مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

إدوارد ايتكسون: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - واشنطن
بروفيسور/ أندرنيك ميجرنيان: عضو المجلس الرئاسي السابق
موسكو

تاريخ الحلقة:

23/05/2002

- الموقف الأميركي من العلاقات مع روسيا
- المحاولات الروسية للنهوض الاقتصاد في ظل الفساد

- المواقف الروسية من العلاقات مع أميركا

إدوارد نيكسون
إندرانيك ميغرنيان
مالك التريكي
مالك التريكى: تطور العلاقات بين موسكو واشنطن في ضوء تحول العقيدة الأمنية الروسية من القول بوجوب التعددية القطرية إلى العمل بالمثل الأمريكي إذا لم تستطيع الانتصار عليهم فما عليك إلا بالانضمام إليهم، تساؤلات حول مدلولات إعادة صياغة دور موسكو الاستراتيجي بين الشروط الأميركية للعولمة الأمنية وبين الرغبة الروسية في اللحاق بركب.. بركب (...) الغربية.

أهلاً بكم، قبيل نهاية القرن السابع عشر خرج قيصر روسيا (بطرس الأكبر) فيما عرف بالسفارة الكبرى، فأقام في أوروبا 3 أعوام كاملة بغية الإحاطة بأحدث التقنيات الغربية في مجال الصناعة، ومنذئذٍ توالت البعوث، إلا أن روسيا القيصرية لم تتمكن من اللحاق بركب الثورة التجارية في القرن الثامن عشر، ولا بركب الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، ورغم نجاحات القرن العشرين فإن روسيا السوفيتية هي الأخرى لم تنجح في نهاية المطاف في اللحاق بالركب الغربي، بل إن العقد الأخير لم يمضى حتى كانت روسيا ما بعد السوفيتية قد هوت سحيقاً في البؤس ووقعت فريسة نفس ذلك الشلل الحضاري الذي كان (ميخائيل نعيمة) قد صوره قبل ثورة عام 17 في قصيدته الشهيرة "النهر المتجمد"، التي يخاطب فيها روسيا قائلاً:

يا نهر هل نضبت مياهك فانقطعت عن الخرير.

أم قد هرمت وخار عزمك فانثنيت عن المسير.

ولأن ظاهرة التأخر عن الغرب هي أوكد مشكلات روسيا عبر تاريخها فإن (فلاديمير بوتين) لم يأتِ إلى السلطة قبل عامين حتى أعلن ربما آخذاً للرغائب بمأخذ الحقائق، أعلن أن روسيا سوف تلحق بالغرب في غضون 15 سنة، ذلك أن قصة انهيار روسيا السوفيتية هي قصة إفلاس دولة أنهكها سباق التسلح مع الولايات المتحدة التي كانت همة رئيسهاً (رونالد ريجان) آنذاك قد تعلقت بغاية هي حرب النجوم، بمثل ما أن همة رئيسها الحالي (جورج بوش) متعلقة حالياً بغاية هي درع الفضاء، ولهذا فأن روسيا تدخل الآن مرحلة جديدة من الحد من التسلح من باب الإقرار بالأمر الواقع، على ما أبداه الرئيس (بوتين) من براعة في الإيهام بأن روسيا اختارت التوقيع على معاهدة خفض الرؤوس النووية بمحض قرار حر، وبما أن هذه المعاهدة هي أحدث شاهد في سلسلة شواهد كثيرة بدأت منذ الحادي عشر من سبتمبر على تزيد التعاون الروسي مع الغرب، فإن روسيا قد بلغت مفصلاً هاماً في تاريخها أوجب التساؤل، هل كفت روسيا عن أن تكون عدواً محتملاً للغرب مجدداً بوجهها الذي وصفه الشاعر (ألكسندر بولوك) بالوجه الآسيوي، وهل أن الانحياز الروسي الجديد للغرب استثمار سياسي ستكون له عوائد ملموسة؟

أكرم خزام يبين في التقرير التالي من موسكو أن معاهدة خفض الأسلحة النووية لا تحظى بإجماع لدى النخبة السياسية والعسكرية الروسية.

الموقف الأميركي من العلاقات مع سوريا

تقرير/ أكرم خزام: منذ انهيار الاتحاد السوفيتي صار الهم الأساسي لرموز بارزة في السلطة الروسية تثبيت فكرة أن العلاقة مع الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً خير منقذ لروسيا من أزماتها، الأمر الذي أثار استغراب المؤسسة العسكرية الروسية التي طالبت بإعادة النظر بالمعاهدات التي وقعت مع واشنطن في مجال الأسلحة الإستراتيجية، ووضعت علامات استفهام شديد على معاهدة (سالت) الثالثة، قلق المؤسسة العسكرية الروسية من معاهدة (سالت) الثالثة المزمع توقيعها في الكريملين، نابع من إصرار الولايات المتحدة على احتفاظ الأميركيين بكمية من الرؤوس النووية دون تدميرها، وإمكانية تشغيلها مستقبلاً، وهذا يعنى أن الأميركيين يكرسون مفهومهم النووي الجديد القائم على تكديس الرؤوس النووية والاحتياط النووي للحالات الطارئة.

فيكتور كرمينيول (نائب عميد معهد الولايات المتحدة): المعاهدة تنص على تقليص متبادل للرؤوس النووية، لكن الشكوك لا تزال قائمة بسبب عدم تضمن الاتفاقية لآليات وضمانات التخطيط، فالموضوع جدي ويطال الأسلحة الاستراتيجية عموماً .

أكرم خزام: على أن القلق الأكبر بالنسبة للروس يتمثل في تشبث واشنطن ببناء درعها النووي الخاص بها، والذي يمكنها مستقبلاً من إسقاط أي صاروخ باليستي عابر للقارات يستهدف الأرضي الأميركية من البلدان المارقة حسب التعبير الأميركي.

ويتلخص الموقف الرسمي الروسي إلى الآن بمعارضة إنشاء الدرع الأمريكي لأنه يشكل انتهاك لمعاهدة الدفاع المضادة للصواريخ لعام 72، والتي تعتبرها روسيا، صجر الأساس في التوازن الإستراتيجي وتحقيق الاستقرار الدولي، لكن ما الذي دفع الكريملين للالتفاف على هذه الثوابت التي طالما أكر عليها مراراً.

فيتالي نعوملين (رئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية): هناك رأى يقول أن هناك خلل دولي جديد، ولكن في رأى هناك نظام جديد، نظام مع كل أسف يعكس الأمر الواقع، هو أن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت القوة الأساسية، في الحقيقة لا تستطيع أي قوة أخرى أن تتحداها في العالم.

أكرم خزام: معاهدة (سالت) الثالثة، وبالمقارنة مع المعاهدات السابقة ستؤمن ربحاً عسكرياً للأميركيين من خلال زيادة قدرتهم الدفاعية، ونيتهم بنقل السلاح النووي إلى الفضاء الخارجي، الأمر الذي سينعكس على التوازن الإستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة أمام انتقادات حادة للكريملين تدعوه إلى وضع إستراتيجية لمواجهة خطط الولايات المتحدة.

اليكساندر بيكاييف (مركز كارنيغي للأبحاث الاستراتيجية): من المبكر لأوانه الحكم ما إذا كانت سياسة الكريملين الموالية للغرب قد أتت بفوائد ما، فمازلنا نشهد تزايد الضغط الأميركي، وحل بعض المسائل سيكون سيئاً مثل توسيع الناتو شرقاً، ناهيك عن الوجود العسكري الأميركي في الجمهوريات السوفيتية السابقة.

أكرم خزام: مبررات الكريملين لأقدامه على التوقيع على معاهدة (سالت) الثالثة تنطلق من أن العالم أحادي الجانب، وتتزعمه الولايات المتحدة، ومن أجل كسب شروط أفضل للوجود والانضمام إلى الهيئات الدولية، لابد من دعم الولايات المتحدة، وبدون هذا الدعم لن تحصل روسيا على شيء، في ينطلق المعارضون للكريملين من ضرورة إقامة حلف مع الصين والهند وإيران، وبعض دول الاتحاد السوفيتي السابق لمواجهة المخاطر الأميركية المحتملة، وتوسيع الناتو شرقاً بالرغم من انضمام روسيا إلى مجلس العشرين.

مالك التريكى: أصبح الكريملين إذن نتائج السياسة يصفها المنتقدون بأنها موالية للغرب، وهذه تهمة لم يكن من القابل للتصور أن توجه إلى روسيا قبل بضعة أعوام، ومع هذا فقد لاحظتهم أن (إليكساندر بيكاييف) قال في التقرير إن من السابق للأوان الحكم ما إذا كان من شأن هذه السياسة الجديدة أن تعود بأية منافع على روسيا، فكيف تنظر الولايات المتحدة الأميركية إلى هذا التطور، معنا من واشنطن لبحث الموقف الأميركي من تطور العلاقات مع روسيا السيد (إدوارد ايتكسون) الخبير في العلاقات الأميركية الروسية في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أستاذ (إدوارد ايتكسون) هنالك أوساط روسية تقول إن الولايات المتحدة هي المستفيد الوحيد من تطور العلاقات مع روسيا، مثلاً بالوصول إلى سوق النفط والغاز المربح جداً في روسيا، دون تقديم مقابل لروسيا مثل مساعدة الصادرات الروسية على النفاذ إلى الأسواق الأميركية مثلاً، ما رأيكم؟

إدوارد ايتكسون: أعتقد إننا ومن أجل أن نفهم طبيعة ما نراه حادثاً الآن، فإن علينا أن نفهم أولاً تاريخ العلاقة بين البلدين فالولايات المتحدة الأميركية وبشكل تقليدي لديها علاقة مفتوحة ومسترخية نوع ما مع أصدقائها وحلفائها، بينما الجمهورية الروسية كانت لها علاقات مع متوترة نوعاً ما مع حلفائها السابقين، وأصدقائها وعليه ففي الوقت الذي تميل فيه الولايات المتحدة إلى التواصل إلى اتفاق غير رسمي، وإلى اتخاذ قرارات حول تناول القهوة وفي جو ودي، بينما الروس يضعون وعلى الورق أشياء رسمية، ويريدون توقيع من أعلى المستويات ومصادقات من البرلمان، إذن ما نراه إن هناك اختلافاً في أسلوب الطرفين، وأعتقد أن الرئيس بوش كان.. كان سيفضل الذهاب مع الرئيس بوتين .. الذهاب إلى مكان هادئ والاتفاق على شيء مشترك، ولكن الرئيس بوتين ومساعديه ومستشاريه ينظرون إلى اتفاقية ويتطلعون إلى اتفاقية رسمية، فما نراه إذن في هذه الاتفاقية هو مزيج من الشكلين والأسلوبين، فهي اتفاقية ستتطلب مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي، ولكن في نفس الوقت ليست واضحة في الكثير من تفاصيلها، وعلى سبيل المثال فنحن نرى إنها تتضمن بنداً لتخفيض الرؤوس النووية إلى حدود 1700 إلى 2200، ولكن في نفس الوقت قد تتضمن بنوداً لأنظمة توصيل الصواريخ التي لم يتم التوصل لاتفاق حولها،ولا أعتقد أنه هناك أي اتفاق حول حقيقة، إذن أنه.. إنه.. إنه (...) بين واشنطن.

مالك التريكى [مقاطعاً]: بصرف النظر، أستاذ أيتكسون بصرف النظر عن التفاصيل الفنية للمعاهدة، بصرف النظر عن التفاصيل الفنية للمعاهدة، هنالك اعتقاد لدى كثير من الروس، وخاصة الساسة والمثقفين، أن (بوتين) ربما يقع في نفس الخطاء الذي وقع فيه (جورباتشوف) وهو القبول بالتخلص من الكثير من مظاهر القوة الروسية دون الحصول على شيء في المقابل، هل تفهمون هذا التخويف.

إدوارد أيتكسون: نعم أنا أتفهم ذلك، لكن لا أعتقد إن هذه ملاحظة في محلها ومنصفة، لأن الولايات المتحدة ما تقوم به من حيث الأساس هو ما كانت ستقوم به من دون حتى وجود اتفاقية أذن فنحن نوافق ونتفق على ما نتفق عليه حول الورق.. على الورق مع الروس، حول ما كانوا يريدونه، إذن فنحن نحصل.. فهم سيحصلون على ما يردون عليه، ونحن نفعل ما نفعله بوجود اتفاقية أم لا.

مالك التريكى: هذا جانب فقط من المسألة، تطور العلاقات بين روسيا وأميركا ، يقال مسائل أخرى مسائل اقتصادية وسياسية أيضاً، الآن الاتحاد السوفيتي السابق عندما انهار كان الأمل أن.. أن روسيا ستصل إلى نوع من التعاون مع الغرب يوصل إلى نوع من الازدهار الاقتصادي، لكن روسيا لم تحصل على ذلك، لم تعفى من.. من ديونها مثل عدد من دول أوروبا الوسطى، هذه المشكلة تحز في أنفس الروس، عدم الإعفاء من الديون، وعدم وصول الصادرات إلى الأسواق الأميركية.

إدوارد أيتكسون: نعم أعتقد أن هذا صحيح، وربما كان سيكون هناك المزيد من الخطوات من الجانب الغربي، في الناحية الاقتصادية ما لم يكن هناك هجوم على مركز التجارة العالمي، وانهيار توقعاتنا لوجود فائض في ميزانيتنا في المستقبل، فنحن نتحدث عن تريليونات من الدولارات على مدى الست سنوات القادمة، فنحن لم نعد نرى ذلك موجوداً كما كنا نتوقع، فلذلك فإن التوصل إلى اتفاق مع روسيا حول...

مالك التريكى [مقاطعاً]: أخيراً، أستاذ أيتكسون، هل اطمأنت أمريكا الآن... هل اطمأنت أمريكا الآن إلى أن روسيا أقلعت عن تعددية القطبية،multi Polarity ، الذي كانت تنادى به.

إدوارد ايتكسون: لا، لا أعتقد إننا كنا نتوقع شيئاً مثل هذا، فالروس أحرار في أن يتخذون أي موقف يشاءون، ونحن نحاول أن نحتفظ للولايات المتحدة بقدرتها حول أي موقف قد نريده نحن لأنفسنا من أي قضية.

مالك التريكى: أستاذ ايتكسون (خبير العلاقات الروسية الأميركية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن) شكراً جزيلاً لك.

منذ عام 1835، أطلق المفكر السياسي (أليكسيس دوتوفين) نبوءة مدهشة قال فيها "إن روسيا وأميركا مختلفتان منطلقاً ونهجاً، مع ذلك فإنه يبدو أن العناية الإلهية نذرت كلاً من هذان البلدين لحكمة غير معلومة للإمساك بزمام مصير نصف العالم"، انتهى الاقتباس، فكيف تشعر روسيا بعد أن أمسكت بزمام مصير نصف العالم، كيف تشعر روسيا الآن وهي لا تمسك على ما يبدو حتى بزمام مصيرها القومي.

[فاصل إعلاني]

المحاولات الروسية للنهوض الاقتصادي في ظل الفساد

مالك التريكى: قبل 167 عاماً أطلق المفكر السياسي (أليكسيس دوتوفين) نبوءة مدهشة قال: "فيها إن روسيا وأميركا مختلفتان منطلقاً ونهجاً، مع ذلك فإنه يبدو أن العناية الإلهية نذرت كلاً من هذان البلدين لحكمة غير معلومة للإمساك بزمام مصير نصف العالم"، إلا أن ما يحز في أنفس بعض الروس الآن هو أن بلادهم التي تنبأ لها المفكرون من ذوى البصيرة بالمجد والسؤدد أن هذه البلاء على ما يبدو لم تعد تمسك الآن بزمام مصيرها القومي، ناهيكم عن مصير نصف العالم إذ مثل عزيز قوم ذل، تشرب روسيا حالياً من كأس سبق لألمانيا أن تجرعتها، غير أن ألمانيا كانت محظوظة بأن تحررت من عبء التسلح بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، فاستثمرت السلم والعلم في ملحمة نجاح اقتصادي معروف، فهل تتمكن روسيا المنهزمة في الحرب العالمية الثالثة أي الباردة - من النهوض على نفس الأسس التي نهضت عليها الأمم المتقدمة، أي هل سيكون التقدم الفعلي في متناول بلد مر رأسياً من الشيوعية إلى المافيوية، ومن المركزية الاقتصادية إلى الفوضى الاقتصادية التي ليس فيها من مظاهر التنظيم إلا الجريمة المنظمة، لقد أصبح السؤال ملحاً حول مدى إمكانية نجاح التحديث الفعلي في بلد يحتل الآن مرتبة متقدمة للغاية على قائمة الدول التي يستفحل فيه الفساد مثلما يبين مصطفى سواق في التقرير التالي.

تقرير/مصطفى سواق: انسحاب قوات روسيا من الشيشان عام 95 وانهيار اقتصادها عام 98 كانا أهم رمزين لضمور عضلات الدب الروسي، فزعيم الكريملين الذي كانت أوصال القادة الغربيين ترتجف إذا ما لوح بقبضته، أصبح يتسول رضاهم طمعاً في المساعدات الاقتصادية، وأجهزة الأمن الروسية التي كانت داخلياً تخنق حتى النوايا وخارجياً ترعب مخابرات العالم في عقر دارها، لم تعد قادرة على مواجهة مافيا الفساد المنتشرة في البلاد نهاراً جهاراً.

على المستوى العسكري لا تزال ترسانة أسلحة التدمير الشامل سلاحاً مقلقاً في يد موسكو وبسببها يضطر الغرب للتعامل معها ومساعدتها، لكنها تتضاءل بإطراد، لكن روسيا عكس الولايات المتحدة لا تملك الموارد المالية الكافية لصيانة كل ترسانتها الاستراتيجية المقلصة، ولا لتطويرها إلا في حدود ضيقة، كما أنه لا تستطيع منافسة واشنطن في تطوير نظام الترس المضاد للصواريخ، الذي يشطب مفهوم توازن الردع..

مواطن روسي: أعتقد أن الوقت قد حان للتخلي عن مفاهيم الحرب الباردة، والعيش في بسلام وتفاهم متبادل، لكن على رئيسنا ألا يفرط بقوة روسيا وجبروتها كي لا تعدو أضعف مما هي عليه.

مصطفى سواق: غير أن أزمة روسيا الجوهرية ليست أزمة سلاح، فلديها ما يكفي لتدمير العالم، إنها أزمة مجتمع تتجسد خاصة في المشكلة الاقتصادية والفساد الذي يؤدي إلى نسف أسس المجتمع الروسي، حسب قول المدعى العام الروسي، المدعى العام يؤكد أن الفساد يتسبب سنوياً في خسارة 15مليار دولار، وتهريب ما بين 20 ، 25مليار دولار، وأن نحو 40 ألف شركة وثلث المصاريف في البلاد تخضع لسيطرة الأوساط الإجرامية، وأن عام 2000 شهد فتح ألفي تحقيق قضائي متعلق بتبييض الأموال، بينما أدين بتهم اختلاس أموال أكثر من 10 آلاف مواطن روسي، بينهم 1500 من قوات الأمن، وعوامل الفساد المتفشي في إلى جانب الديون الخارجية المتراكمة تخنق الاقتصاد الروسي خنقاً، وقد اعترف الرئيس (بوتين) مؤخراً أن مافيات الجريمة المنظمة لا تزال تراقب جزءاً كبيراً من اقتصاد البلاد، وأن مئات الآلاف من المجرمين لا يزالون طلقاء بينهم 7000 قاتل في العام الماضي وحده، يمارسون السرقة والتهريب والقتل وتبيض الأموال وتجارة الرقيق الأبيض ونشر المخدرات، ونحو ذلك من أساليب نهب المجتمع وتروعيه وتدميره، أما عن الرشاوى فقد أظهرت دراسة جديدة أن الروس يدفعون ما يساوى 37 مليار دولار سنوياً لمسؤولين حكوميين أي ما يعادل تقريباً الموازنة الاتحادية، أكثر من 33 مليار دولار منها تدفع رشاوى في تعاملات خفية غير قانونية.

أما البقية فتذهب رشاوى لموظفين حكوميين منهما 600 مليون دولار لضمان علاج طبي جيد، 450 مليون دولار للقبول في معاهد تعليمية، و370 مليون دولار لضباط المرور، واكثر من 270 مليون دولار لمسئولين القضاء.

مع كل هذا وذاك يتفاءل بعض الروس بمزايا اكتسبوها منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، فهم ينعمون بحريات أساسية طالما حرموا منها، كحرية التعبير والسفر والدين والتجارة كذلك تحسن الأداء الاقتصادي في العاملين الماضيين بتزايد الإنتاج الصناعي وارتفاع معدلات النمو، وإنجاز إصلاحات هيكلية حقيقية، أنه مجرد بداية، لكنها قد تكون مدخلاً لتحقيق حلم بوتين في استرجاع موسكو مركزها كقوة عظمى تعيد للعالم توازنه الإستراتيجي المفقود.

المواقف الروسية من العلاقات مع أميركا

مالك التريكى: يتمثل حلم (بوتين) إذن في استرجاع دور روسيا الاستراتيجي عن طريق إعادة البناء الاقتصادي، حيث صَّرح أخيراً بأن سياسات روسيا أصبحت أكثر براجماتية وأصبحت موجهة إلى تسهيل النمو الاقتصادي، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، معنا الآن من موسكو لبحث المواقف الروسية من تطور العلاقات مع الولايات المتحدة البروفيسور (أندرانيك ميجرنيان) عضو المجلس الرئاسي الروسي السابق، بروفيسور (ميجرنيان) هنالك قدر من التأييد لدى الرأي العام الروسي لمسألة التقارب مع أميركا، هذا التأييد أضعف لدى النخبة، هل يفسر هذا بتفاؤل المواطنين بإمكانية جني عوائد اقتصادية من التقارب مع أمريكا؟

أندرنيك ميجرنيان: أعتقد أننا أمام توجهين في المجتمع الروسي، الأول يقوم على أساس أن هناك المجموعة الأولى التي تقوم على إن الاتفاقيات الجديدة لا تحقق لنا شيئاً خاصاً أو مهماً لنا في روسيا وإن مثل هذه الاتفاقيات توقع فقط للحاجة إليها داخلياً، وفي الطرف الآخر هناك مجموعة أخرى تؤيد توقيع مثل هذه الاتفاقيات، واتباع السياسة الخارجية الأميركية وتهديدها أو تأييدها لأنهم يعتقدون إن هذه هي السبيل الوحيد التي تتيح لروسيا الانضمام إلى الحضارة الغربية وتحقيق مكانة لها في العالم.

مالك التريكى: لكن ما هو رأيكم لأن الرئيس بوتين تجشم مخاطر سياسية بمسألة التقارب مع الولايات المتحدة، إلى حد أن بعض المراقبين أصبح يشبهونه بـ(جورباتشوف) أي مسألة التفريط في مصادر القوة الروسية دون مقابل، ما هو رأيكم؟

أندرنيك ميجرنيان: إن المشكلة تمكن في أنه في الوقت الحاضر أن الزيارة هذه مهما جداً للرئيس بوتين، وحتى هذه الاتفاقية حول تخفيض الأسلحة مهما جداً أيضاً له، ليس لأنها من حيث الجوهر، ولكنها كشيء رمزي، ففي الوقت الحاضر نرى أن حلف الناتو يتوقع.. يتوسع شرقاً حتى يصل إلى حدود روسيا مما يعنى انضمام دول جديدة إلى عضويته، كان بعضها من جزر البلطيق التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي سابقاً، إذن في آسيا الوسطى وفي منطقة القوقاز الولايات المتحدة والأميركيان يقومون عملياً بانتهاك معاهدة الأسلحة المضادة للطائرات، ويحاولون توسيع برامج.. برامجهم الصاروخية.

مالك التريكى [مقاطعاً]: ما هو.. ما هو وجه.. ما هو وجه المكافأة الرمزية في ذلك، ما هو وجه المكافأة حتى لو كانت رمزية بالنسبة لروسيا، إذا كان مشروع توسيع اتحاد حلف شمال الأطلسي ماضٍ رغم أنف روسيا، مسألة ضمها في مجلس شراكه هو مسألة رمزية، لكن ماذا تعنى مثل مسألة ضمها إلى مجموعة الدول الصناعية السبع وأصبحت تسمى ثمانية، لكن العالم أجمع يعرف أن روسيا ليست جديرة اقتصادياً -على الأقل- بأن تكون عضواً.

أندرنيك ميجرنيان: أعتقد في.. وحسب رأيي الشخصي أنه لا يوفَّر أية قوة أو إمكانيات لروسيا لتؤثر في السياسات الأميركية أو في سياسات حلف الناتو، ولكن من حيث الاستخدام الداخلي المحلى هي بمثابة تعويض لكل هذه الخسائر التي عانتها روسيا بعد الحادي عشر من سبتمبر، ولكن وكما قلت سابقاً

مالك التريكى [مقاطعاً]: ألم تساهم روسيا، أستاذ (ميجرنيان) ألم تكن روسيا تتصور أنها ستعوض عن خسارتها بإقامة ما يسمى بنظام عالمي قائم على تعددية قطبية، كانت تتكلم كثيراً عن ذلك والتقارب مع الصين وربما الهند وفرنسا، أنتهى هذا الحديث بعد الحادي عشر من سبتمبر.

أندرنيك ميجرنيان: كما تعلمون وكما قلت سابقاً أنه ليس تعويضاً حقيقياً وإنما هو تعويض رمزي.

مالك التريكى: إذن مسألة التعددية القطبية كمشروع سياسي انتهت في روسيا، أستاذ (ميجرنيان).

أندرنيك ميجرنيان: في هذه اللحظة الزمنية وفي وزارة الخارجية هناك خبراء قد تخلوا عن سياسة التعددية القطبية التي كانت (….) (ريماكوف) وغيره، ولكن أعتقد أنه أمر لابد من منه لمستقبل روسيا أن تقاتل من أجل نظام متعدد الأقطاب في العالم، فالولايات المتحدة، هناك الآن، هناك قطب واحد وهو الولايات المتحدة وبقية العالم.

مالك التريكى: بروفيسور (أندرنيك ميجرنيان) عضو المجلس الرئاسي الروسي السابق من موسكو، شكراً جزيلاً لك. وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من قضايا الساعة تماماً، دمتم في أمان الله.