مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

عبد الله حمودة كاتب سياسي - القاهرة
ناجي الحرازي: صحفي يمني - لندن

تاريخ الحلقة:

05/01/2003

- الحكومة اليمنية وحقوق الإنسان في ظل الضغوط الأمنية الأميركية
- التعاون الأمني بين صنعاء وواشنطن في ظل علاقاتهما الدبلوماسية

- العلاقة الأمنية بين البلدين وانعكاساتها على الوضع الداخلي

محمد كريشان: اليمن السعيد ليس سعيداً الآن بعد إقحامه في دوامة ما يوصف بحرب واشنطن على الإرهاب، تساؤلات حول التوازن الصعب في صنعاء بين الاستحقاقات الأمنية الأميركية وتداعياتها السياسية الداخلية.

الحكومة اليمنية وحقوق الإنسان
في ظل الضغوط الأمنية الأميركية

السلام عليكم. ما تصفه واشنطن بحربها على الإرهاب لم يمر بسلام دون آثار جانبية هنا وهناك وإن كان لا يُعلم بعد على وجه الدقة مدى اتساع هذه الآثار أو خطورتها، اليمن من أوائل الدول الجديرة بالرصد في هذا السياق، فمن بلد اتهم في السنوات الأخيرة بأنه ملاذ للإرهابيين إلى مُصدِّر لهم إلى منقلبين ضده، لم تكن هذه الاتهامات طبعاً بمثل هذا التسلسل بل غالباً ما كانت متداخلة جميعها في آن واحد، من هذه الزاوية لم يكن اغتيال جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني ثم حادثة قتل الأطباء الأميركيين الثلاثة في جبلة وقبلهما اغتيال طائرة أميركية للحارث وخمسة من أتباعه في مأرب لم يكن كل ذلك سوى نتيجة متوقعة للضغوط التي ترافق الحرب على الإرهاب والتي تئن بحملها صنعاء الآن.

مراسلنا أنور العنسي رصد تجليات هذه الضغوط في بُعدها الأميركي اليمني.

أنور العنسي: ضغوط شديدة يعتقد البعض أن واشنطن ما انفكت تمارسها على الحكومة اليمنية لتلبية مطالب متزايدة في إطار ما يوصف بالحرب على الإرهاب، واعتراضات واسعة على التعاون الأمني بين الجانبين، كل ذلك يهدد -في تقدير المراقبين- بدفع الوضعين الأمني والسياسي في البلاد إلى حافة خطر حقيقي، وعلى الرغم من إقرار الجميع تقريباً بضرورة تعاون صنعاء مع واشنطن في مواجهة ما تصفه الأخيرة بالإرهاب إلا أن ثمة من يحذر من إمكان أن يتسبب ذلك في وقوع مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وفي فرض قيود إضافية على نشاط بعض الهيئات والشركات التجارية المشتبه في تمويلها لتلك التنظيمات، فضلاً عن رقابة أكثر تشدداً على بعض مؤسسات التعليم الديني المزعوم بإشاعتها لثقافة التطرف والعنف.

الشيخ عبد المجيد الزنداني (رئيس جامعة الإيمان): امتهان للأمة بأكملها، ولذلك يجب على الحكومات أن تعلم أن هناك خطوط لابد أن تتوقف عندها، ولابد أن ترفضها من إذا.. يعني جاء ضغط أميركي يقول: لا تعلموا دينكم، اتركوا دينكم، ارجعوا عن دينكم خلاص نستجيب يعني؟! يعني أكُلَّما طلبت منا أميركا أو غير أميركا خلاص مستجاب؟! لابد أن يقف الناس عند ثوابت الأمة، ولابد للسياسيين أن يعرفوا أنهم حكام لشعوب، شعوب لها دين ولها كرامة ولها أخلاق ولها قيم ولها مصالح ولها.. لابد أن يرعى الحاكم مصالح أمته هذه ولا يفرط فيها.

أنور العنسي: أغلب انتهاكات حقوق الإنسان المعلن من قبل أحزاب ومنظمات حقوقية عن وقوعها طالت ألوفاً من المواطنين اليمنيين داخل البلاد وخارجها، ففضلاً عن عشرات منهم يقبعون في السجون اليمنية والأميركية بالإضافة إلى معتقل جوانتانامو فثمة عشرات وربما مئات منهم لا يزالون يواجهون كذلك خطر الاعتقال بدون تهم محددة أو الاحتجاز من غير محاكمة لفترات غير معلومة أيضاً.

محمد الهمداني (مغترب يمني عائد من أميركا): مسكو يمنيين كتير، مسكو ما يقارب 80 فرداً أو 70 فرد قالوا أنهم من القاعدة.. من القاعدة فمسكوهم قالوا إنهم من القاعدة وحبسوهم، أنا جيت من بعد الأحداث جيت أسافر.. جيت أسافر على من جورجيا أسافر على نيويورك أخدت نفسي إلى المطار وقطعت التذكرة وبدي أسافر فتشوا عليَّ الشنطة لقوا 70 ألف دولار أخذوها.

أنور العنسي: على ما يبدو فإن أغلب التجاوزات المزعوم وقوعها سواء لحقوق المعتقلين والمطلوبين المشتبه بهم أو لسيادة واستقلال البلاد معظمها ناجم -بحسب العديد من خبراء القانون- عن قصور في وعي بعض القائمين على تنفيذ إجراءات الاعتقال والتحقيق وعن جهل كذلك لدى المعتقلين والمطلوبين بحقوقهم القانونية والدستورية التي تضمن لهم عدم المساس بكرامتهم وحقهم في محاكمات نزيهة وعادلة.

يمنيون عديدون لا يخفون تذمرهم مما يعتبرونه تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان ولسيادة البلاد واستقلالها نتيجة تعاون صنعاء الأمني مع واشنطن، غير أن آخرين يعتقدون أن تورط بعض المعتقلين إلى جانب تنظيم القاعدة في استهداف بعض المصالح الأميركية والغربية على أراضي اليمن ومياهه الإقليمية هو السبب في جلب الأميركيين إلى بلادهم وبالتالي وقوع تلك التجاوزات كنتيجة حتمية لذلك.

ذروة الانتقادات لما يوصف بأنه انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان ولاستحقاقات السيادة الوطنية جرت تحت سقف البرلمان اليمني، فثمة وقائع محددة وشهادات موثقة رصدتها لجنة خاصة منبثقة عن البرلمان أشارت إلى أن أعمال الملاحقة والتعقب والاعتقال تلك وحتى وسائل وطرق التحقيق أيضاً جرى معظمها خارج الدستور والقانون، الحرب إذن على ما يوصف بالإرهاب مستمرة ولكن كما يقول البعض ليست على الإرهاب وحده.

التعاون الأمني بين واشنطن وصنعاء
في ظل علاقاتهما الدبلوماسية

محمد كريشان: إذن تعميق العلاقة اليمنية الأميركية انقلب وهو بالكاد في بداياته وبالاً بالنسبة إلى كثيرٍ من نواحي الحياة السياسية الداخلية في اليمن، حتى غدا التجاوب مع واشنطن ومطالبها الأمنية رديفاً للتضييق على الحريات.

للحديث عن العلاقات اليمنية الأميركية من هذه الزاوية معنا من القاهرة الكاتب السياسي عبد الله حمودة، سيد حمودة، في البداية، هل هذا التعاون مفروض على صنعاء، أم هو جهد يمني خالص لخدمة مصالح معينة؟

عبد الله حموده: والله صنعاء تشعر بتقدير تجاه الولايات المتحدة، نتيجة لاتفاق للتفاهم توصل إليه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في زيارة قام بها إلى واشنطن عام 90، وكان معه الدكتور عبد الكريم الإرياني، ومنذ ذلك التاريخ والعلاقات بين صنعاء وواشنطن تسير بشكل طيب، لدرجة أن واشنطن دعمت موقف صنعاء في حرب 94 بين الشمال والجنوب، واستمرت القضية على هذا النحو لدرجة أنه لو أشرت إلى حادث قريب جداً، وهو حادث الكشف عن الصواريخ الكورية التي كانت في طريقها إلى.. إلى صنعاء عن طريق ميناء عدن.. يعني من فترة قصيرة تحدثت إلى مصدر يمني رفيع المستوى فقال لي أن الأميركيين كانوا يعرفون ذلك، ولكنهم يعني قرروا الإعلان عن هذه الحقيقة للتأكيد على علاقتهم الوثيقة مع صنعاء، وللتأكيد لدول أخرى في المنطقة أن علاقتهم جيدة مع صنعاء لأن كان.. لأن هذه الدول كانت يعني تشعر بشيء من التردد بالنسبة لتأييد السياسة الأميركية في المنطقة، خاصة تجاه العراق في الوقت الحاضر، و.. وتجاه مكافحة الإرهاب، واليمن الحقيقة كما أراها من خبرة شخصية في زيارات أخيرة إلى صنعاء، يعني يجري التعاون لتنفيذ الإجراءات الأمنية بشكل يعني واضح للغاية، وعندما قصفت..

محمد كريشان: إذن يعني.. يعني عفواً.. يعني.. عفواً، إذن ما قاله رئيس الوزراء عبد القادر باجمال في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب من أن التعاون اليمني الأميركي لا يتجاوز حدود الاستفادة من إمكانيات الأميركيين، ومن أنه أمر مشروع ولا ينطوي على أي أساس أو انتقاص من السيادة الوطنية، برأيك وصف دقيق في هذه الحالة؟

عبد الله حموده: أعتقد أنه وصف دقيق، لأنه سادت مخاوف لدى البعض عندما قصفت الطائرة الأميركية بدون طيار سيارة المجموعة التي قتلت، قال البعض أن هذا اعتداء على السيادة اليمنية، لكن تبين بعد ذلك أنه تم بطلب من الحكومة اليمنية لمساعدتها في القضاء على مجموعة خارجة على القانون، ويبدو أن الحكومة اليمنية تحاول الاستفادة من هذا التعاون الأميركي لفرض سلطتها على مناطق ما كانت لتستطيع فرض سلطتها عليها دون ذلك.

محمد كريشان: نعم. على ذكر هذه النقطة تحديداً، برأيك لماذا جاهر رئيس الوزراء اليمني بهذه الحادثة بشكل ربما بدت لبعض المراقبين بأنها استفزازية بالنسبة لبعض الأحزاب اليمنية؟

عبد الله حموده: هي تعتبر استفزازية بالنسبة لبعض الأحزاب، ولقوى سياسية في الداخل، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى التيار القبلي الذي يشعر بالفخر من تركيبته الاجتماعية التقليدية، والتيار الإسلامي الذي يرفض أي تعاون أجنبي، ولكن الحكومة اليمنية تنظر إليها بشكل برجماتي عملي مؤقت، و.. و.. وترى فيه فائدة.

النقطة المثيرة للجدل الحقيقة، والتي تحتاج إلى بحث بشكل دقيق هي نقطة اعتداء عابد عبد الرزاق على المستشفى الأميركي في جبلة، ومقتل 3 أطباء وإصابة رابع، يعني.. لأن هذه الواقعة تشير إلى إنه الجماعات الخيرية الأميركية التبشيرية يعني لا تتسم بحساسية لفهم الواقع اليمني لكي تذهب إلى منطقة نائية بهذا الشكل، وتقليدية وقبلية وتقيم فيها مستشفى تبشيري، كانت النتيجة هي استفزاز أحد المتطرفين لاقتراف اعتداء من هذا النوع. وكان الأولى بالدبلوماسية الأميركية أن.. أن...

محمد كريشان: نعم. و.. ولو أنه.. ولو أنه سيد عبد الله، يعني بعض التقارير تشير بأن هذا المستشفى يعني قديم، وبأن من كان فيه لم يكن يمارسون عملياً أية أنشطة تبشيرية. يعني لو أردنا أن نتحدث بمنطق الرابح والخاسر، من المستفيد أكثر من هذه العلاقة الحميمة التي أصبحت الآن بين صنعاء وواشنطن؟

عبد الله حموده: أعتقد أن المستفيد الأول هو الولايات المتحدة، لأنها بتحاول التلويح بعلاقتها مع صنعاء لإجبار دول خليجية أخرى على التماشي مع سياساتها، ولكن صنعاء تحاول بقدر الإمكان الاستفادة من هذه العلاقة للحصول على معونات اقتصادية وعلى تدريب عسكري، وعلى نوع من الضغط الذي يبرر لها العمل لتحديث المجتمع تبريراً بأنها تخضع لضغوط خارجية قوية في مرحلة العولمة، وهذا أمر مفهوم أيضاً.

محمد كريشان: نعم. ولكن هل تراعي واشنطن خصوصية الوضع في اليمن بكل هذه التعقيدات وهي تقبل بنهم -إن صح التعبير- على العلاقة مع صنعاء؟

عبد الله حموده: أنا أعتقد أن واشنطن لا تتفهم هذه الحساسية بدرجة كافية، ولهذا السبب أشرت إلى واقعة مستشفى جبلة، وأنا أعتقد أن العقل الأميركي يعني يحتاج إلى..

محمد كريشان [مقاطعاً]: ولكن مستشفى.. يعني.. يعني، عفواً يعني مستشفى.. مستشفى جبلة يظل يعني حادث خاص ربما لا علاقة للإدارة الأميركية.. للحكومة الأميركية بشكل رسمي به، يعني على الأقل.

عبد الله حموده: هو أنا يعني ما علهش اسمح لي أعيد على هذه النقطة، هذا لا ينفصل عن حوادث اختطاف الأجانب في اليمن، لأن هذا الحادث و.. هذه الحوادث وإن كانت غير مرغوبة وتسيء إلى اليمن إلا أن الذين يقترفونها يريدون منها إبلاغ صوتهم للخارج، لأنهم طرف في.. في صراع من أجل المحافظة على التقليدية في مواجهة التطوير والتحديث، ويشعرون أن إذا لم يحدث شيء من هذا النوع يصل إلى الخارج لا يمكن أن يصل صوتهم إلى الخارج، مثلاً اغتيال جار الله عمر رغم أنه من أهم الشخصيات السياسية العربية و.. ومن أكثرها قدرة على التعامل مع الواقع والتفاهم مع الناس، والتواصل، لم يُحدث أثراً في الخارج كما أحدثه اغتيال الأطباء، يعني أنا أنظر إليه في هذا الإطار.

محمد كريشان: نعم، سيد حمودة آخر الأخبار من اليمن تشير مثلاً إلى أنه أصبح ممنوعاً على الجندي أو رجل الشرطة أن يكون ملتحياً، برأيك هل وصل التماهي مع بعض المطالب الأمنية الأميركية إلى هذا الحد الإجرائي بهذه التفاصيل؟

عبد الله حموده: أعتقد أن يعني القول بذلك، يعني فيه مبالغة في الأمور لأنه شهدنا في دول كثيرة في الهند مثلاً السيخ يُسمح لهم بارتداء اللحية وفي بلاد أخرى حتى في.. في دول غربية هناك رجال جيش ورجال شرطة وآخرون يُسمح لهم بالاحتفاظ بلحيتهم، ولكن هو النقطة الأساسية التي يجب التركيز عليها هي أن يكون تفكير الإنسان نفسه يعني متوافق مع أدائه لوظيفته ومتوافق مع مبدأ التصالح الاجتماعي والتعددية وقبول الآخرين وعدم إلغائهم والتعامل في مجتمع مفتوح، طبعاً هذه القضية والمزاوجة بين التقليدية والعصرنة تحتاج إلى مجهود كبير في اليمن في الوقت الحاضر.

محمد كريشان: سيد عبد الله حمودة، شكراً جزيلاً لك.

من الصعب جداً أن تجاري صنعاء واشنطن في مطالبها الأمنية من دون ثمن داخلي، بعد الفاصل نظرة في الانعكاسات الحالية والمحتملة على خارطة التحالفات الحزبية في اليمن.

[فاصل إعلاني]

العلاقة الأمنية بين واشنطن وصنعاء
وانعكاساتها على الوضع الداخلي

محمد كريشان: سواء كانت مشاركة اليمن واشنطن حربها على الإرهاب مبنية على رؤية سياسية مستقلة أو أن صنعاء أُقحمت فيها عنوة أو مكرهة، فإن الأمر لم يمر من دون أن يربك بعض المقومات الأساسية للخارطة السياسية الداخلية، على الأقل كما عُرفت في العشر سنوات الماضية، زياد بركات رصد ما يبدو وجهاً آخر لمعادلة علاقة واشنطن وصنعاء.

زياد بركات: الإسراع باتهام منفذي اغتيال جار الله عمر (الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني) ومن بعده الأميركيين الثلاثة في جبلة جنوب صنعاء بالانتماء إلى التجمع اليمني للإصلاح جاء ليُلقي الضوء على العلاقة المضطربة التي باتت تحكم الزواج الكاثوليكي بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن والإصلاح بعد شهر عسل استمر لأكثر من عقد من الزمن فمنذ إعلان الوحدة عام 1990 وبعد ذلك الحرب الأهلية عام 1994 والحزبان في قارب واحد، غير أن الأمور بدأت في التغير مؤخراً، فالإصلاح الإسلامي التوجه انتقل إلى الضفة الأخرى من النهر في الآونة الأخيرة مقترباً من عدو الأمس الحزب الاشتراكي بل إن الحزبين انضويا فيما يسمى بتكتل اللقاء المشترك الذي يعارض تعديلات اقترحها الرئيس علي عبد الله صالح وتقضي هذه التعديلات بزيادة الولاية الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع، وزيادة مدة الدورة البرلمانية لتصبح ست سنوات بدلاً من أربع، وإذا علمنا أن تحالفاً كهذا بين الإصلاح والاشتراكي من شأنه أن يهدد موقع حزب المؤتمر الحاكم في الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أبريل - نيسان المقبل، فإننا نكون أمام خارطة جديدة للتحالفات الحزبية في اليمن عنوانها الرئيس "الصراع بين حليفي الأمس الإصلاح والمؤتمر الشعبي"، ظهر هذا الصراع بقوة على السطح بعد الأحداث الأخيرة، فبعض الجهات الرسمية سارع إلى اتهام منفذي العمليتين الأخيرتين بالانتماء إلى الإصلاح حتى قبل استكمال التحقيقات كما قام هذا البعض بفتح ملف جامعة الإيمان التي يديرها الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس مجلس شورى الإصلاح بزعم إشاعتها ثقافة العنف والتطرف، هذا في حين كان لافتاً قيام الشيخ عبد الله الأحمر (زعيم الإصلاح) باحتجاز قاتل جار الله عمر والتحقيق معه في منزله قبل تسليمه إلى الجهات المختصة، ما يعني أن الارتياب أصبح سيد الموقف في العلاقات بين الحليفين القديمين، وما بين الضغوط الأميركية المتزايدة على اليمن لدفعها إلى المزيد من التعاون مع ما تسميه واشنطن بالحملة على الإرهاب وبين اغتيال جار الله عمر، فإن الأحداث الأخيرة تأتي في سياق قد يستفيد منه البعض في الداخل أو الخارج وقد يكون كل هذا من تدبير بعض هذه الأطراف المستفيدة نفسها، لإعادة خلط الأوراق داخلياً من جهة وجر الحكومة اليمنية من جهة أخرى إلى الصراع مع إسلامييها بعد سنوات من التحالف الوثيق.

محمد كريشان: مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في اليمن المقرر إجراؤها في أبريل المقبل يصبح أي تطور في العلاقة بين الحزب الحاكم وبقية الفرقاء محكوماً بهذا الموعد الذي يزداد إثارة عندما يتداخل مع ما يُوصف باستحقاقات أميركية مفروضة على البلد، للحديث في هذا الموضوع، معنا من لندن الصحفي اليمني ناجي الحرازي، سيد حرازي، الآن الحزب الاشتراكي اليمني يتحدث عن ضرورة درء الفتنة هل وصلت الأمور بين الفرقاء في اليمن إلى هذا الحد؟

ناجي الحرازي: مرحباً.

محمد كريشان: أهلاً وسهلاً.

ناجي الحرازي: أولاً بقراءة مستوعبة لبيان الحكومة الأخير الذي ألقاه رئيس الوزراء في مجلس النواب يمكنني أن أقول أن العلاقة فعلاً بين الحزب الاشتراكي.. ما بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح وصلت إلى.. وصلت إلى نقطة حرجة جداً، أولاً نود أن نصحح ما جاء في تقرير في تقريركم الذي.. السابق، استمعنا إليه قبل دقيقتين أن الحزب.. الحزبان.. الحزبين لم.. كانا في قارب واحد، الحقيقة أنهما حسب متابعات المراقبين لم يكونا دائماً في.. في نفس القارب خلال العشر سنوات الماضية، حتى في الفترة التي اقترب فيها موعد إعلان اليمن الموحد كان هناك خلاف كبير جداً واستمر هذا الخلاف، والفترة الوحيدة التي شهدت ما نسميه.. ما يمكن أن نسميه شهر عسل كانت فترة الأزمة التي اندلعت بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام على قضايا منها مثلاً الحفاظ على الوحدة وإلى آخره، في تلك الفترة الوحيدة فقط تمكن الحزبان من إنشاء ائتلاف بينهما بشكل يحافظ على مصالحهما ربما وربما يحافظ على مصالح اليمن الموحد لكن فيما بعد..

محمد كريشان[مقاطعاً]: يعني.. يعني عفواً ربما هذا ما قُصد بالقارب الواحد هي فترة الائتلاف الذي شكلاه مع بعض..

ناجي الحرازي: قصيرة جداً.

محمد كريشان: يعني.. يعني سيد حرازي عندما البعض اعتبر اغتيال جار الله عمر بأن هذا الرجل قُصد لشخصه. بأنه كان مهندس التقارب بين الإصلاح والحزب الاشتراكي وبأن هذا كان يمكن أن يشكل قوة انتخابية كبيرة، هل هذا قراءة تآمرية، أم قد تكون لها بعض المصداقية؟

ناجي الحرازي: إذا.. إذا افترضنا أن هذا الرجل مازال أو ظل مرتبطاً حتى آخر لحظة بالتجمع اليمني للإصلاح بالحزب، لكن ثابت من التحقيقات وما سمعناه عبر يعني من مختلف وسائل الإعلام أن الرجل هذا لم يرتبط.. لم يكن مرتبطاً بشكل تنظيمي مع الإصلاح، وإنما هو ومجموعته هي فرقة خلية جناح ربما داخل الإصلاح فقرروا القيام بهذا العمل وعن إذا كان.. إذا كان هذا صحيح وهم فعلاً لم.. لم ينفذوا سياسة حزب سياسة مرسومة من أعلى، فبالتالي لا أعتقد أن.. أن الأخ جار الله المرحوم جار الله كان مقصود لشخصه، وإنما كانت هناك فكرة لتدمير أو لممارسة أسلوب مرفوض في المجتمع اليمني.

محمد كريشان: نعم، بالطبع الإصلاح يعني نفى تماماً أن يكون للرجل أية علاقة به، وحتى التحقيق الأولي جرى في بيت الشيخ عبد الله الأحمر، وهذا ربما مؤشر بأن كان هناك توجس من التحقيق لدى الدوائر الرسمية مما يعكس مدى انعدام الثقة الحالية بين الإصلاح والسلطة، هل هذا له مدلول معين الآن؟

ناجي الحرازي: هو بالتأكيد كما ذكرت سابقاً إن الثقة أصبحت للأسف الشديد معدومة بين القوتين الرئيستين في البلد، وبوادرها كثيرة جداً يمكن أن نلاحظها حتى قبل 11 سبتمبر وقبل التعاون اليمني الأميركي، الخلاف بين الإصلاح والمؤتمر موجود على السطح وسمعنا عنه، وظل دائماً ظلت الحكومة وربما ظل الرئيس علي عبد الله صالح يتجنب الخوض في هذا الخلاف كثيراً، ويتجنب دفع الأمور إلى.. إلى مستوى.. يمكن أن يصل إلى حد المواجهة، لكن يبدو أن صمت الإصلاح أيضاً هذا موضوع خطير لابد أن نطرحه، صمت الإصلاح عن بعض ما يطرحه بعض أعضائه وبعض أنصاره وبعض المنتمين إليه، صمت الإصلاح عن هؤلاء أيضاً قد يؤزم العلاقة بين الإصلاح والمؤتمر، وقد يجعل الإصلاح ويجعل المؤتمر الشعبي العام يضطر إلى التحالف مع كل القوى السياسية اللي موجودة في اليمن من أجل وضع حد لما تتسبب فيه من أضرار بعض هذه الأجنحة أو التيارات الصغيرة داخل الإصلاح.

محمد كريشان: إذاً.. إذاً ابتعاد المؤتمر وابتعاد الرئيس علي عبد الله صالح عن الإصلاح لا يعود إلى كون الإصلاح أصبح مشبوه بين قوسين بلغة أميركا الحالية.

ناجي الحرازي: لا يا عزيزي لا، لغة أميركا الحالية جاءت هذه كالقصة الشعرة التي قسمت ظهر البعير، المشكلة بين المؤتمر والإصلاح وبين كثير من التيارات الموجودة في الساحة أن هناك داخل الإصلاح تيارات معينة لا.. لا تعترف حتى بمفهوم التعددية السياسية ولا تعترف حتى بالديمقراطية، ونعلم أن.. أن المؤتمر الشعبي العام مثلاً كتكوين هو تكوين ضم في.. في.. في إطاراته حتى ناس من.. من.. من الإسلاميين أو من ينتمون إلى الإصلاح، لكن ظل دائماً المؤتمر الشعبي الآن حريص على أنه يكون وعاء للجميع، بينما هناك تيارات داخل الإصلاح -للأسف الشديد- هذه التيارات وصلت إلى حد أنها مستعدة لقلب الطاولة ومستعدة حتى لإفشال التجربة الديمقراطية التي هي ناشئة في اليمن والتي يرى المراقبون أنه لابد من الحفاظ عليها ولابد من تنميتها، ولابد من أن تخوض في تفاصيل تهم البلد، لا التفاصيل تورط البلد في مشاكل أكثر وهي في غنى عنها.

محمد كريشان: نعم، ولكن اتهام رئيس الوزراء لأحزاب بعلاقة بعناصر متطرفة وإرهابية، هل ترى الإصلاح وحده مقصود، أم ربما بعض الأحزاب الأخرى أيضاً معنية؟

ناجي الحرازي: أعتقد أنه أيضاً في إطار حرص الحكومة على عدم الخوض في مواجهة مباشرة، المقصود بدرجة رئيسية بالتأكيد هو التجمع اليمني للإصلاح، لكن إذا كانت هناك بعض التيارات كما حتى جاء في البيان وصف إنه هناك بعض التأييد الذي حصلت عليه العناصر المتطرفة هذه من عناصر انفصالية في الخارج، كنت أتمنى على رئيس الوزراء أن يطرح أكثر يعني مزيد من التفصيل، وأن يعني ولأن الموضوع يهمنا.. يهم الشعب اليمني بأسره ويهم العالم يعرف ماذا يحصل في اليمن، التعامل بلغة الرموز وبلغة الطلاسم أحياناً لا يحل المشكلة، يحل المشكلة هو أن.. أن تقرر.. أن تقرر الدولة في اليمن حسم هذه القضية، وأن.. وأن تضع الجميع أمام واقع، أن اليمن كدولة معرض لمشاكل هو يعني مشاكل من الخارج تُحتم عليه أن.. أن يتجنب مشاكله الداخلية.

محمد كريشان: نعم، الحزب الاشتراكي دعا إلى ما وصفه حوار جدي ومسؤول لموضوع الإرهاب، ولكن مجلس الوزراء كوَّن فريق عمل، وكوَّن لجان لم يشرك فيها المعارضة، هل هذه مقاربة قد لا تضمن النجاعة في هذا الموضوع تحديداً؟

ناجي الحرازي: بالتأكيد طبعاً يعني أنا أحترم قرار الحكومة، وأرى أنها ربما تكون قادرة على تنفيذ ما تريد، لكن في.. في وضع اليمن بالتأكيد أن الحكومة بحاجة إلى أن.. أن تستنير وأن تشرك معها قوى من المعارضة، كما هي.. كما فعلت مثلاً في موضوع اللجنة العليا للانتخابات، وكما فعلت في موضوع القيد وتسجيل الناخبين، وكما تحرص دائماً -أفهم أنا ويفهم المتابعون- أن القيادة اليمنية دائماً تحرص على إشراك الجميع في.. في اتخاذ قرارات تكون مصيرية وقرارات متعلقة بحوادث تاريخية في اليمن، في هذه النقطة لا أدري ماذا.. ما هي مبررات أو ما هي الأسباب التي دفعت الحكومة للاعتماد على ذاتها يعني.

محمد كريشان: نعم، سيد حرازي، في النهاية باختصار شديد كيف يمكن للحكومة أن توفق بين هذا الملف وبين ضرورة استمرار التجربة اليمنية الديمقراطية وإن كانت محدودة؟

ناجي الحرازي: والله أعتقد هذا سؤال صعب جداً أمام الحكومة اليمنية في اعتقاد.. في اعتقادي وفي اعتقاد كثير من المراقبين التحدي صعب أن.. أن توفق في هذا الأمر، ولكن من المهم جداً أن تتواصل السياسة التي ظل الرئيس علي عبد الله صالح يتبعها دائماً، حرص دائماً على عدم المواجهة، حرص دائماً على استيعاب الجميع، وحرص دائماً على الحوار معهم، يعني إذا كان هذا الطرف الآخر سيصر على أن الرئيس علي عبد الله صالح مثلاً أصبح مثلاً بيد أميركا أكثر من اللازم أو أصبح يستجيب لمطالب أميركا أكثر من اللازم، فمعناه إن الرئيس علي عبد الله صالح هو في النهاية صاحب القرار، هو الذي سيضطر أن يقرر ما يريد، ولنترك الديمقراطية جانباً.

محمد كريشان: شكراً جزيلاً لك يا سيد ناجي الحرازي. وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة، دمتم في رعاية الله، وإلى اللقاء.