مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: راجي الصوراني: مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
علي الجرباوي: أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت
تاريخ الحلقة: 09/06/2002

- المجتمع المدني الفلسطيني وضغوطه للإصلاحات
- الإصلاحات وتأثير الأطراف الأجنبية عليها

راجي الصوراني
علي الجرباوي
مالك التريكي
مالك التريكي: قضية الإصلاح السياسي والمالي في فلسطين أو عقدة الأصيل والدخيل في تنظيم الحياة العامة بينما كان من تجاهل السلطة الفلسطينية للتغييرات الجوهرية التي يطالب بها المجتمع المدني وبين ما يبدو الآن من محاولة استجابتها للضغوط المفاجئة التي يمارسها المجتمع الدولي.

أهلاً بكم. أصبح السيناريو معروفاً، يبدأ اقتصاد بلد ما بالتدهور ولكن البلد يتأخر في إجراء التغييرات اللازمة لإنقاذ الوضع وعندما يفوت الأوان يكتشف أن الأزمة الداخلية أصبحت شأناً دولياً يتدخل فيه صندوق النقد الدولي بنصائحه ووصفاته، عندها يدخل البلد في أزمة كرامة وطنية، هل يجري الإصلاحات علماً أنه لا مناص منها وأنه كان الأولى به أن يُجريها منذ زمن بعيد أم يمتنع عنها لمجرد أنها أصبحت لا تخلو من شبهة الإذعان لإملاءات الأجنبي؟

هذه مع فوارق السياق هي إشكالية الأصيل والدخيل التي انحشرت فيها قضية الإصلاح السياسي والمالي في فلسطين فقد أصبحت القضية محاطة بشبهة الإملاء الأجنبي إلى حد جعل الاتحاد الأوروبي يحرص في الوثيقة التي قدمها أخيراً للسلطة الفلسطينية على التوضيح، وهنا أقتبس "بأن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينبع من آمال الشعب الفلسطيني وقيادته، لأنه لا يمكن للإصلاح أن يُفرض من الخارج"، انتهى الاقتباس.

لقد تأخرت السلطة الفلسطينية في الاضطلاع بمسؤولية الإصلاح وماطلت وتركت نصوص القوانين مهملة في الأدراج واعتبرت أن مكافحة الفساد ليست من الأولويات ومضت في ذلك إلى أن فات الأوان فاستحوذ الخارج الأميركي والخارج الإسرائيلي على الموضوع استحواذاً دعائياً متقناً جعل الرأي العام الدولي يتصور أن قضية الإصلاح في فلسطين ما كانت لتطرح أبداً لولا فضائل الضغط الخارجي، والواقع أن قضية إصلاح مؤسسات الحياة العامة وآلياتها في فلسطين لم تحظ أبداً بالاهتمام الدولي منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 94، هذا رغم أن مطلب الإصلاح مطلب اجتماعي وسياسي داخلي أصيل، تناضل من أجله منظمات المجتمع المدني الفلسطيني منذ أعوام طويلة من دون أن تلقى أي سند دولي رسمي.

المجتمع المدني الفلسطيني وضغوطه للإصلاحات

وكان ضغط المجتمع المدني الفلسطيني قد أدى عام 97 إلى فتح تحقيق في الفساد، لكن التحقيق أتى مخيباً للآمال، لأنه لم يسفر عن أية إصلاحات على الإطلاق، والآن بدأ رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في الاستجابة لضغط المجتمع الدولي فأقر اثنين من القوانين العشرة التي تنتظر موافقته منذ أعوام وشكل حكومة جديدة بعد أن تعهد بعقد انتخابات عامة في غضون أشهر، إلا أن الرأي العام الفلسطيني الذي سبق أن لُدغ من حجر الإصلاح مرة يتساءل حول مدى صدق العزم على الإصلاح هذه المرة.

شيرين أبو عاقلة تستعرض الخطوط العامة للإصلاحات التي من المقرر أن تقوم بها القيادة الفلسطينية.

تقرير/ شيرين أبو عاقلة: في الخامس عشر من شهر آيار الماضي جاء إعلان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أمام المجلس التشريعي عند البدء بسلسلة إصلاحات وتغييرات ستطال مختلف أجهزة السلطة المدنية والأمنية، بما في ذلك إجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومحلية.

ممدوح نوفل (مستشار الرئيس عرفات): بالإمكان الشروع في هذه العملية البداية كما قلت في بناء المؤسسات أن يجري فعلاً تغيير وزاري جدي يطال فعلاً هذا التغيير كل من ليس له خبرة واختصاص في مجاله، يطال فعلاً من.. من مستهم ملاحظات من المجلس التشريعي أو في الشارع الفلسطيني تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

شيرين أبو عاقلة: التعديلات المطلوبة في جانب منها تسعى لضمان سيادة القانون واستقلال السلطات الثلاث عن بعضها وخلال الأيام الماضية أقر الرئيس عرفات عدداً من القوانين كانت تنتظر مصادقته منذ سنوات، أبرزها القانون الأساسي وقانون استقلال القضاء ومن ثم شرع في سلسلة مشاورات لتشكيل حكومة جديدة يتم تقليص عدد أعضائها إلى ما لا يزيد عن تسعة عشر وزيراً كما حددتها توصيات المجلس التشريعي.

راوية الشوا (عضو المجلس التشريعي): علينا أن ننظر إنه لا يجوز لجوائز الترقية التي قُدمت كوزارات لبعض الوزراء لترضية هذا أو ذاك، هذه قضية يعني غير مقبولة وأنا من الناس اللي حجبوا الثقة في البداية في الـ 96، وفي الـ 98 أيضاً.

شيرين أبو عاقلة: قضية الإصلاحات مع ذلك لا تتعلق بأشخاص بقدر ما تتعلق بالنظام الذي جرى ترسيخه على مدى السنوات الماضية وأصبح يحتاج إلى إعادة بناء.

د. عزمي الشعيبي (عضو المجلس التشريعي): الرئيس ياسر عرفات استبدل كل فكرة النظام السياسي القائم على أساس المؤسسات والقانون بنظام يقوم على أساس مؤسسة الرئاسة ثم استبدل مؤسسة الرئاسة بشخصه مباشرة واليوم لا نستطيع أن نتكلم عن مؤسسة للرئاسة وإنما عن الرئيس شخصياً.

شيرين أبو عاقلة: لكن مطلب التغيير الذي بدأ كحاجة فلسطينية سرعان ما تحول إلى مطلب دولي، بل أصبح يشكل في جزء منه سيفاً مسلطاً على السلطة، وإذا كانت الدعوات الداخلية والخارجية لإحداث تغييرات تتقاطع حيناً في الأهداف، فهي تتعارض في كثير من الأحيان.

وتعتبر التغييرات على صعيد الأجهزة الأمنية من أبرز الإصلاحات التي طالبت بها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تسعى بالأساس لسحب صلاحيات الأمن من يد الرئيس عرفات حكومة شارون تذهب في تطلعاتها إلى حد الرغبة أيضاً في استبعاد عرفات كلياً أو الاكتفاء بتسلم منصب فخري على رأس السلطة.

د. عزمي الشعيبي: الرئيس ياسر عرفات ينظر إلى هذا الموضوع في إطار المعركة الدائرة بينه وبين شارون وبين الإدارة الأميركية حول موضوع شرعيته، ولذلك بقدر ما يقترب من الحصول على استسلام من قبل الأطراف الدولية بأن الرئيس ياسر عرفات سيكون على رأس الطاولة ممثلاً للشعب الفلسطيني بقدر ما سوف يُعطي في مجال موضوع الإصلاحات.

شيرين أبو عاقلة: عملية التغيير يصعب القول أنها تقتصر على الحاجة لتعديلات في أجهزة السلطة، فهي عملية يرى الكثيرون أنها يجب أن تصل إلى مختلف مؤسسات المجتمع المدني وأكثر من ذلك إلى كافة الفصائل الفلسطينية بما فيها فصائل المعارضة التي اختارت غالبيتها هذه المرة أيضاً أن تبقى بعيدة عن التشكيلة الحكومية الجديدة، وهو ما أبلغت به الرئيس الفلسطيني.

قيس أبو ليلى (عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية): نحن أبلغنا الرئيس أننا يمكن أن نكون شركاء في تشكيل حكومة فقط، إذا كانت حكومة اتحاد وطني تستند إلى برنامج سياسي وكفاحي واقتصادي متفق عليه، فلا يمكن للحكومة أن تكون جزءً من عملية الإصلاح إذا كانت مجرد تكرار للحكومة السابقة ومجرد تغيير في الوجوه.

شيرين أبو عاقلة: الإصلاحات المتوقعة على أي حال لن تضع القيادة الفلسطينية وحدها أمام تحدٍ كبير، فما لم تأت الإصلاحات بشكل مرضٍ خلال 45 يوماً منذ خطاب الرئيس في المجلس التشريعي يستطيع المجلس أن يهدد بسحب الثقة من الحكومة الحالية، وحتى ذلك اليوم يستطيع الشارع الفلسطيني أن يحلم بكثير من الإصلاحات ولا يتوقع منها إلا القليل.

مالك التريكي: بدأت السلطة الفلسطينية في الاستجابة للضغوط الدولية إذن لإجراء تغييرات أحدثها بالطبع هو تشكيل حكومة جديدة رُوعي فيها –إلى حد ما- مطلب تقليص عدد المناصب الوزارية، فهل صحيح ما ذكره التقرير من أن الشارع الفلسطيني يحلم بكثير من الإصلاحات ولكنه لا يتوقع منها إلا القليل، نتوجه بالسؤال إلى السيد راجي الصوراني (مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة).

أستاذ راجي صوراني، هل صحيح أن أمل الفلسطينيين ضعيف في حدوث إصلاحات جذرية؟

راجي صوراني: يجب على الفلسطيني ألا يفقد الأمل بأي شكل، بأي مستوى، فالأمل هو ما يملكه الفلسطيني وهو ما يناضل من أجله وأنا بقناعتي أن الشعب الفلسطيني لديه من الإصرار والعزيمة للاستمرار في نضاله من أجل إجراء كافة الإصلاحات الديمقراطية الواجبة والمقتضاة في ظل هذه الظروف الحرجة وذات الخصوصية.

مالك التريكي: ما هي المطالب الأساسية للمجتمع المدني لأن هنالك نوعاً من الاعتقاد بأن المجتمع المدني الفلسطيني كأنه لم يناضل طيلة هذه الأعوام من أجل الحريات العامة وحقوق الإنسان، ما هي المطالب الأساسية؟

راجي الصوراني: أنا تقديري المجتمع المدني الفلسطيني ومنظمات حقوق الإنسان وحتى القوى السياسية الفلسطينية منذ بداية الوصول للسلطة كان صوتها واضح محدد وصريح في موضوع الديمقراطية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان وهذه المطالب عيدت مراراً وتكراراً وكأن الحديث عنها بالأشهر الأخيرة ابتداع أو صناعة للعجل من جديد هذه المطالب –كما ذكرت- يعني معروفة محددة في إطار ضرورة تعزيز واحترام استقلال القضاء المدني الفلسطيني وتعزيز هيبته، تعزيز الفصل بين السلطات، أن يكون المجلس التشريعي الفلسطيني يُعاد انتخابه وبصورة سريعة لا يوجد مجلس، ما المعقول أو المقبول أن يستمر هذه الفترة الطويلة التي تجاوزت المرحلة الانتقالية، أيضاً نحن نتحدث عن ضرورة محاسبة وملاحقة السلطة التنفيذية، شأنها شأن أي سلطة تنفيذية تصيب وتخطئ، الأجهزة الأمنية ما مارسته وتمارسه من الضروري أن يتم ضبطها وضبط صلاحياتها وأن تعمل في إطار القانون وتحت إمرة النائب العام بشكل صارم هذه أمور إلى جانب محكمة أمن الدولة الفلسطينية والتي تُشكل بتقديري أحد الآثام لدى الشعب الفلسطيني، استمرار وجودها، ولازلنا يُمارس علينا المحاكم العسكرية للاحتلال الإسرائيلي يومياً ومناضلين يُعرَّضوا لها، إذن هناك قائمة طويلة من هذه الإجراءات معروفة مُشخَّصة، التعامل معها بسيط وواضح ما يحتاجه هو القرار السياسي الصارم والواضح والإجراءات العملية.

مالك التريكي: في الخطاب الذي ألقاه الرئيس عرفات أمام المجلس التشريعي في منتصف الشهر الماضي قال: إنه يتحمل أخطاء الماضي يتحملها شخصياً، هذا فُسِّر على أنه نوع من محاولة إبقاء النظام على ما هو عليه، يعني عدم محاسبة أي شخص ممن ارتكبوا أخطاءً ألا تخشون أن تكون محاولات الإصلاح القادمة على نفس الوتيرة؟

راجي الصوراني: أنا بتقديري ليس ما قاله الرئيس عرفات فحسب، بل تصرف المجلس التشريعي بتقديري تجاوز كل تصور عقلاني ومعقول، المجلس التشريعي قام هو بوضع التصور للإصلاح وكان يفترض بالمجلس التشريعي الفلسطيني أن يمارس المحاسبة من لحظة خطاب الرئيس أمامه بمعنى أن يقوم بطرح الثقة في الحكومة إذا رأى بذلك طريق للإصلاح لا أن يمارس الأمر كمنتدى مثقفين بالطرد والتوصية بإجراء بعض التغييرات، ثم يتجه إلى نفسه، من غير المعقول والمقبول أن يستمر المجلس التشريعي في أداء مهامه بعد انتهاء صلاحية وموعد عمله منذ 4/5/1999، إذن نحن أمام دائرة مغلقة وهي دائرة غير حميدة، يجب كسر هذا الإطار والخروج من هذا الأمر بالتعامل معه بصورة جدية وجذرية يكون ببساطة بتشكيل قيادة وحدة وطنية فلسطينية وإجراء التعديل الوزاري المقتضى الذي يلبي آمال وطموحات شعبنا الفلسطيني، هناك بعض المسائل العالقة..

مالك التريكي[مقاطعاً]: ربما أستاذ صوراني آسف على المقاطعة ربما ما يفسر عدم قيام المجلس التشريعي بوظيفته في مراقبة ومحاسبة الحكومة أن جو الحريات العامة وحقوق الإنسان في البلد لا تشجع على ذلك، مثلاً عام 99 بعد أن تم توقيع عشرين شخصاً على بيان باسم أو بعنوان "الوطن ينادينا" تم.. تم التعرض والتهجم على بعض الأشخاص ومنهم نواب في المجلس التشريعي، حتى.. بالعنف وبإطلاق.. وبإطلاق النيران هل هذا يشجع على ممارسة الصلاحيات الرقابية والمحاسبة والمساءلة؟

راجي الصوراني: والله إذا كان النائب لا يستطيع أن يمثل صوت ناخبيه، موقف ناخبيه، أن يمثل ضمير الأمة ليس بجدير في الاستمرار في مكانه، كل السلطة التنفيذية تحاول فرض ما تراه مناسباً، تحاول فرض رؤيتها وممارستها، وهنا دور المجلس التشريعي أو البرلمان في أي دولة هو أن يتصدى وأن يقف أمام أي تجاوز وأن يحاسب ويساءل السلطة التنفيذية، من جهة أخرى من غير المعقول والمقبول أن يقوم مجلس تشريعي بسن قوانين ويجب المصادقة عليه خلال شهر وأن يسمح لنفسه أن تمر سنوات قبل أن يتم إقرارها، وأنا هنا أشير إلى قضيتين، أولاً: قضية استقلال القضاء والقانون المتعلق باستقلال القضاء نعم نحن طالبنا بالاستمرار وبجدية أن يتم التوقيع والتصديق على هذا القانون لكن عندما تتحدث عن قانون استقلال القضاء الآن عن أي قانون نحن نتحدث؟ القضاة غير قادرين على الوصول إلى محاكمهم وكلاء النيابة غير قادرين على الوصول إلى المحاكم، المحامين غير قادرين إلى الوصول إلى المحاكم، وأيضاً الموكلين، السجون التي ما مفترض أن يوجد بها جزاء.. جنائيين تقصف وتُضرب وتهدم، إذن عن أي قانون استقلال قضاء نحن نتحدث في هذه الحالة العبثية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي، القانون الأساسي يبدو أن الجميع قد نسى أن القانون الأساسي فلسفته ونصوصه موضوعة للفترة الانتقالية التي انتهت في 4/5/99، ونحن نتحدث الآن عن قانون أساسي لمرحلة ممتدة، هناك خلط واضح بالمفاهيم..

مالك التريكي: الأستاذ.. الأستاذ..

راجي الصوراني: لذلك يعني أي تعديلات شكلية من هنا أو هناك لا تجدي ولا تنفع ويجب إنه...

مالك التريكي: الأستاذ راجي الصوراني..

راجي الصوراني: ..بها إجراءات جذرية..

مالك التريكي: الأستاذ راجي الصوراني لقد أدركنا الوقت، أستاذ راجي الصوراني (مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان) من غزة شكراً جزيلاً لك.

كثرة الطباخين تفسد الطعام، فما بالكم إذا اندس بينهم من يريد دس السم في الدسم؟ وكثرة المصلحين تفسد قضية الإصلاح، فما بالكم إذا تزعم القضية مصلح اسمه أرييل شارون؟ إذن كيف السبيل إلى تجاوز عقدة الأصيل والدخيل أي إلى إجراء الإصلاحات اللازمة التي هي من حق الشعب الفلسطيني وفي صالحه من دون الوقوع في شبهة خدمة أغراض الأطراف الأجنبية؟

[فاصل إعلاني]

الإصلاحات وتأثير الأطراف الأجنبية عليها

مالك التريكي: قبل أيام كتب معلق شهير في صحيفة "نيويورك تايمز" أن (أرييل شارون) هو الشخص الوحيد الذي يمكن أن يمنح الفلسطينيين نظاماً ديمقراطياً قائماً على أساس حكم القانون ويبدو أن هذا الاعتقاد يوجه تفكير جناح متنفذ في الإدارة الأميركية، هذا الجناح الذي يؤيد إقامة نظام وصاية إسرائيلية –أميركية مشتركة على المناطق الفلسطينية مع تغليف هذا النظام بغلاف أخلاقي يسمى إقامة الديمقراطية وإقامة الحكم الصالح، تماماً مثل ما فعل الاستعماريون البريطانيون عندما رفعوا شعار: تحمل عبء الرجل الأبيض والاستعماريون الفرنسيون عندما رفعوا شعار: الاضطلاع بالمهمة التمدينية فبعد أن نجح ما يسمى المجتمع الدولي في جعل أمن إسرائيل هو محور عملية السلام، هل نجح أيضاً في اختزال كل عملية السلام في مجرد إجراء إصلاحات داخل أجهزة السلطة الفلسطينية دون حتى ضمان قيام دولة مستقلة ذات سيادة؟ نتوجه بالسؤال إلى الدكتور علي الجرباوي (أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت).

د. علي الجرباوي: إذا كان الحديث عن شارون فشارون يعني آخر من يتحدث عن الديمقراطية الفلسطينية، نحن لا نريد من شارون أن يفرض وصاية على الشعب الفلسطيني من أجل أن يعني يجعلنا ديمقراطيين نحن نريد فقط أن.. يعني نستحصل ونجبر شارون على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والخروج من الأرض المحتلة عام 67، ونحن يعني أهل مكة أدرى بشعابها، نحن منذ الآن الحقيقة نحن هذا.. يعني اختصاصنا الداخلي هذه مسؤوليتنا الداخلية أن يعني نتحدث عن نظامنا السياسي وكيفية تركيبة نظامنا السياسي، أمَّا الحديث عن ديمقراطية تحت يعني فوهات البنادق والدبابات والطائرات والقصف والعدوان هذا آخر ما يمكن أن يتحدث به شارون يعني الحقيقة أنها أضحوكة أن يقال بأن شارون هو الذي من الممكن أن يجلب لنا الديمقراطية أو حتى الإدارة الأميركية، هذه كلها دعوات من الخارج تريد تطويع القرار السياسي الفلسطيني من أجل القبول بتسوية سياسية وفقاً للاشتراطات الإسرائيلية ليس إلا.

مالك التريكي: عندما يقول الرئيس الأميركي إن الرئيس الفلسطيني خذل شعبه، هل يمكن أن تفهموا تفسيراً لذلك إذا أخذنا بالاعتبار التأويل الأميركي والإسرائيلي باتفاقيات أوسلو، ألم تكن اتفاقية أوسلو قائمة على أساس إسناد دور الحراسة الأمنية للسلطة الفلسطينية -حراسة أمن إسرائيل- وبهذا المعنى أليست السلطة الفلسطينية مقصرة في القيام بهذا الدور، إسرائيلياً يعني؟

د. علي الجرباوي: يعني كان هذا المأمول إسرائيلياً وأميركياً من اتفاق.. يعني من ما تبع اتفاق أوسلو من السلطة الفلسطينية كان هناك يعني الحديث عن التنسيق الأمني والضرورات الأمنية الإسرائيلية، كل ذلك كان هو يعني يجب على الشعب الفلسطيني الذي يعيش على أرضه وعلى وطنه أن يثبت يعني حسن سلوكه لإسرائيل بأن يحافظ على أمنها من أجل أن تتعطف إسرائيل على هذا الشعب بأن تعطيه فتات حكم ذاتي في معازل وكان الله بالسر عليماً، هذا هو.. يعني هذه هي الرؤية الإسرائيلية وحتى الأميركية، هذه الرؤية لن تتم بطبيعة الحال، لأن يعني الوضع الفلسطيني هو وضع مختلف تماماً عن ذلك ويجب أن يكون مختلفاً، لذلك عندما يعني خاب أمل الإسرائيليين أولاً ومن ثم الإدارة الأميركية في أن تكون السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني كما تريد له أن يكون، بدأت تتحدث عن أن الرئيس الفلسطيني خيَّب الآمال وليس فقط يعني الرئيس الفلسطيني، وإنما أن الشعب الفلسطيني خيب الآمال أيضاً.

مالك التريكي: التهديد ربما إبعاد الرئيس عرفات يتكلم عن الإسرائيليون كثيراً والأميركيون في.. في بعض الأحيان يقال أنه تكتيك لمجرد انتزاع مزيد من التنازلات من الرئيس عرفات على أساس أنه ليس هنالك بديل عنه هل تعتقدون أن هذا منطقي؟

د. علي الجرباوي: أنا يعني أعتقد أن.. أن ذلك يتم من أجل ممارسة الضغوط صحيح وانتزاع يعني تنازلات من الرئيس الفلسطيني ولكن.. ولكن حتى لو على افتراض أن شارون وهو قادر على أن يقوم بذلك لأنه مجنون إذا قام بما يقوله وأبعد الرئيس الفلسطيني يعني ماذا سينتج بعد ذلك، بعد يوم من ذلك، بعد عام من ذلك؟ في الضفة الغربية وقطاع غزة ماينوف عن ثلاثة ملايين فلسطيني وداخل فلسطين 48 ماينوف عن مليون فلسطيني، ماذا يستطيع شارون وكل إسرائيل أن تفعل بهذا الشعب؟ لا يمكن أن يتم التوصل إلى أمن وسلام إلا عندما يتحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه على أدنى مربوط حقوقه الوطنية الشرعية، لذلك كل هذا الحديث هو لإيهام العالم بأن المشكلة تكمن في الجانب الفلسطيني في الرئيس الفلسطيني تارة، في الشعب الفلسطيني تارة أخرى فيما يسمونه بالإرهاب وهو مقاومة، كل ذلك لإيهام العالم بأن المشكلة لا تكمن في الجانب الإسرائيلي وإنما في الجانب الفلسطيني فقط مع أنها هي بالواقع..

مالك التريكي[مقاطعاً]: لكن.. دكتور..

د. علي الجرباوي[مستأنفاً]: في الجانب الإسرائيلي الذي يحتل أرض ويستمر في...

مالك التريكي: دكتور جرباوي، لكن ألم تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير فرصة ذهبية للأميركان والإسرائيليين لكي يقولوا هذا الكلام، خاصة في مسألة الإصلاح السياسي والمالي؟

د. علي الجرباوي: آه طبعاً، يعني يجب عدم إنكار أن هناك أخطاء فلسطينية وهي أخطاء فادحة، أخطاء على الصعيد الداخلي، يعني هناك ضرورة وكانت هناك مطالبة دائمة داخلية فلسطينية، بأن يتم إصلاح الوضع الفلسطيني قبل أن يستفحل فيه الخطأ والفساد وكل الأمور السلبية، باعتقادي أنه لو كان الأنموذج الفلسطيني الذي استطعنا أن نبنيه خلال السنوات الماضية هو أنموذج ممتاز لرضينا عنه أنفسنا ولأقنعنا العالم به، إذا نحن لم نكن مقتنعين أنفسنا بجدية هذا النظام السياسي الذي أقمناه فكيف نستطيع أن نقنع العالم فيه؟ هناك ضرورة ملحة لإجراء إصلاح جدي وأرجو أن يتم ذلك للآن، يعني لا أرى خطوات جدية، يرى المواطن الفلسطيني على أرض الواقع جدواها في أمر الإصلاح والإصلاح هو ليس فقط إصلاح سياسي، وإنما إصلاح على صعد مختلفة.. فهذا يجب أن يتم.

مالك التريكي: دكتور علي الجرباوي.. دكتور علي الجرباوي (أستاذ العلوم السياسي بجامعة بيرزيت) شكراً جزيلاً لك. وبهذا سيادتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.