساحة الفلسطينية أو الساحة اللبنانية، وهي أيضاً في.. وراء الكواليس ولكن هناك هذا التفاهم لإفساح المجال للأميركيين ليعملوا ما يعملوا بالعراق بدون إزعاج من جبهات جانبية مثل الفلسطينية أو اللبنانية، ولهذا لا.. لا أتوقع أن يكون أي شيء في الساحة الفلسطينية إذا التزم الفلسطينيون الصمت و.. وجلسوا منتظرين لما يجري في العراق، لأن الملف العراقي والملف الفلسطيني هم ملفان كل واحد له خصوصياته، وكل واحد عايش بنفسه، ولكن عليَّ أن ألاحظ شيئاً.. شيئاً آخر، أنا شخصياً كنت نشيطاً في حركات السلام، ما كان طوال التسعينات وأنا من اليسار الإسرائيلي، وأنا لست من أعوان شارون، وأنا لست من ناخبيه، ولكن ما.. التصرفات الفلسطينية هي التي قوضت اليسار الإسرائيلي وخلفت حركات السلام الإسرائيلية مجروحة في الساحة عرضة لليمين الإسرائيلي المتشدد.

محمد كريشان: نعم، يعني إذا.. إذا تركنا جانباً الدعوة التي أطلقتها للفلسطينيين بالصمت والجلوس وهم في حالة احتلال، يعني دعنا نتجاوز هذا الأمر، إذا أردنا أن نُفصِّل المخاوف الفلسطينية، مثلاً المخاوف من التخلص من الرئيس ياسر عرفات إذا ما اندلعت الحرب، هذا تخوف في محله، لأن (موفاز) بنفسه قال ذلك، ونتنياهو أيضا قال ذلك، هل هذه المخاوف في محلها؟

مردخاي كيدار: المخاوف في.. في محلها، لأنهم يعلمون ما قد يجري إذا نفذوا مزيداً من العمليات الانتحارية في إسرائيل كما فعلوا في السنتين ونصف الأخيرتين، وإذا تعقلنوا وأخذوا بالهدوء وتصرفوا بصورة تمكن إسرائيل من الخروج من المدن الفلسطينية، وربما منحهم نوعاً من الاستقلالية، فهذا الأفضل إما لشارون أو لليسار الإسرائيلي، لأن ليس شارون ليس في نيته أن يضم إلى إسرائيل 3 ملايين فلسطيني، وهذا شيء أساسي في السياسة الإسرائيلية، ولهذا تبنى الخطة الأميركية التي ترى في نهاية الطريق دولة فلسطينية ذات الحقوق وذات الاستقلالية وهذا شيء لم نسمعه في الماضي، وهذا شيء يجب على الفلسطينيين أن يفهموا أن إعطاء دولة كاملة السيادة للفلسطينيين من يد شارون، هذا شيء لم يسبق له مثيل في اليمين الإسرائيلي.

محمد كريشان: نعم، أشرت قبل قليل بأنه المفروض لا وجود لعلاقة بين الموضوع العراقي والموضوع الفلسطيني، ولكن الرئيس الأميركي (جورج بوش) أشار إلى أنه بمجرد الانتهاء من موضوع العراق سيهتم بموضوع التسوية في الشرق الأوسط، ووعد بقيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف.

هل حكومة شارون مستعدة لمثل هذا الأمر بشكل جدي؟

مردخاي كيدار: قلت لك حكومة شارون لا ترغب في ضم ثلاثة ملايين فلسطيني لإسرائيل، وهذا ما يحدث إذا لم تقام دولة فلسطينية مستقلة، وهذا الطريق الطبيعي للفصل بين اليهود وبين الفلسطينيين في هذه.. في هذه الأرض، ولكن هذا مشروط بأن الساحة الفلسطينية ستتنازل مرة وإلى.. وإلى النهاية عن حق.. حق عودة اللاجئين، وإغراق إسرائيل تحت وابل من العرب الذين يشوِّهون البنية الديموغرافية الإسرائيلية، وإذا أرادت عودة الفلسطينيين فليعودوا إلى فلسطين.

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن سيد كيدار، يعني حتى.. حتى لنفترض أن الفلسطينيين تنازلوا عن هذا الحق، هل إسرائيل مستعدة مثلاً لإيقاف الاستيطان وإلغاء المستوطنات وأحد أعمدة الحكومة الجديدة (ليبرمان) هو من.. من دعاة الاستيطان ومن دعاة الترانسفير يعني؟

مردخاي كيدار: الاستيطان الإسرائيلي الإسرائيليون يعلمون أنه سيأتي يوم ويجب عليهم أن يضعوا حداً لبعض المستوطنات أو لكل المستوطنات وهذا متروك للتفاوض مع الفلسطينيين وهذا كان على بساط البحث طوال.. طوال فترة أوسلو، ويمكن القدوم والوصول إلى نوع من الحل في هذه المشكلة.. مشكلة المستوطنات التي هي مشكلة حقيقية لا أتجاهلها، ولكن المطالبة بالقدس كاملة والمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى حيفا وتل أبيب وإلى أين كانوا حتى 48، هذا شيء لا يقبله حتى اليسار الإسرائيلي، لا يقبله لأن هذا شيء سيكون بمثابة انتحار لدولة إسرائيل اليهودية الإسرائيلية.

محمد كريشان: نعم، سيد مردخاي كيدار (أستاذ العلوم السياسية بجامعة بارإيلان) في تل أبيب شكراً جزيلاً لك.

الرئيس الأميركي (جورج بوش) يربط قيام دولة فلسطينية وانتشار الديمقراطية في العالم العربي بسقوط نظام الرئيس صدام حسين.

بعد الفاصل: نظرة في التفاصيل المعقدة لخارطة الطريق التي يفترض أن تمهد السبيل لقيام دولة فلسطينية والإصرار الأميركي-الإسرائيلي على تهميش الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

[فاصل إعلاني]

تفاصيل خارطة الطريق والإصرار الأميركي الإسرائيلي على تهميش عرفات

محمد كريشان: المبادرات الأميركية لتسوية القضية الفلسطينية تكاد لا تنتهي، آخرها في ظل الأزمة الحالية مع العراق مشروع خارطة الطريق المطروح حالياً على طاولة المفاوضات، ولا يبدو أن هذا المشروع الذي وافقت عليه السلطة الفلسطينية -ولو على مضض- سيلقى مصيراً أفضل مما لقيته عشرات المشاريع السابقة.

خارطة الطريق شأنها في ذلك شأن بقية المشاريع السابق أميركية المنشأ، ومع ذلك لم تسلم من الانتقادات الإسرائيلية، إلى درجة إعلان شارون عن رفضه المطلق لها وحديثه عن خارطة أخرى بمائة تعديل على الخارطة الأصلية.

قراءة في أهم النقاط الواردة في خارطة الطريق والتعديلات الإسرائيلية عليها في هذا التقرير الذي أعده حازم غراب، وتقرؤه رفاه صبح.

تقرير/حازم غراب -قراءة/ رفاه صبح: خارطة الطريق هي أحدث ما تفتق عنه ذهن الراعي الأميركي لمفاوضات السلام في الشرق الأوسط السنة الماضية بعد تفاهمات تينت، وخطة (زيني)، وكلها تنطوي على محاولات مباشرة أو غير مباشرة لتبريد ساحة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال وآلة الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركياً بلا حدود.

وتنقسم الخطة إلى ثلاث مراحل من أكتوبر 2002 إلى غاية ديسمبر 2005، وأبرز إجراءاتها التي تتابعها اللجنة الرباعية الدولية أن تقوم السلطة الفلسطينية بتعيين حكومة فلسطينية جديدة، والإعداد لدستور جديد، وإجراء انتخابات فلسطينية عامة، وتعيين رئيس وزراء، وأن توقف الانتفاضة، وأن تقطع الدول العربية أي تمويل للجماعات التي تعتبرها إسرائيل متطرفة، وأن يتم تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل طبقاً لمبادرة قمة بيروت.

أما إسرائيل فالمطلوب منها وقف الهجمات على المناطق المدنية الفلسطينية، ووقف هدم البيوت ومصادرة الممتلكات، وتسليم الأموال الفلسطينية المحتجزة لديها إلى وزارة المالية الفلسطينية شريطة شفافية الإنفاق، والانسحاب من المناطق المحتلة منذ الثامن والعشرين سبتمبر 2000، وانتشار الشرطة الفلسطينية فيها.

وبرغم مرور عدة أشهر على التاريخ المحدد لبدء مراحل تلك الخطة، وهو أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، فلا زالت إسرائيل تحاول التملُّص منها، بل إن شارون رفضها بشكل صريح وواضح أكثر من مرة، وطالب بإزاحة عرفات عن أي موقع مؤثر في السلطة، وتعيين رئيس وزراء وإجراء إصلاحات خاصةً في الأجهزة الأمنية، وعادت إسرائيل مؤخراً، فطلبت أكثر من مائة تعديل على بنود الخارطة، أبرزها: تنازل الفلسطينيين النهائي عن حق العودة، ووقف الانتفاضة، وتقييد الصلاحيات المتواضعة للسلطة على الدويلة الفلسطينية المزمعة، وهو ما دفع صائب عريقات (وزير الحكم المحلي وكبير المفاوضين الفلسطينيين) إلى رفض هذه التعديلات واصفاً إياها بأنها نسف كامل للخطة، وتكريس الاحتلال بمسميات أخرى، وكانت السلطة أعلنت قبول الخطة على علاتها تقريباً، وشرعت فعلاً في الإعداد لدستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية، وقَبِل عرفات بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات محددة.

ولوحظ أن مصر استضافت الشهر الماضي حواراً بين الفصائل الفلسطينية لمحاولة وقف العمليات الفدائية لمدة عام، ولم يوافق على ذلك حتى الآن سوى ممثلي السلطة، ولم تكد الانتخابات الإسرائيلية تنتهي حتى سارعت بريطانيا بدعوة الفلسطينيين والإسرائيليين لمحادثات تطرقت للموضوع، وذلك بحضور اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو توقيت يتزامن مع نذر الهجوم الأميركي البريطاني على العراق، الأمر الذي فسَّره البعض بأنه محاولة لتخفيف الغضب المتزايد للرأي العام العربي من المعايير المزدوجة التي تميز السياسة الأميركية البريطانية من قضية الصراع العربي الإسرائيلي.

محمد كريشان: لا أحد في الساحة الفلسطينية يزعم حالياً امتلاكه لوصفة الخلاص القادرة على التصدي لما يحاك ضدهم في السر والعلن، ولكن في المقابل الكل عازم على ألا يكون الفلسطينيون هم من سيدفع مرة أخرى ثمن كل هزة كبرى في المنطقة.

معنا من رام الله نبيل عمرو (عضو المجلس التشريعي الفلسطيني). سيد نبيل عمرو، بعد حرب الخليج الثانية عام 91 دفع الفلسطينيون خسائر فادحة، هل نتوقع الآن خسائر أفدح؟

نبيل عمرو: طبعاً يمكن توقع ذلك، لأن الفلسطينيين خلال الحرب القادمة يبدو أنهم وحدهم من لا يتمتع بأي قدر من الحماية، لا الدولية ولا الإقليمية، ولا حتى العربية والإسلامية، وبالتالي فإن المصير الفلسطيني خلال هذه الحرب ونتائجها سيظل معرَّضاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات الخطرة بوجود حكومة يمينية في إسرائيل تعتقد أن سبب وجودها هو منع تحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، لذلك المخاوف قائمة، رغم أن هنالك محاولات للتخدير ومحاولات لتبسيط المستقبل أمام الفلسطينيين من خلال الوعود الأميركية بشأن الحلول المرتقبة في حال إنهاء الملف العراقي، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الوضع الفلسطيني في غاية التأزُّم، وأن المخاوف حقيقية وقريبة، وربما تكون هي الموجودة فعلاً على الأرض الفلسطينية الآن.

محمد كريشان: على ذكر هذه الوعود الأميركية، هناك من يعتقد بأن الفلسطينيين بعد حرب الخليج الثانية صدَّقوا إلى حد كبير التطمينات الأميركية في عملية تسوية، الآن بعد أكثر من اثني عشر عاماً نجد نفسنا أمام خارطة طريق، والفلسطينيون يتماهون إلى حد أو إلى آخر مع هذه الخارطة، ألم يستفد الجانب الفلسطيني من دروس الماضي؟

نبيل عمرو: المسألة ليست استفادة، المسألة تتعلق بالإمكانيات، إمكانيات الفلسطينيين الآن، ومن خلال تجربة حرب طويلة الأمد مع الجانب الإسرائيلي اللي مدتها أكثر من سنتين، وربما سنتين ونصف السنة أن الإمكانات الفلسطينية لا تسمح إلا باعتماد ما يقال دولياً كفرصة لإيجاد صيغة للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي، المسألة هنا عندما نلاحظ ماذا يجري على الأرض نجد أن خارطة الطريق الأميركية على كل علاتها، بل أن الأداء الأميركي للدور السياسي خلال الإدارة الحالية على كل عِلاَّته، لم يعد مطروحاً غيره على الأرض، ولم يعد أحد يسأل الفلسطينيين من قِبَل جميع دول العالم إلا حول خارطة الطريق وما هو موقفهم، لذلك هم يوافقون على أن المتاح الوحيد هو خارطة الطريق، ليس لأنهم يعرفون.. لا يعرفون كيف يختارون، لذلك أنا أعتبر أن الموافقة الفلسطينية على خارطة الطريق هي موافقة أمر واقع، موافقة لا بديل لها إذا ما استمر الفلسطينيون في محاولة التفاوض والوصول إلى الدولة من خلال دعم القوى الدولية، أما إذا كان خيارهم باتجاه آخر فبالتأكيد يستطيعون أن يجرِّبوا، وأظنهم جرَّبوا لفترة طويلة، لذلك أعتبر أن الفلسطينيين مرغمون على قبول الصيغ، رغم أن الشكوك تحيط بهذه الصيغ، ورغم أنها مليئة بالثغرات.

محمد كريشان: يعني عندما يأتي الرئيس بوش، ويربط تسوية الموضوع الفلسطيني عبر خارطة الطريق -بطبيعة الحال- بعد الانتهاء من الملف العراقي، ألا يعتبر هذا ربطاً بين ملفين أصلاً الدول الغربية وأساساً الولايات المتحدة لا تريد أي ربط بينهما؟

نبيل عمرو: صحيح أخ محمد، ولكن لا تنسى أن هنالك كلمة سحرية تؤثر على الواقع العربي والإسلامي اسمه إيجاد فرصة لحل القضية الفلسطينية، وبالتالي يحاول الأميركيون أن يستفيدوا من هذه الكلمة السحرية، لكي يقولوا أن الحرب على العراق لن تؤدي إلى مزيد من الفوضى وإلى مزيد من الفراغ في المنطقة، ولن تؤدي إلى إبعاد حل القضية الفلسطينية، هم ملزمون أن يقولوا ذلك، وسيحاولون، ولكن يجب أن نفهم أمراً، أن هنالك فرق كبير بين أن الحرب على العراق سوف تسهِّل فتح الملف الفلسطيني، وبين أنها سوف تأتي بحل للموضوع الفلسطيني، نحن نشك بأن الحل سيكون ميكانيكياً كما يصورها الأميركيون، لأن الحرب على العراق لن تكون أيضاً حدثاً ميكانيكياً، قد يأتي بعد الحرب على العراق مستجدات دولية أكثر خطورة من الوضع الراهن مما يجعل الفلسطينيين يخافون على ألا يحتلوا أولوية جدية في الاهتمام الأميركي بالحل، إضافة إلى ذلك حتى لو اهتم الأميركيون بالحل بعد أن يكونوا قد ضربوا العراق، وبعد أن يكون أرئيل شارون قد ضرب الوضع الفلسطيني كما تراه الآن، طبيعة الحل نفسها تخيف الفلسطينيين، لذلك الوضع محاط بمزيد من المخاوف الحقيقية ومزيد من القلق، ولكن بكل أسف هل لدينا موازي نعتمد عليه كفلسطينيين؟ هل.. إذا العرب لم يستطيعوا حتى الآن عقد قمة لمناقشة ما سيحل بالعراق، كيف يمكن نحن أن نتوقع إخلالاً بالموازين يجعل الفلسطينيين يحسِّنون من شروط تعاملهم مع الطروحات الدولية؟

في تقديري أن الفلسطينيين خائفون على مصيرهم، وهذا خوف مشروع، ولكن في نهاية المطاف هم يملكون مفتاحاً يجب عدم التقليل من أهميته، أن إسرائيل لا تستطيع أن تفرض عليهم حلاًّ نهائياً كما تريد، حتى لو استمر الصراع إلى ما لا نهاية، ربما تكون هذه الورقة الوحيدة التي ما تزال بيد الفلسطينيين.

محمد كريشان: إذا أردنا أن.. أن نفكك المخاطر التي يخشاها الفلسطينيون في ظل الأوضاع الحالية، مثلاً بداية: إبعاد الرئيس ياسر عرفات، هل تراه خطر حقيقي ووشيك؟

نبيل عمرو: أعتقد أن الضغط بهذه القضية أهم بالنسبة لإسرائيل من ممارستها، المطروح أميركياً -دعنا نتحدث- الآن وليس إسرائيلياً، هو أن يستبدل النظام الفلسطيني نفسه بنفسه ومن داخله، وبالتالي في هذه الحالة وجود ياسر عرفات على رأس السلطة الوطنية والعمل الفلسطيني، يسهِّل هذه العملية من وجهة نظر الأميركيين والأوروبيين، في حال غياب ياسر عرفات بصورة دراماتيكية بمعنى الإبعاد المباشر من قِبَل إسرائيل، من الذي يستطيع بعد ذلك أن يملأ الفراغ؟ لذلك هم يضغطون بهذا الاتجاه كإسرائيليين، ولكن -في تقديري- أنهم غير جديين في تنفيذ ما يضغطون به، الاحتمالات مفتوحة لا نعرف، ربما تأتي عاصفة معينة تطيح بكل هذه التقديرات التي نتحدث بها، ولكن باعتقادي أن تغيير النظام الفلسطيني هو ليس تغيير أشخاص، وليس تغيير قرارات، هوتغيير اتجاه بكامله، هم يتطلعون إلى اتجاه متغير من الاتجاه الحالي المتهم بتشجيع المقاومة والعنف وما إلى ذلك إلى اتجاه آخر يحاول أن يخلق المناخ الملائم للتوصل إلى تسوية سياسية من خلال الهدوء ومن خلال الاعتماد بشكل شبه مطلق ربما على الدعم الدولي لهذه الحلول.

محمد كريشان: إذاً في هذه الحالة تعيين أو القبول بتعيين رئيس وزراء للسلطة، وعملية استعجال الإصلاح هل يمكن أن تحمي السلطة من ضربات قادمة؟

نبيل عمرو: بالتأكيد، الأمر هنا كيف تتعامل السلطة، وكيف تتعامل المؤسسات الفلسطينية مع موضوع رئيس الوزراء ومع موضوع الإصلاح، إذا ظل التعامل كما نراه في ملامح معينة مجرد إصغاء لما يُطلب خارجياً ستنتهي الأمور إلى التسليم بكل شيء دون أن يكون لديك قدرة على تسلُّم شيء، أما إذا بادرت أنت كفلسطيني عبر مؤسساتك وأنظمتك وقوانينك بوضع أسس الإصلاح العام الذي يريده المواطن الفلسطيني، ووضع قضية رئيس الوزراء كترتيب داخلي فلسطيني لتحسين الأداء الفلسطيني وللمساءلة، ولإقامة مقدمة دولة المؤسسات في تقديري يكون هذا نجاتنا جميعاً، أما إذا ظلت الأمور ما يأتي من الغرب وتجري المساومة عليه، وما هو الثمن الذي يمكن أن يدفع مقابل ذلك؟ في اعتقادي سنخسر كثيراً.

نعم، أنا متأكد تماماً أن رئيس الوزراء إذا ما أُنتج فلسطينياً عبر القوانين والمؤسسات الفلسطينية والحاجات الفلسطينية الأمر الخطر سينحسر كثيراً على هذا الصعيد، أما إذا لم ينتج فلسطينياً، فالعالم ليس في وارد مقايضتنا بالطريقة التي يتصورها البعض القليل منا.

محمد كريشان: سيد نبيل عمرو (عضو المجلس التشريعي الفلسطيني)، شكراً جزيلاً لك.

هذه هي آخر حلقة من حلقات (قضايا الساعة) في ثوبه الذي تعرفون، وبما أن قضايا الساعة على الساحة الدولية تقريباً اختُزلت كلها في قضية واحدة هي قضية العراق، فسيصبح لنا موعد مع برنامج جديد سميناه (قضية الساعة)، ويخصص بالكامل لموضوع العراق، سيكون لنا ثلاث لقاءات أسبوعية بدءاً من يوم السبت المقبل بإذن الله، السبت، والاثنين، والخميس.

دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.