مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

فهمي هويدي: كاتب ومفكر إسلامي
أكبر أحمد: الجامعة الأميركية – واشنطن

تاريخ الحلقة:

10/11/2002

- ظاهرة صعود الأحزاب الإسلامية المعتدلة ودلالاته السياسية
- التحديات التي تواجه الإسلاميين المعتدلين بعد فوزهم في الانتخابات

- موقف الغرب من الأحزاب الإسلامية المعتدلة

مالك التريكي: بعد انتخابات المغرب والجزائر وتركيا والبحرين، تساؤلات حول دلالات الصعود الانتخابي للأحزاب الإسلامية المعتدلة.

أهلاً بكم، بعد وزير الخارجية الألماني السابق (كلاوس كنكل) الذي كان أول مسؤول أوروبي يصرح بأن تركيا لا يمكن أن تكون عضواً في نادي البلدان المسيحية الذي يمثله الاتحاد الأوروبي، وبعد رئيسة البرلمان الأوروبي السابقة (سيمون فاي) التي قالت: إن الحق ما شهدت به الجغرافيا، ها هو الرئيس الفرنسي السابق (فاليري جيسكار دي ستان) يعلن دون إفراط في الدبلوماسية أن تركيا ليست ببلد أوروبي فعاصمتها لا تقع في أوروبا كما أن 95% من سكانها يعيشون خارج أوروبا، لكن من المفارقات أنه في مقابل قيام (جيسكار دي ستان) الذي يرأس مؤتمر اللجان التي تعمل على تحديد مستقبل الاتحاد الأوروبي في مقابل قيامه بإغلاق الباب الأوروبي دون تركيا يقف حزب العدالة والتنمية ذو الميول الإسلامية الذي فاز بالانتخابات الأخيرة في تركيا يقف موقف القارع على الباب بإلحاح منادياً بالحق في الدخول بدليل التزامه بالعلمانية وبالفصل بين الدين والدولة.

وإذا كان من المصادفات أن يتزامن الصعود الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في.. ذي الميول الإسلامية في تركيا مع الصعود الانتخابي لسميه حزب العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية في المغرب، فإن من الأمور ذات الدلالة أن يجمع جيسكار دي ستان في حديثه بين البلدين تركيا والمغرب فيحذر من مغبة فتح مفاوضات مع تركيا حول الدخول في الاتحاد الأوروبي قائلاً: إنه لو حدث ذلك فإن المغرب سيقدم من الغد طلباً بالعضوية مما يعني نهاية الاتحاد الأوروبي. انتهى الاقتباس.

فهل هي مجرد مصادفة أن يعلن هذا الموقف الأوروبي من المغرب وتركيا بكل هذا الوضوح بُعيد بروز ظاهرة صعود الأحزاب الإسلامية المعتدلة في كل من البلدين أي بعد تأكد شعبية ما يسمى بالإسلام السياسي؟

ما يوجب هذا التساؤل هو أن صعود الأحزاب الإسلامية المعتدلة سواء في الانتخابات البرلمانية في المغرب وتركيا والبحرين أم في الانتخابات المحلية في الجزائر إنما يشير إلى نضج بعضٍ من الحركات الإسلامية وبداية دخولها معطىً جوهرياً ثابتاً في المسارات السياسية في بلدانها، مع ما يعنيه ذلك من احتمال تحول هذه الأحزاب في مستقبلٍ قد لا يكون بالبعيد إلى المخاطب الرسمي للحكومات الغربية، عبد السلام أبو مالك يتناول ظاهرة صعود الأحزاب الإسلامية المعتدلة ودلالاته السياسية.

ظاهرة صعود الأحزاب الإسلامية المعتدلة ودلالاته السياسية

تقرير/ عبد السلام أبو مالك: بعد سنوات قليلة من دخولها المعترك السياسي لم يعد مفاجئاً أن تحقق الأحزاب الإسلامية المعتدلة تقدماً في الانتخابات العامة التي تُجرى في بعض البلدان العربية والإسلامية، لكن المفاجئ هو أن تضاعف هذه الأحزاب مقاعدها في البرلمان كما حصل في المغرب أو تحقق فوزاً كاسحاً كما حدث في البحرين وتركيا، وكان من الطبيعي أن تدفع مثل هذه النتائج إلى التساؤل عن الأسباب وراء هذا المد وإعادة النظر في مُجمل ما كتب من تحليلات حول واقع ما اصطلح على تسميته بالإسلام السياسي ومستقبله، فالنتائج غير متوقعة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك خطأ النظرية التي روج لها بعض المحللين اليساريين الذين كانوا يرون أن مفهوم البديل الإسلامي كما رسمه الإخوان المسلمون في مصر في العشرينات من القرن الماضي أضحى مفهوماً متجاوزاً، وأن حركات الإسلام السياسي لا تملك وعياً سياسياً بخبايا الواقع السياسي والاجتماعي، وكانت مثل هذه النظرة إلى الحركات الإسلامية هي التي أدت إلى حظرها واعتقال قادتها والتضييق بشكل عام على أعضائها ومحاصرتهم في معظم الدول العربية والإسلامية، تارة بدعوى عدم وجود برامج سياسية لديهم، وأخرى بدعوى الحفاظ على المبادئ العلمانية، وثالثة بتهمة التطرف والعنف، لكن فوز الأحزاب الإسلامية المعتدلة في رأي الكثيرين هو دليل على النضج السياسي الذي بلغته هذه الأحزاب بعد سنوات من المحاولات المستميتة لتجد لها موطئ قدم في الساحة السياسية التي هيمنت عليها لعقود طويلة أحزاب من مختلف ألوان الطيف السياسي من دون أن ترقى إلى مستوى تطلعات الشعوب. وقد بدأ النضج السياسي لدى هذه الأحزاب بفهمها لما يسمى بقواعد اللعبة السياسية وقبولها الدخول فيها كطرف شرعي فاعل على الساحة المحلية، فكان انخراطها الهادئ في العمل السياسي وابتعادها عن الخطاب التكفيري للجماعات المتشددة التي لجأت للعنف والعمل المسلح من عوامل شعبيتها.

ورغم ذلك لا تزال المخاوف قائمة من تكرار ما حصل في تركيا عام 96 عندما أحكمت القوى العلمانية جيشاً وأحزاباً الحصار على نجم الدين أربكان ودفعته إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء بعد نحو سنة من تسلمه المنصب، ومن ثم حظر حزبه وحرمانه من النشاط السياسي مدى الحياة، أو تكرار ما حصل في الجزائر قبل عقد من الزمن عندما ألغيت نتائج الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وما ترتب عن ذلك من مجازر دموية لم تنتهي فصولها حتى الآن.

مثل هذه التجارب تبعث على التساؤل عما إذا كانت الأحزاب الإسلامية المعتدلة وقادتها سيلقون ذات المصير، وعلى افتراض أن ذلك لن يحدث يبقى التساؤل قائماً حول قدرة هذه الأحزاب على تنفيذ برامجها وإقناع الناخبين بكفاءتها وفعاليتها ونزاهتها ثم على الصمود في وجه المساعي الرامية إلى إجهاض تجربتها بشكل غير مباشر قد يكون هذه المرة عن طريق إشراكها في الحكم، ولكن ليس بالضرورة في السلطة والقرار.

التحديات التي تواجه الإسلاميين المعتدلين بعد فوزهم في الانتخابات

مالك التريكي: بعد سنوات قليلة إذن من دخول المعترك السياسي فرضت الأحزاب الإسلامية المعتدلة نفسها كفاعل سياسي يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع وقوته من دعمٍ شعبي غير مسبوق، لكن هذه الأحزاب لا تزال تتلمس معالم الطريق لإثبات نفسها، فهل ستحقق الآمال التي علَّقها عليها الناخبون أم أنها ستخفق في أول امتحان؟

معنا لبحث القضية (الكاتب والمفكر الإسلامي) فهمي هويدي. أستاذ فهمي هويدي، كلما فاز حزب إسلامي بنسبة معتبرة من الأصوات في الانتخابات قيل إنه فاز بسبب التصويت الاحتجاجي ضد النظام القائم والأحزاب الحاكمة وليس بفضل شعبيته في حد ذاته، هل تعتقدون أن هنالك مسوغات معقولة لاستمرار هذه المقولة، لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة في تركيا والمغرب؟

فهمي هويدي: أنا أظن أن هناك من يُصر على تجاهل الحقيقة، نعم، الأصوات الاحتجاجية موجودة، ولكن لا ينبغي أن يُنكر أن هذه الأحزاب بسمتها الإسلامي والجماهير بطبيعتها الإسلامية هذه تصوت لصالحها، فلماذا لا يُرى أن.. أن هناك جماهير تريد هذه الأحزاب وتصوت لها، وإذا قبلنا بقواعد اللعبة الديمقراطية، فلتفتح هذه الأبواب على مصارعها، ولا أظن أن الزعم بأنها فقط أصوات احتجاجية يمثل تفسيراً حقيقياً وإنما يمثل تجاهلاً للحقيقة التي تنكر أن هناك قاعدة إسلامية كبير تتطلع إلى مشاركة الإسلاميين.

مالك التريكي: لكن أليس من شأن ضعف نسبة الإقبال على الاقتراع في المغرب وخاصة في الجزائر في الانتخابات المحلية في الشهر الماضي أن يلقي نوعاً ما بظلالٍ من الشك على مدى شعبية هذه الأحزاب أو على الأقل على حجمها الحقيقي في الساحة السياسية؟

فهمي هويدي: يعني ضعف الإقبال يعني نستطيع أن نجده في.. ليس فقط في الانتخابات المغربية والجزائرية، ولكن في عموم الانتخابات التي تجري الآن في العديد من الأقطار، هذا موجود، ولكن هذا ينبغي ألا يُلغي الحقيقة التي.. الناصعة التي أسفرت عنها عملية التصويت، والتجربة الموجودة في تركيا تثبت هذا، هذا ينسحب ليس.. ليس فقط ضعف الإقبال ليس فقط ينسحب على موقف من الإسلاميين أو غيره، ولكنه من مجمل التجربة السياسية وحيث.. حيثما وُجدت إمكانية للجماهير لكي تشارك بالفعل في صياغة مستقبلها واختيار ممثليها، فإن الإقبال يتزايد، والجماهير تنسحب كلما أدركت أن أصواتها لا تمثل القيمة الحقيقية.

مالك التريكي: ما هو في تقديركم حجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه هذه الأحزاب الإسلامية المعتدلة من داخل قواعد اللعبة السياسية علماً أن الاتهام الموجه إليها دائماً أنها تصلح للمعارضة والاحتجاج، ولكن ليس لها قدرة على تقديم برامج عملية لتصريف شؤون الحكم؟

فهمي هويدي: دعنا نقول أن موضوع المعارضة هو أسهل شيء وهو أفضل وسيلة أو أنجع وسيلة للحصول على.. الأصوات في الشارع، يعني في المغرب الاتحاد الاشتراكي لم يكتسب شعبيته إلا لأنه كان في المعارضة لأمد طويل، ولكن أي معارض بيلقى.. بيلقى تأييد، ولكن السؤال عن حجم التغيير لا نستطيع أن نتوقع أن.. أن يحدث هؤلاء معجزة، لأنهم ناس ككل الناس وسياسيون كغيرهم من السياسيين ربما لهم مرجعيات مختلفة، ربما لهم أساليب وسلوكيات مختلفة، ولكن هم ليسوا قادمين من.. من.. من أماكن مجهولة، ولكنهم نبتٌ ظهر في.. في الواقع الاجتماعي والسياسي وبالتالي لا ينبغي أن نتوقع الكثير، وإنما مثلاً في حالة مثل حالة تركيا أظن أن هناك مشكلات جسيمة بعضها وفي مقدمتها الفساد والركود الاقتصادي، إذا استطاعوا أن يوقفوا التدهور، هذا يعد إنجازاً طيباً، أما إذا استطاعوا أن يدفعوا بالعجلة إلى الأمام، فهذا يكون مطلوباً، ولكن ينبغي أن يعطوا وقت، والذي يحدث حينما يتولى إسلاميون أي موقع، فإنهم يُحاكمون منذ اللحظة الأولى وأحياناً يصدر الحكم قبل أن يمارسوا أي عمل.

مالك التريكي: يرتبط بهذا السؤال سؤال آخر عن مدى التزام الحركات الإسلامية المعتدلة باللعبة الديمقراطية تعرفون أن قطع المسار الديمقراطي في عدد من البلدان وقع بسبب الخوف من وصول هذه الأحزاب إلى السلطة، وكون الانتخابات التي أوصلتها إلى السلطة ستكون آخر انتخابات في تاريخ البلد، وهذا يعيد نوعاً ما مسألة الشعار الشهير في حركة الستينيات 68 في فرنسا أنه "لا حرية لأعداء الحرية"، ما قولكم في هذا الرأي؟ العلمانيون يقولون لا ديمقراطية للإسلاميين، لأنهم أعداء الديمقراطية؟

فهمي هويدي: هو بالمناسبة.. في العالم العربي العلمانيون هم الذين يحكمون والديمقراطية كما ترى ويعرف الجميع، فلا نستطيع أن ننسب إلى طرف دون آخر أنه -بين قوسين- عدو للديمقراطية، هذه مبالغات المسألة ليست عداء للإسلاميين، ولكنهم فيه عداء للديمقراطية، الذي يرتضي الديمقراطية، فينبغي أن يدفع ثمنها، أما كون الإسلاميين.. حين إذا وصلوا إلى السلطة أو شاركوا فيها يمكن أن يمثلوا تهديداً للديمقراطية، الحاصل في عالمنا العربي أن غير الإسلاميين هم القابضون على السلطة، والديمقراطية حالها -كما تعرف- وبالتالي ليس هذا حكراً على أحد، ولكن هو المهم علينا أن نتعامل مع حقائق الواقع بحيث يكون المحور الأساسي هو الدفاع عن الديمقراطية و.. و.. وعلى كل من يعتدي على الديمقراطية أو يهدر قيمها أن يدفع ثمناً باهظاً لقاء فعلته هذه، سواءٌ كانوا إسلاميين أو غير إسلاميين.

مالك التريكي: مما أكسب الفوز الإسلامي في تركيا و.. والمغرب، والجزائر حتى في الانتخابات المحلية هو أن هذا الفوز قد وقع مع.. تزامناً مع إقصاء تيارات إسلامية أخرى، والسؤال المطروح هو أنه على فرض لو أن التيارات الإسلامية الأخرى حتى التي توصف بأنها متطرفة وعنيفة سُمح لها بالمشاركة في الانتخابات، أتعتقدون أن الرأي العام الإسلامي سيُفضل الحركات المعتدلة على الحركات غير المعتدلة؟

فهمي هويدي: أنا أظن أن الاعتدال هو.. هو الأصل في طبيعة البشر، هو الأصل في الفطرة الإنسانية، والتطرف أو.. أو العنف هو استثناء، والمشكلة التي تحدث دائماً أننا نسلط الضوء على التطرف والاستثناء، ونتجاهل تماماً الأصل والقاعدة، وهذه.. الإعلام لعب دوراً كبيراً في هذا، وعبأ الناس على نحو استهدف تخويف الرأي العام من أي مشاركة إسلامية، وحينما يرفع الغطاء وتكون هناك أي انتخابات نزيهة، فالقدر المتيقن أن الاعتدال هو الذي يكسب، لأن البشر بطبيعتهم يقفون في هذا الصف.

مالك التريكي: من مظاهر التناقض نوعاً ما في موقف الأنظمة الحاكمة من.. من ما يسمى بالإسلام السياسي -وأعرف أنكم لا تقبلون هذه التسمية- هو أنها لا تقبل التعامل مع الحركات غير المعتدلة، ولكنها أيضاً لا تقبل التعامل مع جميع الحركات المعتدلة، مثلاً في مصر الإخوان المسلمون إلى حد الآن ليس لهم ترخيص قانوني بالعمل كحزب سياسي، وفي.. في الجزائر السيد أحمد طالب الإبراهيمي منذ زمان قدم طلباً لتشكيل حزب ولم يقبل، كيف تفسرون هذا التناقض؟

فهمي هويدي: أنا أظن -يا سيدي- وينبغي أن يكون واضحاً أنها ليست.. أن هذا الموقف ليس موقفاً لا من الإسلاميين ولا من الديمقراطية.. عفواً، لا من الإسلاميين ولا من الإسلام، فهذه حكومات إسلامية، وترعى العمل الإسلامي والشؤون الإسلامية بشكلٍ أو آخر، ولكن هي المشكلة أو الأزمة الحقيقية هي بين الأنظمة والديمقراطية، وبالتالي لو أن القوميين.. القوميين مثلاً كانت لهم شعبية كبيرة في الشارع العربي لو وجهوا بنفس هذا الموقف من التقييد والحظر، فالوضوح هنا يكون مهماً، لأن.. وإدراك حقيقة الموقف من الديمقراطية هو يحل الإشكال ويفسر الظاهرة دون اتهام للأنظمة بأنها لها موقف من الإسلام أو الإسلاميين، لا هي موقفها الحقيقي والأزمة الحقيقية هي بين الأنظمة والديمقراطية بالدرجة الأولى.

مالك التريكي: الكاتب والمفكر الإسلامي المعروف الأستاذ فهمي هويدي من القاهرة، لك جزيل الشكر.

منذ أشهر صارت الدولة الغربية.. منذ أشهر صارت الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة تتحدث عن وجوب انتهاج الديمقراطية في الدول الإسلامية، وتقول إن التطرف والإرهاب هما نتيجة لتفاقم ما يسمى بالاستبداد الشرقي، فكيف ينظر الغرب الآن إلى الأحزاب الإسلامية المعتدلة التي تلتزم بقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية؟

[فاصل إعلاني]

موقف الغرب من الأحزاب الإسلامية المعتدلة

مالك التريكي: منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ظهرت في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة نظرية تقول بأن حركات التطرف الديني وحركات الإرهاب ما كانت لتنتشر في العالم الإسلامي لولا تفشي المظالم السياسية، وقمع الأنظمة التسلطية لكل رأي حر، وتفاقم ما يسميه المستشرقون بالاستبداد الشرقي، ولهذا أصبحت الدول الغربية تنادي بوجوب انتهاج الديمقراطية في الدول الإسلامية، فهل سيظل الغرب ملتزماً بالدعوة للديمقراطية حتى لو أتت بالإسلاميين إلى الحكم في أكثر من دولة إسلامية؟

معنا لبحث القضية البروفيسور أكبر أحمد (أستاذ كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية بواشنطن)، برفيسور أكبر أحمد، الدول الغربية -وخاصة أميركا- تنادي منذ مدة بوجوب انتهاج الديمقراطية في الدول الإسلامية، هل تعتقدون أن الدول الغربية ستلتزم بهذه الدعوة طول الوقت حتى لو أدت إلى وصول الإسلاميين إلى الحكم في أكثر من بلدٍ إسلامي مثلما حصل أخيراً في تركيا؟

أكبر أحمد: أعتقد أننا علينا أن نفهم أين نحن في اللحظة التاريخية، فاللحظة التاريخية هذه لحظة حرجة في العلاقة بين الإسلام والغرب، هي لحظة تحدي كبير، وفرصة كبيرة، وأعتقد أن الوقت قد حان للمفكرين والعلماء المسلمين أن يشرحوا جوهر الإسلام وجوهر المجتمع الإسلامي للغرب، وتذكروا أنه لمعظم الناس الإسلام مفهوم جديد، فلم تكن لديهم فكرة قبل الحادي عشر من سبتمبر، وهم الآن في طور التعلم، الكثيرون تصوروا أن الإسلام ليس سوى تطرف وتشدد، ولا يريدوا الديمقراطية ولا يحبوا الديمقراطية، الآن يتساءل البعض هل يشجع الإسلام الديمقراطية أم يشجع العنف؟ هل الإسلام يشجع على إخضاع المرأة؟ ونحن كعلماء مسلمين علينا أن نرد على هذه الأسئلة ونوضح الحقائق.

مالك التريكي: من النقاط التي أكدت عليها في كتاباتك أخيراً ضرورة العودة إلى التقاليد الإسلامية التي تحث على إجلال العلم والجد في طلبه، هل تعتقدون أن انتشار التعليم سيؤدي إلى بروز مزيد من الحركات الإسلامية المعتدلة التي ستؤدي إلى تغيير الصورة المشوهة المنتشرة في الغرب؟

أكبر أحمد: نعم، بالنسبة لي هذه هي جوهر القضية التي نحن بصددها. أنا أرى القضية على أنها محاولة من جانب المسلمين ليمدوا يدهم وصولاً إلى الفكرة الإسلامية، وهي بالنسبة إلي تقوم على أساس ثلاثة قواعد مهمة: العدل، والأخرى العلم، والثالثة هي التوازن و.. في المجتمع، لو أن المجتمعات لا تملك هذه السمات الثلاثة، فليس هناك إسلام، فلو رأيتم التوتر بين الإسلام.. بين الناس وبين حكامهم الذين يحاولون وضع حد لانتشار هذه القواعد فسترون مشكلة، هذه هي.. الديناميكية التي يجب أن نفهمها حول الإسلام، وهناك نظريات كثيرة، منها نظرية (برنارد لويس) الذي قال في كتاب له.. قال فيه إن الحضارة العربية جاءت من لا شيء وقدمت الكثير للإنسانية، ولكنها انهارت إلى الأبد، ومعارضة لتلك النظرية نشرت أنا كتابي الذي هو بعنوان "اكتشاف الإسلام" عارضاً فيها نظريتي التي تقوم على أساس إثارة فكرة المثل الإسلامية، وعلى المسلمين أن يفهموا هذه القيم بأنفسهم وينشرونها.

مالك التريكي: منذ عام 92 -بروفيسور أكبر أحمد -قال الباحث السياسي الفرنسي (أوليفر وا) بمقولة إخفاق الإسلام السياسي، ثم تبعه في ذلك الكاتب السياسي (جيل كيبل) الذي عمق المقولة أخيراً، هل تعتبرون أن الانتخابات الأخيرة في تركيا والمغرب والبحرين تؤكد هذه المقولة أم تنفيها، باعتبار أن الإسلام السياسي المقصود هو الإسلام الذي ينتهج العنف والإرهاب؟

أكبر أحمد: نحن نبحث تركيا والبحرين، ولكننا ما لم نبحثه هو باكستان، وعلينا أن نتذكر إن الأحزاب الدينية في باكستان لم تحز أبداً على أكثر من 5 أو 6 مقاعد، الآن عندهم عشرة أضعاف هذه المقاعد، هناك في الأمة الإسلامية رغبة للوصول إلى تحقيق المثل الإسلامية، أنا لا أرى الأمور كما نراها في سياق نقاشنا في هذا البرنامج اليوم، أنا أعتقد أن المشكلة هي بين الحكام المسلمين والأمة الإسلامية، وفي أحيان كثيرة كلٌ يذهب في طريقه، وإذا ما حصل من أن الحكام والشعوب اتجهت بشكل.. بمسار موحد نحو القيم والمثل فسننجح، وإلا فسوف نخفق.

مالك التريكي: ذكرت بروفيسور، الباكستان نقطة الافتراق بين باكستان وبين الدول الإسلامية الأخرى في الانتخابات الأخيرة هو أن تحالف الأحزاب الإسلامية الذي نجح في باكستان لا يمكن -بأي حال من الأحوال- وصفه بأنه معتدل، ألا توافق على ذلك؟

أكبر أحمد: لا، علينا أن نفهم طبيعة باكستان، وعلى خلاف معظم البلدان الإسلامية فقد خلقت باكستان كدولة على أساس رؤية إسلامية، ولو تذكرت.. تذكرتم حركة من أجل إنساء.. إنشاء باكستان في الأربعينيات كانت على أساس إقامة دولة إسلامية حديثة، وبناءً على تعاليم وأسس الإسلام نفسه، فمهما كانت الأوضاع السياسية في باكستان تبقى فكرتها كفكرة بالنسبة فكرة مهمة جداً للعالم الإسلامي، ويجب أن نفهم ذلك دائماً.

مالك التريكي: قبل حوالي عقد من السنين بدأ بعض قادة الحركات الإسلامية المستنيرة في التأكيد على وجوب الانسلاك في.. في اللعبة الديمقراطية، والقول بأنه يمكن في البلدان الإسلامية أن تظهر أحزاب إسلامية ديمقراطية، مثلما هناك أحزاب ديمقراطية مسيحية في مثلاً إيطاليا وألمانيا، هل تعتقدون أن الظروف بدأت تنضج لتكريس مثل هذا النوع من الأحزاب؟

أكبر أحمد: أعتقد أن الوقت مناسب الآن، وسوف نرى المزيد من الأحزاب الدينية أو التي ذات ميول دينية تأتي إلى مقدمة المسار السياسي، وعلينا أن نحتوي هذه الأحزاب، ونرسخ المبدأ الديمقراطي حتى ولو كان الحكام لا يحبون الانتخابات ونتائجها ومبدأها، بل عليهم أن يحترموا رغبات الناخبين وشعوبهم، لأن ذلك لو لم يحدث فسوف نرى ما.. ما حدث في الجزائر يتكرر، ودائرة العنف تنتشر إلى حدٍ يقرب من الحرب الأهلية، وعلينا أن نمنع ذلك ونشجع الديمقراطية.

مالك التريكي: البروفيسور أكبر أحمد (أستاذ كرسي ابن خلدون للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية بواشنطن) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.