مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيفا الحلقة: - حسن ساتي: كاتب صحفي
- د. حلمي شعراوي: مدير مركز البحوث العربية والأفريقية
تاريخ الحلقة: 25/08/2002

- ازدياد التوتر بين مصر والسودان في ظل اتفاق ماشاكوس
- الدور الأميركي في جنوب السودان وتأثيره في دور مصر

مالك التريكي: تزايد التوتر بين الخرطوم والقاهرة في أعقاب توقيع اتفاق ماشاكوس.

تساؤلات حول سيناريوهات المستقبل في السودان وعلاقاتها بالأمن القومي العربي.

أكد وزير الخارجية المصري أخيراً أن المبادرة المصرية الليبية للسلام في السودان لا تزال قائمة وأن التنسيق والتعاون لا يزالون مستمرين في إطارها، كما نفى صحة ما يتردد عن أن المبادرة المصرية الليبية قد تجاوزتها الأحداث، والأحداث طبعاً هي تطورات ناجمة عن اتفاق ماشاكوس الذي أحدث في القاهرة صدمة قد تكون هذه التصريحات من آثارها، إذ إن اتفاق ماشاكوس يمثل تحدياً جاداً لمصر، لا لأنه استبعدت من الجولة الأولى من المفاوضات التي أسفرت عن الاتفاق فحسب، بل لأن الاتفاق يتضمن احتمال قيام دولة انفصالية في جنوب السودان، وهذا احتمال خطير بالنسبة للقاهرة عملت منذ عقود على درء خطره من منطلق أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه هو أساس من أسس الأمن القومي المصري، فقد سبق للقاهرة قبل خمسين سنة أن بذلت جهوداً دبلوماسية مضنية للحيلولة دون مفاوضات تقرير المصير التي كانت بريطانيا ترمي من خلالها إلى فصل جنوب السودان عن شماله، وعندما تجدد الحديث عن الانفصال منذ أعوام قليلة أعلنت مصل على لسان وزير خارجيتها السابق أنها لن تسمح باستفتاء لتقرير المصير أو بفصل الجنوب، لأن السودان هو العمق الاستراتيجي لمصر.

هذا، ويتعلق الأمن القومي المصري في علاقته بالسودان بقضيتين على الأقل:

قضية المياه حيث أن ظهور دولة جديدة سيزيد من الضغط على موارد النيل.

وقضية الأصولية، حيث انفصال الجنوب يعني قيام دولة أصولية خالصة في الشمال يمكن أن تهدد استقرار النظام المصري، ولا يمكن لهذه المخاوف بطبيعة الحال أن تكون منفصلة عن جو انعدام الثقة الذي أحدثته محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا والتي اتُهم فيها نظام الخرطوم آنذاك بأن له ضلعاً فيها.

لهذا كله فقد توترت العلاقات بين الخرطوم والقاهرة في أعقاب اتفاق ماشكوس وبلغ التوتر حد عدم استقبال الرئيس المصري مبعوثاً سودانياً إلى القاهرة، ثم تفاقم بعد أن صرح الرئيس السوداني بأن السودانيين أحرص على وحدة السودان من المصريين أو سواهم، وبعد أن مضى في التصعيد إلى حد إعادة إثارة قضية منطقة حلايب التي قال إن السودان لم يتنازل عنها، بدليل أنه قدم شكوى في هذا الغرض إلى مجلس الأمن، فهل هذه مجرد زوبعة أخرى من الزوابع المعتادة بين النظامين في شمال وادي النيل وجنوبه، أم أن الخلاف الحالي مفتوح على احتمالات القطيعة الاستراتيجية ذات المضاعفات الخطيرة على كامل الأمن القومي العربي.

محمود تميم، يستعرض آخر التطورات في العلاقات السودانية المصرية في أعقاب اتفاق ماشاكوس.

ازدياد التوتر بين مصر والسودان في ظل اتفاق ماشاكوس

تقرير/ محمود تميم: تفاهم ماشاكوس بكينيا وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية تحت مظلة الهيئة الحكومية للجفاف والتنمية (إيجاد).. وبدعم أميركي كامل ولقاء الرئيس السوداني عمر البشير في كمبالا بقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان العقيد (جون جارانج) في تطور متسارع شكلا مفاجأة كبرى للحكومة المصرية، وكانت القاهرة إلى وقت قريب تتحرك في إطار ما كان يُعرف بالمبادرة المصرية الليبية المشتركة لحل أزمة الحكم في السودان وإنهاء الحرب الأهلية في الجنوب، وأبدت مصر تخوفها من هذه الاتفاقية التي تنص في أحد بنودها على فترة انتقالية مدتها ست سنوات، يعقبها استفتاء على مصير جنوب السودان، ربما يؤدي إلى انفصال الإقليم الجنوبي، وتنطلق تخوفات مصر من أمرين أساسيين هما: الماء والأمن في جنوب البلاد، وتخشى مصر من أن تؤدي الاتفاقية إلى انفصال الجنوب وقيام دولة هناك تسيطر على جزء كبير من مياه النيل، كما يقول بعض المسلمين إن الأمر يهم الأمن القومي العربي، فهناك تخوف من تنامي علاقات بين الدولة الجديدة وإسرائيل مما قد يضع إسرائيل في موقع المسيطر على مياه نهر النيل.

سعت الحكومة السودانية إلى طمأنة مصر من أهداف الاتفاقية، فبعث البشير نائبه الأول علي عثمان محمد طه إلى القاهرة، لكن الرئيس المصري حسني مبارك لم يلتق المبعوث السوداني، كان تلك إشارة واضحة إلى غضب مصر من تجاهل الحكومة السودانية لها في شأن تعتقد أنه يخصها هي أيضاً، غير أن هذا الموقف لم يوقف مساعي الحكومة السودانية لطمأنة الحكومة المصرية، فبعثت بوزير إعلامها آنذاك مهدي إبراهيم فالتقى بالرئيس مبارك الذي أكد في ذلك اللقاء حرص مصر على وحدة التراب السوداني.

أحمد ماهر (وزير الخارجية المصري): إن مصر تقف مع وحدة السودان وتقف مع الشعب السوداني في سعيه من أجل تثبيت هذه الوحدة في إطار سودان واحد قوي يتمتع فيه كل أبنائه بحقوقهم كاملة.

محمود تميم: العقيد جارانج من جانبه أشار إلى أن حركته تنشد وحدة السودان، وأن حق تقرير المصير أمر مشروع متفق عليه مع الحكومة السودانية.

جون غرنغ (زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان): مصر من الواضح أنها مهتمة بوحدة السودان وكذلك ليبيا وبقية جيراننا، ولكن ماذا ينوون أن يفعلوا أثناء الفترة الانتقالية لجعل الوحدة هدفاً جذاباً ومجدياً للجنوبيين؟

محمود تميم: يخشى بعض المسؤولين المصريين من أن يؤدي تقسيم السودان على أسس عرقية ودينية إلى تشجيع حركات انفصالية أخرى في داخل السودان وفي إفريقيا، الأمر الذي قد يشعل أكثر من حرب أهلية في القارة، بعض المراقبين يرون أن مصر لم يتم عزلها وحدها من أمر يهمها، فتوقيع الاتفاق بين الحكومة والحركة الشعبية قد عمد إلى عزل قطاعات كبيرة من الأحزاب السياسية الشمالية ذات الثقل الشعبي الكبير وإلى انفراد المؤسسة العسكرية ومجموعات من حركة الإسلام السياسي بالسلطة في الشمال، وهذا قد يؤدي إلى قيام دولة إسلامية في الشمال ربما تكون سنداً للجماعات الإسلامية المناهضة للحكم في القاهرة، الأمر الذي قد يهدد الاستقرار المصري.

الحكومة الأميركية سعت ما جانبها إلى طمأنة مصر من أن حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تجزئة السودان، لكن ذلك كله لم يزل مخاوف المصريين الذين يعتقدون أن لأميركا مخططاً خفياً في هذا الشأن.

أمر آخر يقف حجر عثرة في تاريخ العلاقات بين البلدين هو موضوع مثلث حلايب الذي يطل على منطقة غنية بالنفط والغاز الطبيعي في البحر الأحمر، وهذه قضية حدودية خلافية قديمة كادت أن تشعل حرباً بين البلدين في فترات مختلفة، لعل أخطرها عندما احتلت القوات المصرية مثلث حلايب إبان حرب الخليج ولا تزال هناك حتى الآن، لكن الرئيس البشير لدى زيارته مصر عام 99 اتفق مع الرئيس المصري على تشكيل لجنة لدراسة أمر التسوية بين البلدين.

رد الرئيس البشير على انتقادات مصر لتفهم ماشاكوس كان عنيفاً، حيث ذكر في مقابلة مع صحيفة "الوفد" القطرية أن حكومته أحرص على وحدة السودان من المصريين، وأن التفاوض مع العقيد جون جارانج يخص السودانيين وحدهم، وأن حكومته لا تستأذن أحداً في هذا الشأن، وفي نفس المقابلة أثار البشير مجدداً موضوع حلايب قائلاً: إن حكومته جددت شكواها لمجلس الأمن حول موضوع هذه القضية.

وفضلاً عن القضيتين السابقتين هناك محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا التي اتُهمت حكومة الإنقاذ نفسها بالتورط فيها بشكل ما، وهو حدث ربما لا يزال عالقاً في ذاكرة الرئيس المصري يلقي بظلاله على العلاقات بين البلدين.

وليست هذه المرة الأولى التي تشهد علاقات البلدين مثل هذا التوتر، لكنها ربما كانت أكبر هزة في علاقاتهما يتطلب معالجتها فهماً متكاملاً وتعاوناً صادقاً من قبل الجانبين.

مالك التريكي: اتسم رد الرئيس السوداني على انتقادات مصر لتفاهم ماشاكوس إذاً بالحدة، حيث أعلن أن السودانيين أحرص على وحدة السودان من المصريين أو سواهم، وأن التفاوض مع العقيد جون جارانج يخص السودانيين وحدهم وأن حكومته لا تستأذن أحداً في هذا الشأن.

معنا من لندن لبحث قضية العلاقات السودانية المصرية في أعقاب اتفاق ماشاكوس الأستاذ حسن ساتي (الصحفي الكاتب المتخصص في الشؤون السودانية) أستاذ حسن ساتي، بعد هذه التصريحات التي تتسم بالحدة أصدر الرئيس السوداني تصريحات أخرى كان فيها نوع من المرونة، حيث قال إنه يتفهم مخاوف المصريين بشأن احتمال انفصال الجنوب، ولكن هنالك اعترضاً أو عدم ارتياح في السودان مما سماه بالاعتراض المصري علي الإرادة السودانية، هل يعني هذا أن اتفاق ماشاكوس.. ماشاكوس يمثل نقطة اختراق استراتيجي من هنا فصاعداً بين التصور السوداني والتصور المصري للأمن الإقليمي في وادي النيل؟

حسن ساتي: هو قطعاً اتفاق ماشاكوس رسخ في ذهن مصر أنه ربما يكون للنظام السوداني أجندة خفية غير تلك التي يبديها من آن إلى آخر سواء كانت تتسم بالحدة أو تتسم بالمرونة أو تتسم بالقبلات أو الابتسامات أو العلاقات الدافئة، لكن أنا في تقديري أنا ميَّال إلى الاعتقاد، وقلت ذلك على أكثر من مرة عبر أكثر من جهاز تليفزيوني أو قناة فضائية أن.. أن هذا الاتفاق وجب له ألا يقرأ على.. النطاق الإقليمي، الصورة إذا فتحنا العدسة على الصورة الأشمل نجد أن هذا الاتفاق بعد أكثر من عشر جولات بين الحكومة والتمرد أو بين الجيش الشعبي لتحرير السودان والحكومة، هذا الاتفاق جاء في مناخ.. المناخ العالمي التالي لـ 11 سبتمبر، أقول بمزيد من الوضوح من هذا المنبر أن واشنطن الذي يقرءون النبض الأميركي تجاه قضية الإسلام السياسي تحديداً يحفظون أن واشنطن قد قالت أن الدم قد تجمد في عروقها مرتين مرة يوم أن استولى الخوميني على الحكم، والثانية يوم أن دخل. دخلت فصائل طالبان للاستيلاء على السلطة في أفغانستان، وكانت الترويج هنا إلى إسلام سني وشيعي.

الطرف الثالث في هذه المعادلة التي تهم واشنطن حتى قبل 11 سبتمبر هو شاكلة الإسلام السياسي الجديد في السودان، اللي هو لا.. لا ينتمي إلى السنة بمعنى ولا إلى الشيعة، ولكنه نظام يأخذ الإسلام السياسي بصورة جديدة وفيها الكثير من المغالاة والتصرف.. والتطرف وتوتير المنطقة، للحد الذي قالت فيه (أولبرايت) أن السودان أصبح جحر الأفعى.

المناخ التاني لـ 11 سبتمبر: واشنطن الذي يقرءون تفاصيل ماشاكوس قبل 24ساعة من توقيع هذا الاتفاق الطرفان حزما حقائبهما وأعلنا أنهما على.. على طريق المغادرة وفض التفاوض، فجاءتهم الإشارة من واشنطن، ولديَّ معلومات مؤكدة في هذا المجال أنه.. أنهم لا.. لا يمكن أن تعبثوا بأجندة واشنطن العالمية وفيها أنه لابد أن تفرغ واشنطن من بؤر وجبهات كثيرة للتفرغ للقضية الأساسية اللي هي محاربة الإرهاب، ونظام الخرطوم...

مالك التريكي[مقاطعاً]: لو كان الأمر كذلك أستاذ سامي، عفواً على المقاطعة، إذا كان الأمر كذلك فإن الاتفاق يمكن أن يُقرأ أيضاً على أنه انتصار للمبادرة الأميركية، رغم أن الاتفاق تم التوصل إليه في إطار (إيجاد) هيئة التنمية في شرق إفريقيا فإن.. فإنه قد تم التوصل إليه في إطار مبادرة أميركية فعلية، أي أنه انتصار للمبادرة الأميركية ضد المبادرة المصرية الليبية، وأن السودان استخلص أن مصر لم يعد لديها أي أدوات للتأثير السياسي على أحد طرفي النزاع إن لم يكن على كليهما، الأمران مرتبطان يعني.

حسن ساتي: هو أستاذ.. نعم، أتفق معك إلى حد، لكن أستاذ مالك، دعني أوضح أن القاهرة في معركتها لا أظن أنها تغفل أو نتغافل عن الدور الأميركي في هذا الاتفاق، ولذلك معرفة القاهرة بدل أن تتوجه إلى الخرطوم فقط في تقديري كان.. كان واجب لها أن.. أن.. أن تتجه أيضاً إلى واشنطن، لأن لواشنطن أجندتها الواسعة في هذا المجال، والتي تلامس أيضاً الصراع العربي الإسرائيلي وموقع مصر فيه.

واشنطن لأول مرة حاولت أن تخرج القاهرة من الملف السوداني، في وقت كانت إلى وقت قريب المناخ السائد قبل 11 سبتمبر كانت تضع الملف السوداني تقرأ الملف السوداني بعيون القاهرة باعتبار إن القاهرة حليف استراتيجي، ودعني أذيع لك سراً، الصادق المهدي حينما زار واشنطن في الثمانينات وهو رئيس الوزراء رفض الرئيس بوش مقابلته، وقال.. رفض الرئيس (ريجان) أقصد مقابلته، وقال بمعلومات أنا طرف أصيل فيها ومصدرها دبلوماسي غربي اشترطوا على الصادق المهدي، وضعوا له ثلاث شروط، وأنا نشرت هذا الكلام في أحد أعمدتي، ولم يُنفَ إلى الآن بما يؤكد أنه صحيح، كانت هذه الشروط لدى واشنطن هذا ألا تثير أي حساسيات ضد مصر، ولأن مصر تشكل بؤرة The sphere of interest of the America of the American interest In the area

يبدو أن ذلك لم.. لأن واشنطن

مالك التريكي: منطقة.. منطقة نفوذ منطقة نفوذ لأميركا في.. في المنطقة

حسن ساتي: أيوه.. نعم، كان هذا أحد الشروط التي وضعت على.. على للصادق المهدي من الإدارة الأميركية، الآن أنا أحس أن معرفة واشنطن في.. معرفة القاهرة في هذا الشأن لها أسبابها الموضوعية جداً، ولكن يجب ألا تُدار مع الخرطوم فقط، ولكن مع دولة كلنا نعرف أنها أصبحت تحرك العالم بطريقة وجب أن يتصدى لها الناس، فجزء من هذه المعرفة لم يسبق السيف العزل بعد، عفواً لأنه واشنطن إن أنت قلت شركاء إيجاد، وقلت لك: أتفق معك إلى حد، أنت قلت تحت مظلة إيجاد، أنا أقول أنها تمت بإيجاد وشركاء إيجاد، اتفاق ماشكوس...

مالك التريكي: بما فيها مصر.

حسن ساتي: وفي إطار إيجادهم تحديداً واشنطن وبريطانيا والنرويج والسويد، إذاً هناك.. هناك..

مالك التريكي [مقاطعاً]: بما فيها.. بما فيها مصر أستاذ حسن.. بما فيها مصر كطرف من أطراف إيجاد.

حسن ساتي: لأ، مصر ليست طرفاً في.. في.. في إيجاد، لذلك مصر لما قدمت المبادرة الليبية المصرية المشتركة قدمتها لتتجاوز مأزق إيجاد، لأنه إيجاد المأزق في.. في.. في كل مبادرات إيجاد أنها أن إيجاد تصور مأزق الحكم في السودان كما أنه لو كان جنوبياً شمالياً فقط، وهناك مأزق شمالي شمالي، والمأزق الشمالي الشمالي واضح بوجود التجمع الوطني السوداني المعارض والذي تشكل الحركة الشعبية بقيادة (جون جارانج) أحد أهم فصايله، وهذا.. وهذا.. هذا التجمع الوطني الديمقراطي القاهرة استضافته لسنين طويلة أيام توتر علاقاتها مع الخرطوم وربما الخرطوم الآن تريد أن تجعل القاهرة تدفع أثماناً سابقة لمواقف سابقة، لكن الشاهد..

مالك التريكي [مقاطعاً]: إذاً.. إذا أستاذ حسن.. أستاذ حسن، لأن الوقت أدركنا، إذاً هل يؤخذ كلام وزير الخارجية المصري عندما قال بعد لقائه مع (جون دانفورث) المبعوث الأميركي إلى السودان بأن هنالك تطابق بين الموقفين المصري والأميركي لمستقبل السودان؟ هل يؤخذ هذا الكلام حرفياً بأنه يعني.. يعني ما يقول؟

حسن ساتي: لا أقول.. لا.. لا أعتقد، هو المؤكد أنه لا.. لا.. لا مصر ولا واشنطن يريدان دولة انفصالية في جنوب السودان، لسبب بسيط لأن لهذه القضية بعد فوق مخاوف مصر فيها جزء كبير يهم عصب المصالح الاقتصادية للشركات الأميركية الكبرى، بمعنى أن جنوب السودان وممتداً إلى الكونغو الديمقراطية يحتوي على موارد تهم كثير جداً في العقد القادم فقط من الزمان مصالح كثيرة جداً، واشنطن اكتشفت مؤخراً أنه بوضع السودان في قائمة الإرهاب والابتعاد عنه تسابقت دول أخرى بما فيها روسيا وماليزيا والصين ودول أخرى سارعت إلى محاولة الاستثمار في السودان، فواشنطن تريد أن تسابق الزمن لتلحق بهذه الكعكة أو تقتسم ما.. ما تستطيع في العقد القادم، ولذلك فهي ترى أن تسوية سياسية عاجلة لابد أن تتم من أجل عيون الشركات الأميركية، وليس من أجل عيون الشعب السوداني.

مالك التريكي: الأستاذ حسن ساتي (الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون السودانية من لندن)، شكراً جزيلاً لك.

هنالك تزامن ملحوظ بين التقارب السوداني الأميركي من جهة وبين الفتور في العلاقات المصرية الأميركية من جهة أخرى، فهل هذه مجرد صدفة؟

نظرة في الدور الأميركي في جنوب السودان وتأثيره في دور مصر الإقليمي.

[فاصل إعلاني]

الدور الأميركي في جنوب السودان وتأثيره في دور مصر الإقليمي

مالك التريكي: بعد اتفاق ماشاكوس، بل يعد اتفاق ماشاكوس لدى أوساط كثيرة تجسيماً لانتصار المبادرة الأميركية على المبادرة المصرية الليبية للسلام في جنوب السودان، ولهذا فرغم التصريحات المطمئنة التي يطلقها المسؤولون الأميركيون لدى زياراتهم للقاهرة فإن الواضح أن هنالك توازناً بين تعاظم الدور الأميركي في جنوب وادي النيل وتناقص الدور المصري لبحث المخاوف المصرية ودور القاهرة في عملية السلام السودانية معنا من القاهرة الدكتور حلمي شعراوي (مدير مركز البحوث العربية والإفريقية).

دكتور شعراوي، بعد توقيع اتفاق ماشاكوس بقليل قامت الحكومة السودانية بتوجيه دعوة إلى الحكومة المصرية للمشاركة في الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس التي بدأت في الثاني عشر من هذا الشهر، ألم يكن من مصلحة مصر المشاركة في الجولة الثانية؟

د.حلمي شعراوي: يعني لا يُوضع السؤال بهذه البساطة على معالجة كل الموضوع، الاتفاق وأبعاده سواء بالنسبة للقوى المتنوعة في الخرطوم التي كانت قريبة من مصر وإلى آخره أو بالنسبة لمستقبل التحرك بهذا الشكل دون أي علم مسبق لمصر ومشاركتها فيه.

طبيعي مهما كان السياسات الجزئية هنا وهنالك، مصر دولة إقليمية كبرى والأميركيين عالجوا بهذا التحفظ وضع مصر، بالنسبة للسودان وبالنسبة لغيرها، لأن هي نفسها المشكلة بالنسبة لإسرائيل، إذا الأميركان متبنيين إسرائيل بهذا الشكل، ويحاولوا يعملوها قوة في الشرق الأوسط فبيعلموا أن مصر كقوة إقليمية لن.. لن تسمح بهذا ولا تتيح ظروفها تسمح بهذا، بالمثل بالنسبة للسودان.

مصر لها مبررات قوية في الاهتمام بوحدة الشعوب، لأن مصر نفسها أقرت حق تقرير المصير للسودان بين 53 و56، وحاربت ووقفت إلى جانب في الكونغو لوحدة الكونغو وفي نيجيريا لوحدة نيجيريا، ففيه أساس للدول الكبيرة في إفريقيا أن تدعم مبدأ الوحدة في النهاية، مهما كانت الاعتبارات الاستراتيجية الأخرى، لأني لا أحب أن أعالج مثل هذه العلاقة بكلام استفزازي، المهم علاقة الشعبين أهم من كل شيء في هذا الصدد، إذاً فلم يكن يعني إجابة على سؤالك لم يكن من السهل إن مصر تقبل أن تذهب كده بشكل ثانوي إلى محادثات في المرحلة الثانية، وهي مازالت مرحلة تناقش إمكانيات وقف إطلاق النار، يعني حتى إنفاق ماشاكوس نفسه لم يبدأ بعد في الواقع إذا لم توقف يعني لم يوقف وقف إطلاق النار.

الولايات المتحدة منذ ما كانت أولبرايت في نيروبي وأعلنت صراحةً أنها لن تقبل بشأن السودان إلا مبادرة الإيجاد، بمناسبة الكلام اللي سبق قيل دلوقتي، هذا موقف صحيح حتى ومصر في علاقة شبه متوترة مع السودان نفسه، لكن الأميركيين خطتهم عزل السودان كدولة.. كدولة في الإقليم عن مصر نفسها طول الوقت، والتصريح هذا كان واضح من البداية، لكن لابد أن ينتبه إن تصريحات دانفورث (المبعوث الأميركي) هي طورت الموقف الأميركي نفسه إلى عدم تأكيد ضرورة أن يكون الموقف انفصالي في الجنوب، هذا تطور لصالح استثمارات البترول، كما قلنا كثيراً أيضاً، استثمارات البترول في منطقة في وسط تمتد من.. السودان لتشاد لجابون، نيجيريا بما يعتبر زي آسيا الوسطى...

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور شعراوي.. دكتور شعراوي.. دكتور شعراوي، عفواً على.. عفواً على المقاطعة

د.حلمي شعراوي [مستأنفاً]: فهنا إذاً فيه موقف يجعل مصر مشارك قوي.. أيوه.

مالك التريكي: دكتور شعراوي، هذه.. هذه التصريحات بشأن عدم احتمال انفصال الجنوب عن الشمال في السودان نتعارض مع ما، وقد وقد أطلقها وزير الخارجية المصري، تتعارض نوعاً ما مع تصريحات مسؤولين مصريين منهم.. مسؤولين سودانيين منهم الرئيس السوداني نفسه، الذي قال إنه ليس لديه ضمانات بأن الاستفتاء لن.. لن يسفر عن.. عن انفصال لدى الجنوب، كيف تكون لدى المصريين ضمانات أو تطمينات ولا.. لا تكون عند السودانيين؟

د.حلمي شعراوي: يعني لا نستطيع أن نجعل مصر يعني كما قيل يعني أكثر من السودانيين، الرئيس السوداني كان يتحدى الاستفزازات الكثيرة التي جعلت من اتفاق يستمر ست سنوات ونص بشروط بناء تنمية مشتركة ومشروعات مشتركة وعوامل كثيرة تؤدي إلى الوحدة وبحد تعبير الاتفاق نفسه خلق ظروف جذابة للوحدة، يعني بهذا الشكل والصحافة والإعلام مصمم إلا أن تذاع أليس هذا انفصالاً؟ طبيعي الرئيس السوداني نفسه يقول والحكومة السودانية تقول أنه نعم من الممكن ذلك، وجارانج نفسه الذي يقول برنامجه الأساسي لحركة التحرير الشعبية عن خلق سودان جديد.. سودان ديمقراطي وعلماني ومتحرر، هكذا على أقل المواثيق الرئيسية لا يستطيع أن يجعل كارت حق تقرير المصير والانفصال كارتاً أساسياً في يده إذا فشلت كل الاعتبارات، هذا يعني بتكون استجابة للاستفزازات المثارة في تلك الفترة، لكن نحن لا يمكن أن.. إزاء.

مالك التريكي: إذاً.. إذاً دكتور شعراوي.. دكتور شعراوي، إذاً لترجيح لترجيح خيار الوحدة كنتيجة في الاستفتاء بعد الفترة الانتقالية من ست سنوات، ألا يكمن دور مصر الآن في التحرك من خلال الجامعة العربية لتفعيل دور صندوق تنمية السودان مثلاً الذي أقرته قمة بيروت الأخيرة؟

د.حلمي شعراوي: يا عزيزي، يعني أنا لا.. لا أحب أن أقيم أهرامات من الآمال على هذا الواقع العربي كثيراً، للأسف الشديد اللي إحنا يعني القضية الفلسطينية بتكشف عن كثير مما قد يجيب على سؤالك هذا، السؤال الحقيقي أن هناك علاقة خاصة بالفعل بين مصر والسودان، مؤسسة على كام برنامج تكامل كبير وكام برنامج لتنمية أيام اتفاق أديس أبابا 72، تم في برنامج التكامل المصري والسوداني عناية خاصة بموضوع الجنوب، أنا كنت قريب من هذا البرنامج، تقرر ألف منحة دراسية، ألف منحة دراسة من مصر لجنوب السودان، لم حتى تستعمل إلى حد كبير في أقصد أن حتى في حدود العلاقة الخاصة المصرية السودانية لو أن الحكم في الخرطوم يتجاوب أو يطور علاقته بالقوى السياسية وتقوم علاقة جديدة على أسس غير التي بنتها سياسات وأفكار الترابي القديمة بأعتقد أنه من الممكن أن يكون تكامل حقيقي بين البلدين يكون لجنوب السودان تنمية، وخاصة وأن الثروة البترولية في السودان ستغني عن الاحتياج لمثل هذا الصندوق وغيره، والأميركان عينهم على هذا، فلو أن النظم تعتبر لمصالح الشعبين بشكل حقيقي يكون فيه إمكانيات متوفرة ومخططات وبرامج قديمة تجعل تعاون مصر والسودان يمثل حقيقة أساسية في الواقع الإقليمي العربي نفسه، لكن للأسف الشديد يعني..

مالك التريكي [مقاطعاً]: هنالك أوساط دكتور شعراوي، هنالك أوساط مصرية.. هنالك أوساط مصرية تقول حتى مصر تتحمل نوعاً من المسؤولية في عدم تطور المشاريع التكاملية مع السودان، وهنالك حتى مصريون يقولون أن هنالك تصور بيروقراطي أمني منحصر في مسألة المياه في العلاقة مع السودان.

د.حلمي شعراوي: لا أعتقد ذلك، يعني طبعاً البيروقراطية في كل في.. في مصر يعني تضعف كثير من مشروعاتها التنموية وغير التنموية، لكن ليس هذا هو الأساس، الأساس إن مصر إمكانياتها ضعيفة والتضامن العربي كان ضعيف عموماً، ومع ذلك يعني فيه هامش كبير من العلاقات لم تكن مشاكل فيه بالنسبة للجنوب وبالنسبة لهذه المسائل جميعاً فيه مشروع لإنشاء قناة.. قناة جونجلي في جنوب السودان كُلِّفت الكثير وصُرف عليها من جانب البلدين جزء، وتعطلت خلال حرب موضوع الجنوب وعدم حرص الخرطوم على إنهاء هذه المشكلة بشكل ديمقراطي أفضل، فتعطلت قناة جونجلي في الجنوب.

مشكلة حلايب هناك كان مشروع لتنمية مشتركة في حلايب وشركة (علبة) معروفة واستثمار للمعادن اللي موجودة فيها، ومع ذلك للأسف لم يتم بسبب من البلدين بالتأكيد لم يتم استثمار هذا لحل المشكلة، الواقع نفسه في الخرطوم أو في القاهرة لإعادة بناء...

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور حلمي الشعراوي.. دكتور حلمي الشعراوي، لقد أدركنا الوقت.. دكتور حلمي الشعراوي (مدير مركز البحوث العربية والإفريقية في القاهرة) لك جزيل الشكر.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.