مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

إلنور شفيق: رئيس تحرير صحيفة تركش ديلي نيوز – أنقرة
د. محمد نور الدين: خبير الشؤون التركية – بيروت

تاريخ الحلقة:

31/10/2002

- جوانب أزمة المرجعية التركية في ظل الانتخابات المقبلة
- انعكاسات حظر أردوغان على تركيا في ظل سعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

- احتمالات ترجيح تركيا الخيار الأميركي على الخيار الأوروبي

مالك التريكي: بعد منع المحكمة العليا أكثر السياسيين الأتراك شعبية من ترشيح نفسه للبرلمان، الانتخابات التشريعية تعيد طرح أزمة الهوية والمرجعية في تركيا.

أهلاً بكم. لا يزال الغرب الأوروبي يرفض تركيا بينما لا تزال تركيا ترفض الشرق الإسلامي، ترفضه باسم التقدم والعلمانية، وكان يفترض أن تثمر العلمانية ممارسة ديمقراطية وتعددية سياسية وثقافية، وهي قيم تستدعي بالضرورة الاعتراف بالحريات السياسية والمدنية والدينية إلا أن تعاليم (أتاتورك) التي ربما كانت ملائمة لظروف تركيا في عشرينيات القرن الماضي لم تعد تفي بالغرض بعد تبدل الأحوال، ومع ذلك فإن تجدد الأجيال لم يحل دون إخلاد الأتاتوركيين إلى قناعات متحجرة لا تمت بصلة إلى نبض الأمة التركية.

الفهم المتحجر لتراث أتاتورك والأزمات الاقتصادية المتتالية التي بلغت ذروتها في الانهيار الاقتصادي والنقدي الأخير في عهد رئيس الوزراء (بولانت أجاويد) وانعدام ثقة المواطنين في الدولة وإبطاء الإصلاحات السياسية والاقتصادية أو عرقلتها هي بعض من الأسباب التي حدت بالاتحاد الأوروبي إلى تأجيل النظر في تحديد موعد للتفاوض بشأن دخول تركيا في عضوية الاتحاد، هذا رغم أن الاتحاد الأوروبي قد وافق على التوسع جنوباً وشرقاً لضم دول مثل بلغاريا ورومانيا لا تضاهي تركيا بأي حال من الأحوال في أي من مجالات الأداء الاقتصادي والسياسي، وترتبط الأزمة الأخيرة مثل كل مرة بأزمة الهوية والمرجعية التي يعسر حلها دون مصالحة تاريخية مع الذات، حيث أن تركيا قد فقدت كبرياءها بعد أن سلكت –على حد قول وزير خارجيتها السابق- تجاه الاتحاد الأوروبي مسلكاً لا يجلب الاحترام ولا التقدير، وقد تكون الانتخابات البرلمانية الأحد المقبل مناسبة لإطلاق مسار تركي جديد، لا يلغي علمانية أتاتورك، ولكنه يتجاوزها من حيث تأصيل قيم الحداثة والليبرالية.

مراسلنا يوسف الشريف يرصد من أنقرة بعض جوانب الأزمة التركية.

جوانب أزمة المرجعية التركية في ظل الانتخابات المقبلة

تقرير/يوسف الشريف: يحتفل الأتراك في التاسع والعشرين من أكتوبر /تشرين أول من كل عام بقيام جمهوريتهم العلمانية الحديثة من خلال عروض عسكرية تؤكد عزم وتصميم العسكر على ما يعتبرونه مسوؤليتهم المباشرة في الحفاظ على النظام الذي أقامه مصطفى كمال أتاتورك قبل 79 عاماً، ومحاربة كل من تخوِّل له نفسه العبث بميراث أتاتورك الأيديولوجي أو السياسي، كما يجدد ويؤكد الأتراك ولاءهم وانصياعهم لمبادئ أتاتورك حتى الآن في كل حين من خلال زيارة قبره في عيد الاستقلال، وكذلك أيضاً خلال أداء اليمين في البرلمان مع بداية كل دورة برلمانية جديدة.

برلماني تركي: أقسم بشرفي أن أعمل من أجل رفاهية الوطن والشعب وأن أبقى ملتزماً بتعاليم ومبادئ أتاتورك وقوانين الجمهورية الديمقراطية العلمانية.

يوسف الشريف: هنا يضع كل نائب جديد الخطوط الحمراء للسياسة التي سيسمح له بممارستها، وكل خروج عن هذه المبادئ والسياسة يدخل في إطار تهديد الأمن القومي ويحفز المؤسسات العلمانية من عسكر وقضاة على التدخل، وفي هذا الإطار كان ولا يزال الإسلاميون بالإضافة إلى الأكراد هدف هذا التدخل بسبب عدم انسجام سياساتهم مع ما هو موضوع من أيديولوجية رسمية.

نجم الدين أربكان رمز الإسلام السياسي خير مثال على ما يحدث من سجال بين المؤسسة العلمانية الحاكمة والإسلاميين، إذ دفعت تلك المؤسسة إلى إسقاط حكومته عام 97 فيما أحيل حزبه حزب الرفاه إلى المحكمة الدستورية العليا برئاسة (يكطا جونجور أوزدان) في ذلك الوقت للنظر في دعوى حله، مما طرح تساؤلات حول مفهوم الديمقراطية المتبع في تركيا وإذا ما كان الحكم للأغلبية العددية السياسية أم للثوابت الأيديولوجية.

يكطا جونجور أوزدان (الرئيس السابق للمحكمة الدستورية العليا): أنا كنت من بين من نظروا في تلك الدعوى، حزب الرفاة والفضيلة الذي تلاه يكذبون ويقولون عكس ما يخفون في أنفسهم، لا يمكن أن تقدم تنازلات في موضوع العلمانية، فبدون العلمانية كيف يمكنك أن تعيش مع من لا يشاركونك عقيدتك؟ ولذلك فالعلمانية هي أساس الديمقراطية، فالعلمانية التي وضع أسسها أتاتورك هي التي أنقذت تركيا مما كانت فيه من انحدار وتخلف.

يوسف الشريف: لكن الإسلاميين يعيشون مشكلة كبيرة، هل يقدمون تعاليم السماء على تعاليم الدولة العلمانية، أم العكس كما حدث مع الطالبات المحجبات سابقاً.

يكطا جونجور أوزدان: تقدم وتطيع قوانين الدولة داخل مؤسسات الدولة، لا أحد يتدخل في مظهرها في حياتها العادية.

يوسف الشريف: وبناء على هذا المنطق تستعر المواجهة بين العلمانيين والإسلاميين ويزيدها اشتعالاً التطبيق الفريد من نوعه للعلمانية في تركيا، والذي يختلف عن ما هو مطبق في الغرب، وكذلك أخطاء بعض الإسلاميين الذين كانوا يتهمون علناً كل من لا يصوت لهم بالخروج عن الإسلام، ويعلنون رفضهم للنظام العلماني فيما بينهم في تصميم وحتى وقت قريب عن المواجهة والرد بالمثل، حين زجوا بالنائبة المحجبة مروة قاوكجي إلى البرلمان مشيرين إلى أنهم أيضاً يستطيعون استغلال ثغرات القانون تماماً كما يفعل العلمانيون عندما يلجأون إلى حل الأحزاب الإسلامية.

وبعد سجال طويل وُلد من رحم الأحزاب الإسلامية حزب جديد هو حزب العدالة والتنمية بزعامة (رجب طيب أردوغان) الذي أعلن تغيير سياساته ليطل علينا بحزب ديمقراطي محافظ يدفع بتيار الإسلام السياسي من خلال إصلاحات جذرية إلى مركز اليمين الوسطي في تركيا.

رجب طيب أردوغان (زعيم حزب العدالة والتنمية): نحن لا نسعى لإنشاء دولة على أساس ديني، ليس ذلك هدفنا، ولكن وفي ذات الوقت نريد أن توفر الدولة الحرية للعبادة لجميع المتدينين، أن يعيش المسلم إسلامه والمسيحي واليهودي وحتى الملحد بحرية، وأن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، هذا ما نفهمه من العلمانية، ولذلك ليس هناك مشكلة بيننا وبين العلمانية، إنما المشكلة فيمن يحرفون معنى العلمانية ويطبقونه حسب أهوائهم.

يوسف الشريف: إلا أنه ورغم هذا التجديد في الطرح فإن حزب العدالة والتنمية الذي يبدو أقوى المرشحين للفوز بالانتخابات القادمة لم ينجو هو الآخر من مضايقات المؤسسة العلمانية التي لا تزال تشك في مصداقية هذا الطرح، وما إذا كان غطاءً لدخول الإسلاميين إلى البرلمان بشكل أقوى.

فهمي كورو (مفكر وصحافي): في السابق أخطأ الإسلاميون لكن حزب العدالة والتنمية حزب مختلف وجديد وشعبية الحزب الكبيرة هي ما تجعله يشكل خطراً على النظام حسب رأي البعض، لأن بإمكانه أن يغير الدستور ومفهوم النظام العلماني.

يكطا جونجور أوزدان: الديمقراطية لا تعني الانصياع لقرار الأغلبية وليست المسألة بالأرقام، فلو صوتت الأغلبية ضد المساواة بين الرجل والمرأة هل تكون هذه ديمقراطية؟

يوسف الشريف: ويبدو أن الاتحاد الأوروبي وإصلاحاته التي تحرص أنقرة على تطبيقها –ولو متثاقلة- سيكون المتنفس الذي قد يفسح المجال أمام إعطاء التوجه الإسلامي المحافظ الجديد –إن صح التعبير- فرصة للوصول إلى السلطة وتحقيق سابقة ربما في تركيا من خلال البقاء فيها دون مضايقات، هذا بالطبع إن استطاعت تركيا اللحاق بالقطار الأوروبي قبل فوات الأوان.

انعكاسات حظر أردوغان على تركيا
في ظل سعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

مالك التريكي: الإصلاحات السياسية التي يشترطها الاتحاد الأوروبي، والتي تحرص أنقرة على الظهور بمظهر من يطبقها عن اقتناع قد تفتح إذاً المنفذ الوحيد الذي قد يمكن التوجه الإسلامي الجديد من الوصول إلى السلطة، هذه هي المفارقة، أن يكون الاتحاد الأوروبي الذي لا يؤيد الحركات الإسلامية هو الذي يلزم تركيا بعدم تعريض التوجه الإسلامي الجديد ممثلاً في حزب العدالة والتنمية لنفس مصير الأحزاب الإسلامية السابقة التي حُظرت جميعها وبعدم حرمانه من المشاركة في الانتخابات ومن تشكيل الحكومة إذا فاز بالأكثرية.

معنا لبحث القضية السيد إلنور شفيق (رئيس تحرير صحيفة تركش ديلي نيوز) سيد إلنور شفيق، منذ عام 71 حظرت أربعة أحزاب توصف بأنها إسلامية في تركيا، الحكومة الآن تحاول حظر حزب العدالة والتنمية الذي يوصف بأنه إسلامي، أليس من المفارقات أن حزب العدالة والتنمية مدين الآن للاتحاد الأوروبي بالفضل في وجوده ومشاركته في الانتخابات وربما حتى الفوز بها رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يؤيد الحركات الإسلامية؟

إلنور شفيق: أولاً: إن حزب العدالة والتنمية في تركيا ليس حزباً إسلامياً، نعم إن له جذور له في الحركات الإسلامية، ولكنه حزب جديد يحاول أن يجسر الهوة بين ما هو حركة إسلامية في تركيا وما هو حركة وطنية أخلاقية، ويخلطها مع تركيا المعاصرة وتركيا العلمانية، إذاً هو يقوم مقام جسر بين هذه المواقف المختلفة، وهو ليس حزباً إسلامياً، بل حزب مصالحة للأمة التركية، الاتحاد الأوروبي بالطبع يرى أن هذا الحزب سوف يكون حزباً معاصراً وتقدمياً، وإنني لا أعتقد أنهم سوف يدفعون تركيا خارج الاتحاد الأوروبي بسبب مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، بل على النقيض من ذلك فإن هذا الحزب ربما سيكون الضمانة التي سوف تجعل من تركيا بلداً يقوم على أسس أخلاقية، وفي حالة تصالح مع الحداثة والمفاهيم المعاصرة، وما هو سائد في العالم الإسلامي، وما هو معاصر في العالم الإسلامي أيضاً.

مالك التريكي: فعلاً حزب العدالة والتنمية أعلن التزامه بمحاولة الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن زعيمه الذي هو أكثر السياسيين الأتراك شعبية حرم من حق المشاركة في الانتخابات، وهذا أمر غريب جداً يشبه مثلاً حرمان (يوشكا فيشر) الذي هو أكثر السياسيين شعبية في ألمانيا من المشاركة في الانتخابات، هل كان القرار قضائياً بحتاً، أم كان قراراً فيه اعتبارات السياسية؟

إلنور شفيق: من حيث الأساس يبدو أنه قرار قضائي، ولكن بالطبع خلفية الموضوع تبدو وكأن هناك مضامين سياسية، أعتقد الناس يريدون (الطيب أردوغان)، وأنه لمؤسف حقاً إنه في الوقت الذي الناس يعطون أصواتهم له ليس لحزبه العدالة والتنمية، بل لشخصه أيضاً، هذا الشخص لن يكون في البرلمان بعد الانتخابات، سيكون هو بمثابة زعيم روحي لحزب العدالة والتنمية، ويكون الرجل القوي فيه، ولكنه لن يسمح له بأن يكون عضواً للحزب.. عضواً في الحزب، حتى عضويته في الحزب باتت محل مساءلة قضائية، نعم للأسف هذا وضع صعب جداً، وله تطبيقات سياسية، وللأسف أيضاً له جذور سياسية أيضاً كموقف وهو نتيجة لقرار قضائي، ولكنه للأسف من حيث الأساس له مضامين سياسية، وأعتقد أن تركيا تريد مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم أو أن يكون له عدد من.. كبير من المقاعد، ولكن لو أرادت ذلك على تركيا أن تجري إصلاحات ترفع هذا الحظر عنه.

مالك التريكي: عندما تقول إن هذا القرار ذو مضامين سياسية، هل تقصد أن الجيش قد تدخل في هذا القرار؟

إلنور شفيق: الجيش دائماً لم يبدِ أي حماس، دعنا نقول هكذا حول الطيب أردوغان، ويشعرون أنه له جذور إسلامية، ويشكون إنه لم يتخلَ عن أفكاره الإسلامية، وهم ينظرون إلى تركيبة أو تشكيلة مرشحي حزب العدالة والتنمية ويرون في هذه التشكيلة إن معظم هؤلاء المرشحين لهم جذور إسلامية، ولا يمثلون ناس معاصرين علمانيين، ولكن لهم جذور في أحزاب منعت وحظرت في السابق إذاً لدى المؤسسة العسكرية شكوك حقيقية تجاه أردوغان، وربما يسمحون للحزب لحزب العدالة والتنمية أن يدخل الانتخابات ليروا كيف يكون أداءه على المسرح السياسي، ولو أنه فاز بأغلبية الأسبوع القادم أو أصبح عضواً في ائتلاف حاكم، ولكنهم سيراقبونه عن كثب فهم ما زالوا يكنون الكثير من الشكوك ليس حول أردوغان بل الحزب نفسه.

مالك التريكي: لن تكون هذه الانتخابات طبعاً محكاً لمدى احتمال قيام حكومة ذات لون إسلامي أو محافظ -مثلما تقولون- بل ستكون أيضاً محكاً لمدى ثبات تركيا الرسمية على الإصلاحات الاقتصادية التي فرضها صندوق النقد الدولي شرطاً للقروض التي تبلغ 16 مليار دولار، هل تعتبرون أن الإصلاحات ستستمر بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات مثلما يقول وزير المالية السابق أو وزير الاقتصاد السابق كمال درويش؟

إلنور شفيق: ستكون هناك إصلاحات في تركيا بغض النظر عن ما يقوله السيد درويش أو أي أحد آخر، والسبب إن الأحزاب الجديدة التي سوف تنضم إلى هذا البرلمان حزب العدالة والتنمية والحزب الجمهوري وأحزاب أخرى ستكون أحزاباً جديدة جاء بها الناس بسبب التصويت لهم ومن أجل إصلاح النظام وتغيير تركيا بشكل جوهري، ولكن الناس لن يتغيرون في تركيا، وأنا أضمن لكم إن في الأسبوع القادم ربما سوف نكون من على شاشة (الجزيرة) نتحدث كيف أن القادة القدماء والأحزاب القدماء قد محو من الخريطة السياسية، والناس يقولون نحن لا نريد الماضي، بل نريد بداية جديدة، والبداية الجديدة تعني إصلاحات جوهرية...

مالك التريكي [مقاطعاً]: هل لهذا.. سيد إلنور شفيق.. سيد إلنور شفيق، هل لهذا علاقة.. هل لهذا علاقة بفساد الطبقة السياسية، الطبقة السياسية التركية أبانت عن فساد كبير وافتقار للكفاءة، فربع المرشحين هذه المرة إما لهم سوابق عدلية أو أنهم يواجهون تهماً جنائية؟

إلنور شفيق: بالطبع.. بالطبع لهذا علاقة بما قلنا، الأتراك سوف يصوتون يوم الأحد من أجل مسح وإزالة الفساد في تركيا، لأن معظم الذين سوف يأتون إلى البرلمان ستكون لهم سوابق سيئة في الفساد، وأنا آمل إن الأحزاب الجديدة ستعدنا أيضاً بأنهم سوف يطلبون بمساءلة كل الذين تورطوا في الفساد وتتم محاسبتهم ومساءلتهم عما اقترفته أيديهم، ونحن نأمل أيضاً أن الحرب ضد الفساد ستبدأ حقيقة وبشكل جيد وحازم بعد الانتخابات.

مالك التريكي: السيد إلنور شفيق (رئيس تحرير صحيفة تركش ديلي نيوز من أنقرة) لك جزيل الشكر.

تنظر الولايات المتحدة بعين الرضا للدور القوي للجيش في تركيا، حيث أنها مضت إلى حد مناشدة الاتحاد الأوروبي التعجيل بقبول تركيا في عضويته، ووصفت هذا القبول بأنه يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة.

بعد الفاصل: نظرة في مدى احتمال ترجيح تركيا في نهاية الأمر الخيار الأميركي على الخيار الأوروبي.

[فاصل إعلاني]

احتمالات ترجيح تركيا الخيار الأميركي على الخيار الأوروبي

مالك التريكي: يرى بعض المحللين أن كلاً من المؤسسة العسكرية التي لديها لعبة جيوسياسية خاصة بها والأوساط القومية التركية مبتهجة بالرفض الأوروبي لمجرد النظر في تحديد موعد لبدء المفاوضات حول قبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي، ويعلل هؤلاء المحللون رأيهم بأن الأوساط القومية والمؤسسة العسكرية التركية ترى في العلاقة المتميزة مع واشنطن حلاً بديلاً عن العلاقة مع أوروبا، لأنه حل أقل خطراً على المصالح السياسية والمادية لهذه الأوساط.

معنا لبحث القضية الدكتور محمد نور الدين (خبير الشؤون التركية ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في بيروت). دكتور محمد نور الدين، ما مدى صحة هذا التحليل القائل بأن الأوساط القومية والعسكرية ليست مستاءة من رفض الاتحاد الأوروبي النظر في ترشيح تركيا لعضويته؟

د.محمد نور الدين: تركيا ليست بين خيارين خيار أوروبي وخيار أميركي، الواقع الجيو استراتيجي لتركيا جغرافياً وسياسياً ودولياً يفرض عليها أن تكون جزءاً من المنظومة الأوروبية من جهة والنظام الأميركي في العالم من جهة ثانية، خيارات تركيا متعددة الأبعاد اقتصادية وسياسية وأمنية عسكرية، أوروبا لا تملك بنية أمنية عسكرية وسياسة خارجية متكاملة في حين تملك بنية اقتصادية واضحة المعالم، تركيا لا تستطيع أن تكون إلا مع هذه البنية الاقتصادية الأوروبية من جهة وفي المقابل لا تستطيع أن تكون أمنياً وعسكرياً في محيطها الإقليمي وفي العالم إلا مع واشنطن، لذلك الخياران الأوروبي والأميركي هما بالنسبة لتركيا خيار واحد ذو بعدين ومتكاملان ولا.. متكاملين وليسا متناقضين.

مالك التريكي: من المفترض أن يكون الاتحاد الأوروبي والمؤسسة العسكرية التركية في نفس الخندق أيديولوجياً، فكلاهما يريدان لتركيا أن تكون تقدمية، أن تكون مندمجة في الحضارة الغربية، ويتوجسان خيفة من الإسلام السياسي، لكن أليس مدار الخلاف بالضبط هو أن الاتحاد الأوروبي ربما يوافق على كثير من مواقف المؤسسة العسكرية، ولكنه يعارض تدخل الجيش في تنفيذ هذه المواقف والسياسات؟

د.محمد نور الدين: يعني طبعاً للاتحاد الأوروبي سياسة واضحة تجاه مسألة انضمام تركيا إليه، ودائماً كانت أنقرة منذ إعلان أنقرة عام 1963 تطلق نعوتاً شتى على المواقف الأوروبية وتتهمها بأنها تخلق كل فترة مطلباً جديداً وشرطاً جديداً لم يكن يوجد من قبل، أعتقد تاريخ 11/كانون الأول 1999 كان تاريخياً بالنسبة لتركيا حين قبلت كعضو مرشح للاتحاد الأوروبي، وفي المقابل كانت وثيقة شراكة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي قدمها هذا الاتحاد قبل سنتين إلى تركيا أول وثيقة أوروبية مكتوبة تقدم إلى أنقرة، وبموجب هذه الوثيقة رُميت الكرة بصورة كاملة في ملعب أنقرة، وحُددت.. حُدد ما هو مطلوب منها لكي تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي، هنا نجد أن الممانعة الحقيقية لم تكن من جانب أوروبا في هذه المرحلة، بل هي من جانب القوى التي قد تتأذى من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وفي مقدمها المؤسسة العسكرية التي لم يحن بعد دورها بشكل كامل كعامل صدامي وتفجيري لملف العلاقة التركية الأوروبية، أمام تركيا مرحلة طويلة من تفجير أو من تذليل العقبات للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وأعتقد الملف الأكثر صعوبة لن يكون اقتصادياً أو حتى العامل الإسلامي مع الخطاب الجديد لأردوغان، من سيكون مع دور المؤسسة العسكرية في السياسة، وهو الدور الذي تتذرَّع به منذ ثمانين عاماً منذ عام 23 لكي تبقى في السلطة مع كل امتيازاتها وسياساتها التي أوصلت تركيا إلى أن لا تدخل فعلاً في نظام حداثة فعلي، وتكون ديمقراطيتها.. ديمقراطيتها دائماً مشوهة وعرجاء وكسيحة.

مالك التريكي: يعني مآخذ الاتحاد الأوروبي رغم أنها تشمل انتهاكات حقوق الإنسان واستمرار التعذيب والتقييد على القيود الكثيرة على حرية التعبير، حيث مثلاً هنالك حوالي مائة صحفي يواجهون قضايا جنائية مرفوعة.. مرفوعة ضدهم، ليس هذا فقط، حتى لو تم تذليل هذه العقبات تعتبرون أنه طالما أن للجيش دوراً في السياسة فإن الاتحاد الأوروبي ينتظر حتى.. حتى يحدث في تركيا ما حدث في البرتغال وفي أسبانيا واليونان قبل ذلك.

د.محمد نور الدين: يعني لأقل أنا الملف الأوروبي التركي هو يعني له وجهان، أولاً: أنا تحدثت عن الوجه الذي يختص بالأتراك وهو الوجه الأكثر تعقيداً في هذا الملف، وهو ينتظر المزيد من الخطوات تطبيق معايير كوبنهاجن، ولا شك أن الأتراك في تعديلات شهر أغسطس الماضي الدستورية في الاعتراف لأول مرة في تاريخهم بوجود أقلية غير تركية اسمها أقلية كردية، قد خطوا خطوات واسعة إلى الأمام، لكن هذا مجرد خطوة مهمة لا شك، لكنها مجرد خطوة إلى الأمام تنتظر خطوات كثيرة، بالمقابل الاتحاد الأوروبي يعرف جيداً أن تركيا يمكن أن تمضي قدماً في تنظيف وتبييض سجلها في حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات، لكن أيضاً الاتحاد الأوروبي حتى الآن لم يحسم بتقديري يعني المشكلات الاقتصادية والاجتماعية يمكن تذليلها مع تركيا كما حدث مع البرتغال وأسبانيا من قبل، وكما يحدث الآن مع رومانيا وبلغاريا، لكن الاتحاد الأوروبي –بتقديري حتى الآن- لم يحسم بعد أمراً أساسياً، وهو هل يريد أن تكون حدوده الشرقية محازية لمناطق فيها حساسيات وتوترات كثيرة في الشرق الأوسط، مع سوريا، مع العراق، مع إيران، مع آسيا الوسطى، مع القوقاز، أعتقد الاتحاد الأوروبي لم يحسم بعد خياراته في هذه المسألة، وهذا مما يؤخر حتى الآن البدء بمفردات العضوية، ومن ثم ضم تركيا بصورة كاملة إلى هذا الاتحاد.

مالك التريكي: ذكرت المسألة الكردية، طبعاً في الصيف الماضي البرلمان قام بكثير من الإصلاحات منها الاعتراف باللغة الكردية في التعليم وفي البث الإذاعي والتلفزيوني، ولكن من مظاهر حساسية المسألة أن البرلمان الكردستاني في شمال العراق قد أثار ضجة كبيرة في تركيا إلى حد أن تركيا هددت بالتدخل العسكري، هل تعتبرون أنه لو حصلت ضربة للعراق وشعر الجيش التركي أن هنالك خطراً من قيام حكم ذاتي كردستاني في شمال العراق ربما يتدخل؟

د.محمد نور الدين: يعني لأقل.. لأذكر أولاً أن الوضع الحالي (Statequo) الحالي في العراق هو لمصلحة تركيا من كل النواحي، تركيا لا تريد عراقاً مقسماً، لكنها لا تريده قوياً بل ضعيفاً، وهو ما هو حاصل الآن، تركيا لا تريد دولة كردية رغم أنها موجودة على أرض الواقع إلا أنها قادرة حتى الآن بقواتها الموجودة في شمال العراق على ضبط أي حركة انفصالية أو استقلالية لأكراد العراق عن بغداد، ثم تركيا المستفيد الأكبر حتى الآن من خرق الحظر الاقتصادي على العراق، ولها علاقات الآن تجارية مهمة جداً مع بغداد، لذلك كيفما نظرنا تركيا مستفيدة من الوضع الحالي، لذا هي تعارض بشدة أي ضربة عسكرية إلى العراق، لكن الخطوط الحمر التركية هي في إعلان الأكراد لدولتهم المستقلة، وأعتقد في حال إعلان هذه الدولة والمسؤولون الأتراك كلهم أعلنوها بصورة شبة علنية وواضحة أن إعلان الدولة الكردية المستقلة هو سيكون سبباً للحرب، وأعتقد –بتقديري- إذا أُعلن ذلك تركيا لن تقف متفرجة بل ستتدخل مباشرة لمنع قيام هذه الدولة، لكن ما لم تعلن هذه الدولة أعتقد أن الأتراك راضون كثيراً بالواقع الحالي في العراق وبالعلاقات العراقية التركية.

مالك التريكي: الدكتور محمد نور الدين (خبير الشؤون التركية ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في بيروت) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.