مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

- فهمي كورو: محلل وكاتب سياسي
- د. محمد السعيد إدريس: خبير في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام

تاريخ الحلقة:

21/07/2002

- الوضع السياسي المتردي في تركيا
- ملابسات الأزمة التركية وآفاق التعامل معها

- أزمة الهوية التركية ومحاولات الانضمام للاتحاد الأوروبي

مالك التريكي: رجل أوروبا العليل على أعتاب القرن العشرين هو نفسه رجل أوروبا العليل على أعتاب القرن الحادي والعشرين.

تركيا تستمر في طلب الدواء لدى الغرب بينما يتصارع قادة الداخل على خلافة رئيس حكومة عليل أيضاً متشبثٍ بالسلطة تشبثه بالحياة.

أهلاً بكم، يبدو أن رئيس الوزراء التركي المريض (بولنت أجاويد) ليس إلا رمزاً لرجل أوروبا المريض تركيا التي يترأس أجاويد حكومتها منذ عام 99 في إطار تحالف سياسي هجين حتى بالمقاييس التركية غير المعتادة، تردد أجاويد بين فكرة الاستقالة التي كان يرفضها إطلاقاً في البداية وبين إجراء انتخابات مبكرة أو مبكرة مؤجلة، كما استقر عليه الأمر أخيراً لا يحل الأزمة المستعصية، إذ يتفق المراقبون على أن الحل الناجع يتطلب اعتراف النخبة الحاكمة بمختلف مشاربها الفكرية بضرورة إصلاح شامل قائم على مصالحة عميقة مع الذات وخطة دقيقة لإعادة هيكلة المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية بما ينسجم وشخصية تركيا الوطنية، ويعني هذا أن تركيا لا يمكن أن تتجاوز أزمتها قبل أن تعالج ملفات الفساد الاقتصادي والمافيات التي لا تعبأ إلا بمصالحها ومكاسبها الخاصة المشروعة وغير المشروعة وقبل أن تعالج تركيا ملفات حقوق الإنسان والحريات المدنية ومنها ملف الأقليات، ثم مسألة الديمقراطية التي يبدو أنها لا تزال رهينة للتشنج العلماني الشكلي المجرد من مضمون الحداثة وقيمها الأخرى.

أما مسألة الانضمام للاتحاد الأوروبي واستيفاء شروط صندوق النقد الدولي ومراعاة الموقف الأميركي، فإن الأوساط المنادية بالإصلاح تطالب بأن توظف كلها في خدمة مصالح الشعب التركي، لا أن تُستغل لخدمة المصالح العاجلة للوبيات رجال المال والأعمال الذين تغريهم مكاسب العولمة والتبعية للشركات المتعددة الجنسية والانتماء الشكلي للغرب، أغلب المراقبين يعتبرون ذهاب أجاويد خطوة ضرورية على أن يخلفه رجل قوي قادر على فرض الانضباط وإحلال الاستقرار لبعث الأمل والثقة في المستثمرين والعمل من أجل إنعاش سياسي واقتصادي في البلاد.

على أن النخبة العلمانية الحاكمة تخشى أن يترجم التذمر الشعبي من الوضع الاقتصادي المتردي إلى أصوات لصالح الإسلاميين في الانتخابات المقبلة، وقد يكون أحد أسباب تأجيل الانتخابات المبكرة من نوفمبر كما أُعلن أول الأمر إلى أبريل المقبل أن العلمانيين يريدون قطف ثمار الإصلاحات التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي وثمار مساعدات صندوق النقد الدولي والمساعدات الأميركية المتوقعة اعترافاً بتعاون تركيا المرجح مع أميركا في حربها المنتظرة ضد العراق.

يوسف الشريف من أنقرة يستعرض الوضع السياسي التركي وبعض خلفيات الأزمة الحالية وملابساتها.

الوضع السياسي المتردي في تركيا

يوسف الشريف: جاء الانقلاب العسكري على (عدان ماندرس) أول رئيس وزراء تركي ديمقراطي عام 60 بمثابة إعلان صريح بأن الحياة السياسية في تركيا لن تشهد الاستقرار ولن تنجو من تدخلات القوى غير السياسية في شؤونها الداخلية ذلك أنه هو منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم تُكمل سوى حكومتين اثنتين فقط مدة أربع سنوات في الحكم من بين 35 حكومة تعاقبت على تركيا بعد ذلك.

في عام 97 بدا المشهد غريباً عندما انسحب 53 نائباً من حزب "الطريق الصحيح" الذي كان شريكاً في ائتلاف حكومي مع حزب "الرفاه الإسلامي"، مما أدى إلى سقوط الحكومة حينها، فيما عُرف بالانقلاب الأبيض على حكومة (أربكان)، وهو الانقلاب الذي كان يقف وراءه قيادات من الجيش ورجال أعمال ومؤسسات إعلامية اتفقت فيما بينها.

إلا أن ذات المشهد يتكرر اليوم ولكن فيما الجيش وهذه المرة ينظر من بعيد من دون تدخل وكأننا نشهد ولادة لوبي اقتصادي في تركيا يزاحم القوى التقليدية على التدخل في تعيين مصير الحكومة.

رجائي كوطان (زعيم حزب السعادة): بعض رجال الأعمال اعتادوا أن يضعوا أيديهم في جيوب الحكومة ويأخذوا قروضاً بالملايين وبفائدة بسيطة، ثم يُقرضوا الحكومة هذا المال بفوائد مضاعفة كدين داخلي ليربحوا الملايين من دون أن ينفقوا فلساً واحداً، نحن حرمناهم من ذلك أثناء حكومة أربكان فانقلبوا علينا بحجج اختلقوها، أما الحكومة الحالية فأفلست والآن انقلب عليها الذين صفقوا لها سابقاً ولهم مصالح اقتصادية مع أوروبا وأميركا ويريدون إقرار سياسات الغرب في تركيا.

البروفيسور/ محمد ألطان (أستاذ في جامعة اسطنبول): لا توجد في أنقرة أحزاب سياسية تحكم، هناك نظام يحكم، فما نعايشه اليوم من قانون الأحزاب السياسية هو فلسفة سياسية وضعها العسكر عام 80، وهذه لا تسمح بتشكيل حزب مختلف يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها الجيش، ولذلك فجميع الأحزاب متشابهة، ليس همها الديمقراطية وحقوق الإنسان، هدفها الوحيد اغتنام قسط من الثروة التي يوزعها الجيش على الأحزاب التي تناصره.

يوسف الشريف: إذن فالتدخل بحجة حماية أيديولوجية الدولة العلمانية الكمالية وحماية المصالح الاقتصادية المتشابكة للبعض لا يدع كثيراً من المجال للحكومات لتقول رأيها بحرية، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت أشكال التمثيل الحكومي تعكس بالصدق آمال وتطلعات المواطن التركي.

رجائي كوطان: بعد ما حدث من تدخل سافر في حكومتنا وبعد انتخابات 99 اعترف أحد الجنرالات قائلاً: لو لم نتدخل في حينها لما تمكننا من الحصول على هذه التشكيلة السياسية بعد الانتخابات، إذن فالحكومة الحالية جاءت إفرازاً لتدخل خارجي وهي تستعد لدعم الشعب، ولذا ما كان لها أن تستمر.

يوسف الشريف: مرض رئيس الوزراء مكَّن شركاءه القوميين من الحكم وبدت تركيا وكأنها تدير ظهرها للاتحاد الأوروبي ولعضويته التي لهثت وراءها سنين طويلة، وبدأ القوميون يدسون أنوفهم في إصلاحات وزير الاقتصاد كمال درويش متهمينه ببيع تركيا بالتقسيط إلى الغرب وبثمن بخس، بل إن الجيش تدخل لتعديل قانون خصخصة مؤسسة الاتصالات بحجة الحفاظ على المصلحة الوطنية وبدا أن تركيا ستسقط في امتحان العولمة سياسياً واقتصادياً لتخرج عما خُطط لها من دور إقليمي، وفي وقت يصعب فيه فصل الاقتصاد عن السياسة تحرك نائب رئيس الوزراء برهان الدين أوزكان وتبعه وزير الخارجية إسماعيل جم وعدد من وزراء ونواب الحكومة فاستقالوا بالجملة ليضعوا الحكومة في وضع حرج تستجدي فيه ثقة البرلمان فيها، وذلك بحجة أنه قد آن الأوان للتغيير ووضع حد لسيطرة القوميين على السلطة.

إسماعيل جم (وزير خارجية تركيا المستقيل): الآن حان الوقت لنقول شيئاً جديداً ونخلص تركيا من المأزق الذي تعيشه وننقلها إلى الاتحاد الأوروبي إلى مستقبل متحضر، نحن صوت الأغلبية الديمقراطية.

يوسف الشريف: تزامن هذه الحركة مع إلحاح قضايا إقليمية هامة مثل العراق وقبرص على أنقرة واستناد حركة المستقلين إلى أطروحات الاتحاد الأوروبي أفسح المجال للحكومة للدفاع عن نفسها من خلال اعتبار أن ما حدث سيناريو دولي لإسقاطها وانتزاع تنازلات من تركيا في هذه القضايا، وساند ذلك الطرح دعم واشنطن الفاضح لكمال درويش (وزير الاقتصاد) الذي يبدو حالياً ضمن مجموعة جم وشركائه.

دولت باهشلي (نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب الحركة القومية): بعض المتنفعين وذوي المصالح وبالتعاون مع أصابع دولية يحاولون كسر إرادتنا الوطنية، نحن نمر بامتحان سيحدد من الذي يشكل الحكومة في تركيا، الأحزاب والبرلمان أما القوى الاقتصادية والغربية؟

يوسف الشريف: الإعلام التركي أشار إلى دعم مؤسسة رجال الأعمال الأتراك (توسياد) وثيقة الصلة بأميركا للتشكيل السياسي الجديد، متحججاً بضرورة قطع الطريق على (رجب طيب أردغان) النسخة المصححة من أستاذه أربكان خلال الانتخابات المقبلة إذ يتصدر أردغان قوائم استطلاعات الرأي حول أكثر المرشحين قبولاً بين الناخبين كما أن جماعة أردغان لا تجد في مجموعة جم ورفاقه منافساً حقيقياً.

عبد الله جول (نائب زعيم حزب العدالة والتنمية): هذه المجموعة ليست لها قاعدة شعبية ولا يعرفها الناس وأفرادها ليس لديهم جديد يطرحونه كما قالوا، فأحدهم كان نائب أجاويد والآخر وزير خارجيته طوال السنوات الخمس الماضية وشاركوا معه لإيصال تركيا إلى ما هي فيه الآن.

يوسف الشريف: وفي ظل إذعان الحكومة لطلب إجراء انتخابات مبكرة يبقى كمال درويش وزير الاقتصاد حصان واشنطن الرابح في تركيا والذي تتلهف الأحزاب اليسارية على اختطافه وإن أبدى ميله إلى تشكيلة جم ورفاقه، إلا أن درويش قد يغير رأيه لاحقاً لاسيما وأن عليه ألا يجازف بدخول الانتخابات مع حزب قليل الخبرة ذلك حتى يضمن دخول البرلمان، هذا بالطبع إن نجا هو الآخر من تدخلات القوى التقليدية المحافظة والتي لا يروقها أن تشهد ازدياد عدد منافسيها على تشكيل خريطة السياسة التركية.

ملابسات الأزمة التركية وآفاق التعامل معها

مالك التريكي: إذن سقوط الحكومة التركية أو استمرارها ليس وليد تناقضات وحسابات داخلية فحسب، بل هو محصلة لتطابق مصالح داخلية وخارجية قد تصب في نهاية المطاف في صالح الشعب التركي وقد تسبب مزيداً من الانهيارات في بنية سياسية واقتصادية تزداد تصدعاً مع كل زلزال سياسي يهز استقرار البلاد ويهدد نظامها، معنا الآن من أنقرة (المحلل والكاتب السياسي) فهمي كورو لبحث ملابسات الأزمة وآفاق التعامل معها.

سيد فهمي كورو، ما تتنقله الأنباء هو أن الأزمة الحالية قد نشأت بسبب رفض أجاويد الاستقالة، هل هذا هو السبب الحقيقي أم أن السبب الحقيقي يتعلق بوجود صراع مرير داخل النخبة الحاكمة وداخل النخبة بصفة.. بصفة عامة حول التوجهات الأساسية للبلاد، العلاقة مع الغرب الإصلاحات؟

فهمي كورو: في الواقع لقد مررنا بأزمة خلال الشهرين أو الثلاثة الماضيين لكننا الآن في نهاية هذه الأزمة بغض النظر عن وضع رئيس الوزراء في هذه.. بالنسبة لهذه الانتخابات، فأعضاء البرلمان قرروا أن يمضوا قدماً بهذه الانتخابات المبكرة وخاصة القوميين، حزب القوميين في الحكومة، فهذا مؤكد أن علينا أن نقوم ونجري انتخابات مبكرة، فرئيس الوزراء هو في وضع يشوبه الشكوك فهو ليس في وضع جيد الآن بالنسبة للتصويت واستطلاعات الرأي، فبالتالي لم يحصل على أكثر من 4% من هذا التصويت، وبالتالي فقد يجرجر نفسه ليصل إلى منع الانتخابات المبكرة، لكن لا أعتقد أنه سينجح في ذلك.

مالك التريكي: لكن السيناريو الذي يتم التحدث عنه الآن لا يتعلق بتأجيل الانتخابات المبكرة إلى أبريل القادم فقط، بل ربما حتى إلى أبريل من عام 2004 أي إلى الموعد الدستوري الأصلي، هل هذا السيناريو محتمل في ضوء ما يمكن أن يحصل إقليمياً، أي الضربة الأميركية للعراق مثلاً؟

فهمي كورو: لا أعتقد ذلك، فالوضع أعتقد أنه يستحيل تأجيل الانتخابات المبكرة إلى ما بعد أبريل من العام المقبل أو في 2004، بالتأكيد لدينا مشكلة العراق كما تعلمون وهي مشكلة مطروحة حالياً بين.. في المنطقة، فنائب وزير الدفاع في الولايات المتحدة (وولفويتز) كان في تركيا مؤخراً وتحدث مع السلطات التركية للحصول على مساعدتهم ودعمهم.. دعمهم للولايات المتحدة لتوجيه ضربة العراق، لكن رئيس الوزراء وبعض الدوائر داخل الساحة السياسية التركية ليسوا موافقين على قرار أميركا بضرب العراق، بغض النظر عن الجهة الحاكمة لكن ليس من صالح الأحزاب السياسية أن تمضي قدماً مع هذا القرار النابع من الولايات المتحدة، فهو سيؤدي إلى مشكلات كثيرة عندما تحين هذه.. وضع هذا الوضع لضرب العراق، فهو ليس.. فليست الأحزاب الحاكمة، بل أيضاً الأحزاب الكبيرة التي من غير المرجح أن.. أو هي المرجحة لأن تفوز بالانتخابات المقبلة، هي أيضاً ضد ضرب العراق من قبل الولايات المتحدة.

مالك التريكي: ما رشح -أستاذ فهمي كورو- من محادثات نائب وزير الدفاع الأميركي (بول وولفويتز) مع المسؤولين الأتراك هو أن الأسباب الرئيسية التي قدمها المسؤولون الأتراك لمعارضتهم أي ضربة ضد العراق هي أسباب عملية، ذكروا مثلاً أن تركيا قد خسرت ما لا يقل عن 50 مليار دولار منذ بداية حرب الخليج وأن هذا الوضع الاقتصادي قد.. قد أثر في جنوب شرق تركيا أي في المنطقة الكردية وغض ما يسمى.. ما يسمى بالإرهاب، ثم هنالك خوف.. خوف أيضاً من.. من مشكلة وجود دولة أو حتى حكم ذاتي كردي في شمال العراق.

فهمي كورو: هذه مخاوف حقيقية وأخذت بالاعتبار لدى كثير من الدوائر التركية والمؤسسات التركية، فلم نعاني فقط في حرب الخليج من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً تجارتنا مع العراق عانت بشكل كبير جداً، كما أن خسرنا 2 بليون.. ما قيمته 2 بليون من التجارة مع العراق وهذا أدى إلى خسارة كبيرة في الاقتصاد وهذا وضع مأساوي بالنسبة للسلطات التركية، فقد.. قبل أن يقرروا أن يمضوا قدماً مع الولايات المتحدة يجب أن يفكروا بهذا الأمور، ولكن على الجانب الآخر لدينا صعوبات أخرى وهي قد تؤدي إلى المزيد من الصعوبات في اتخاذنا القرار من موضوع العراق، فالاقتصاد التركي ليس بوضع جيد، وقد عانينا الكثير من المشكلات الاقتصادية، ولتغطية هذه المشكلة، فنحن بحاجة لاتفاق مع صندوق النقد الدولي في واشنطن والبنك الدولي أيضاً، هم..

مالك التريكي[مقاطعاً]: لهذا السبب.. لهذا السبب أستاذ كورو.

فهمي كورو[مستأنفاً]: يدعمون تركيا..

مالك التريكي[مقاطعاً]: أستاذ كورو لهذا السبب.. أستاذ كورو لهذا السبب يبدو أن الغرب والولايات المتحدة خاصة تؤيد المجموعة التي يتزعمها أو يمثلها على الأقل وزير المالية السابق كمال درويش على أساس أنه يحظى بثقة المؤسسات النقدية، هل تتوقعون أن ينجح هؤلاء في المضي قدما في الإصلاحات رغم أن استطلاعات الرأي تبين حزب العدالة والتنمية هو الذي يحظى بالشعبية الآن؟

فهمي كورو: في الواقع إن هذه هي المشكلة الرئيسي بالنسبة للسياسيين الذين يحاولون جهدهم لمنع ظهور حزب العدالة والتنمية، وطريقهم إلى الوصول إلى السلطة، لكن كما تعلمون فإن الشعب سيصوت في هذه الانتخابات وهم الذين سيقررون وهم مُصرين في عدم التصويت للأحزاب التي كانت تقود هذه الدولة لخمسة عشر عاما الماضية، بالتالي هذا الحزب الذي سيظهر كحزب جديد في الساحة التركية السياسية فهو سيصل إلى الحكم، ويبدو أنه سينجح في الانتخابات المقبلة، فهنالك لا يوجد أي احتمالية...

مالك التريكي: أستاذ كورد إذا نجح.. أستاذ كورو إذا نجح حزب العدالة والتنمية هل سنمضي في الإصلاحات لأن هنالك إصلاحات هيكلية، السيد كمال درويش هو.. هو الذي يتزعم هيكلية، السيد كمال درويش هو.. هو الذي يتزعم الجناح الذي سيطبقها، وهو لا يزال.. وزير اقتصاد وليس مثلما ذكرته أنفا لأنه استقال ثم رجع، هل.. هل يمكن المضي في هذه الإصلاحات حتى في حالة فوز الإسلاميين؟

فهمي كورو: إن المبدأ الأساسي لأي حزب سياسي سيصل أو يحاول الوصول إلى الحكم والحكومة في إدارة الدولة فالمبدأ الأساسي لها هو الالتزام بالاتفاقات التي وقعتها الحكومات السابقة، إذن فالاتفاقات التي أبرمناها مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هي ملزمة لنا، فبالتالي ستكون ملزمة لحزب العدالة والتنمية أيضاً، لكن المشكلة لن تكون تُترك لأي حزب دون آخر، لكن يجب أن يحلها أي حزب يصل إلى الحكم وبأي وسيلة أخرى، إضافة إلى ما يمليه علينا صندوق النقد الدولي أو يمليه على الاقتصاد التركي، فهذا الحزب يحاول.. يحاول أن يضع سياساته الخاصة...

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ.. الأستاذ فهمي كورو الكاتب والمحلل السياسي التركي من أنقرة لك جزيل الشكر.

مثلت تركيا في الأدبيات الغربية لفترة طويلة صورة الآخر -كما يقول إدوارد سعيد- وقد تركز طوق النخبة التركية الحاكمة منذ (كمال أتاتورك) حتى اليوم، تركز هذا الطوق على إلحاق تركيا بالغرب، لكن هل نجحت هذه النخبة في شيء سوى تحويل قدر تركيا الجغرافي إلى قدر سياسي أي هل نجحت في شيء سوى جعل تركيا جاثمة على اعتاب أوروبا تنتظر الإذن بالدخول.

[فاصل إعلاني]

أزمة الهوية التركية ومحاولات الانضمام للاتحاد الأوروبي

مالك التريكي: قلب تركيا شرقي ولكن رأسها غربي، ولهذا فإن أزمتها المتواصلة قد تتلخص في أزمة الهوية، جناح في آسيا وآخر في أوروبا، ومع ذلك بالمحاولة تندد مستمرة للطيران لجناح واحد، ذلك أن التوجه الغربي -منذ عهد كمال أتاتورك- يكبل هذا البلد الاستراتيجي العظيم الذي أعتقد الآباء المؤسسون أنه سيصبح متقدماً وغريباً بمجرد تغيير أحرف الكتابة واعتناق العلمانية ديناً رسمياً للبلاد، إلا أن تركيا حققت رغم ذلك كله قدراً من التقدم لم تبلغه معظم الدول الإسلامية الأخرى، معنا الآن من القاهرة لبحث هذه القضية الدكتور محمد السعيد إدريس (الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام ورئيس وحدة الدراسات الخليجية ورئيس تحرير مختارات إيرانية) سيد إدريس، هنالك في كل أزمة تحصل في تركيا أزمة سياسية خطيرة خلفية تكون عادة لها علاقة بأزمة الهوية، هل يعتق الأتراك حقا بعد مضي هذه العقود وبمحاولتهم بالالتحاق بالالتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية قبل ذلك، هل يعتقدون فعلاً أن أوروبا ستنتهي بقبولهم عضواً كامل العضوية؟

د. محمد السعيد إدريس: يعني نستطيع أن نقول أن الجدل حول الهوية مازال مستمرا منذ 8 عقود، فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية من اجل تتريك تركيا أو إنهاء كل الإرث الشرقي والإسلامي والسعي الدؤوب للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي حتى الآن مازالت هناك مشكلة هوية تقسم المجتمع التركي، بدليل أن الشارع التركي الآن يتجه نحو دعم الإسلاميين ودعم الأحزاب الإسلامية ورغم كل تدخل المؤسسة العسكرية لقمع التيار الإسلامي، مازالت الهوية الإسلامية هي الغالبة على الإنسان التركي، ولذلك أعتقد أن هناك أزمة بنيوية داخل المجتمع التركي، الهويات لا يمكن أبداً بقرارات سياسية تحويرها أو تحويلها ولكن هي جزء من الضمير الداخلي المكون للشخصية الوطنية لأي دولة من الدول، فتركيا كما ذكرت نصفها الرئيسي موجود في آسيا وجزء آخر موجود في أوروبا، هي نوع من الانقسام هي عبارة عن يعني جسر بين حضارتين.. الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وإذا لم تستطع أن تقوم بدور الجسر الثقافي فسوف تظل أن تعاني مشكلة الهوية بمعنى أن من الصعب فرض الهوية الإسلامية كاملة على تركيا ونسيان أن لها جذر أوروبي، وفي الوقت نفسه من الصعب جعل تركيا دولة أوروبية كاملة، ولكن يجب أن يكون هناك نوع من التوازن والاستقرار الداخلي في إدارة أمور الدولة وفي بنية النظم السياسية الحاكمة وإلا سوف تظل الأزمة الراهنة ممتدة رغم كل الطموحات في أن دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سوف يحل المشاكل التركية.

مالك التريكي: لكن دكتور إدريس، رغم المحاولات الدؤوبة التي قامت بها النخبة الحاكمة مثلما ذكرتم منذ 8 عقود للالتحاق بالغرب وخاصة بأوروبا، هنالك التباس في الموقف الأوروبي، لأن الأوروبيين لم يحدث أن قالوا صراحة إن تركيا ليست أوروبية ولا تنتمي إلى الحضارة الأوروبية حتى قبل سنوات قليلة عندما أطلق وزير الخارجية الألماني السابق (كلاوس كيلكن) ذلك التصريح الشهير، وقال إن الاتحاد الأوروبي هو نادم لدول أوروبية تشترك في أساس ثقافي مسيحي يهودي، الأمر أصبح واضحا الآن، إذا أضيف إلى ذلك أن هنالك الآن وضعاً بعد الحادي عشر من سبتمبر يتسم بالعداء للمسلمين والمهاجرين في الغرب عامة وفي أوروبا خاصة، الواقعية ألا تقتضي من النخبة الحاكمة في.. في تركيا أن تنظر إلى الأمر بمنظار من مختلف الآن؟

د. محمد السعيد إدريس: يعني هي الواقعية سوف تفرض نفسها عاجلا أم أجلا بمعنى أن العداء الأوروبي المستحكم لكل ما هو إسلامي وعلى الرغم من كل جهود الدول العربية والدول الإسلامية في الدعوة إلى ما يسمى بجوار الحضارات فإن الحضارة الغربية مازالت على استعلائها ومازالت تنظر إلى الآخر بشكل من الدونية، مازال دعوة صراع الحضارات قائمة، وأعتقد أن مسألة التسامح الإسلامي وغيرها من الدعوات يجب أن تكون مرتكزة بعوامل قوة، أنا لا أتصور أبداً أن الغرب سوف يقبل بالتسامح مع الحضارة الإسلامية إذا لم يكن مضطرا إلى مثل هذا التسامح، إذا لم يحترم بعوامل معينة عوامل قوة وتفوق إسلامي الصورة تفرض الاحترام من جانب الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية، الشعب التركي يواجه الأمرِّين في وجوده داخل الدول الأوروبية والنزعة العنصرية تتزايد ضد المهجرين رغم إن عدد كبير من الأتراك يعيشون في ألمانيا ودول غربية أخرى، ولكن هم يواجهون بعنصرية ونازية جديدة في هذه الدول تنبئ بأن مسألة دمج تركيا في الاتحاد الأوروبي سوف تواجه بمشكلات كثيرة، أنا ألاحظ أن... أن هناك..

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور إدريس، آسف على المقاطعة دكتور إدريس، رغم كل ذلك تركيا يمكن أن توصف بأنها البلد الإسلامي الأكثر ديمقراطية أو أنه ربما نظام الحكم فيه أقل تسلطاً من الأنظمة الإسلامية الأخرى، هل يمكن حسب التطور الأخير خاصة الأحزاب التي توصف بأنها إسلامية، ولكنها تقول إنها ليست كذلك، هل يمكن التوقع بأن تنجم عن التطورات الأخيرة أحزاب ممكن أن تسمى ديمقراطية إسلامية مثلما كان في إيطاليا وألمانيا أحزاب ديمقراطية مسيحية أي أنها تلعب اللعبة الديمقراطية مع التركيز على الطابع الديني على أساس أنه مكون ثقافي هام.

د. محمد السعيد إدريس: أعتقد إن هذا هو الطموح، يعني أنا لا.. يعني لست مع التيار الذي يتهم الإسلام بعدم الديمقراطية أو لا أفهم أن الشورى في الإسلام مجرد تشاور في الرأي، الإسلام في جوهرة يقر بالمضمون الديمقراطي، ولكن المشكلة في المسلمين وليست في الإسلام، يعوَّل الآن على كير من.. الإسلامية أن تنضج وأن تتطور وأن تطرح طرحاً ديمقراطيا وأن تطرح نظرية جديدة في الحكم السياسي، نظرية ديمقراطية تجعل المسلمين جديرين بالاحترام وسط العالم.

أعتقد تركيا ربما تكون تحت الضغوط أو تحت الأمر الواقع، مطلوب منها أن تقوم بهذا الدور، مطلوب من تركيا أن تكون لها المبادرة بحكم ما تملكه تركيا من مقومات تقديم النموذج الديمقراطي الحقيقي للدولة الإسلامية، على سبيل المثال أيضاً عندما كانت هناك انتخابات رئاسية في إيران والكل شهد بنزاهة هذه الانتخابات وفوز الرئيس محمد خاتمي على سبيل المثال، كانت هناك أغلفة مجلات أوروبية تقول: هل يمكن أن يقترن الإسلام بالديمقراطية؟ هل يمكن أن يتعايش الإسلام مع الديمقراطية؟ هذه هي العقلية الأوروبية هي تفترض بداءة أن هناك يعني عدم...

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور إدريس.. دكتور إدريس، أخيراً هل.. هل هنالك من دور للجيش في حل هذه الأزمة؟ لأن الجيش رسمياً هو حامي،.. دستورياً حامي العلمانية، هل سيكون له دور في.. في حل الأزمة؟

د. محمد السعيد إدريس: أنا.. أنا يعني أرى أن تركيا رغم كل ما ينظر إليه البعض بنظرة مأساوية أنا أنظر إلى ما يحدث في تركيا نظرة إيجابية، والإيجابية أراها من أن لسنوات طويلة وربما لـ 8 عقود متصلة ظل الجيش التركي يحكم العلمية السياسية في تركيا، الآن بضغط الحاجة تظهر عوامل أخرى منافسة لدور الجيش في العملية السياسية مثل الدور الأوروبي، الأزمة الاقتصاد، على سبيل المثال لو استجابت الحكومة التركية والأحزاب.. التركية..

مالك التريكي [مقاطعاً]: دكتور محمد السعيد إدريس (رئيس تحرير مجلة دراسات إيرانية) من القاهرة شكراً جزيلاً لك. وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.