مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - الصادق المهدي: زعيم حزب الأمة السوداني
- د. أحمد الأمين البشير: أستاذ بجامعة واشنطن
تاريخ الحلقة: 25/07/2002


- بروتوكول ماشاكوس بين التحول في سياسة الحكومة وبين التأييد والمعارضة
- أسباب ودوافع الحكومة السودانية لتوقيع اتفاق ماشاكوس
- خفايا الدور الأميركي في إبرام الاتفاق وأبعاده

مالك التريكي: مستقبل السودان ومصير جنوبه بعد التوقيع على اتفاق (ماكاكوس)، هل بدأت ريح السلام الشامل والعادل تهب فعلاً، أم أن الاتفاق مجرد صفقة منفردة بين الحكومة والحركة الشعبية؟

أهلاً بكم، بروتوكول (ماشاكوس) أو (ماكاكوس) عنوان قد يدخل كتب التاريخ باعتباره أول اتفاق يمهد لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ 19 عاماً في جنوب السودان، الاتفاق الإطار الذي وقعته الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة (جون قرنق) في نيروبي وصف بأنه تاريخي، باعتباره يضع إطاراً للحل المستقبلي الشامل خاصة في المسائل الأساسية المتعلقة بعلاقة الدين بالدولة وبحق تقرير المصير لأهل الجنوب، كما وصف هذا الاتفاق بأنه سيكون نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان الحديث إذا صارت الأمور إلى نهايتها باتجاه تحقق السلام، لكن بقدر ما رأى البعض في الاتفاق طريقاً للسلام الدائم، رأي فيه آخرون عكس ذلك، إذ توقع حزبان سودانيان معارضان فشل الاتفاق لأنه تجاهل إشراك القوى السياسية في الرأي وفي التفاوض، ورمى إلى تفرد الحكومة بحكم الشمال وتمكين الحركة الشعبية لتحرير السودان من الاستئثار بحكم الجنوب، هذا إضافة إلى أن آخرين قد رأوا فيه لغزاً خطيراً وتعتيماً على التفاصيل لاسيما فيما يتعلق بالمسألتين الأساسيتين أي علاقة الدين بالدولة وضمان حق تقرير المصير للجنوبيين، ومن المقرر أن تستأنف المفاوضات في منتصف الشهر القادم لمحاولة التوصل إلى اتفاق عملي حول مسائل جوهرية مثل تقاسم السلطة وتقاسم الثروة ومسائل إجرائية مثل الآليات المفضية لوقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، ومن المؤاخذات الأخرى على الاتفاق أنه تجاوز المبادرة المصرية الليبية ولم يأخذ في الاعتبار مصالح بلدان الجوار، خاصة ما يتعلق بحق تقرير المصير الذي تخشى مصر أن يقود إلى انفصال الجنوب عن الشمال.

وهكذا فإن بروتوكول ماكاكوس أو ماشاكوس قد أثار جدلاً كبيراً بين مؤيد ومعارض حيث يعتقد المعارضون أن حكومة الرئيس عمر حسن البشير وقعت اتفاقا أسوأ من الاتفاق الذي وقعه الأب الروحي لثورة الإنقاذ الدكتور حسن الترابي مع (جون جارانج) أو من الاتفاقات التي أوشكت على توقيعها حكومات سابقة، فما الذي تغير؟ وما هو المبرر الأخلاقي والسياسي لمثل هذا التحول المفاجئ والخطير، إسلام صالح يرصد من الخرطوم أسباب هذا التحول والمواقف المؤيدة والمعارضة للاتفاق.

بروتوكول ماشاكوس بين التحول في سياسة الحكومة وبين التأييد والمعارضة

تقرير/ إسلام صالح: يبدو أنه لم يكن هناك من خيار أمام الحكومة السودانية إلا أن تقبل بتطبيق حق تقرير المصير لجنوب السودان لتحصل بالمقابل على تنازل من الحركة الشعبية لتحرير السودان عن موقفها المطالب بضرورة أن ينص أي اتفاق موقع بين الطرفين على فصل واضح في العلاقة بين الدين والدولة، الدين والدولة وحق تقرير المصير للجنوب كانتا العقبتان الرئيسيتان أمام التوصل لأي اتفاق بين طرفي الصراع السوداني طيلة 13 عاماً، وبرغم أن الحكومة السودانية ترى أن ما تحقق عبر اتفاق ضاحية (ماشاكوس) الكينية يعد إنجازاً تاريخاً، إلا أن بعض القوى السياسية المعارضة لم تتوانى في كيل الانتقادات لصيغة هذا الاتفاق، وللحكومة التي اتهموها بعزلها للقوى المعارضة، وهي تتخذ مثل هذه الخطوة المصيرية في تاريخ السودان.

علي محمود حسنين (الحزب الاتحادي الديمقراطي): لا نريد أن نكون مباركين أو مؤيدين لاتفاق لسنا طرف فيه، ولكننا نريد أن نكون جزء من الاتفاق لأن الآن نعيد صياغة الأمة السودانية.

محمد الأمين خليفة (نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي): عندما ينص الاتفاق على وجود الدساتير في دولة واحدة، مثلاً دستور علماني يحكم الجنوب، ودستور إسلامي يحكم الشمال، ودستور لا ديني يحكم الاتحاد، فهذه تجزئة، وبالتالي يفضي إلى انفصال حقيقي.

إسلام صالح: أما الحكومة السودانية فترى أن كافة القوى السياسية وبغرض دعم تحالفها مع القوى الجنوبية المسلحة قد تبنت في أوقات سابقة مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان، القبول بتقرير المصير للجنوب بعد فترة انتقالية عمرها ست سنوات لا يلقى معارضة داخلية فحسب، بل يبدو أن هناك قلقاً عربياً بدأ في البروز، وخاصة من مصر التي ترى أن خطر انفصال جنوب السودان يهدد أمنها القومي، ويبدو أن هناك إحساساً مصرياً بأن الحكومة السودانية قد خضعت لضغوط إقليمية ودولية بالتنازل عن التزام سابق لمصر بإسقاط خيار تقرير المصير.

الشفيع أحمد محمد (الناطق باسم المؤتمر الوطني الحاكم): الآن مطلوب من الأخت الشقيقة مصر لما لها من دور في المنطقة العربية في المنطقة الإفريقية وفي العالم كله، وإخواتنا من الدول العربية الأخرى المشفق على حالنا أن تكون أيديهم مع أيدينا لإحداث تنمية حقيقية في المناطق التي تأثرت بالحرب، إذا حدث هذا فإننا سوف نضمن بنسبة 100% وحدة السودان.

إسلام صالح: وكما تباينت ردود فعل القوى السياسية إزاء الاتفاق الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية، تباينت أيضاً ردود فعل الشارع السوداني، متراوحة ما بين الاستبشار بالسلام القادم وما بين النظر يعين الشك للتدخل الأجنبي وتحديداً الأميركي في شأن العلاقة بين شمال وجنوب البلاد.

:مواطن سوداني: هذه المسألة من الضغوط الأميركية الحاصلة اللي خلت الحكومة يعني تتراجع عن خطها تقريباً أو تتنازل تنازلات كبيرة جداً، والساحة السياسية لسه ما فيه، يعني حتى الأوضاع السياسية غير مستقرة، للوصول للسلام في ظل هذه الأوضاع غير المستقرة هو اللي يعني يجعلنا نضع كثير من علامات الاستفهام.

إسلام صالح: وإذا كانت الحكومة السودانية ترى أنها قد حققت فتحاً تاريخياً بالتوقيع على اتفاق ( ماشاكوس) إلا أن هناك شبه إجماع على أن هذا الفتح ما كان ليتحقق لولا الإدارة الأميركية النافذة على طرفي النزاع، ويبدو أن مجرد إعلان الولايات المتحدة قرار دخولها بورصة المبادرات المعروضة لحل الأزمة السودانية كان كافياً لأن تكسب واشنطن الرهان على تحقيق السلام السوداني لما للبيت الأبيض من إمكانات يلخص شرحها نهج الجزرة والعصا الذي مورس على طرفي الحرب الأهلية في السودان.

عثمان ميرغني (كاتب ومحلل سياسي): عالم ما بعد 11 سبتمبر غير كثيراً من الأدبيات الموجودة داخل السودان والأطروحات الحكومية بالتحديد، واستطاعت الولايات المتحدة أن تستثمر هذا التغير بصورة كبيرة خلال هذه الفترة، ومددت من نفوذها في السودان بصورة أثرت فعلاً على مجرى هذه المفاوضات وأكسبته جدية أكثر مما كان في الماضي.

غازي صلاح الدين (مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام): يبدو أن الهم الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية هو أن لا تكون هذه المنطقة انطلاقا من السودان مهددة لها من خلال ما تراه هي إرهاباً أو ما عرفته بأنه إرهاب، ولذلك هي يبدو لنا أنها قررت في أن أن يسود سلام، لكن لا يبدو لنا منها نظر محدد، لابد لنا منها نظرية أو.. أو رؤية محددة لكيفية أن يكون الصراع في السودان.

إسلام صالح: والدليل الذي يسوقه معارضو الحكومة بأنها رضخت للضغوط الأميركية هو أنها قدمت تنازلاً حقيقياً فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة معتبرين أن اتفاق (ماشاكوس) يشير إلى علمانية الدولة.

محمد الأمين خليفة: الدستور الأعلى الذي يحكم السودان هو دستور علماني، فكيف يكون هنالك مسلم في السودان، وأن السودان أغلبية مسلمة كما نصت كل الدساتير السابقة ونصت الاتفاقات السابقة أن لا يكون له الحق في التشريع بدنية، فإن الدستور الأعلى هو الذي يحكم الدساتير الأخرى، فكان هو وضعت الشريعة الإسلامية تحت الدستور الأعلى العلماني.

الشفيع أحمد محمد: لا يوجد هنالك تنازل بمعني تنازل عن جوهر وأصل الشريعة، هنالك بعض النقاط التطمينية لإخواننا في الحركة الشعبية وهنالك بعض الإجراءات التي نعتقد أنها هي حقهم علينا، لأننا نؤمن بأن الذي لا يدين بالإسلام لا يمكن أن نطبق فيه الإسلام.. في شريعته يتعامل في قضاياه الشخصية وغيرها لما يشرع هو.. هو لنفسه.

إسلام صالح: لكن لاشك أن الحكومة قد قدمت طرحاً جديداً كل قضية جنوب السودان يختلف عن إطروحاتها السابقة، خاصة عن ذاك الطرح الذي تضمنته اتفاقية الخرطوم الموقعة عام 97 مع عدد من الفصائل الجنوبية المسلحة.

عثمان ميرغني: هناك اختلاف كبير جداً في أن اتفاقية الخرطوم للسلام لا تتحدث عن أوضاع الحكومة القومية والأوضاع المجملة السودان بصورة كاملة، إنما هي حركت هذه التفاصيل، لكن هذه الاتفاقية هي لا تغير الواقع في الجنوب، إنما تغير مجمل الواقع في السودان.

إسلام صالح: أما وقد أصبح اتفاق (ماشاكوس) نافذاً، فإن السؤال الملح الآن ما هي فرص النجاح المكتوبة لهذا الاتفاق؟

الشفيع أحمد محمد: أقول نعم، بشرط أن نلتزم نحن في الشمال، التزاماً واضحاً بما وقعنا من إخوتنا ونتجاوز ذلك، وأن نتجاوز ذلك إلى معاملة وطرح وسلوك يقنعهم بأننا يمكن أن نكون أخوتهم في الوطن الواحد.

علي محمود حسنين: لا يتحقق سلام بدون ديمقراطية ولا يتحقق ديمقراطية حقيقية بدون سلام.

محمد الأمين خليفة: هذا الاتفاق لا يحمل عناصر واقعية.

إسلام صالح: ومع ذلك فإن التيار السائد الآن في السودان هو أن تنتهي هذه الحرب التي راح ضحيتها أكثر من مليوني شخص وإن اختلف السودانيين بمختلف فصائلهم السياسية في تقدير الثمن الذي يجب دفعه لوقف هذا النزيف.

مالك التريكي: إذن وقف النزيف ووضع حد لإراقة الدماء في الجنوب يمثلان أولوية الأولويات لدى كل الأطراف السودانية رغم تباين مواقفها من الاتفاق، لكن ما الذي يدعو حزباً عرف عنه أنه يدعو إلى أن تكون الشريعة أساس التشريع في السودان، وأنه يعتقد أن سلاماً دائماً إنما يتم في ظل نظام ديمقراطي، ما الذي يدعو مثل هذا الحزب إلى أن يؤيد اتفاقاً يمنح الجنوب دستوراً علمانياً ويجعل الشريعة أحد المصادر وليس المصدر الرئيسي للتشريع في الشمال، (زعيم حزب الأمة السوداني ورئيس الوزراء السابق) الصادق المهدي يجيب على هذه الأسئلة وغيرها في مقابلة أجراها معه مراسلنا في الخرطوم وسأله أولاً عن الدوافع التي حدت بالحكومة السودانية إلى توقيع الاتفاق بهذا الشكل المفاجئ؟

أسباب ودوافع الحكومة السودانية لتوقيع اتفاق ماشاكوس

الصادق المهدي: أنا أعتقد أن الرأي العام السوداني كله كان يريد وضع حد لهذه الحرب، وكان يعتبر أن هذه الحرب لن تؤدي إلى نتيجة نهائية، ولذلك كان التطلع للسلام مطلباً شعبياً، والحكومة مع أنها كانت تنطلق في الماضي من منطلقات لا يمكن معها السلام لأنها تنطلق من مفاهيم أيدلوجية، منافية للآخر، غيرت موقفها، وصارت تقبل ضرورة استيعاب الآخر وضرورة الحوار للوصول لنتيجة، هذا الموقف كان سبباً جوهرياً في توقف الاتفاق على السلام، وجاء دور الوساطة الأجنبية أو الوساطة الدولية، لأسباب ما هذه الوساطة كانت حريصة على تحقيق سلام في السودان، لذلك في رأيي اجتمعت إرادة سودانية تريد السلام ووساطة قادرة على أن تحقق دورها، هذا في رأيي أدي إلى هذا الاتفاق.

إسلام صالح: وهل تحاولون عبر تأييد هذا الاتفاق أن تفتحوا صفحة جديدة في الحوار مع الحكومة؟

الصادق المهدي: إطلاقاً لا، نحن أصلاً موقفنا مع الحكومة مبدئي، بمعنى أننا اتفقنا معهم على أسس لم تكتمل وانتقدناها، وما زلنا مستعدين أن نواصل إذا كانت الظروف مؤاتية، ولكن جاء هذا الاتفاق الذي في رأينا طابق في جزئياته الكثيرة رؤانا، وما كنا نسميه أسس الحل السياسي الشامل، ونعتقد أن هذا الاتفاق لمصلحة الوطن، فاتفاق هو لمصلحة الوطن، ويوافق رؤانا، لم نتوقف لنرى إلى أي مدى هذا سيؤثر في علاقاتنا مع الحكومة ، بل أيدناه باندفاع شديد وشكلنا قيادة للرأي العام السوداني في هذا الصدد.

إسلام صالح: لكن كيف يؤيد حزب الأمة الذي يستند إلى تراث فكري إسلامي حزب الأمة الذي يدعو إلى وحدة الأراضي السودانية، كيف يؤيد هذا الحزب اتفاقاً يكرس لدستور علماني في نظر البعض، اتفاقاً قد يفضي إلى انفصال جنوب السودان؟

الصادق المهدي: نحن قدمنا اجتهادات في هذا الموضوع منذ زمن بعيد، نحن نعتقد أن قضية التطبيق الإسلامي في هذا العصر لا يمكن أن تعتمد على رؤى جامدة، وإنما ينبغي أن تعتمد على ما نسميه اجتهاد، وهذا الاجتهاد يستوعب في رأينا التطورات العصرية وضرورة التوفيق ما بين الالتزام الإسلامي وحق المواطنة، وهذه المسائل عندنا فيها اجتهادات كثيرة توضح كيف أننا من منطلقات إسلامية يمكن أن نوفق بين المواطنة كعهد تراضي بين الوطن الواحد والالتزام الديني الإسلامي بثوابت وقطعيات الشريعة، فيما يتعلق بمسألة الوحدة كان واضحاً لدينا أن هناك إجماعاً جنوبياً يطالب بتقرير المصير، ونحن دخلنا معهم في حوار، وصغنا هذا على أساس الوحدة الطوعية التي تمر عبر استفتاء لتقرير المصير، وهذا يعني أن علينا تحدس كبير كيف يمكن أن نكسب الرأي العام الجنوبي للسودان الموحد بتجربة تدل على أن السودان يمكن أن يكون واحداً وعادلاً؟

هذا التحدي هو الذي دخلنا فيه، وأعتقد أن الاتفاقية هي الطريق بهذه الصورة الأفضل من التعامل مع مطلب تقرير المصير في الجنوب، لأنه اتُفق على تقرير المصير مع إعطاء أولوية للوحدة.

إسلام صالح: هنالك مخاوف مصرية من هذا الاتفاق الذي يتضمن حق تقرير المصير وربما يؤدي تقرير المصير إلى انفصال جنوب السودان، ما هو ردكم على هذه المخاوف؟

صادق المهدي: الانفصال الآن قائم في واقع الحال، هناك أجزاء كثيرة جداً من الجنوب تحكمها إرادة غير حكومة السودان، والمشروع المزمع هذا يعطي فرصة لإعادة التوحيد، فنحن لا نبدأ من موقف فيه وحدة قائمة، نبدأ من موقف فيه انفصال قائم، ونحاول أن نرجح كفة الوحدة بهذا الاتفاق.

إسلام صالح: البعض الذي يعارض هذا الاتفاق يرى أنه يكرس نظام شمولي في شمال السودان وآخر في جنوب السودان، وهو ما يصطدم مع أفكار حزب الأمة المناهضة للشمولية، ما هو تعليقكم؟

صادق المهدي: أنا أعتقد أن هذا الاتفاق بشكله الحالي يقتضي تحولاً دستورياً في البلاد وتحولاً قانونياً في البلاد في اتجاه ديمقراطي، ولا أعتقد أن فيه أي معنى يكرس حكم لحزب معين في الشمال أو حزب معين في الجنوب، وعلى أي حال هذا هو الفهم الذي نسنده وندعمه، وأعتقد أن الأسرة الدولية كذلك تسنده وتدعمه.

إسلام صالح: وما هو الواجب على القوى السياسية السودانية اتخاذه لدعم نجاح هذا الاتفاق؟

صادق المهدي: نعم، أصلاً الاتفاق فيه آليات للمتابعة والمراقبة، وهذه الآليات فيها -في رأينا- بعض الضمان، ولكن نحن أيضاً كقوى سياسية نقوم بتعبئة شعبية عريضة سنعمل على اتفاق كل القوى السياسية السودانية على ميثاق وطني يشتمل على الأسس المطلوبة لضمان أن الاتفاق لا يكون ثنائياً، بل قومياً ولضمان أن الحكم لا يكون ثنائياً بل قومياً، ولضمان أن السلام يقترن اقتراناً أساسياً بالتحول الديمقراطي، هذه هي المعاني التي نعتقد أن الميثاق الوطني المدعوم بزخم شعبي وتعبئة شعبية سوف يحرص عليها ويطالب بيها.

مالك التريكي: قياساً على القولة الشهيرة "فتش عن المرأة" يجوز القول في كل ما يهم العلاقات الدولية المعاصرة "فتش عن سيدة العالم"، وبصمات سيدة العالم في الاتفاق بين حكومة الخرطوم وقوات الجنوب واضحة للعيان، فما هي خفايا الدور الأميركي وأبعاده؟

خفايا الدور الأميركي في إبرام الاتفاق وأبعاده

[فاصل إعلاني]

مالك التريكي: رغم أن الحرب أنهكت الجانبين فإن الضغوط التي مارستها عليهم الولايات المتحدة هي التي دفعت بهما على الأرجح إلى قبول ما تم الاتفاق عليه في كينيا، ويبدو أن ضغوط واشنطن باعتبارها راعية الاتفاق بين الجانبين لها صلة بالمصالح الأميركية المرتبطة برغبة واشنطن في الفوز بحصة في ثروة النفط السوداني، والمرتبطة أيضاً بجهود الخرطوم في المساعدة على ما تسميه الولايات المتحدة بالحرب ضد الإرهاب منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الماضي. للحديث عن الدور الأميركي وأبعاده معنا من واشنطن الدكتور أحمد الأمين البشير (الأستاذ بجامعة واشنطن والدبلوماسي السابق). دكتور البشير، لقد نُسب إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان (جون دانفوس) القول حال إعلان التوصل إلى اتفاق في كينيا إن نجاح عملية السلام سيحول السودان من منطقة نزاع إلى منطقة تصدير رئيسية للنفط، هل يلخص هذا جوهر السياسة الأميركية تجاه السودان؟

د. أحمد الأمين البشير: نعم، ولكن علينا أن نذكر إن الحديث عن موقف أميركي موحد غير دقيق، فأميركا هنالك أكثر من موقف، ومثلاً الحكومة الأميركية متمثلة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية هي تنظر إلى هذا الاتفاق وإلى السودان نظرة متفائلة لأسباب ذكرتها أنت، ولكن هنالك الكونجرس، وكتلة النواب السود في مجلس النواب، ويعني قوى ضغط وهي تنظر إلى السودان نظرة عدائية ومتشائمة، ولقد ظهر ذلك جلياً في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة شؤون الخارجية في يوم 5/6 للحديث عن قانون سلام السودان، وهنالك سعي من جانب الكونجرس لخاصة مجلس النواب إلى حرمان كل الشركات التي تتعامل مع السودان من الاستثمار أو ظهور أسهمها في البورصة الأميركية، من هنا يعني يتضح لنا إن هنالك موقفان، موقف الحكومة الأميركية، وهنالك موقف الكونجرس، والدور الأميركي يجب أن ينظر إليه عبر هذا.

مالك التريكي: يعني هل يمكن القول إن الكونجرس يعكس الموقف الأميركي الذي يعتبر أن قضية أهل جنوب السودان قضية أخلاقية، وأنهم ملتزمون أخلاقياً بمساعدة أهل السودان على تقرير مصيرهم، في حين أن الإدارة تعكس المصالح التي لها جذور تاريخية بالنسبة لهذه.. لهذه الإدارة التي لها علاقات بالشركات الكبرى وبالمصالح النفطية الكبرى وخاصة الرئيس ونائب الرئيس؟

د.أحمد الأمين البشير: ما يقوله أعضاء الكونجرس لتبرير موقفهم العدائي من السودان ليس له صلة بالحرص على حقوق الإنسان أو المصالح في الجنوب، وإنما له صلة بالموقف الديني المتطرف بطرفيه التبشيري المسيحي والصهيوني، فلهؤلاء نظرة خاصة إلى السودان ويعتبرون إن وحدة السودان تعني فتح السودان وإفريقيا لانتشار الإسلام واللغة العربية في حين يرى.. ترى مجموعة الضغط اليهودية بأن يعني هنالك ضرورة لقيام دولة جنوبية حتى يمكن لها أن تسيطر على مياه النيل، وبالتالي الضغط على مصر والدول العربية.. هذا.. هذه هي.. وطبعاً...

مالك التريكي [مقاطعاً]: إذاً.. هذا دكتور.. دكتور البشير، آسف على المقاطعة.. آسف على المقاطعة، هل يفهم من هذا أن أميركا عندما ضغط حسب ما تناقلته الأنباء على الطرفين للتوصل إلى هذا الاتفاق، هل يفهم الاتفاق الذي يقر بأن الإسلام هو أحد مصادر التشريع في.. في الشمال في مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير للجنوبيين بعد فترة انتقالية من ستة أعوام ، هل يفهم من هذا أن أميركا تريد في نهاية المطاف أن يُستفتى أهل الجنوب فيوافقون على الانفصال عن الشمال، هل هذا هو الهدف النهائي للولايات المتحدة، تجزئة السودان؟

د.أحمد الأمين البشير: ليس.. ليس ذلك بالضرورة، الولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية في هذه الفترة هو أن يكون هنالك سودان موحد، وقد يُدهش بعض الناس مثل هذا القول، فتفتت السودان يعني تفتت الدولة القومية في منطقة البحيرات، وهذا لا يخدم المصالح ا لأميركية الاستراتيجية، أيضاً...

مالك التريكي[مقاطعاً]: من ناحية أخرى، دكتور.

د.أحمد الأمين البشير: يعني.

مالك التريكي: دكتور، آسف على المقاطعة مرة أخرى من ناحية أخرى هنالك عدم اتفاق على الأقل طبعاً المفاوضات ستستأنف في منتصف القرن القادم، لكن عدم الاتفاق على تشكيل الحكومة الانتقالية، الحركة الشعبية لتحرير السودان تريد أن تكون الحكومة الانتقالية حكومة ذات قاعدة عريضة يتم إشراك مختلف القوى السياسية فيها، بينما تصر الحكومة على أن تكون الحكومة الانتقالية مؤلفة منها هي حكومة الخرطوم ومن الحركة الشعبية فقط، هل يفهم من هذا أن هنالك تشجيعاً أميركياً على أن تكون الصفقة بين الطرفين فقط مع إقصاء القوى السياسية السودانية المعارضة الأخرى؟

د.أحمد الأمين البشير: في اعتقادي إن الحكومة الأميركية رأت من.. يعني من ناحية علمية برجماتية إن حملة السلاح هم القادرون يعني على وضع الأسس للسلام في السودان، وأميركا الرسمية: تشكك كثيراً في مقدرة التجمع الديموغرافي على -يعني في هذه المرحلة- على تقديم شيء، لكن الباب مفتوح، وهذا يقودني إلى شيء آخر بدل أن.. أن تدين المعارضة هذا الاتفاق عليها أن تباركه، كما فعل السيد الصادق المهدي، وأن تطالب بشدة أن تكون هي ومصر والبلاد العربية طرفاً في الاجتماع القادم، وهذا الاجتماع القادم هو الأهم، هذا هو اجتماع التفاصيل، هذا هو اجتماع مستقبل السودان، ولذلك يجب أن نرحب الآن بالسلام ونُصرُّ ونضغط على أن تشترك كل القوى الوطنية في السودان في ذلك، وصدقني إن جارانج.. نعم.

مالك التريكي: ذكرت دكتور الموقف.

د.أحمد الأمين البشير: إن جارانج...

مالك التريكي: أنت شاركت.. أنت شاركت في إعداد تقرير أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية العام الماضي، ولُخص في عبارة واحدة هو دولة موحدة ونظامان مختلفان، نظام للشمال ونظام للجنوب، هذا التقرير ذكر أن لمصر مصالح مشروعة وتاريخية في استقرار السودان، وله مخاوف وبواعث قلق مفهومة من قيام كيان منفصل في الجنوب، ولابد من أخذ هذه المصالح بالاعتبار، هل ترى أن الموقف الرسمي الأميركي قد أخذ المصالح المصرية بالاعتبار، خاصةً أن وزير الخارجية المصري قال: إننا لم نعلم به إلا -يعني اتفاق ماشاكوس- لم نعلم به إلا من وسائل الإعلام؟

د.أحمد الأمين البشير: المبادرة المشتركة، أي المبادرة الأميركية.. على العموم المبادرة المصرية الليبية يعني ليست مقبولة لدى الولايات المتحدة في هذه المرحلة بسبب الصلة الليبية، فالولايات المتحدة في هذه المرحلة ليست مستعدة لإعطاء الضوء الأخضر، وفي اعتقادي إن مصر على صلة بما يحدث على الأقل على.. على المستوى الدبلوماسي، لكن يعني تغييب المبادرة له ظروف، فمبادرة الإنقاذ هي المبادرة التي ظلت الولايات المتحدة من عام 54.. 94 تؤيدها هاي.. هذه..

مالك التريكي: الدكتور.. الدكتور أحمد الأمين البشير.

د.أحمد الأمين البشير: وفي اعتقادي.. نعم.

مالك التريكي: الدكتور أحمد الأمين البشير (الأستاذ بجامعة واشنطن)، شكراً جزيلاً لك، وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.