مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

عادل حمودة: كاتب صحفي
د.علي فهمي: متخصص في الدراسات الاجتماعية

تاريخ الحلقة:

28/11/2002

- أسباب نشأة النكات وحقيقة تعبيرها عن المواقف السياسية
- الابتكارات الفكاهية للشارع العربي للتعبير عن آرائه السياسية

مالك التريكي: آلام الشعوب وتقلبات الحكم والسياسة مادة خصبة لفن إنساني لا يموت، نظرات في النكتة السياسية ومعالجتها العربية.

أهلاً بكم، هل سمعتم بآخر نكتة؟

سأل سجين زميله في السجن: ما سبب اعتقالك؟ فأجابه: لقد رويت نكتة. فسأل سجيناً ثانياً: وأنت؟ فأجابه: لقد استمعت إلى نكتة. فمضى يسأل سجيناً ثالثاً: وأنت؟ فأجاب الأخير أنا مسجون بسبب إهمالي في التبليغ عن جريمة، فقد سمعت رجلاً يقول نكتة خلال إحدى الحفلات وتساءلت وأنا في طريقي إلى المنزل عما إذا كان ينبغي عليَّ الإبلاغ عن صاحب النكتة على الفور، أم الانتظار حتى الصباح وبما أنني قررت الانتظار، فقد اعتقلتني الشرطة السرية في تلك الليلة بالذات.

هكذا تعتبر النكتة السياسية في أنظمة التسلط جريمة توجب العقاب، حيث يقال إن (يوليوس قيصر) ديكتاتور روما الشهير كان يمقت النكات السياسية التي كان يطلقها خصمه الخطيب الشعبي (سيسرو) في أنحاء روما، وكان يوليوس قيصر ينشر جواسيسه في المدينة ليسجلوا له تلك النكات، لكنه كان يعلم أن التخلص من الخطيب الساخر سيجعل نكاته أكثر قوة واستمراراً.

وفي العصر الحديث عرفت النكات السياسية طريقها إلى تقارير أجهزة الاستخبارات وقياس الرأي العام وقد تأكد أن أجهزة استخبارات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كانت تهتم بجمع النكات السياسية وتحليلها وصياغتها في تقارير تُرفع إليه وأنه كان يتقبلها ويعدها تعبيراً عن ذكاء ابن البلد المصري وخفة دمه، ولكن عبد الناصر أصبح بعد هزيمة 67 شديد الحساسية تجاه النكات إلى الحد الذي جعله يطلب من الشعب في إحدى خطبه التوقف عن ترديدها بعد أن بات يرى فيها سلاحاً للعدو لا يجوز استعماله.

ومهما اختلفت درجة تقبل الحكام للنكتة، فلا شك أن معظمهم كان بطلها رغم أنفه ولا شك أيضاً أنها غمزت من قناتهم جميعاً، فقد أصبحت السخرية السياسية -على حد قول الشاعر نزار قباني- أداة توحد الأمة العربية ووسيلة للهمس بين الحاكم والمحكوم.

ولكن ما هو كُنْهُ النكتة؟ كيف تنشأ؟ ومتى تُقال؟ ياسر أبو النصر يحاول الإجابة في هذا التقرير.

أسباب نشأة النكات وحقيقة تعبيرها عن المواقف السياسية

تقرير/ياسر أبو النصر: الكبت والتعبير الديكتاتورية والديمقراطية، الحاكم والمحكوم، والجوع والشبع، بين هذه المسافات تعبث النكتة وتخرج لسانها، وسواء تناقلها الناس همساً أو قيلت على مسرح كهذا فهي في كثير من الأحيان تلعب دور الدواء المهدئ الذي ينقذنا من الانفجار ويساعدنا على التوازن النفسي.

ممثل مسرحي (في زي اسامة بن لادن): يريدون دليلاً على أنني فجرت البرجين التوأمين وأميركا ترفض تقديم الدليل، لذلك.. أصبحت مصدراً للنكت.. كل ما صار شيء بيقول لي عملها ابن لادن، واحد أميركي فقعت الزائدة معه قال عملها بن لادن، أقسم بالله العظيم لن يهنأ الأميركان بالهامبورجر والبيتزا هت، حتى يهنأ الفلسطينيين بالمسخن..

ياسر أبو النصر: أما ما يجمع النكتة والكاريكاتير فهو أن كلاهما فن مشاكس يتحول مضمونه إلى أظافر وأنياب وتعليقاته إلى طلقات تصيب الرموز الكبيرة بالقلق وتحطم هالات الوقار المرسومة على ملامحهم، كلاهما يسعى عن طريق المبالغة إلى إزالة قشرة الوهم التي تغلف الواقع، حتى يظهر عارياً بدون مساحيق.

التصوير الهزلي هو لب النكتة، شأنها في ذلك شأن فنون السخرية الأخرى التي أفرزت أغنية كارتونية مثل أغنية (جورج مايكل) Shoot the dog، وفيها يسخر صانع الأغنية من (بوش) و(توني بلير) ويصورهما يرقصان الديسكو، ويربت الرئيس الأميركي على ظهر بلير بطريقة توحي بأنه حيوان منزلي أليف يتبع صاحبه كظله، وما لم تقله الأغنية قاله الشارع الأميركي، بل شوارع في أنحاء شتى من العالم حول مستوى ذكاء الرئيس الأميركي.

حماده إمام (صحفي): أعتقد إنها نوع من التنفيس وغضب الشعوب عن ممارسات أميركا في المنطقة، خاصة تجاه الشعوب العربية هي أطرف نكتة كانت اتقالت: إن بعد أحداث 11 سبتمبر مسؤول غربي سافر الولايات المتحدة الأميركية فيبدو إن هو من أثر السفر كان تعبان فأول لما دخل على بوش، بوش بيسأل بيقول له مالك؟ قال له: يا أخي برج من نفوخي هيطير، فرد عليه بوش قال له: أنا عندي اتنين طاروا.

ياسر أبو النصر: هناك من يرى أنه بقدر ما يكون الألم يكون الضحك، فالنكتة هي الوجه الآخر للأحزان، هذا ما تشير إليه دراسة اجتماعية مصرية، موضحة أن 40% من المصريين يقولون النكتة في مواقف يتعرضون فيها لخسارة من أي نوع، 27% يلجأون إليها للخروج من الضيق، 24% يقولونها بعد المشاجرات والمشاحنات، 21% يقولون النكتة في أعقاب الموت أو الوفاة، فربما كانت محاولة للتعالي على الحزن واستعادة الذات، ولعل هذا ما يفسر ما حدث في جنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، عندما ودعه إلى مثواه الأخير 6 ملايين شخص في سابقة لم تحدث لغيره، وما أن انفضَّ المشيعون إلى بيوتهم، حتى بدءوا في إطلاق النكات، وعلى حد توصيف الكاتب عادل حمودة الذي ألف كتابين عن النكتة فقد بكى الناس أفضل ما في جمال عبد الناصر وهو الوطنية والانحياز للفقراء، لكنهم سخروا من أسوأ ما فيه وهو الديكتاتورية.

خليل الحشاش (صحفي): اكتشفوا تمثال فرعوني قديم فاحتار العلماء تحديد أصله وجنسه شو هو يعني، فأرسلوه لعبد الناصر فقام جمال عبد الناصر اقترح إنه يرسلوه للمخابرات لكشف رموزه بعد فترة أجوا المخابرات، جايبين التمثال، قالوا له: يا ريس التمثال ده ثبت إنه تمثال رمسيس الثاني قال لهم: عرفتوا إزاي؟ قالوا له: إحنا خليناه يعترف يعني بالقوة يعني أجبرناه على الاعتراف.

ياسر أبو النصر: قد تجمع النكتة بين السياسة والجنس، وقد تقتحم المحرمات فتتناول الدين والسياسة والجنس معاً مما يجعل من الصعب على وسائل الإعلام سردها ولو في سياق تحليلي كهذا وفي الدراسة المصرية السابقة تبين أن 69% من النكات المتداولة تُقال حول سكان مناطق معينة مثل أهل الصعيد ودمياط والمنوفية، 19% نكت لها طابع إباحي، 15% نكت سياسية 1.8% نكت دينية، لكن الكاتب عادل حمودة يؤكد أن هذه الأرقام قد تكون خادعة، فنكتة واحدة ضد الحاكم أو الرئيس أو الأثرياء الجدد بألف نكتة ضد الصعايدة أو الدمايطة على غرار تلك النكتة التي قيلت على أكثر من حاكم عربي، آخرهم عرفات تعبيراً عن تبرم الشارع من المرونة السياسية التي قد يراها البعض مبالغاً فيها.

خليل الحشاش: بيقول لك عرفات راح الحج، لأداء فريضة الحج، بعدما أدى الشعائر كلها وخلص وصل لمرحلة رمي الجمرات، فمسك السبع جمرات في إيده، الجمرة الأولى، الثانية، التالتة، الرابعة لغاية ما وصل السادسة، مسك السابعة وخباها، فواحد من المساعدين واقف جنبه، بيقول له يا زعيم يعني فين الجمرة السابعة ليش ما رميتها؟ قال والله بأفكر إنه ما نقطع كل الخيوط مع الشيطان ممكن نحتاجه في يوم.

ياسر أبو النصر: أما النكت التي تسخر من الفقر وسوء الأحوال، فتشغل حيزاً كبيراً ضمن إطار النكت السياسية والكثير منها نكت عابرة للقارات تتخطى المسافات وتكيف نفسها محلياً حسب ثقافة كل بلد.

في النظم الديمقراطية كثيرة هي الطرق المؤدية إلى الحاكم ابتداءً من وسائل الإعلام الحرة وحتى السب العلني في الحدائق العامة على طريقة (الهايد بارك) ولكن في نظم أخرى قد تكون النكتة هي البديل.

مالك التريكي: تتنوع مواضيع النكات التي تتداولها الشعوب إذن من السخرية من سكان مناطق معينة مثل أهل الصعيد ودمياط في مصر مثلاً إلى المواضيع الدينية والسياسية وما يتعلق بها من المحرمات، ولكن الكاتب والصحفي عادل حمودة، الذي هو معنا الآن من القاهرة يرى أن نكتة واحدة ضد الحاكم أو الأثرياء الجدد تساوي ألف نكتة ضد الصعايدة أو الدمايطة أو ضد الشعب المجاور، فهل يمكن القول إنه كلما كان موضوع النكتة جاداً كلما كانت النكتة أهم وأخطر.

أستاذ عادل حمودة، بمثلما أن الحب -أعزك الله، كما قال ابن حزم- أوله هزل وآخره جد، هل يجوز القول بأن النكتة السياسية ظاهرها هزل وجوهرها جد؟

عادل حمودة: هو في الحقيقة تعبير دقيق جداً، لأنه النكتة السياسية هي نوع من صحيفة سرية معارضة تلجأ إليها الشعوب عندما تعجز على أن تعبر عن رأيها بدقة وبصراحة، وبشكل مباشر وبشكل مكثف، فأن تعبر بهذه النكتة معناها أيضاً أنها تصيب بطلقة حادة جداً ما تراه مؤلماً، وفي نفس الوقت لا تريد أن توجع نفسها، فيكفي وجع الواقع نفسه، فهي تعبر بقسوة تجاه الواقع، ولكنها تحاول أن تخفف على نفسها بالسخرية من هذا الواقع، يعني هأقول مثل..

مالك التريكي: هل يمكن القول.. تفضل.. تفضل

عادل حمودة: يعني ده كمان جاي من.. من تعريف كلمة النكتة، لأن النكتة جاية من فعل نكت، ونكت الأرض أي ضرب.. نكت الشيء أي ضرب الشيء، والسخرية نوع من أنواع القسوة في كشف عيوب وعورات الآخرين، فأن تسخر من إنسان معناه أن تجعله أقل قيمة مما هو في الحقيقة أو من الواقع، وبالتالي نجد أنه في ظل غياب القدرة المباشرة على التعبير السياسي بوسائل التعبير العامة المتاحة زي المسرح، و.. والكتاب، والمقالة، والبرلمان، والصحيفة المعارضة، والحزب السياسي، والمظاهرة، بنجد أن الشعوب تريد أن تؤثر السلامة، وتكتفي بأنها تتداول النكتة السياسية الساخرة، وتتداولها بسرعة مذهلة دون أن نعرف من الذي صنع هذه النكتة، ولا من الذي يمكن أن يكون مسؤولاً عنها، فالنكتة منشور سياسي بالدرجة الأولى، وهذا المنشور السياسي سنجده في الدول الديمقراطية، وسنجده في الدول الديكتاتورية، على حدٍ سواء، يعني سنجده في الولايات المتحدة الأميركية سخرية من الرئيس الأميركي (جورج بوش)، وسنجده أيضاً في الخنادق والبيوت العراقية سخرية من الرئيس صدام حسين، ولكن الفرق بين هنا وهناك أن النكتة في الولايات المتحدة الأميركية سواء كانت نكتة سياسية أو نكتة جنسية أو نكتة دينية هنجدها في النهاية تتحول إلى كتاب أو شريط فيديو، أو برنامج في التليفزيون، أما على الجانب الآخر فإنها ستتحول إلى محاكمة واعتقال وإطلاق بالرصاص على من يطلق النكتة، أو حتى من يسمعها.

مالك التريكي: ذكرت أن الشعوب تؤثر السلامة، فتطلق النكات، هل يعني ذلك أن النكتة تتحول في أنظمة التسلط إلى نوعٍ من البديل عن الفعل غير المشروع طبعاً، غير المتوفر في المجال العام؟

عادل حمودة: يعني هذا صحيح 100%، لأنه النكتة وسيلة من وسائل التعبير السلبي، يمكن أن يرضي هذا التعبير من يطلق النكتة، ويسعده لمدة دقائق أو ثواني حتى، ولكن لا شيء يتغير، أحياناً كانت النكتة وسيلة من وسائل توصيل الرأي.. رسالة الرأي العام، يعني أحياناً هي قناة من قنوات الرأي العام، زي ما تفضلت في بداية تقديمك للموضوع، وأشرت إلى ما فعله الرئيس جمال عبد الناصر، لكن الرئيس جمال عبد الناصر كان يعتبر النكتة هي حس شعبي.. نبض شعبي لإصلاح ما يمكن أن لا يصل إليها عن طريق بقية الأجهزة وبقية التقارير الحكومية، ومن.. يعني في وقت من الأوقات كانت مصر تعاني من أزمة الأرز، والأرز هو طعام شعبي مهم جداً لجزء كبير جداً من المصريين، ويكاد يكون طبق يومي هو والخضار على موائدهم، فلما وجد نكتة بتتحدث عن أزمة الأرز، أطلقها كمان في الإذاعة واحد من المونولوجستات المشهورين أيقظ وزير التموين بالليل، وطلب منه أن يحقق في هذا الموضوع، كأن النكتة هنا نوع من البلاغ السياسي يصل من الشارع إلى الحاكم، ولكنه أيضاً هو قد يكون وسيلة من وسائل تصفية الحسابات داخل أجنحة السلطة المختلفة في بعض النظم، يعني من الممكن أن نجد جماعة من السلطة تتصارع مع جماعة أخرى، فنجد أنه فيه ناس يتسمون بخفة الظل، قد يتحولوا إلى أصحاب منشورات سياسية على طريقة النكتة كنوع من التحطيم المعنوي لهذه الجماعة أو لتلك.

مالك التريكي: لكن هل يمكن التفريق بين هذين النوعين من النكات، النكتة التلقائية العفوية التي يبدعها الشعب بطريقة مغفلة الاسم أو مجهولة الاسم، وبين هذه النكات الأخيرة التي ذكرتها التي تندرج في إطار تصفية الحسابات بين أجنحة السلطة، وهي نكات متعمدة ذات غائية سياسية، هل يمكن التفريق بين.. بين هاتين الفئتين؟

عادل حمودة: أنا أتصور أنه النكتة التلقائية لازم أن تتسم بخفة الظل، لأنها طالعة من الوجيعة، طالعة من القلب، أتصور أن النكتة الأخرى هي نكتة مفتعلة، وبالتالي عمرها ليس طويلاً. النكتة الأولى تعبر عن مشاعر ناس مكبوتة أو متغاظة أو منفعلة أو تريد أن تنفجر، ولكنها لا تريد أن تموت، ففي هذه الحالة بتكون نكتة دمها خفيف، ولعله يمكن أنه لو.. لو كنت في مصر يمكن أن يغفر لك المصريين كل شيء، يغفروا لك.. يغفروا لك مثلاً أنك لا تأتي في الميعاد، أنك يعني لا تلتزم بأشياء كثيرة، ولكني لا أتصور أن المصريين يمكن أن يغفروا لأحد أنه لا يتقبل النكتة بتاعتهم، ولا يتقبل خفة الظل، يعني يمكن أن يغفر للمصريين (كل) شيء، إلا أن يكون الشخص ثقيل الظل.

مالك التريكي: ذكرت أن النكتة تروى وتستعمل في البلدان ذات الأنظمة التسلطية وفي البلدان الديمقراطية مثل الولايات المتحدة، لكن هنالك رأياً شائعاً يقول إن هنالك علاقة تناسب طردي بين ازدهار النكتة السياسية، وبين غياب الحريات العامة، ألا.. أليس هذا الرأي صحيحاً؟

عادل حمودة: يعني إلى حدٍ ما، لكن من الممكن إن أنت لو في الولايات المتحدة الأميركية أو في إنجلترا هتدخل مكتبة من المكتبات التي تبيع الكتب وتجد في أقسام عريضة عدد هائل جداً من الكتب التي تتحدث عن كافة أنواع النكات أو أنواع خفة الظل، ومن ثم توافر هذه السلعة لا يجعلها عملة نادرة، وبالتالي الناس بتقرأها وما بتسمعهاش، ومن ثم لا تأخذ نفس الأهمية أو الحيوية في الدول التي تتمتع أو التي لها نظم قهرية، أو نظم قمعية.

في هذه الحالة بتكون هناك صعوبة في إنك تقرأ النكتة أو إلا أنك تسمعها سراً، والأشياء كلما هبطت إلى تحت الأرض، وازدادت إحساسها بالسرية، وازداد أصحابها إحساساً بالتوتر والقلق وهمَّ بيقولوها لابد أنها ستكون لها قيمة أعلى من أي شيء آخر.

مالك التريكي: الأستاذ عادل حمودة (الكاتب والصحفي المصري) من القاهرة، لك جزيل الشكر.

إذا كانت النكتة السياسية تعبيراً عفوياً طريفاً عن توجهات الشارع فإن للتجار باعاً طويلاً في هذا المجال، حيث أن لهم ابتكاراتهم ووسائلهم الفكاهية النموذجية في التعبير عن آرائهم في مجريات السياسية. بعد الفاصل محاولة للتعرف على بعض هذه الابتكارات.

[فاصل إعلاني]

الابتكارات الفكاهية للشارع العربي للتعبير عن آرائه السياسية

مالك التريكي: مثلما اعتاد الناس إطلاق النكات السياسية على قادتهم فقد راحوا هذه السنة يطلقون أسماء القادة والزعماء على أنواع من السلع بشكل يعكس مشاعرهم من هؤلاء القادة، وهكذا غمرت الأسواق في مصر هذا العام مع حلول شهر رمضان أنواع من البلح والتمور حملت أسماءً مثل صدام، وبلح بوش، وأظهر باعة الفوانيس تعاطفهم مع القضية الفلسطينية بإطلاق أسماء مثل الأقصى على بعض أنواع الفوانيس.

لينا الغضبان تجولت في بعض أسواق القاهرة.

لينا غضبان: أسامة بن لادن، وصدام حسين، وأرييل شارون الذين فرقتهم السياسة واختلاف المصالح جمعهم سوق البلح في مصر، فأسماء هؤلاء وغيرهم من المشاهير تحتل واجهات محال بيع البلح والسلع الرمضانية في القاهرة، ومؤشر الأسعار يعكس بوضوح حجم التعاطف والحب أو الرفض والكراهية الذي يتمتع به كل واحد من هؤلاء، فأسامة بن لادن الذي رصدت الولايات المتحدة 25 مليون دولار لمن يأتي برأسه يطلق التجار اسمه على أفخر أنواع البلح، في حين يطلقون اسم بوش وشارون على أردئها.

بائع البلح: بلح بن لادن مثلاً بلحة كبيرة، وشكلها كويس، وحجمها كويس، وبالتالي بنحط عليها سعر عالي فتقبل عليها الطبقات العليا، بالنسبة للطبقات المتوسطة مثلاً بلح صواريخ صدام، سعره معقول متوسط، بالنسبة للبلحة بتاع الطبقات الشعبية بنحط عليها بلح شارون، لأنه فعلاً ما يستحقش غير إن إحنا نحط عليه سعر رخيص جداً يعني..

لينا غضبان: وأياًّ كان رأي الساسة والمثقفين في هؤلاء فإن المصريين البسطاء الذين اعتادوا استخدام سلاح النكتة والسخرية للتعبير عن مواقفهم تجاه القضايا السياسية المختلفة حولوا سوق البلح إلى هايد بارك يرفعون فيها من شأن من يحبون، ويحطون من قدر من يستحقون كراهيتهم.

بائع بلح (2): بلحة كبيرة، حجمها كبير، منظرها جميل، شكلها جميل وحجمها كبير، فيقولوا عليها ده بلحة صواريخ بن لادن، أنا كاتب على البلح ده الأقصى، ده يدل على انتماء الشعب وحبهم المسجد الأقصى، وحبهم لفلسطين وحبهم للعرب، وتراب فلسطين، فده الأسماء دي بتتماشى.. بتعبر عن رأي وما يكنه الشعب من حب للمسجد الأقصى، من حب لأسامة بن لادن.

لينا غضبان: شهر رمضان واحدة من المناسبات العديدة التي يطلق المصريون فيها العنان لبراعتهم الفائقة في حبْك النكتة السياسية.. التي أحياناً ما تكون وسيلة جذابة للدعاية والترويج.

إطلاق أسماء المشاهير من الساسة والممثلين على بعض السلع أصبحت ظاهرة تنتشر بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان من كل عام، خاصةً في سوق البلح الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً واسعاً في هذه المناسبة، وقد امتدت هذه الظاهرة إلى أسواق أخرى.

في سوق الفوانيس لا يختلف الأمر كثيراً، ففانوس القدس وفانوس الانتفاضة يحتلان الصدارة، وإذا كان الفانوس المصري التقليدي قد تراجع أمام ما يستورد من الخارج فإن الروح المصرية بقيت على حالها من الدعم والتأييد للقضية الفلسطينية حتى ولو جاء ذلك في صورة شراء فانوس يحمل اسم القدس.

مالك التريكي: حوَّل بسطاء المصريين الذين اعتادوا استخدام سلاح النكتة والسخرية للتعبير عن مواقفهم من مختلف القضايا السياسية، حوَّلوا سوق البلح إذاً إلى هايد بارك على قد الحال، فكيف تطلق هذه الأسماء السياسية على مختلف أنواع البلح، وكيف تتم المطابقة بين اسم زعيم ما وبين السلعة التي يُفترض أنها تحمل شيئاً من الإيحاءات الإيجابية أو السلبية التي تحيط باسمه.

معنا من القاهرة الدكتور علي فهمي (المتخصص في الدراسات الاجتماعية) وإليه نتوجه بالسؤال عن منشأ هذه الأسماء الرمضانية الطريفة في أسواق القاهرة.

دكتور علي فهمي، كيف تفسرون نشأة هذه الأسماء، مثل بلح صدام وبن لادن من جهة، وبلح بوش وشارون من جهة أخرى؟

د.علي فهمي: شكراً على السؤال، ولو أنه يحتاج إلى تقدمة نظرية في الموضوع حتى لا نتعامل مع جزئيات مبسَّطة، الشعوب بصفة عامة لديها ما يُسمى في علم النفس التحليلي بالحيل الدفاعية، بصفة عامة الشعوب والبسطاء من الشعوب فهم لا يستطيعون مقاومة السلطة جهاراً أو علانية، ولكنهم يستطيعون المقاومة بطرق قد تكون غير ظاهرة أو غير واضحة، أو طرق ملتوية، أو حتى احتيالية، من بينها النكتة، من بينها الشائعة، من بينها أشياء كثيرة تسمى في التحليل النفسي -كما قلت- بحيل دفاعية، حتى لا يصطدمون بالسلطات مباشرة، لأن السلط.. لأن السلط في عالمنا العربي سلط قاهرة قاسية جهولة في الغالب، وبالتالي فموضوع إطلاق أسماء معينة من زعماء أصدقاء أو خصوم على سلع معينة كالتمر وكالفوانيس في رمضان الحالي في القاهرة هو جزئية بسيطة في موضوع الحيل الدفاعية في.. للتعبير عن الرأي الذي لا يستطيع أن يعبر عنه المرء البسيط بخاصة بشكل مباشر، فهو يلجأ إلى التورية وإلى كافة الحيل اللغوية في الموضوع، فعندما يختار نوعاً رديئاً من التمر مثلاً ويطلق عليه بوش، فهذا يعبر عن كراهية وازدراء عميق من جانب البسطاء من المصريين للإدارة الأميركية الغبية والجهولة، وأنا من كبار المثقفين وبأقول غبية وجهولة، وأعترف بهذا، عندما يقول مثلاً الرأي العام تجار البلح الصعايدة الجُمال دول، البسطاء اللي جايين من أسوان ومن الصعيد، يقولون بلح صدام حسين، رغم أن صدام حاكم بغيض -في تقديري أنا شخصياً- وديكتاتور بغيض في تقديري شخصياً، إلا أن الرأي البسيط العام يقف بجانب الشعب العراقي العظيم والشقيق خوفاً عليه من حرب إمبريالية حقيرة.

مالك التريكي: إذاً دكتور.. دكتور.. دكتور فهمي.. دكتور فهمي، آسف على المقاطعة.

د.علي فهمي: هذا..

مالك التريكي: إذاً هنا هل يصح القول إن هذه الجزئية تلتقي مع الافتراض النظري الذي ذكرته في البداية من أن النكتة السياسية في كثير من الأنظمة يمكن اعتبارها نوعاً ما مدخلاً إلى نفسية الإنسان المقهور؟

د.علي فهمي: هي دائماً وليس في معظم الأحوال ومؤكداً وليس تخمينياً، النكتة والإشاعة هي سلاح من أسلحة البسطاء، وتعلمنا.. يعلمنا الدرس التاريخي الاجتماعي في القرون الوسطى.. الوسطى مثلاً أن الشائعات برغم أن المواصلات والاتصالات كانت بسيطة إلا أن الشائعات في مصر مثلاً في القرون الوسطى كانت تعم القطر المصري بأكمله في سويعات قليلة، شائعة ضد السلطان المملوكي مثلاً، شائعة ضد الوالي العثماني الظالم مثلاً، نكتة تنسف كل شيء، ويبقى غير معروف الأصل في هذه النكتة أو في هذه الإشاعة.

مالك التريكي: دكتور علي فهمي.

د.علي فهمي: أيوه.. اتفضل.

مالك التريكي: دكتور علي فهمي (المتخصص في الأبحاث الاجتماعية من القاهرة) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.