مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

روبير مينار: الأمين العام لمنظمة (مراسلون بلا حدود)
ملحم كرم: نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب

تاريخ الحلقة:

03/11/2002

- معطيات الدول العربية في الترتيب العالمي لحرية الصحافة.
- مدى تدهور الحريات الصحفية عالمياً في ظل تقرير (مراسلون بلا حدود).

- دور النقابات الصحفية العربية في الدفاع عن حرية التعبير.

مالك التريكي: البنين تسبق إيطاليا وكوستاريكا تتفوق على أميركا، أما الدول العربية فتتجمهر في مؤخرة الترتيب العالمي لحرية الصحافة.

أهلاً بكم. جميع المهن ممكنة في جميع البلدان إلا مهنة الصحافة فهي مستحيلة في بعض البلدان، حيث لا يمكن للمرء أن يكون صحفياً مستقل الرأي ولا يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تنقل جميع الأخبار بكامل الدقة وتعبر عن مختلف الآراء بمنتهى الحرية، ناهيكم عن أن تقوم بدور السلطة الرابعة التي تراقب عمل السلطات الأخرى وترصد حركة المجتمع ككل، وبما أن هذا الوضع النافي والمبطل لأبسط شروط العمل الصحفي وضع سائد في عدد من البلدان العربية، فإن الترتيب العالمي الذي نشرته منظمة "مراسلون صحفيون بلا حدود" أخيراً حسب درجة حرية الصحافة في كل دولة قد وضع بعضاً من البلاد العربية في مؤخرة القائمة، وقد اعتمدت المنظمة المعروفة بدفاعها عن حرية الإعلام في هذا الترتيب العالمي الذي شمل 139 دولة اعتمدت معايير تشمل الانتهاكات التي تطال الصحفيين مثل الاغتيال والاعتقال والاعتداء والتهديد والعقوبات الجنائية، هذا إضافة إلى الانتهاكات التي تطال وسائل الإعلام مثل الرقابة والمصادرة والتفتيش والضغوط والاحتكار الحكومي والقيود القانونية على الحريات الصحفية، كما تشمل المعايير مدى ما يتمتع به مرتكبو الانتهاكات المذكورة من حصانة ضد المحاسبة أو المعاقبة، وقد التقطت هذه الصورة لحرية الصحافة في العالم في الفترة الممتدة من سبتمبر عام 2001 حتى أكتوبر من هذا العام، ورغم أن هذا الترتيب العالمي للدول حسب درجة حرية صحافتها لا يأخذ في الاعتبار مجمل انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول، فإن الصورة تعكس بالضرورة مدى انتشار الحرية العامة في كل دولة.

إلا أن هذا الترتيب يحمل مفاجآت من أهمها أن كوستاريكا أفضل وضعاً من أميركا وأن البنين –وهي إحدى أفقر دول الأرض- تتساوى في الترتيب مع المملكة المتحدة التي تضم بريطانيا وأيرلندا الشمالية بل إن البنين هي أفضل حالاً من إيطاليا، هذا عن المفاجآت، أما ما لا يمكن أن تخطئه التوقعات فهو أن قائمة الدول الخمسين الأولى لم تشمل أي دولة عربية على الإطلاق، ذلك أن لبنان المعروف بأنه أكثر البلدان العربية احتراماً لحرية الصحافة إنما يأتي في المرتبة السادسة والخمسين.

ياسر أبو النصر يبرز في التقرير التالي أهم المعطيات التي تتعلق بالدول العربية في الترتيب العالمي لحرية الصحافة.

معطيات الدول العربية في الترتيب العالمي لحرية الصحافة

تقرير/ ياسر أبو النصر: عندما تدور المطابع كل يوم تكون كتيبة الصحفيين قد أنجزت كل جهدها ولم يبق إلا أن تجد كلماتهم طريقها إلى قارئ نهم ربما أصبح احتياجه إلى الخبر والمعلومة والتحليل يضارع الحاجة للطعام والشراب، ومع دوران المطابع تدور معارك لا تهدأ بين هذه الكتيبة من جهة وبين سلطة لا تحب سلطتهم وجماعات في المجتمع ما برحت تتربص بحريتهم الدوائر، معارك لتكريس حرية مهنية بدونها لا تستحق الصحافة أن تكون سلطة رابعة أو على حد تعبير أحمد شوقي: "لسان البلاد ونبض العباد"

أسامة مقدادي (مختص في الدراسات الإعلامية): الحرية يعني الوجه الآخر للصحافة، يعني هو.. هم عملة وجهاها الصحافة والحرية، إذن.. يجب أن يكون هامش الحرية فعلاً.. فعلاً لابد من تطبيق شعار أن الحرية لا سقف لها.

ياسر أبو النصر: لكن رحلة الكلمة من ذهن الصحفي إلى يد القارئ دونها عقبات ومخاطر شتى عكسها بوضوح ترتيب الدول العربية في قائمة تضمنها تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" التي صنف معظم دول العالم وفقاً لدرجة احترامها للحريات الصحفية، 139 دولة تضمنها هذا المؤشر، لم تحظ أي من الدول العربية بموقع ضمن الخمسين دولة الأولى، فلبنان قبلة الحريات الصحفية في عالمنا العربي، احتل المرتبة السادسة والخمسين وتلته البحرين في الترتيب السابع والستين، وبعد إحدى عشرة دولة جاء ترتيب الكويت الـ 78، في منطقة الثمانين والتسعين شغلت الدول العربية أكثر من موقع فاحتلت السلطة الفلسطينية رقم 82 وتلتها المغرب في الموقع 89، ثم الجزائر في الموقع 95، فالأردن في 99.

أما من تخطوا حاجز المائة فتقدمتهم مصر التي شغلت الموقع 101 وبفارق ضئيل جاء ترتيب اليمن الثالث بعد المائة وبنفس الفارق جاء السودان الخامس بعد المائة. ويقفز مؤشر التراجع عند السعودية التي جاء ترتيبها 125 تلتها سوريا في الموقع 126 ثم تونس 128 فليبيا 129، ويختتم العراق قائمة الدول العربية في هذا المؤشر شاغلاً الموقع 130. هذا الترتيب المتأخر للدول العربية الذي وضعها في ذيل القائمة ربما شكل صدمة للبعض، ولكن بالنسبة للمعنيين بمراقبة أحوال الصحافة والصحفيين لا يبدو المؤشر حاوياً للكثير من المفاجآت.

كالين ماكنزي (عضو الاتحاد الدولي للصحافيين): يوجد بوضوح مشكلة بالنسبة للصحفيين في الوطن العربي، حيث توجد الرقابة ويوجد الاعتقال، وفي فلسطين يعاني الصحفيون بشكل مضاعف لأنهم يتعرضون للاعتداء من سلطتين لا سلطة واحدة.

ياسر أبو النصر: هذا التعليق يختزل جانباً كبيراً من محنة الصحافة العربية، فإذا أضفنا إليه التعقيدات الموضوعة في طريق إصدار الصحف وأرقاماً حول صحف ومؤسسات إعلامية أوقفت أو صودرت واعتداءات وصلت إلى حد الاغتيال سواء على يد السلطات أو الجماعات المناوئة لحرية الفكر لاكتملت لدينا عناصر المشهد.

الصورة يرصد بعض ملامحها بالأرقام تقرير حول حالة الصحافة العربية في العامين الماضيين أصدرته المنظمة العربية لحرية الصحافة، إذ يشير إلى تعرض ثلاثة صحفيين للاغتيال في العالم العربي هم هداية السالم في الكويت، وعماري بن زبير في الجزائر، وعزيز يوسف في بيت لحم، كما يرصد أربع محاولات أخرى للاغتيال في كلٍ من السودان وتونس والمغرب واليمن، وثلاث حالات اعتداء بالضرب في كلٍ من مصر وتونس والمغرب سواء على يد الشرطة أو جماعات المصلحة بعدما كشفت كتاباتهم عن وقائع فساد، وذلك ضمن قائمة تؤكد المنظمة أنها غير حصرية، أما ضحايا الدفاع عن حرية الرأي من المؤسسات الصحفية والإعلامية ما بين مصادرة وإغلاق أو وقف وتحقيق ومحاكمة، فبلغت 18 مؤسسة موزعة على ثماني دول عربية، فيما تعرض 19 صحفياً عربياً للتحقيق أو المحاكمة في قضايا نشر موزعين على ثماني دول كذلك.

استخدام ترسانة التشريعات المقيدة للحريات الصحفية وجه آخر من وجوه المعاناة، معركة القانون 93 لعام 95 في مصر أصبحت واقعة مشهودة على رغبة رسمية عربية لتكبيل الصحافة يقابلها كفاح مشرف لإجهاض هذه المحاولات تُوِّج بالنجاح في هذه الحالة، وهو مشهد تكرر بتفاصيل مختلفة خلال العامين الماضيين في غير بلد عربي مثل المغرب وتونس والسودان، ولكن بموازاة ذلك هناك من يؤكد أن الصحفيين العرب يخوضون عملهم الآن في بيئة سياسية واجتماعية تشهد بصورة أو بأخرى بزوغ تحول ديمقراطي بطيء، بكل ما ينطوي عليه ذلك من صراع وتضحيات ودعوات لا تفتأ تطالب بإعلاء قيمة المسؤولية بشكل مرادف للحرية.

أسامة مقدادي: أدوات هذه الحرية وهم الصحفيون ينبغي أن يكونوا صحفيين محترفين أيضاً مؤهلين تأهيل جيد، هم اللي بيقدروا وين تتضرر مصالح بناء بلدهم من خلال نشر هذا الخبر أو ذاك هم اللي بيحطوا وأنا لا أقصد بذلك الرقابة الذاتية، لأنه.. لا أقصد بذلك الرقابة الذاتية، لأنه كمان هذا سلاح ذو حدين الرقابة الذاتية.

ياسر أبو النصر: حيثما تكونوا يكون إعلامكم عبارة اشتُقت بالقياس تُساق للتدليل على أن نمط الإعلام السائد في مجتمعاتنا العربية ما هو إلا عنوان للثقافة السياسية والاجتماعية السائدة، تلك الثقافة التي تتأرجح بين رغبة تواقة للحرية وارتعاش وجل مما يمكن أن تأتي به رياحها من تغيير.

مدى تدهور الحريات الصحفية عالمياً في ظل تقرير (مراسلون بلا حدود)

مالك التريكي: لا غرابة بالمرة إذن في أن تخلو قائمة الدول الخمسين الأولى في الترتيب العالمي لحرية الصحافة من أي دولة عربية، ولكن المفاجأة التي أحدثها التقرير الذي نشرته منظمة "مراسلون بلا حدود" وهو أول ترتيب عالمي في هذا المجال أن كوستاريكا تأتي في مرتبة أفضل من الولايات المتحدة، بينما تأتي البنين في مرتبة أفضل من إيطاليا على أن الحقيقة الأساسية التي يبرزها هذا الترتيب هو أن الحريات الصحفية مهددة في مختلف أنحاء العالم، حيث أن الدول العشرين الأخيرة في الترتيب تشمل دولاً من قارات آسيا وإفريقيا وأميركا وأوروبا مثلما يشير السيد روبير مينار (الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود) الذي هو معنا الآن من باريس.

سيد مينار، حسب الترتيب الذي وضعته منظمتكم للحريات الصحفية يتبين أن الدول العشرين الأخيرة في الترتيب تنتمي إلى جميع القارات وليس إلى آسيا أو إفريقيا فقط، فهل تعتبرون أن هذا هو أخطر مؤشر على تدهور الحريات الصحفية أي اتساع نطاق الانتهاكات إلى جميع أنحاء العالم؟

روبير مينار: نعم، بالطبع منذ تقريباً سنتين هناك تردي في حالة الصحافة في العالم ما لم يكن هناك عدد أكبر من الصحفيين في السجون حالياً، ولكن هناك أيضاً تراجع في حرية الصحافة وخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر وأحداث نيويورك وواشنطن، فهناك الكثير من الأنظمة التي استغلت هذا الحادث من أجل إيجاد تشريعات جديدة وإجراءات جديدة، من أجل تكميم الصحافة، وآخر مثال على ذلك هو السيد (بوتين) الذي بعد حادث مسرح موسكو من قبل المقاتلين الشيشان آخر شيء وجده، حتى ولو أنه كان يجب أن لمحاربة الإرهاب الإجراء الذي اتخذه هو أن يهاجم الصحفيين وأن يقيد حريتهم، وأنتم على حق، هذا التردي في حالة الصحافة ليس حكراً على قارة معينة وإنما دول كثيرة وفي العشرين الأخيرة من هذه الدول هناك دول آسيوية مثل بوتان والصين وكوريا الشمالية، ولكن أيضاً دول أوروبية مثل تركمنستان وبلوروسيا.. روسيا البيضاء أو دول من الدول العربية وذكرتموها في تقريركم.

مالك التريكي: لا توجد أيٌ من الدول العربية في قائمة الدول الخمسين الأولى إذ إن لبنان رغم أنه ليبراليٌ نسبياً بالمقاييس العربية، فهو في المرتبة السادسة والخمسين، ما هي أهم أسباب هذا الوضع في تقديركم؟

روبير مينار: أنتم تعرفون هذه الأسباب أكثر مني، والمشاهدين والقراء في العالم العربي يعرفون ذلك، نحن في العالم العربي هناك صحافة تخضع بشكل مباشر أو غير مباشر للسلطة، هناك مؤسسات صحفية، ليست مؤسسات ديمقراطية ومجتمعات ليست ديمقراطية وحرية الصحافة غير محترمة، وكما قلتم في التقرير الذي ذكرتموه قبل قليل فالوضع يختلف بين المغرب والجزائر والمملكة العربية السعودية وسوريا والعراق من جهة أخرى، ولكن بشكل عام هناك تأخر كبير فما يتعلق بحرية الصحافة في العالم العربي، وهذا ليس شيء سطحي من جهتنا فمن أجل إعداد هذا الترتيب استشرنا الكثير من الخبراء المستقلين واخترنا حوالي خمسين معياراً مختلفاً تتراوح ما بين تقييد حرية الصحافة والتشريعات واحتكار وسائل الإعلام والرقابة إلى آخره، ومن هذه المعايير الخمسين نرى بأن العالم العربي متأخر جداً حتى لو استطعنا أن نذكر ذلك وهناك بعض الأمور تتقدم، فقد كنت قبل أيام في أفغانستان، أفغانستان موجودة في الترتيب 104 وهي.. هناك وقد يتغير وهناك دول أخرى، مثلاً في المغرب الوضع يتغير حيث أن الصحافة حية ونشيطة وتزداد حريتها، ولكن -بشكل عام –في العالم العربي وكما نرى ذلك هناك الكثير من المواضيع التي مازال هناك الكثير من الأمور التي يمكن التحدث عنها.

مالك التريكي: من أهم ما يلفت الانتباه في.. في الترتيب، هو المفاجأتان المتعلقتان بتفوق كوستاريكا على الولايات المتحدة والبنين على إيطاليا إلامَ تعزو منظمتكم هذا التفوق؟ هل هو مسألة إرادة سياسية أم مسألة ثقافة سياسية لدى الشعب؟

روبير مينار: نعم بشكل.. بالنسبة لهذه الدول هناك إرادة سياسية واضحة، وهذا الترتيب ممكن أن نقول بأن.. ممكن أن تكون دولة غنية مثل الولايات المتحدة وأن تحترم أقل حريات الصحافة، وبلد صغير مثل كوستاريكا التي ذكرتموها ففي الولايات المتحدة قمنا بعمل هذا الترتيب، الولايات المتحدة ترتيبها أفضل قبل أعوام، ولكن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأحداث نيويورك وواشنطن هناك الكثير من التشريعات التي طرأت في الولايات المتحدة وخاصة الرقابة على الإنترنت وتقوم الإدارة الأميركية بالضغط على وسائل الإعلام كما لم تفعله، وقامت بذلك على "صوت أميركا" التي تموله الولايات المتحدة، والتي طُلب منها عدم بث بعض التقارير التي لم تكن تريدها السلطات الأميركية، وأيضاً قامت بالضغط على (الجزيرة)، وحاول بعض المسؤولين الأميركيين الضغط على (الجزيرة)، ولكن لحسن الحظ لم ينجح ذلك من أجل الضغط عليها..

مالك التريكي [مقاطعاً]: سيد مينار.. سيد مينار، الأمر اللافت للانتباه أيضاً سيد مينار، الأمر اللافت للانتباه أن إفريقيا وضعها أفضل من العالم العربي بكثير، فدول فقيرة جداً مثل.. مثل مالي وناميبيا تأتي في.. في.. في مرتبة جيدة، المرتبة الثالثة والأربعين بالنسبة لمالي، وناميبيا المرتبة الحادية والثلاثين، هل تعتقدون أن مثل.. مثل هذه المؤشرات من شأنها أن تحفز الدول العربية على أن يكون سجلها أفضل في المستقبل؟

روبير مينار: نأمل ذلك، لأن ذلك يشير على أن الأمر لا يتعلق بالغنى، ممكن أن تكون دولة فقيرة مثل مالي أو بنين التي تعد من أفقر دول العالم، وأن نحترم حرية الصحافة، أي إن القضية ليست قضية أموال وغنى، وإنما إرادة سياسية، المشكلة في الدول العربية هو أن السلطات حالياً التي لا تمثل الشعوب العربية، وهي بغالبيتها سلطات نعرف كيف وصلوا إلى السلطة أو انتخابات على شكل مهزلة مثل تونس، هذه السلطات لا تريد إعطاء الكلام لشعبهم عن طريق الصحافة، ممكن أن نغير هذا الوضع حالياً إذا كانت هناك إرادة، بعض الدول الإفريقية تظهر لنا بأنه يمكن تغيير الأمور، يجب أن تكون هذه الإرادة موجودة في الدول العربية التي غير موجودة حالياً.

مالك التريكي: السيد روبير مينار (الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود من باريس) لك جزيل الشكر.

اعتاد اتحاد الصحفيين العرب أخيراً، بل أعاد اتحاد الصحفيين العرب أخيراً إطلاق فكرة إنشاء مرصد للحريات لمراقبة أوضاع الحريات الصحفية في الدول العربية.

بعد الفاصل: نظرة في دور النقابات الصحفية العربية في مجال الدفاع عن حرية التعبير.

[فاصل إعلاني]

دور النقابات الصحفية العربية في الدفاع عن حرية التعبير

مالك التريكي: من أهم الأعمال التي أخذها اتحاد الصحفيين العرب على عاتقه في الأعوام الأخيرة بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب محاولة وضع مشروع قانون موحد للصحافة في كامل العالم العربي، بحيث يضمن مشروع هذا القانون الموحد قدراً أكبر من حرية الصحافة، وذلك بإزالة البنود والمواد المتضمنة في القوانين الوطنية الحالية التي تجيز الحكم بحبس الصحفي في قضايا الرأي والنشر، وتجيز إغلاق الصحف بأمر إداري دون الرجوع إلى القضاء، كما تخول سلطات الرقابة في وزارات الداخلية أو الإعلام التحكم في طباعة الصحف والمجلات أو في نشرها وتوزيعها إلا أن من أبرز المؤشرات على مدى القلق من تكاثر القيود و تفشي الانتهاكات ضد حرية الصحافة العربية أن اتحاد الصحفيين العرب قد أعاد في مؤتمره الأخير إطلاق فكرة إنشاء مرصد للحريات لمراقبة أوضاع الحريات الصحفية في الدول العربية ومعالجة ما تتعرض له من انتهاكات.

لبحث القضية معنا من بيروت الأستاذ كرم ملحم كرم (نقيب المحررين اللبنانيين ونائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب). أستاذ كرم، إلى أين وصل مشروع مرصد الحريات الذي اشتغلتم عليه في اتحاد الصحفيين العرب؟

ملحم كرم: تقرر وبدأ العمل به، وهو يتوخى أن يكون الاتحاد وأن تكون النقابات على علم بما يجري في الجانب الآخر، أي ألا تكون نقابة غريبة عما تتعرض له نقابة شقيقة، هذا هو النهج الذي قررناه وبدأنا العمل به، وقامت لجنة حريات شكلت خصوصاً لهذه القضية، وهي تقوم بأعبائها على وجه مرضٍ.

مالك التريكي: ما هي الآلية التي اعتُمدت لمراقبة أوضاع الحريات الصحفية؟

ملحم كرم: الآلية أن يكون الممثل للنقابة هو الذي يمد الاتحاد بالمعلومات المطلوبة وبالحرص المواظب على ألا يكون هناك انتهاك ما لم يكن له تصدٍ في حجمه بل أبعد من حجمه، ثم أنا هنا يهمني أنا أقول أمران، إن هذا التقرير الذي تحدثت عنه أنا أشك في دقة هذا التقرير، فلبنان ليس في المرتبة الخمسين حتى، لبنان ألغى المرسوم 104، المرسوم 104 يعني إلغاء التوقيف الاحتياطي والتعطيل الإداري، هذا التقرير يجب أن نعيد النظر فيه بكامله، لأنه ليس مصحفاً، ولنأخذ مثلاً لبنان، قلت في لبنان هذا النص الذي تحدثت عنه الـ 104 ألغى شيئاً خطيراً جداً مرة بعد اليوم لن يكون صحفي موقوفاً من أجل خبر كتبه، رئيس البلاد العماد إميل لحود قال: أنا لن أقاضي صحفياً، أعتقد أن هناك خطأ في الأرقام التي أُعطيت، ويجب إعادة النظر فيها والاتحاد.. اتحاد الصحفيين العرب سيقوم بهذا الجهد حتى نكون على بينة من الأنباء التي توزع علينا، فلا نقبلها ونحن عن صحتها غافلون...

مالك التريكي [مقاطعاً]: ربما أستاذ كرم.. أستاذ كرم، ربما هذه فرصة.. فرصة.. ربما هذه فرصة جيدة للتعاون بين اتحاد الصحفيين العرب ومنظمات دولية مثل منظمة مراسلون بلا حدود التي تدافع عن حرية الرأي، مؤكد أنه لو.. لو توفرت معلومات أدق لعملوا بها.. لاعتمدوها.

ملحم كرم: حتماً، لكن المنظمة التي تسميها هي منظمة صالحة وعاملة على حماية حرية الصحافة إلا أن أقوالها ليست مصحفاً، وليست مرجعاً نهائياً، إنه طرح قابل للدرس وقابل للأخذ وللعطاء، في لبنان الحرية حرية التعبير مصونة بشكل كامل، لم يتعرض صحفي للسجن، وهو شيء مهم...

مالك التريكي [مقاطعاً]: باعتباركم أستاذ كرم.. آسف على المقاطعة مرة أخرى، باعتباركم.. زيادة على أنكم رئيس أو نقيب المحررين اللبنانيين نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب، مسألة سجن الصحفيين بسبب قضايا الرأي والنشر مسألة منتشرة في العالم العربي، تقولون إنها في لبنان..

ملحم كرم: نعم، ما عدا لبنان.

مالك التريكي: إنها في لبنان قد حُلت، ألا يجدر أن تكون هذه الأولوية بالنسبة لاتحاد الصحفيين العرب إبطال العمل بمسألة السجن في.. في معاقبة المخالفات الصحفية؟

ملحم كرم: ليس هناك سجن، هناك عقوبة مالية، ونحن مع العقوبة المالية، نحن ضد أن يعتقد الصحفي نفسه إنساناً متفوقاً على الناس، إننا بشر عاديون نخضع للعقوبة إذا أخطأنا، ولكن يقيني... نعم.. نعم.

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ كرم، أستاذ كرم، حديثكم الآن مقتصر على لبنان، أقول.. أقول إذا كان هذا موجود و متوفراً في لبنان، فهو غير متوفر في بقية البلدان العربية، وهذا.. وهذا.. هذه كانت من الأمور التي أردتم أن.. أن توضحوها في مشروع قانون الصحافة الموحد للدول العربية.

ملحم كرم: صحيح.. صحيح. نحن فيما يتعلق بغير لبنان أيدينا ممدودة لنصرة كل جهد يُعطي الحرية الكاملة والحصانة الكاملة لمن يكتب ولمن يفكر ولمن يعبر، لكن لا نريد أن ننجر في حُميَّى كلام يثير الناس، وهو غير صحيح، إذا كانت هناك أخطاء، وإذا كانت هناك ارتكابات فنحن هنا -عندما أقول نحن أعني إخواني، وأنا أعني نقابة الصحافة.. أعني اتحاد الصحفيين العرب، أعني كل العاملين في المجال الإعلامي- لتكون الحرية مصونة، ولكن ببراهين لا باتهامات تطلق في الهواء.

مالك التريكي: إلى أي مدىً -أستاذ كرم- ذهب مشروع قانون الصحافة الموحد العربي؟

ملحم كرم: بدأ أفكاراً وطروحات، ولا نزال في أول الطريق، إلا أن ما نتوخاه وأملنا أن نبلغه هو أن نصل إلى يوم تكون فيه كل الصحافات العربية بمنعة وبحصانة ومستندة إلى قضاء نعتبره هو المرجع، يعطي أصحاب الحق حقوقهم، أنا مؤمن أن أي قاضٍ لا يمكنه.. يمكنه أن يبرئ مجرماً، ولكن لا يمكنه أن يجرِّم بريئاً، هذه قناعة، وربما كنت أنت..

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن هذا يفترض استقلالية القضاء، أستاذ كرم، وتعرفون أن استقلالية القضاء ليست مضمونة في كل البلدان.

ملحم كرم: آه، استقلالية القضاء كانت أول بند درسناه في الاتحاد، وعند.. قرأت التوصيات أنت حتماً، لأنك زميل مطَّلع، طليعة ما قررناه استقلالية القضاء، أن نعمل على أن يكون القضاء مستقلاً، حتى بالمقابل يعطينا القضاء حقوقنا، بعيداً عن أي خوف، وبعيداً عن أي تحسب لعقاب أو انتقاد.

مالك التريكي: أخيراً أستاذ كرم، هنالك مسألة نوعاً ما فكرية أكثر منها عملية، الدول المبتلاة بانعدام الحريات توجب التساؤل عما إذا كانت هذه المحنة التي تعيشها ناجمة عن طبيعة الأنظمة التسلطية التي.. التي تعيش تحتها، أم عن طبيعة الثقافة السياسية للشعوب التي ربما لا تقتضي الحرية اقتضاءً؟

ملحم كرم: الأنظمة التسلطية التي تتحدث عنها مهما كابَرَ أصحابها وأهل الشأن فيها فهي صائرة إلى الانقراض، فلا ينتظرنَّ منا أحد بعد اليوم في إطلاق القول تورع الجبان، ولا مدارة الهلوعَ، ولا لهجة مقنعة مذعورة، ولا مصانعة تمسح جبين الرجس بالعطور، إن ليس على الأرض أناس يخيفون، بل عليها أناس يخافون، وأنت وأنا لن نكون.. وإخواننا لن نكون يوماً من هؤلاء.

مالك التريكي: هنالك شكل جديد من التواطؤ صار ملحوظاً بين رجال السياسة والإعلام، خاصة في بلد مثل إيطاليا، وأنتم تعرفون أن (سيلفيو برلسكوني) هناك مسيطراً على الإعلام بمثل ما هو يسِّير الحكومة الآن، أليس هذا خطراً موجوداً في بلدٍ أيضاً مثل لبنان؟

ملحم كرم: هذا طليعة الأخطار، ونحن في.. نحن في لبنان لا نخاف على حرية الصحافة، لأن حرية الصحافة هي حرية الناس، والناس ينصروننا في دفاعنا عن الصحافة، ولا يقبلون أية مساومة أو رجوع إلى الوراء، لبنان حرية الصحافة يضمنها شعبه، كما يضمنها صحافيوه، كما يضمنها الشارع اللبناني الذي لا يقبل تراجعاً أو مساومة، أو أي هوان في مجال الحرية، الحرية شيء مقدس، لها فروض، ولها مقدسات، وقد أعطت ثمن هذه الفروض والمقدسات قرابين، لا نزال حتى اليوم نقدمها باسمين.

مالك التريكي: الأستاذ كرم ملحم كرم (رئيس.. أو نقيب المحررين اللبنانيين، ونائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.