مقدم الحلقة: مالك التريكي
تاريخ الحلقة: 28/04/2002

- شارون وما بعد المرحلة الأولى من خطته
- الواقع الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني في ظل الحصار الإسرائيلي

مالك التريكي

مالك التريكي: انتهاء المرحلة الأولى من الحرب الشارونية بالعقم أو بالغرم العسكري الظاهري، أي بما يبدو من اجتثاث القلب السياسي من عمق المجتمع الفلسطيني، وانتهاؤها أيضاً بالغرم والجرم الإنساني الجوهري، أي بإيلاف إسرائيل عادات المحرقة وسماجة الشر، تساؤلات حول معالم المراحل الشارونية القادمة بعد مرحلة سياسة الأرض المحروقة.

شارون وما بعد المرحلة الأولى من خطته

أهلاً بكم، قبل أيام أعلن شارون انتهاء المرحلة الأولى من حملته العسكرية بعد أن استكملت على حد قوله إنجازاتها من تدمير محسوب وشامل لكل مقومات الحياة الفلسطينية في أبسط بسائطها بدءاً بنهب الأموال وإتلاف الممتلكات الخاصة بلوغاً إلى نسف المؤسسات وسرقة الوثائق والسجلات العامة مروراً بالعقاب الجماعي الذي أُريد له إسرائيلياً أن يصل ما بين صبرا وشاتيلا وبين جنين وصلاً ميليشياوياً اتبع فيه الجيش الإسرائيلي مبدأ الإجرام الذي اتبعه الجيش النازي ضد البولنديين، أي كل ضحية من النازيين بمئة ضحية من الآخرين، وبهذا طبق شارون الشعار الذي كان قد رفعه الأميركيون قبل حرب الخليج عندما أنذروا العراق بقصف يرجعه إلى العصر الحجري، إذ لم يكتف شارون هذه المرة بالسعي إلى القضاء على الوجود السياسي الفلسطيني بمثل ما حاول قبل عشرين سنة في بيروت، أي أنه لم يكتف بقصف الضفة الغربية قصفاً أعاد عقارب الزمن السياسي إلى ما قبل قيام السلطة الفلسطينية وحتى ما قبل الانتفاضة الأولى، بل إنه اتبع سياسة الأرض المحروقة، أي أنه أمعن إفساداً في الأرض وإجراماً في الحرب إلى حد إرجاع الشعب الفلسطيني -فعلياً لا مجازاً- إلى العصر الحجري بمحاولة إفناء أبنائه في زلزال بشري.

لقد كشف برنامج (قضايا الساعة) قبل ثلاثة أسابيع أن خطة الحرب هذه التي يطبقها شارون الآن إنما تعود إلى أكثر من عام وشهرين ذلك أنه قد وضعها بعد أيام فقط من وصوله إلى السلطة.

فما هو الآن مصير الشعب الفلسطيني سياسياً ومدنياً بعد أن أسفرت المرحلة الأولى من خطة الحرب الشارونية عن إعادة بسط الهيمنة الأمنية الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية؟ وما هي ملامح المراحل التالية؟ هل ستتمثل في توسيع جغرافي لرقعة الاجتياح أم في تصعيد نوعي في أهداف العدوان، شيرين أبو عاقلة ترصد ملامح المراحل القادمة من هذا الزمن الشاروني.

تقرير/ شيرين أبو عاقلة: بعد نحو أربعة أسابيع من الاجتياح العسكري الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية وقراها وما تخللها من تدمير ممنهج وتخريب متعمد للمؤسسات المدنية والأمنية يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مصير غامض تماماً كما هو الشأن بالنسبة لمستقبل السلطة الفلسطينية.

د. غسان الخطيب (مدير مركز القدس للإعلام والاتصال): لأ، السلطة موجودة وتستطيع أن تعيد دورها في فترة قصيرة، يجب أن نتذكر أن السلطة فيها مكونان، مكون مادي: المباني، الأسلحة، الأدوات، الأجهزة، وفيها العنصر البشري، والعنصر البشري لازال قائم.

شيرين أبو عاقلة: في غضون أسابيع ستتمكن غالبية الوزارات من استئناف نشاطها ولو بحده الأدنى حسب تقديرات مسؤولين في القيادة، رُغم أن فترة طويلة تتطلب تعويض ما جرى تدميره، أما الأجهزة الأمنية التي مازالت تحاول التغلب على الضربة التي وجهت إليها فقد بدأت باستعادة نشاطها لسد الفراغ الأمني الذي تلى الحملة العسكرية الإسرائيلية، محافظة رام الله والبيرة على سبيل المثال أعلنت عن تشكيل لجنة طوارئ لإعادة إعمار الدمار وترميم البيت الداخلي الفلسطيني.

مصطفى عيسى (محافظ رام الله): أولاً الشعب يريد الأمن، ونحن الآن مهتمين بإعادة الأمن في البلاد، يعني بعبارة أخرى يُمنع منعاً باتاً أي مدني يحمل السلاح، وكل مدني يحمل السلاح سيصادر هذا السلاح ويقدم للمحاكم.

شيرين أبو عاقلة: الرغبة الفلسطينية بإعادة البناء لا يمكن الجدل بشأنها، لكنها تصطدم مرة بعد أخرى بالمخططات الإسرائيلية والحملات العسكرية التي لم ينجز شارون غير المرحلة الأولى منها، في المرحلة الثانية يسعى لتثبيت أوضاع جديدة باتت معالمها تتضح يوماً بعد يوم.

فرغم الانسحاب الشكلي من عدد من المدن الفلسطينية سعت حكومة شارون من خلال إعادة اجتياح المدن والبلدات بصورة متكررة لتأكيد أنها ستحتفظ لنفسها بالمسؤولية الأمنية داخل الأراضي الفلسطينية.

ياسر عبد ربه (وزير الثقافة والإعلام الفلسطيني): إنه هدف شارون هو محاولة الإضعاف التدريجي للسلطة الفلسطينية ومحاولة حصر دور السلطة الفلسطينية في أفضل الحالات في شؤون إدارية محلية، فإما أن تستجيب السلطة إلى هذه الشروط، وإما أن يسعى إلى مزيد من الضغط والإرباك للسلطة.

شيرين أبو عاقلة: شارون أحكم حصاره على مختلف المدن والقرى وضرب طوقاً من العزلة على سكانها في كنتونات مفصولة عن بعضها البعض، ويحاول فرض عزلة تامة على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات داخل مقره.

ياسر عبد ربه: في الواقع إنه هناك درجة من التأثير غير قليلة وخصوصاً أنه الرئيس أبو عمار يتمتع بصلاحيات واسعة، بالإضافة إلى أنه هناك عدد من الأمور التي لا نستطيع معالجتها إلا في إطار قيادي ومن خلال أخذ قرارات على المستوى القيادي لأنها ليست أمور يومية أو ثانوية، بل أمور ربما ذات طابع استراتيجي.

شيرين أبو عاقلة: حدود العملية العسكرية غير واضحة بعد، فالبعض يرى أن الاجتياح من جديد أمر غير مستبعد، وكذلك توسيع نطاق العمليات العسكرية لتمتد إلى غزة، لكن هناك عوامل ربما تحول دون ذلك منها الخوف من عواقب فتح جبهة أخرى على الصعيدين العسكري والسياسي، حيث أن المجتمع الدولي يضغط في اتجاه انسحاب كامل من الأراضي التي احتلتها القوات الإسرائيلية في إطار ما سمته عملية السور الواقي، في كل الأحوال فإن ما حققه شارون يكمن حتى الآن في إحداث دمار واسع، لكن الكثير من المراقبين يتوقعون فشله في جني مكاسب سياسية من حملته العسكرية.

د.غسان الخطيب: لا أنا أعتقد بأنه على المدى المتوسط والبعيد سوف يفشل شارون في تحقيق أهدافه، لأنه له نوعين من الأهداف، الأول: هو تحقيق الأمن وهذا من الصعب جداً أن يتحقق، لأنه بشكل عام وهذا لا يُقاس بالأيام أو بالأسابيع، ولكن بشكل عام زيادة الضغوط.. زيادة الضغوط على الشعب الفلسطيني بالكيفية الحالية يجب أن يولد استئناف للمقاومة وربما تسعيراً لها.

شيرين أبو عاقلة: لكن اليوم وأكثر من أي وقت مضى يشعر الفلسطينيون أنهم أمام أخطار محدقة، من بينها المخاوف من استيلاء إسرائيل على نصف أراضي الضفة الغربية وضمها بمثل ما حصل مع مرتفعات الجولان قبل عقدين من الزمن.

مالك التريكي: هذه المخاوف التي أشار إليها التقرير تجد تأكيداً لها في تصريح وزير المواصلات الإسرائيلي إفرائيم اسنيح الذي ينتمي لحزب العمل لصحيفة (الدايلي تليجراف) البريطانية بأن شارون يدرس الآن مع مستشاريه ضم 50% من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل.

معنا الآن من تل أبيب زميله في حزب العمل وزير العدل السابق (يوسي بيلين الذي جمع التواقيع اللازمة لدعوة حزب العمل للتصويت على الانسحاب من حكومة شارون.

السيد يوسي بيلين، لقد طلبتم من حزبكم، حزب العمل أن يصوِّت على الانسحاب من حكومة شارون، على أساس أن شارون غير مستعد في المرحلة القادمة للدخول فيما سميتموه بمسار سياسي، فماذا يُعد الآن؟ ما هي المرحلة القادمة بالنسبة لشارون؟

يوسي بيلين (حزب العمل الإسرائيلي- تل أبيب): أعتقد أن في الوقت الحاضر شارون يجني ثمار من الدعم في الرأي العام له، وللأسف جزء من هذا الدعم ينبع من كون حزب العمل هو جزء من الائتلاف الحاكم، وأعتقد إن ما نحن بحاجة إليه الآن وفي أسرع وقت ممكن أن.. أن نقيم ائتلافاً عقلانياً يضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي الذين يؤمنون بالسلام والذين يبدون الرغبة في امتلاك خطة للسلام، الطرفين يمثلون وحدة وطنية من الجانبين الذين يمنعون حدوث ما حدث في المستقبل، لأنه لو كانت هناك مثل هذه الائتلافات ولو كان حزب العمل يكافح من أجل السلاح والأمن لإسرائيل فإنني أعتقد أنه سيجد من الجانب الفلسطيني أولئك الذين هم مستعدون للدخول في ائتلاف كهذا.

مالك التريكي: لقد قلتم إن شارون أبلغ حزب العمل أنه غير مستعد الآن للدخول في مسار سياسي ودعوتموه إلى الانسحاب من الحكومة، هل حزب العمل مازال يوفر لكم أملاً؟ هل مازال حزب العمل يمكن أن يقوم بعملية سلمية مجدية؟ يعني هل هو من البراءة السياسية بحيث اكتشف الآن ما ينويه شارون رغم أن خطته معروفة منذ أربعة أشهر.. منذ أكثر من عام وشهرين يعني أربعة عشر شهراً؟

يوسي بيلين: يجب أن أعترف إن أملي لا يكمن مع السيد شارون، ولكنني أعتقد أنه وفي ظل ظروف مواتية ولو أن الأميركان يتجاوزون الدور الذي يلعبونه الآن إزاء مقاطعة مقر الرئيس عرفات في رام الله، ربما سيكون هناك وضع جديد في الشرق الأوسط.. في الأوسط، ولو كان ممكناً لنا لحزبنا أن يترك الحكومة وأن يمارس ضغطاً داخلياً على شارون ونقول له: إن عليك أن تعمل مع الأميركيين وأيضاً كما يجب أن يكون هناك ضغط داخلي على السلطة الفلسطينية يداً بيد مع الضغط الأميركي فربما ننتهي إلى رؤية وضع جديد في الشرق الأوسط ربما يؤدي إلى الوصول إلى اتفاق، هذا هو أملي، وهنا يكمن هذا الأمل.

مالك التريكي: تفيد الأنباء بأن شارون يريد إقامة معازل، كنتونات، أو.. أو بانتستونات بالنسبة للفلسطينيين، وإقامة مناطق عازلة بين.. بين الخط الأخضر وبقية مناطق الضفة الغربية، أنتم كنتم في حزب العمل عندما بدأتم تروجون لفكرة الفصل الوحيد الجانب unilatro seperatiom هل مازلتم تؤمنون بها؟ هل تؤيدونها؟

يوسي بيلين: هذا كلام فاضي والحديث عن الفصل من جانب واحد، نحن لا نريد سلاماً نحققه مع أنفسنا، نريد سلاماً نحققه مع الفلسطينيين الذين يؤمنون بالسلام ولا يؤمنون بالعنف والإرهاب، ونؤمن أن دورنا هو أن نربي أولادنا في ظل وضع أمني لا نخاف فيه من بعضنا البعض، وأعتقد أن بإمكاننا التوصل إلى سلام، ولا أؤمن بخطوات أحادية مثل هذه، فهذا هو خطأ فروحية أوسلو وروح (إسحاق رابين) رئيس وزرائنا الراحل لم يكن من الذين يتخذون خطوات أحادية، بل يعمل مع الطرف الآخر، وحتى في ظل ظروف صعبة مثل هذه.

مالك التريكي: استطلاعات الرأي العام تشير إلى ازدياد شعبية شارون، هل مازال عندكم أمل في ديمقراطيتكم؟ ديمقراطيتكم مولعة بانتخاب جنرالات الحروب أكثر رؤساء وزرائكم هم جنرالات لهم.. لهم تاريخ عسكري، ما يحدث عندكم الآن يشبه ما حدث لفرنسا أيام الجمهورية الرابعة، فرنسا كان لها ديجولها الذي أنقذها، ديجولكم أنتم اغتلتموه، والآن انظروا ما يحصل في فرنسا عندما حصل (لوين) على نسبة أقل من 20% كل أوروبا قامت، أليس من المطلوب منكم أن كل المجتمع المدني في إسرائيل يقوم ضد سياسي متطرف مثل شارون لأنه.. لأن مصيركم ممكن سيكون فاجعاً، مصير إسرائيل مثل بقية مصير الفلسطينيين.

يوسي بيلين: أنا أعتقد إن إسرائيل دولة ديمقراطية صلبة، لكنها تواجه مشاكل متعددة وصعوبات متعددة، ولكن من وقت لآخر يتم انتخاب جنرالات سابقين سواءً من جانبنا أو من جانب الأطراف الأخرى، لا يعني شيئاً حول هشاشة النظام الديمقراطي الإسرائيلي، بل أنا أعتقد أن إسرائيل سوف تجد فيها أغلبية تؤمن وكما تدل استطلاعات الرأي إن الأغلبية تؤيد المبادرة السعودية التي هي مبادرة القمة العربية، ولكن ما يجب حدوثه هو إيجاد وسائل لترجمة هذه الأغلبية إلى أغلبية سياسية وهذا ممكن حدوثه فقط عندما توجد هناك بدائل سياسية قوية لحكومة شارون، ويجب أن يكون ذلك عبارة عن حزب العمل وأحزاب أخرى تمثل اليسار السياسي، وأعتقد إن شيئاً هذا ربما قد يحدث في القريب العاجل.

مالك التريكي: السيد يوسي بيلين (وزير العدل الإسرائيلي السابق)، من تل أبيب شكراً جزيلاً لك. عندما قبل الشعب الفلسطيني باتفاقات أوسلو وملحقاتها قيل له إنه سيجني عوائد السلام إعماراً وازدهاراً فإذا به الآن يكابد شظف العيش، بطالة تُقعد 60% من العمال وفقر يكاد يكون كفراً يخيم على نصف الشعب وسؤال طالما واجه الأمم الحية لحظة الإقبال على المصير: الكرامة قبل الخبز أم العكس؟

[فاصل إعلاني]

-الواقع الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني في ظل الحصار الإسرائيلي.

مالك التريكي: في أحد اللقاءات مع الصحفيين الغربيين قال عرفات: إن الاحتلال الإسرائيلي يأتي من الجرائم ما لم يسبق لأي نظام استعماري أن أتاه من قبل، فهل تصدقون أن على وجه الأرض قوماً يقتلعون أشجار الزيتون؟ وكفى بهذه الصورة البليغة دلالة على الرغبة الإسرائيلية العدمية في إفقار شعب مسجون في أرضه، بل وأبعد من ذلك وأعمق الرغبة في القضاء على مقوم حضاري ترمز له الزيتونة بثبات أصلها وسمو فرعها، الترجمة الفعلية لهذه الصورة البليغة الآن هي أن الدخل الحقيقي للمواطن الفلسطيني قد انخفض إلى دون مستواه في أوائل الثمانينيات، وأن 80 ألف فلسطيني خسروا أعمالهم في إسرائيل، بينما خسر ستون ألفاً آخرون أعمالهم في المناطق الفلسطينية وقفزت نسبة البطالة من 10% إلى 60%.

ومن عجب أن إسرائيل هي التي تطالب بتعويضات عن الخسائر التي تقول إنها تكبدتها بسبب الحرب، ومن أسف أن وعود الدعم المالي العربي في قمة بيروت للفلسطينيين لم ينجز منها حتى الآن سوى العشر، بل إن إحدى الدول النفطية العربية لم تدفع حتى الآن ولو دولاراً يتيماً، سيف الدين شاهين يستعرض الواقع المعيشي الفلسطيني بعد عام ونصف من الحصار الاقتصادي.

تقرير/سيف الدين شاهين: لم تكن إجراءات إسرائيل الأمنية والسياسية بمعزل عن الواقع الاقتصادي الفلسطيني الذي أصبح في حالة شلل تام بعد ثمانية عشر شهراً من الحصار الإسرائيلي الخانق على معظم الأراضي الفلسطينية، حجم الخسائر الفلسطينية جراء الحصار فاقت كل التصورات فمن حرمان العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر إلى منع إدخال المواد الخام للأسواق الفلسطينية التي شُلت حركتها الصناعية والإنتاجية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من الإجراءات التي أخذت طابع العقاب الجماعي، بل كان بموازاته عمليات تدمير على طريقة سياسة الأرض المحروقة، فالجرافات عادة ترافق الدبابات الإسرائيلية الغازية التي لا تُبقي ولا تذر، فالشجر والمزروعات والمنازل والمصانع والمشاغل والمرافق العامة والخاصة وحتى الحيوانات والطيور هي أهداف مفضلة لهذه الجرافات، الخسائر الفلسطينية في مختلف القطاعات الاقتصادية تجاوزت إجمالي الدخل القومي حسب التقديرات الرسمية الفلسطينية.

محمد جرادة (وكيل وزارة المالية): وحجم الخسائر لو حطينا عليه خسائر بيوصل 10 مليار دولار، زمان كان تضيف للخسائر التي نتجت نتيجة الهدم والتخريب والتجريف واللي حصل بعد الاجتياح الأخير لمخيم جنين وطولكرم ونابلس وبيت لحم يمكن بأقول لك وصلنا حوالي 12 مليار دولار، هذا المبلغ ما يستطيع أن يتحمله شعب، حجم الخسائر هذه.. هذا يحتاج إلى مشروع كبير زي مشروع مارشال تتدخل الدول الأوروبية، الاتحاد الأوروبي وتتدخل أميركا والدول العربية وكل الأصدقاء في العالم حتى يستطيعوا أن يعيدوا الحياة إلى ما تم تدميره.

سيف الدين شاهين: الدمار الذي لحق بالفلسطينيين ترى فيه السلطة الفلسطينية محاولة لتدمير كل شيء، وأنه يصعب عليها إعادة البناء والإعمار في فترة زمنية قصيرة.

د. عبد الرحمن حمد (وزير الإسكان الفلسطيني): وفي هذا المناخ السياسي المتوفر الآن لا يستطيع أي مستثمر أن يأتي إلى الأراضي الفلسطينية ويستثمر أمواله، هذه ستحتاج إلى فترة زمنية ليست بالبسيطة لإقناع أصحاب رؤوس الأموال لإعادة الاستثمار في هذا البلد، إضافة إلى ذلك سوف نحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة جداً لإعادة بناء المشاريع الريادية أو السيادية للسلطة الوطنية الفلسطينية باستكمال محطات توليد الطاقة الكهربائية سواءً في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، وفي بناء المطار وتوسيع هذا المطار.

سيف الدين شاهين: الخبراء الاقتصاديون يرون أن حالة الاقتصاد الفلسطيني تحتاج إلى إعادة نظر في بعض السياسات القديمة إلى جانب ضرورة إسناد ودعم دولي مالي كبير كي يتمكن الفلسطينيون من إعادة بناء ما دمره الاحتلال.

صلاح عبد الشافي (خبير اقتصادي): التركيز الأولي يجب أن يتركز على إغاثة المنكوبين وتوفير يعني أساسيات الحياة بالنسبة لهم من مأكل ومسكن، القضية الأخرى هي إعادة إعمار البُنية التحتية من شبكة طرق وإعادة إعمار شبكات المياه والكهرباء وإلى آخره، والمباني التي دُمرت، نحن نتحدث عن مهمة قد تدوم لسنوات طويلة، أنا لا أعتقد أنه بإمكاننا قبل 5 سنوات من الآن، هذا في حالة أن الأمور ستعود إلى حالة من الاستقرار النسبي أن سيكون بمقدورنا قبل 5 سنوات أن نعود إلى ما كنا عليه ما قبل الانتفاضة.

سيف الدين شاهين: لم تقتصر الخسائر على المؤسسات والمرافق بل طالت مختلف شرائح وفئات المجتمع الفلسطيني حيث ألقت ليس فقط بالعمال والمزارعين إلى دائرة المعدمين، بل المنتجين وأصحاب الأعمال كذلك الذين أصبحوا صفر اليدين.

صاحب مزرعة فلسطيني: ها المزرعة إلها 7 شهور قافل اتدمرنا إحنا، كيف بدنا نعوض؟ كيف بدنا نجيب علف؟ كيف بدنا مش نلم رأس مالنا؟ إسرائيل دمرتنا، حاربتنا من جميع الاتجاهات، مش حرب عسكرية، حرب مادية، حرب من جميع.. ولكن لم تستطيع حربنا معنوياً إطلاقاً.

سيف الدين شاهين: أما عن الحالة الاقتصادية الراهنة وتأثيرها على قدرة الفلسطينيين الشرائية وتأثيراتها كذلك على الأسواق فحدث ولا حرج عن أزمات التجار وإحباطات المتسوقين الذين يؤكدون بأن الفقر والبطالة هما الأسباب الحقيقية وراء الواقع المزري الذي يطال الجميع جراء سياسة الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم هذا الواقع فقد شهدت الأسواق قبل أسبوعين إقبالاً كبيراً على التزود بالسلع الرئيسية تخوفاً من اجتياح إسرائيل محتمل مما أدى إلى نفاذ بعض السلع من الأسواق كالدقيق وسلع أساسية أخرى.

مواطن فلسطيني1: والله الوضع تعبان والحركة ميتة، لكن صابرين وإن شاء الله ربنا بيفرجها.

مواطن فلسطيني2: والله الأوضاع ما أنت شايفها يعني مفيش بيع ولا شراء الناس الله كله معين، ما تشتغلش وقاعدة كلها.

سيف الدين شاهين: كان الفلسطينيون يأملون أن تكون المساعدات الدولية الأخيرة موجهة لدعم وبناء دولتهم العتيدة، وليس لإعادة بناء وإعمار البنية التحتية الأساسية التي دمرها الاحتلال في ساعات، وقد يستغرق إعادة بنائها سنوات عدة.

مالك التريكي: الدمار الاقتصادي الذي تحدثه إسرائيل في المناطق الفلسطينية يمكن إصلاحه ولو بعد أعوام مثلما تبين التجربة المتكررة في لبنان، ولكن هناك تدميراً أخطر هو نهب ذاكرة المؤسسات في شكل استيلاء على الوثائق والسجلات، ولهذا فإن المؤسسات والمنظمات الفلسطينية في غزة تحاول بالتالي تلافي مصير مثيلاتها في الضفة الغربية، وذلك باستنساخ سجلاتها الورقية والكمبيوترية، ومن المحامين الفلسطينيين الذين قاموا باستنساخ وثائقهم السيد راجي صوراني الذي هو معنا الآن من غزة.

سيد راجي صوراني، لقد اتخذتم إجراءات وقائية تحسباً لأي هجوم إسرائيلي على غزة، ولكن لكم تاريخاً طويلاً في الدفاع عن الضحايا الفلسطينيين ضحايا النهب والتدمير، وربحتم كسبتم بعض القضايا أمام المحاكم الإسرائيلية، هل تعتزمون القيام بالشيء ذاته الآن؟

راجي صوراني (محامي فلسطيني-غزه): بالتأكيد يعني نحن نحمل شعار أن.. أننا لن ننسى ولن نغفر ما مارسته إسرائيل من جرائم ضد الشعب الفلسطيني وضد المدنيين الفلسطينيين، هذا الدمار الهائل الذي لحق في بنيان المجتمع الفلسطيني الاقتصادي والإنساني، وبالتأكيد سوف نعمل على متابعة كل هذه الجرائم الإسرائيلية بالتأكيد ليس أمام المحاكم الإسرائيلية، فلم تعد المحاكم الإسرائيلية مكاناً يتسع لهذا الحجم من الجرائم، ولكن توجهنا الآن هو إحضار إسرائيل أمام محاكم جنائية دولية، ونحن بصدد الإعداد لذلك والعمل عليه.

مالك التريكي: هل تعتقدون أن هذا التوجه سينجح في ظل المعارضة الأميركية والإسرائيلية الشديدة مثلاً للمحكمة الجنائية الدولية؟

راجي صوراني: المحكمة الدولية.. المحكمة الجنائية الدولية هي واحد من خيارات متعددة، ولدينا هناك الكثير من الخيارات التي بالإمكان اللجوء لها، منها على سبيل المثال المحاكم الوطنية في أوروبا، سويسرا، فرنسا، أسبانيا، أو هولندا، أو بلجيكا، هناك إمكانية لطرح هذه القضايا أمام هذه المحاكم باستغلال القوانين الوطنية القائمة والموجودة هناك، أيضاً هناك إمكانية ونحن منذ فترة بصدد حملة دولية من أجل إحضار إسرائيل أمام محكمة دولية خاصة، نحن لا ننتظر لقاء.. موافقة شريك إسرائيل في الجرائم –أميركا- ضد ما يمارس على الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة، نحن بصدد حملة شعبية دولية، وربما يعني بدأت نتائجها تظهر للعيان أمام الحركة الواسعة التي يقوم بها المجتمع الأوروبي المدني في الضغط على هذه الحكومات.

مالك التريكي: رغم صعوبة ظروف الاحتلال فإن هنالك نوعاً من الحصانة الاجتماعية الفلسطينية الآن، وقد سبق لكم أن قلتم: إننا تعلمنا من الاحتلال الإسرائيلي درساً ثميناً هو أن نكون عمليين واستراتيجيين، أن نكون مهنيين عمليين واستراتيجيين في الفكر والسلوك، ماذا تقصدون؟

راجي صوراني: أقصد إننا رغم انفعال اللحظة، رغم الألم والمرار، رغم سيل الدم الجارف، رغم كل ما يحيط بالمناطق الفلسطينية من جرائم منهجية منظمة يمارسها الاحتلال الإسرائيلي من حصار وقتل وتدمير، من عبث حتى بأبسط المبادئ والمفاهيم الإنسانية إلا أننا رغم هذا الألم كله نحن عمل على التوثيق الهادئ الموضوعي المهني من جهة لكل هذه الجرائم نقوم بعمل ملفات قانونية تستند إلى معايير مهنية دولية وننظر وندرس في كثير من القوانين، ولدينا أفكار محددة في بعض المسائل لمحاسبة إسرائيل على ما مارسته من جرائم قد لا نستطيع في اللحظة أو بعد عام ممارسة ذلك، ولكن أذكر دائماً بأن الإسرائيليين واليهود حاسبوا النازي ولازالوا بعد أكثر من 55 عام من الهولوكست، نحن ما مورس علينا من جرائم إسرائيلية هي أكثر بكثير مما مورس من النازي ضد إسرائيل، ولذلك نحن نترجم هذا البحر الهائل من الغضب والمرار باتجاه عمل مهني موضوعي قانوني يحضر هؤلاء في يوم ما إلى العدالة الدولية، ونحن على يقين بأن قضيتنا عادلة وسوف تنتصر، أريد فقط أن أعقب حول مسألة، لو سمحت لي، هناك..

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيد راجي.. سيد راجي صوراني للأسف أدركنا الوقت، سيد راجي صوراني (المحامي الفلسطيني) من غزة، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان لله.