مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

جون موبرلي: سفير بريطانيا السابق لدى العراق
د. حسن أبو طالب: مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية

تاريخ الحلقة:

22/09/2002

- المواقف الدبلوماسية الدولية من المسألة العراقية
- الموقف الأميركي البريطاني من العراق

- الموقف العربي من تطورات المسألة العراقية

مالك التريكي: في أعقاب رفض بغداد التعامل مع أي قرار دولي جديد بشأن عودة مفتشي الأسلحة المحظورة، تساؤلات عن الموقفين العربي والدولي إزاء استعادة صقور الإدارة الأميركية لزمام المبادرة.

أهلاً بكم، الحرب لا تستدعي قراراً من مجلس الأمن، أما استئناف التفتيش فإنه لا يستقيم إلا بقرار جديد من مجلس الأمن بهذا الموقف المتناقض تتعامل الولايات المتحدة مع العراق، فحتى الأمس القريب كانت الإدارة الأميركية تقول إنه لا حاجة لاستصدار قرار دولي جديد بشأن المسألة العراقية وإن في ميثاق الأمم المتحدة وما صدر من القرارات ذات الصلة منذ عام 90 ما يكفي بتخويل استخدام القوة ضد النظام العراقي، أما وقد أحدث العراق المفاجأة بقبول عودة مفتشي الأسلحة المحظورة دون شروط، فإن الإدارة الأميركية أصبحت تقول إنه لابد من قرار جديد بشروط جديدة، وهكذا فإن أميركا لا تريد في كلا الحالين إلا ما لا يريده المجتمع الدولي إذ من الواضح أن إعلان العراق يوم السادس عشر من هذا الشهر استعداده غير المشروط لقبول عودة المفتشين قد أدى إلى إرباك الإدارة الأميركية، ولكن الإعلان العرقي بعد خمسة أيام من ذلك رفض التعامل مع أي قرار دولي جديد يتجاوز ما تم الاتفاق عليه مع الأمين العام للأمم المتحدة قد أعاد -على ما يبدو- تسليم صقور الإدارة الأميركية زمام المبادرة حيث سهل لهم التشكيك مجدداً في جدية الموقف العراقي.

وتعارض روسيا والصين إصدار قرار جديد، إلا أن من غير المستبعد أن تمتنع الصين أو أن تقتنع الصين بالامتناع عن التصويت ومن غير المستبعد أن تغير روسيا موقفها في نهاية المطاف إذا حصلت على المقابل، أي التعهد الأميركي بأن الحكومة العراقية الجديدة التي ستخلف النظام الحالي سوف تسدد الديون المستحقة لروسيا والتي تقدر بـ 800 مليار دولار على الأقل.

أما فرنسا فقد أوضحت أن القرار 1284 هو كافٍ من الناحية الفنية، ولكنها لم تستبعد صدور قرار جديد.

وهكذا فإذا كانت الخطوة العراقية الأولى قد جردت أميركا من بعض الذرائع وأحدثت انقساماً في مجلس الأمن فإنه يُخشى أن تؤدي الخطوة الثانية إلى تسليح أميركا بمزيد من الذرائع وإلى إضعاف موقف فرنسا وروسيا اللتين يراهن عليها العراق. ياسر أبو النصر يستعرض مختلف المواقف الدبلوماسية من المسألة العراقية منذ خطاب الرئيس بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المواقف الدبلوماسية الدولية من المسألة العراقية

تقرير/ ياسر أبو النصر: إنذاران وجههما بوش في خطابه أمام الجمعية العامة، أحدهما إلى العراق والثاني إلى الأمم المتحدة لكي تتحرك وإلا أنجزت واشنطن مهمة الحرب بمفردها، وكأن بوش أراد بخطابه التعبوي أمام المحفل الدولي أن يستبق القرار العراقي بالعودة غير المشروطة للمفتشين الدوليين، فوسع من شروط تفادي الحرب لتشمل إلى جانب مسألة التفتيش ونزع أسلحة التدمير الشامل التي يصر على أن العراق يملكها خمسة شروط أخرى تبدأ بانخراط العراق في حملة مكافحة الإرهاب وتنتهي بإجراء إصلاحات ديمقراطية وإجراء انتخابات مروراً بتسوية تداعيات حرب الخليج مثل قضية الأسرى، والمحصلة تصب في حتمية العمل العسكري الذي لم تتوقف واشنطن عن دق طبوله.

كولن باول (وزير الخارجية الأميركية): لا يمكن قبول صفحة وربع موقعة من وزير الخارجية العراقي، لقد رأينا هذه اللعبة من قبل.

ياسر أبو النصر: من وجهة النظر الأميركية لم يختلف التعاطي العراقي في هذه الجولة عن المألوف، تجاوب مع التصعيد يصل إلى حد التهديد بتلقين واشنطن وحلفائها درساً لن ينسوه، يعقبه تراجع عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية لنزع الفتيل وسد الذرائع، لكن الذي اختلف الآن هو المنطق الأميركي الذي تملَّكه سعار محموم بعد الحادي عشر من سبتمبر لتطبيق استراتيجية وقائية جديدة والانطلاق منها لصياغة المشهد الدولي وفق مصالح واشنطن وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، ولاسيما عندما يتجه الحجر الأميركي لإسقاط عصافير عدة تتجاوز المطامع النفطية في ثاني احتياط في العالم إلى الإمساك بمفتاح الولوج إلى سوريا ومن ثمَّ لبنان المحتضنتين لحزب الله، وإخضاع منطقة الخليج بشكل كامل، بل والتواجد على تخوم إيران محطة الشر الثانية من وجهة نظر واشنطن بكل ما يستتبع ذلك من إمكانية التأثير في خرائطها الداخلية، أهداف تستحق من أجلها أن تخوض الإدارة الأميركية غمار جدل ساخن للوصول إلى إجماع أميركي عبر موافقة من الكونجرس تقول كل المؤشرات إنها لن تكون هينة وأن تنتزع بعملية قيصرية أخرى من أحشاء مجلس الأمن إجماعاً دولياً مماثلاً كفيلاً بأن يخفض الكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة على إنجازها المهمة منفردة.

وفيما ينضج التحرك الأميركي على إيقاع تعبئة سياسية وإعلامية منظمة يبدو المشهد الدولي مهيأً أكثر من ذي قبل للوصول إلى ذلك الإجماع الذي يمنح واشنطن ما تنشده من غطاء دولي، والحلفاء الأوروبيون أكثر هدوءً واستماعاً الآن بعدما استجاب بوش لدعوات التحرك تحت راية الأمم المتحدة، أما الانتقادات الدولية التقليدية لانفراد واشنطن بتسيير شؤون العالم فيرصد المراقبون خفوتاً في نبرتها بالتوازي مع تعالٍ تدريجي لصوت المصالح ولعبة المساومات، وإذا كانت بريطانيا تقف منذ البداية في الخندق الأميركي فقد طرأ تراجع في موقف فرنسا دشنه الرئيس شيراك عندما ربط الأمر بتفويض من مجلس الأمن ومهلة زمنية تسبق الاجتياح، تراجع يعزوه البعض إلى مطالبات فرنسا لحصتها من كعكة النفط وعقود التصدير وإعادة الإعمار في ظل الترتيبات الجديدة.

منطق المقايضة ذاته يحكم المعارضة الروسية الحالية التي يبدو سقفها مرهونا بإطلاق يد موسكو في جورجيا بدعوى مكافحة الإرهاب الشيشاني على الحدود وما يشاع عن طلبها عدم المساس بنصيبها من عقود تنمية حقول النفط في جزيرة مجنون وتسديد كل أو بعض ديونها الخارجية.

أما ما يمكن المساومة بشأنه مع الصين، فهو ملف مقاطعتها المسلمة التي يتنامى فيها نفوذ التيارات الإسلامية المتشددة مما يجعلها حليفاً لواشنطن في مناهضة الإسلام السياسي، فضلاً عن حساسيتها من قبول تايوان التي تعتبرها إقليماً مارقاً عضواً في الأمم المتحدة.

وحتى ألمانيا الدولة الأوروبية النافذة ذات الثقل وإن لم تكن دائمة العضوية في مجلس الأمن بقي موقفها اللافت والرافض للمشاركة العسكرية حتى في ظل مجلس الأمن رهناً بفوز المستشار الألماني (شرودر) على منافسه (شتويبر) الذي أظهر ميلاً للتماهي مع المواقف الأوروبية الدارجة بشأن العراق.

أما عربياً فلم يتجاوز سقف المعارضة اشتراط الحصول على تفويض دولي، لذلك لم تلبث أكثر الدول العربية معارضة للعمل العسكري أن أعلنت على لسان وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل استعدادها لفتح أراضيها في حالة صدور قرار من مجلس الأمن.

موافقة العراق المبكرة نسبياً على عودة المفتشين بدون شروط أعادت إليه المبادرة وألقت بالكرة مرة أخرى إلى الولايات المتحدة التي يتعين عليها خوض سباق دبلوماسي لاستصدار قرار جديد لابد أن يمر الطريق إليه بجولات من المساومات الموازية، مساومات يتعين عليها التغلب على مسائل خلافية عدة تتعلق بطبيعة عمل المفتشين والربط بينه وبين استخدام القوة والأفق الزمني لها وأخيراً مدى انتهاء العقوبات إذا كان لهذه العقوبات من نهاية.

طارق عزيز (نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي) : استلمت معلومات من نيويورك وهناك محاولات منذ الآن لأن يتصرف المفتشون بشكل يؤدي إلى استفزاز العراق وخلق الأزمات.

ياسر أبو النصر: حديث بغداد يكتسب قدراً من المصداقية في ضوء ما يتردد حول إصرار أميركي على معايير جديدة للتفتيش ستقود حتما كما يتوقع المراقبون إلى استفزاز العراق وجره إلى حالة الرفض ومن ثم العودة إلى المربع الأول، فمن يكسب سباق الحرب والسلام؟

الموقف الأميركي البريطاني من العراق

مالك التريكي: يعتقد النظام العراقي إذن أن الولايات المتحدة مصممة على شن هجوم عسكري ضده مهما كانت التنازلات التي يمكن أن يقدمها، إلا أن أميركا وبريطانيا تعتقدان أن مسارعة العراق إلى إعلان عدم الاستعداد للتعامل مع أي قرار دولي جديد يخالف ما تم الاتفاق عليه مع كوفي عنان تعد هذه المسارعة أحدث دليل حسب بريطانيا وأميركا على ما تسميانه بالمراوغات العراقية، ولهذا فقد نشرت الحكومة البريطانية قائمة عددت فيها أمثلة من تاريخ طويل من هذه المراوغات حسب قولها.

لبحث الموقف الأميركي البريطاني من المسألة العراقية معنا من لندن السيد جون موبرلي (الدبلوماسي البريطاني العريق الذي يعمل الآن مستشاراً في المعهد الملكي للشؤون الدولية، والذي سبق له أن عمل سفيراً لبريطانيا في عدة دول عربية من أهمها العراق).

سير موبرلي، ما الذي يخدم المصلحة الأميركية والبريطانية أكثر، إعلان العراق يوم 16 سبتمبر استعداده لقبول عودة المفتشين أم إعلانه بعد خمسة أيام من ذلك أنه لن يتعامل مع أي قرار دولي جديد في هذا الشأن؟

جون موبرلي: حسناً، أولاً: حقيقة أن الأميركيين شبه متأكدين من.. أو موقفهم من شبه المؤكد أنهم سوف يشنون حرباً ضد العراق ما لم تعكس الحكومة العراقية الانطباع الذي خلفته.. خلفه الإعلان الثاني للعراق والذي يبدو وكأنه يوحي أن صدام حسين وكأنه يراوغ من أجل كسب الوقت ويحاول تلافي نزع السلاح بالشكل الذي تريده الولايات المتحدة والأمم المتحدة والكثير من بلدان العالم والمصممة على إجرائه.

مالك التريكي: ولكن أميركا وبريطانيا -سير موبرلي- سارعتا إلى وصف المبادرة العراقية منذ السادس عشر من هذا الشهر بأنها تكتيك للمماطلة delay Tactic، أليس الإصرار الأميركي والبريطاني على استصدار قرار جديد من مجلس الأمن تكتيكاً للمماطلة هو أيضاً لأنه يؤخر عملية التفتيش.. استئناف عملية التفتيش؟

جون موبرلي: لا أعتقد أن الأمر كذلك ولكنني أظن أن العراق يجب أن يفهم أن عليه أن يتصرف بالطريقة التي تزيد من بناء الثقة في أنحاء العالم المختلفة ربما في جميع أنحاء العالم من أن العراق جاد حقيقة من حيث قبوله نزع السلاح وقبوله التفتيش، ولكن كل مرة يتراجعون فيها عن.. وأن يقولوا شيئاً جديداً كما فعلوا أو يفعلون الآن، فإن ذلك يخلق الانطباع بأنهم يفعلون تماماً ما فعلوه على مدى العشر سنوات الماضية والذي كان على الدوام محاولة لتلافي.. التطبيق الحقيقي لقرارات الأمم المتحدة حتى الآن.

مالك التريكي: من المعروف أن من أسباب الاعتراض العراقي على صدور قرار جديد من مجلس الأمن هو التخوف من أن يتضمن القرار الجديد شروطاً مجحفة، مثلاً اشتراط اصطحاب فرق التفتيش لقوات عسكرية أو تسليم من تسميهم أميركا بالإرهابيين الذين تقول إن بغداد تؤويهم أو إثارة مسألة حقوق الإنسان، أليست مثل هذه الشروط إذا تضمنها القرار مجحفة في رأيكم؟

جون موبرلي: أعتقد أن بعض ذلك صحيح كما قلتم، ولكن على العراقيين أن يدركوا أن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها تلافي هجوم عسكري يُشن ضدهم وهو إظهار تمسكهم وامتثالهم الكامل لقرارات الأمم المتحدة أياً كانت وكذلك من خلال بناء الثقة وخلق الثقة بأنهم سوف يقبلون بنزع سلاحهم حتى ولو كان بعض شروط ذلك صعبة بالنسبة إليهم، ولكن البديل عن ذلك عليهم أن يأخذوا بعين الاعتبار إن هجوماً أميركياً من قبل القوات الأميركية المتفوقة عليهم بشكل هائل وأن صدام حسين لن يبقى هناك في العراق بعد ذلك الهجوم، إلى حد الآن تراجع هو كلما رأى خطورة تعرض المواجهة مع المجتمع الدولي، ولكن الآن يبدو الأمر وكأنه يحاول التغطية على محاولته الأولى في التراجع وأن بذلك يعني المستقبل مشكوك فيه بشكل متزايد.

مالك التريكي: مما قاله وزير الدفاع الأميركي (دونالد رامسفيلد) أمام مجلس الشيوخ عندما سئل عما إذا كان الهدف هو عودة المفتشين، قال الهدف هو نزع أسلحة الدمار وليس عودة المفتشين، وسئل إذا كان يمكن تحقيق ذلك دون خوض الحرب، قال نعم إذا تنحى الرئيس العراقي عن السلطة، إذن إذا كان هذا هو الهدف لماذا لا يكون الهدف المعلن لبريطانيا وأميركا هو مطالبة الرئيس العراقي بالتنحي عن السلطة دون خوض الحرب؟

جون موبرلي: حسناً، أعتقد إنني شخصياً أميل إلى الظن أنه سيكون من الباعث على الحزن كثيراً لو حصلت حرب جديدة، لأن ذلك سيلحق ضرراً عظيماً بالعراق والشعب العراقي، ولكن عليهم أن يدركوا أن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو أن يقبلوا بالضبط ما هو مطلوب منهم من قبل الأمم المتحدة، والكثير من الدول الأعضاء التي تؤيد ذلك، وكلما بدا وكأنهم يحاولون تأخير وإعطاء موقف ومن ثم إضافة.. إضافات إليه لاحقة بأنهم لن يقبلوا بتقديم كامل حرية الحركة للمفتشين، فإن ذلك يعني أن أسوأ مستقبل بل ربما لن يكون هناك مستقبل أبداً لصدام حسين، ولكن للأسف إن ذلك يعني أنه لن يكون هناك مستقبل جيد للشعب العراقي الذي لم تكن له يد في قرارات الحكومة العراقية والتي كانت مضرة بشكل كبير للعراق والشعب العراقي ومصالحه.

مالك التريكي: لقد سبق لك -سير موبرلي- أن كتبت بعد هجمات الصواريخ الأميركية على العراق في مجلة “The world today” عام 96 وهنا أقتبس: "أن البعض يرى أن مشكلات اليوم ناجمة عن عدم إصدار الأمر إلى قوات التحالف عام 91 بالزحف نحو بغداد للإطاحة بالرئيس العراقي"، وأضفت في مقالك " أن هذا لم يكن خياراً واقعياً آنذاك وهو ليس بالخيار الواقعي الآن"، انتهى الاقتباس، فما الذي تغير لكي يصبح خيار الإطاحة بالرئيس العراقي"، واقعياً عام 2002 أو عام 2003؟

جون موبرلي: السبب هو أن الأميركيين يملكون الآن قوة غامرة ساحقة ولو اي كان الامر من الناحية العسكرية فأنني أود أن أرى العراق وهو يعيش حياة طبيعية وفي ظل حكومة يختارها الشعب العراقي، ولكن لو كان هناك المزيد من محاولات التأخير والإيحاءات بأنه لن يمتثل تماماً مع متطلبات المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة فإن هناك خطر ليس على صدام حسين فقط بل على شعبه أيضاً، الذي لا يبدو وكأنه يأخذ بالحسبان مصالح هذا الشعب، والانطباع الذي يتركه من خلال ما يراه الناس الذين تعاملوا مع العراقيين ومع الحكومة العراقية.

مالك التريكي: قبل أشهر كانت بريطانيا تنادي بوجوب إيلاء الأولوية لاستئناف علمية السلام في الشرق الأوسط قبل اتخاذ أي عمل ضد العراق، لماذا غيرت بريطانيا موقفها الآن؟

جون موبرلي: حسناً، ما يخص العملية السلمية في الشرق الأوسط وفي المسألة العربية الإسرائيلية فهي مسألة مختلفة، ولكنه صحيح تماماً إن بريطانيا كانت حريصة جداً على رؤية جهود مبذولة أكثر بهذا الاتجاه أكثر مما ينبغي، وأعتقد إن البعض يلقي باللائمة على الإخفاق في تحقيق أي تقدم هو يلقي هذا اللوم على الأميركيين الذين يبدو وكأنهم يحاولون دائماً، وكأنهم يحاولون عمل شيء، ولكنهم لا يدركون الأبعاد الحقيقية للمشكلة ولا يفعلون أي شيء ليجعلوا العالم لا يراهم وكأنهم منحازون تماماً إلى إسرائيل.

مالك التريكي: السير جون موبرلي (المستشار لدى المعهد الملكي للشؤون البريطانية والسفير السابق في العراق) شكراً جزيلاً لك.

قامت الجامعة العربية والدول العربية الكبرى بدور الفاعل في إقناع الحكومة العراقية بقبول عودة المفتشين.

بعد الفاصل: نظرة في الموقف العربي بعد إعلان العراق عدم الاستعداد للتعامل مع أي قرار جديد من مجلس الأمن يخالف ما تم الاتفاق عليه مع الأمين العام للأمم المتحدة.

[فاصل إعلاني]

الموقف العربي من تطورات المسألة العراقية

مالك التريكي: بذلت الجامعة العربية والدول العربية الكبرى جهوداً حثيثة لإقناع الحكومة العراقية بقبول عودة المفتشين، حيث وجهت حكومات مصر وسوريا والسعودية عبر وزراء خارجيتها ثلاث رسائل إلى الرئيس العراقي طلبت فيها قبول عودة المفتشين وتجنيب المنطقة والشعب العراقي خراباً كبيراً، حسب نص إحدى هذه الرسائل، ولم تقدم الرسائل ضمانات لمسلك الإدارة الأميركية المحتمل، بل شرحاً وافياً للمخاطر المترتبة على رفض عودة المفتشين، فما هو الموقف العربي الآن بعد أن فسر التطور الأخير في الموقف العراقي على أنه رفض لعودة المفتشين؟

لبحث الموقف العربي من تطورات المسألة العراقية معنا الدكتور حسن أبو طالب (المحلل السياسي والباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية).

دكتور أبو طالب، كان صقور الإدارة الأميركية يراهنون على سلبية موقف بغداد، ولكن الجهود العربية جعلت بغداد تبدي مرونة أربكت الإدارة الأميركية، ألا يبدو الآن بعد التطور في الموقف العراقي أن بغداد عادت فطمأنت صقور الإدارة الأميركية، ولكنها أربكت الدول العربية بالمقابل؟

د. حسن أبو طالب: في الحقيقة الوضع ممكن أن ننظر إليه نظرة مختلفة بعض الشيء الاتفاقات التي كانت صادقة مع نظام الرئيس صدام حسين في بغداد كان قائمة على أن يبدي العراق موقفاً إيجابياً ومرناً من أجل تطبيق القرار 1284 ويسمح بلجنة (إنموفيك) للتفتيش على برامج الأسلحة العراقية المختلفة وفقاً لهذا القرار، ما حدث الآن هو أن الذين غيروا الموضع والموقف برمته هم الأميركيين والبريطانيين، وبالتالي فالموقف هنا يختلف جذرياً عما كان عليه كافة الاتفاقات السابقة، أتصور إن هذا الأمر هو مسؤولية الأميركيين وليس مسؤولية العراقيين، وحين يطرح العراق موقفه بأنه يرفض التعامل مع أي قرار جديد هو يشعر –وهناك كل الدلائل تؤكد ذلك- بأن هذا القرار الجديد الذي قد يصدره مجلس الأمن سوف يكون محملاً بكثير من الشروط المجحفة والقاسية وأيضاً محملاً بأعباء كثيرة على الموقف العراقي، فإن هذا الرفض يبدو منطقياً، ولا يؤثر تماماً على جهود الأمة العربية أو على جهود الجامعة العربية، والأمر يتطلب بالفعل تغييراً جذرياً في الموقف الأميركي وليس في الموقف العراقي.

مالك التريكي: ألم يكن من الواضح منذ إعلان المبادرة العراقية الاثنين الماضي أن الإدارة الأميركية ستسعى إلى إفشالها، وذلك بنصب نوع من الشرك أو الفخ لبغداد بمحاولة استفزازها، كأن السيناريو معروف سلفاً، ولكن العراق قبل هذا الاستفزاز؟

حسن أبو طالب: في الحقيقة أنا لم أستمع إلى السؤال جيداً، الصوت قد اختفى قليلاً.

مالك التريكي: ما سألته هو إن لم يكن من الواضع منذ أن أعلنت بغداد مبادرتها أن الإدارة الأميركية ستسعى لإفشالها وطريقة إفشالها هي الإصرار على استصدار قرار جديد ستكون فيه شروط غير معروفة الآن، ولكن ربما تكون فيه شروط استفزازية، ألم يكن من الأجدر بالعراق أن يواصل اللعبة حتى يجرد أميركا من كل الذرائع؟

د. حسن أبو طالب: في الحقيقة أنا أتصور أن.. أن العراقيين يفهمون جيداً أن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا حتى لو صدر قرار جديد، حتى لو كان الموقف العراقي سوف يقوم على قبول هذا القرار والتعامل معه بصورة إيجابية، فإن الموقف الأميركي سوف يتغير، وقد يساعد على إصدار قرار آخر أو قد يجبر العراق على أن لا تكون شروطه أو استجاباته استجابات مقبولة، وبذلك يبرر للموقف العراقي نوعاً من الهجوم العسكري المباشر عليه كما يرغب في ذلك الأميركيون ويرغب في ذلك البريطانيون.

المشكلة أننا أمام استراتيجية أميركية واضحة تماماً تقوم على مبدأ تغيير قواعد اللعبة كل فترة، وهذا أمر غير مقبول لا سياسياً ولا قانونياً، فإنك حينما تتحرك من مربع إلى مربع يجب أن يكون هناك نوع من أنواع الاستقرار ولو لفترة، لكي نتعامل مع حقيقة الموقف في صورته الجديدة، ولكن كلما يتحرك العراق أو كلما يتحرك العالم العربي من مربع إلى آخر يتم المطالبة بتجديد هذا المربع وإعطائه صورة جديدة، وإعطائه شروطاً جديدة، فهذا أمر يعني سوف تكون هناك لعبة من المماطلة لا تنتهي.

نحن أمام استراتيجية أميركية تمهد لعمل عسكري. كل الدلائل التي أمامنا تقول بأن هناك استعداداً أميركياً وبريطانياً للقيام بعدوان عسكري مباشر على العراق، وأن الهدف هو تغيير هذا النظام.

البحث الآن هو عن مبررات، مثل هذه المبررات كانت في السابق عدم تعاون العراق فيما يتعلق بمسألة التفتيش، الآن أضيف إليه شرط جديد، وهو أن العراق يرفض قرار قد يتم إصداره في المستقبل من مجلس الأمن، وربما يتم بعد ذلك وضع شروط جديدة.

نحن أمام لعبة لا تنتهي، هذا أمر غير مقبول بالمرة، ويتصور أن الأمر الذي يجب أن يكون واضحاً هو أن على الأميركيين والبريطانيين والمجتمع الدولي أن يقف عند نقطة معينة ليحاسب العراق، لكن فتح هذا الطريق إلى ما لا نهاية هذا أمر غير جيد بالمرة، وغير إيجابي، ولا يبشر بخير على الإطلاق.

مالك التريكي: من الواضح أن الإدارة العراقية تصدر عن منطق بسيط جداً، وهو منطق أن الحرب ضد العراق لن تنتهي، أن الحرب ناقصة، وكان من المفترض أن تستكمل عام 91، ولكن القوات الأميركية وقفت عند الحدود الكويتية العراقية، تريد الآن أن تستكمل هذا الحرب، أليس واقع العلاقات الدولية أن كل الدول أو الأنظمة خاصة، كل الأنظمة التي تنهزم في الحروب تفقد السلطة؟

د. حسن أبو طالب: دا صحيح، كل الدول التي تفقد الحروب، أو التي تهزم في الحروب تفقد السلطة، ولكن الوضع في العراق في 1991 كان محدداً بهدف معين، وهو تحرير الكويت، وهذا ما تحقق، وبالتالي لم يكن هناك أي إجماع دولي، ولا لم يكن هناك أي وضوح رؤية فيما يتعلق بضرورة تغيير النظام العراقي، وبالتالي نحن نترك هذه المهمة، مهمة تغيير النظم إلى شعوبها...

مالك التريكي [مقاطعاً]: السبب.. آسف.. آسف على المقاطعة، دكتور.. دكتور أبو طالب، آسف على المقاطعة، لأن الوقت أدركنا...

د. حسن أبو طالب [مستأنفاً]: وليس هناك أي قيمة إطلاقاً لأن يتم تغيير أي نظام عربي أو غير عربي من خلال حشد دولي، ومن خلال ضغط دولي، ومن خلال غزو عسكري.. هذا يعطينا... وضوح الرؤية...

مالك التريكي [مقاطعاً]: الخلاف الآن دكتور أبو طالب، دكتور أبو طالب..

د. حسن أبو طالب [مستأنفاً]: لأننا الآن قد نكون أمام العراق، حالة العراق إذا ما أُنجزت فسوف نفتح الباب أمام حالات أخرى في العالم العربي وفي غير العالم العربي، هذا يفتح الباب أمام..

مالك التريكي: الخلاف الآن دكتور أبو طالب هو حول العوامل..

د. حسن أبو طالب: نحن بحاجة إلى الاستقرار الإقليمي، نحن بحاجة إلى احتواء العراق بصورة سلمية.

مالك التريكي: الخلاف الآن هو حول العوامل التي حتمت توقف الحرب عند الحدود العراقية الكويتية عام 91. أميركا تقول الآن أن هذه العوامل قد تغيرت، أي أن العراق ربما حفظ.. حفظ وحدته كان يخدم الاستقرار، الآن النظام العراقي لا يخدم الاستقرار.

د. حسن أبو طالب: في الحقيقة هناك بعض الضوضاء، لا أسمع.. لم أسمعك جيداً في الشق الثاني من السؤال.

مالك التريكي: كنت.. كنت أسأل عن مسألة إذا كانت العوامل قد تغيرت؟

يبدو.. يبدو أن الوقت قد أدركنا، وأن الاتصال بالسيد حسن أبو طالب صار صعباً.

السيد حسن أبو طالب (الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية من القاهرة) لك جزيل الشكر.

وبهذا -سيداتي سادتي- تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها. دمتم في أمان الله.