مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

مصطفى اليزناسني: صحافي باحث في العلاقات المغربية الإسبانية - الرباط
خيما مارتين مونيوز: أستاذة علم العالم العربي الإسلامي - مدريد

تاريخ الحلقة:

01/08/2002

- الرؤية المغربية للعلاقات مع إسبانيا في ظل أزمة جزيرة ليلى
- الرؤية الإسبانية للعلاقات مع المغرب

مالك التريكي: محمد السادس يستنجز إسبانيا تحديداً واضحاً لنوعية العلاقات التي تريد إقامتها مع المغرب، تساؤلات حول العلاقات المغربية الإسبانية في أعقاب إدعاء مدريد وصلاً بليلى، وفي ضوء استمرارها في رهن مستقبل الشراكة بطمس قضية السيادة.

أهلاً بكم، للمغرب الأقصى مع الاحتلال الأجنبي قصة مغايرة لما عرفته معظم البلدان العربية، فقد كان المغرب البلد العربي الوحيد الذي نجا من الاحتلال التركي، إلا أن تجاوره مع الدولتين اللتين دشنتا تاريخ الاستعمار الأوروبي الحديث، أي إسبانيا والبرتغال قد جعله أول هدف عربي للاحتلال الغربي، ويمثل استمرار الاحتلال الإسباني لسبته ومليليه حتى اليوم أثراً باقياً من أثار الحملات الصليبية الثماني عشرة التي اجتاحت المغرب منذ قسم (الفاتيكان) الأراضي المغربية بين إسبانيا والبرتغال، وقد أتت أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة لتشيع لدى الرأي العام العربي الاعتقاد بأن أوروبا لا تزال رغم تغير الأزمان على هواها الاستعماري القديم، ذلك أن إسبانيا التي تطالب باسترداد جبل طارق من الاحتلال البريطاني على أساس بديهيات الجغرافيا، هي إسبانيا ذاتها التي تدعي حقاً في سبته ومليليه القصيتين الواقعتين في قارة أخرى وهي إسبانيا ذاتها التي تدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر لها بذاك، ومع أن المرء لابد أن يكون مصاباً بالعمى حسب القولة الشهيرة للحسن الثاني، حتى يماري في حق المغرب في المدينتين وما يرتبط بهما من جزر، ومع أن محمد السادس قد جنح نحو شيء من التجديد في التعاطي مع الجار الإسباني، فإنه يبدو أن المغرب لا يزال في وضع تاريخي يشبه ما كان عليه وضع الصين خلال العهود التي سبقت استردادها لهونج كونج ومكاو من الاحتلالين البريطاني والبرتغالي.

فهل تستمر الرباط ومدريد إذن في إدارة علاقاتهما من منطلق الحفاظ على المصالح المشتركة ومنع تجدد القطيعة أي بالاستمرار في التحكم في مفتاح الموازنة والمفاضلة بين مختلف المطالب وقضايا الخلاف؟ إقبال إلهامي تستعرض ملابسات القطيعة الدبلوماسية التي وقعت رغم حرص الجانبين المغربي والأسباني على تفاديها.

الرؤية المغربية للعلاقات مع إسبانيا في ظل أزمة جزيرة ليلى

إقبال إلهامي: لم يكن المغرب الذي فاخر دوماً بموقعه الاستراتيجي على ضفتي البحرين الأطلسي والمتوسط، يعتقد أن سواحله التي تمتد لأكثر من 3 آلاف و500 كيلو متر ستفتح عليه أكثر المواجهات تعقيداً مع جيرانه الأوروبيين وتجعله على شفا حرب مع جارته إسبانيا، جزيرة ليلى الصخرة التي فجرت أزمة صامتة بين المغرب وإسبانيا عمرت لأكثر من 30 عاماً أفضت إلى قطيعة دبلوماسية طالما سعى البلدان لتفاديها.

محمد بوخزار (باحث جامعي): إسبانيا تنظر إلى المغرب باستعلاء وتحكم عليه من منطلق القرن التاسع عشر، أعتقد أن إسبانيا في هذه الأزمة الأخيرة لم تفهم شيئاً أو لم تدرك شيئاً، وهو أن المغرب وقع في (يد الغير) على.. على مستوى.

إقبال إلهامي: وقد يكون في النهج البراجماتي للعاهل المغربي الملك محمد السادس الأثر الأكبر في تفجير المسكوت عنه في علاقة البلدين الجارين، فقد اختار مخاطبة الأسبان بنفس لغتهم بعيداً عن أي ضغوط، ولم يساير سياسة والده الراحل الملك الحسن الثاني في الحفاظ على التوازنات الإقليمية رغم ما كلفه ذلك من تنازلات كان أبرزها في ملف الصيد الساحلي، برحيله عام 1999 فوجئ الأسبان بشروط مغربية لتجديد اتفاق الصيد ربما لتعويض خسارة الاتفاقات السابقة التي تجاوزت 3 ملايير ونصف المليار دولار، فثارت ثائرة الأسبان وتوعد رئيس الوزراء (خوسيه ماريا أزنار) بالانتقام من المغرب وتجميد استثمارات بلاده هناك، لكن حرب الأسماك انتقلت إلى الواجهة الأوروبية إثر طلب (أزنار) فرض عقوبات على المغرب بدعوى تصديره الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وزاد الموقف تأزماً ترخيص مدريد لشركة (إريتخولا) الأسبانية بالتنقيب عن النفط بمحاذاة سواحل المغرب الجنوبية، الأمر الذي اعتبرته الرباط انتهاك للسيادة، لكن من دون اللجوء إلى ردود أفعال.

محمد بوخزار: المغرب ليس بلداً قوياً مثل إسبانيا، ولكنه بلد يمكن له كذلك أن يسبب مشاكل لإسبانيا، المغرب مثلاً على سبيل المثال لم يساند الحركة الانفصالية الموجودة في إسبانيا، لم ينشئ جبهة تحرير في سبته ومليليه، يعني عنده أشياء كثيرة يمكن أن يستعملها ويشوش على المغرب على.. على جارته ويسبب لها العديد من المشاكل.

إقبال إلهامي: وبرغم أن الأزمة المغربية الأسبانية متعددة الأوجه، فإن أكثر ما يؤزم علاقات البلدين هو نزاع الصحراء الغربية فمدريد التي خرجت عام 1976 مكرهة من الإقليم عقب المسيرة الخضراء مستاءة من استبعاد مجلس الأمن الدولي لها من خيارات التسوية المطروحة لفض النزاع مقابل منح فرنسا رعاية الحل. صار تقليداً في تاريخ التوتر في العلاقة بين المغرب وإسبانيا توجه إسبانيا إلى تعزيز محورها مع الجزائر في شمال أفريقيا وتركيز المغرب على المحور الفرنسي داخل أوروبا.

ولم يزد التقارب المغربي الفرنسي الأزمة سوى تعقيداً في ضوء التنافس المحموم على مناطق النفوذ التقليدي في شمال إفريقيا، وربما زاد تصريح للرئيس الفرنسي (جاك شيراك) خلال زيارته للمغرب وصف فيه الصحراء الغربية أنها أقاليم جنوبية للمغرب الأزمة مع إسبانيا تعقيداً، التفاهم المغربي الفرنسي ردت عليه إسبانيا بتعزيز وجودها العسكري في مدينتي سبته ومليليه المحتلتين شمال المغرب بذريعة محاربة الهجرة إلى أوروبا وحرفت ملايين الدولارات في تسييج المدينتين، ونشر أجهزة الإنذار المبكر لرصد تحركات قوارب المهاجرين الأمر الذي خلف استياء الرباط، ورأت فيه خرقاً لاتفاق مع الاتحاد الأوروبي نفذت شقه الأول من خلال حملة غير مسبوقة ضد أباطرة المخدرات والتهريب عام 1996 تلاه تفكيك مئات من شبكات الهجرة من دون أن تلتزم أوروبا بما تعهدت به من دعم التنمية في شمال المغرب الفقير مصدر الهجرة، لكن لجوء إسبانيا إلى تشديد الرقابة على المعابر إلى سبته ومليليه زاد من الحنق الشعبي للمغرب ضدها وأثار احتجاجات صاخبة تتخوف إسبانيا أن تكون نسخة مكررة للمسيرة الخضراء وتعيد سيناريو الانسحاب الإسباني من إقليم الصحراء.

مالك التريكي: عندما استقبل محمد السادس بُعَيد توليه العرش قبل 3 أعوام رئيس الوزراء الإسباني (خوسيه ماريا إزنار) الذي أتاه زائراً عقد الاجتماع في قاعة علقت على أحد جدرانها خارطة تبين بوضوح أن سبته ومليليه جزء لا يتجزأ من أراضي المغرب، وقد يكون هذا من أول علامات النهج البراجماتي الذي انتهجه محمد السادس، والذي ذكرت إقبال إلهامي في التقرير أنه ربما كان له الأثر الأكبر في تفجير المسكوت عنه منذ عقود في علاقات المغرب وإسبانيا.

معنا من الرباط لبحث قضية العلاقات المغربية الإسبانية من جهة نظر المغرب السيد مصطفي اليزناسني (الصحفي المتخصص في هذا المجال) سيد مصطفي اليزناسني هنالك رأي يقول إن أزمة جزيرة ليلى كشفت مدى هشاشة الروابط السياسية بين البلدين، هل تتوقعون أن.. أن يتكرر سيناريو التصعيد في المستقبل المنظور بين البلدين؟

مصطفي اليزناسني: أعتقد بأن أزمة جزيرة (تورا) أكدت للأسبان الذين يتعاملون مع المغرب بنوع من التعالي أن هذا البلد بلد وازن ويحسب له حسابه في المنطقة، وذلك بسبب موقعه الجيواستراتيجي وبسبب استقرار نظامه ومكانة مؤسساته والالتفاف المؤسساتي والشعب حول الحقوق التاريخية التي للمغرب في مدينتي سبته ومليليه والجزر المجاورة ولقد كان.

مالك التريكي: ولكن سبته ومليليه أستاذ اليزناسني.. سبته ومليليه غير مدرجتين لدى الأمم المتحدة كمناطق مستعمرة، ولم تشملهما حركة تصفية الاستعمار التي بدأتها الأمم المتحدة منذ الخمسينيات، وهنالك أوساط تعتقد أن المغرب تأخر كثيراً في طرح قضية مناطقه المحتلة من قبل إسبانيا، هل تعتقدون أن المغرب قرر الآن أن الوقت قد حان لفتح ملف المناطق المحتلة؟

مصطفي اليزناسني: ملف المناطق المحتلة كان مطروحاً دائماً، ولكن قبل الخوض في.. في هذا الموضوع يجب أن أذكر بأن المغرب بلد حديث العهد بالاستقلال إذا نظرنا إلى ما عاناه من فترة استعمارية، ولكنه أيضاً بلد عريق له قرون من.. من التواجد كدولة، وفيما يتعلق بسبته ومليليه والجزر، فإن المغرب خاض بصددها تسعة حروب مع إسبانيا، وإذا رجعنا للتاريخ فيما يتعلق بمدينة سبته نجد أن سبته حاصرها المغرب 11 مرة وهاجمها 133 مرة وقد دام حصار واحد 25 سنة في عهد المولى إسماعيل، ولكن المغرب التي احتلَّت أجزاؤه على فترات متباعدة استطاع أن يسترجع بعضها كذلك على فترات، حيث أنه حصل على استقلال سنة 56، ثم الصحراء سنة 75 فإنه كان يأمل أن يسترجع بقية الأجزاء خاصةً وأن العلاقة مع إسبانيا التي هي في نفس الوقت يعني خصم فيما يتعلق بنزاع الترابي، ولكن أيضاً يعني بلد صديق وجار تربطنا به علاقات جغرافية وتاريخية وثقافية، بل وعلاقات دم، وكذلك هناك مصالح اقتصادية ومصالح استراتيجية مشتركة، بل وهناك أيضاً، لأن المغرب يطمح إلى دخول عهد الحداثة، والمغرب يتقاسم مع إسبانيا ومع الدول الأوروبية الإيمان بقيم كونية، كل هذا يعطيه للنزاع خاصية.

مالك التريكي: لكن.. لكن أستاذ يزناسني، هنالك شيء غير مفهوم في موقف المغرب، المغرب بعد انتهاء الأزمة أعلن رضاه بعودة الجزيرة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل حدوث الأزمة، يعني غير أهلة بالسكان وغير محددة السيادة، هل يُفهم المسلك المغربي في هذا الإطار إذا كان يريد أن يحرك ملف المناطق المحتلة؟ لأن هنالك فرضية تقول ربما أن القرار لم يُتخذ على أعلى المستويات السياسية، ربما اتُخذ على.. على مستوى السلطات المحلية لمجرد مكافحة التهريب مثلما ذُكر رسمياً؟

مصطفي اليزناسني: هو إن المغرب يعني بإرسال بعض رجال درك إلى جزيرة تورا التي هي جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، كما.. كما تشهد بذلك حتى يعني بعض الأوساط الإسبانية هناك.. المؤرخة مثلاً (ديما ديارا) التي أكدت أن إسبانيا لم تمتلك في يوم ما هذه الجزيرة، وأن كانت هنالك محاولة، أعتقد حوالي سنة 1848، ولكنها باءت بالفشل، لأن إنجلترا لم تسمح لإسبانيا القيام بهذا الاحتلال، المهم بالنسبة للمغرب هو أنه طرح.. يعني خلال هذه الأزمة جعل العالم كله يشعر بأن الاحتلال الإسباني للمدينتين المغربيتين والجزر المجاورة ما زال قائماً في عالم يكاد يكون فيه هذا الاحتلال هو آخر رواسب الاستعمار في العالم، يعني هذا بداية أن يكون المغرب بتحسيسه العالم بهذا الوضع قد كسب نجاحاً هاماً، واستطاع كذلك حتى أن يزرع داخل المجتمع الإسباني يعني بعض بذور..

مالك التريكي: السيد مصطفي اليزناسني.. السيد مصطفي اليزناسني (الصحفي المتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية) شكراً جزيلاً لك.

الملفات العالقة خاصة تلك المرتبطة بتصفية الاستعمار هي التي تثير العواصف الموسمية بين الجارتين، وكلها اقترح العاهل المغربي إنشاء آليات مغربية إسبانية مشتركة لمعالجة المشاكل قبل استفحالها وقبل خروجها من نطاق السيطرة.

الملك المغربي/ محمد السادس (من خطاب عيد العرش): إنشاء خلية مشتركة مغربية إسبانية للتفكير والتأمل لإيجاد حل لمشكل هذه المناطق المحتلة، غير أننا-للأسف الشديد- لم نجد حتى الآن آذاناً صاغية من لدن الطرف الإسباني.

[فاصل إعلاني]

الرؤية الإسبانية للعلاقات مع المغرب

مالك التريكي: من مظاهر الوضع الشاذ الذي يعيشه سكان المناطق المغربية التي تحتلها إسبانيا أن هنالك قرية صغيرة اسمها (بليونش) تقع على سفح جبل موسى المقابل لجبل طارق، لكن لا هي بالمغربية تماماً ولا بالإسبانية تماماً، رغم أن القرية التي هي من ضواحي سبته صغيرة للغاية فإنها مقسمة بين جزء مغربي وجزء إسباني، حسن الراشدي زار المنطقة بعد ساعات قليلة من نهاية أزمة جزيرة ليلى التي يصر سكان (بليونش) على أنها تابعة لقريتهم.

تقرير/ حسن الراشدي: ساعات قليلة على نهاية حرب لم تدر رحاها بين إسبانيا والمغرب فوق جزيرة ليلى، كنا من بين العشرات الذين حجوا إلى الجزيرة التي كادت تنشب حرب بسببها بين الجارتين على الطريق الساحلي المتوسطي الممتد من طنجة إلى سبته غاب شبح الحرب وعادت الحياة إلى طبيعتها.

القرويات أو الجبليات -كما يسميهن المغاربة- عُدن إلى جنبات الطريق يعرضن الخضر ويتبادلن أطراف الحديث مع الزوار، في الجانب الآخر موجات بشرية من المصطافين غير الآبهين بما يحدث يصرون على قضاء أطيب الأوقات.

لكن صورة الإنزال العسكري ورفع العلم الإسباني فوق جزيرة ليلى في يوليو الماضي لم تمحَ بعد من ذاكرة شعب بأكمله، تتواصل الرحلة على الطريق الساحلي، تختزل الصورة عمق الترابط الجغرافي بين القارتين الإفريقية والأوروبية عند هذه النقطة بالذات، على مرمى البصر تتراءى إسبانيا، وعلى بعد أربعين كيلو متراً شرقي طنجة يستقبلنا هذا الشامخ جبل موسى المقابل لجبل طارق يحمل اسم القائد موسى بن نصير الذي جعل هذا الجبل منطلق حملاته إلى الأندلس على عهد الفتوحات الإسلامية، على سفح جبل موسى تقع قرية بليونش قرية لا يعرفها الكثير من المغاربة أدخلتها التاريخ أزمة الجزيرة، سكان قرية بليونش الأربعة آلاف خليط من المغاربة حملة الجنسية الإسبانية، وآخرين غير متجنسين يعيشون على تربية المواشي والتهريب الذي يكلِّف خزينة الدولة المغربية خمسة مليارات دولار سنوياً.

تشكل غالبية السكان يداً عاملة رخيصة للمستثمرين الإسبان والهنود داخل المستعمرة الإسبانية سبته المدينة تعرضت للاحتلال البرتغالي عام 1415، وانتقلت إلى السيادة الإسبانية بعد توحيد إسبانيا والبرتغال عام 1580، وبانتهاء الحماية الإسبانية على شمال المغرب عام 1956 توسعت حدود سبته لتمتد إلى قرية بليونش ضاحيتها الجنوبية، لكن القرية ومنذ ذلك التاريخ صارت مقسَّمة إلى جزئين إسباني ومغربي، ومن المغالطات التاريخية أن تكون قرية (بل يونش) مَّوزعة إلى جزئين مغربي هنا وإسباني في الجزء الآخر، لكن الجغرافية قد تُصحح ما أفسده التاريخ، فرغم السياج الذي تقيمه السلطات الإسبانية ورغم نقطة التفتيش لا زال السكان متمسكين بروابط أسرية وعلاقات اجتماعية وطيدة.

سكان القسم المغربي من القرية يعبرون نقطة التفتيش من سبته وإليها من دون جوازات سفر، بل فقط ببطاقات ممغنطة تمنحها السلطات الإسبانية وتسحبها منهم متى شقوا عصا الطاعة، أما سكان القسم الإسباني فهم إسبان بحكم التجنس، قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية، ويصر سكان الجزء الإسباني على إرسال أبنائهم إلى المدرسة المغربية للقرية حيث يتعلمون لغة الضاد ويحفظون القرآن.

ساعات قليلة على نهاية حرب لم تدر رحاها ننتقل إلى مسرح الحدث، جزيرة ليلى أو برخيل كما يسميها الإسبان، والاسمان غريبان على سكان المدينة الذي يسمونها "حاف توراه" وتعني بالأمازيغية الأرض الخلاء، تبعد هذه الجزيرة عن الساحل المغربي مائتي متر، مساحتها ثلاثة عشر هيكتاراً، وطولها 300 متر، وطوال السنوات الخمسين الماضية تجنب المغرب وإسبانيا تفجير الموقف حول الجزيرة تاركين استغلالها لحفنة من الصيادين والمهربين والرعاة القادمين من جبل موسى.

مواطن مغربي: أعيش هنا منذ السبعينات ولم أشاهد يوماً أي وجود إسباني فوق الجزيرة.

حسن الراشدي: يقول المؤرخون الإسبان إن إسبانيا حاولت احتلال هذه الجزيرة عام 1848، فاصطدمت برفض بريطاني قاطع، ثم أعادت الكرة عام 1887 ففشلت حين اكتشفت لجنة إسبانية كُلفت بإنشاء منار فوق الجزيرة أن الأرض غير إسبانية. وإلى أن تشرق الشمس يظل سكان (بليونش) المصممين على تبعية الجزيرة لقريتهم يتذكرون تفاصيل الإنزال العسكري الإسباني الذي قد يظل حطباً لنار فتنة يتمنون ألا تُوقد يوماً.

مالك التريكي: إذاً هذا الوضع الشاذ في بليونش وبقية المناطق المغربية التي تحتلها إسبانيا هو من الأسباب التي تبين مدى إلحاح الاقتراح الذي كان الحسن الثاني قد أطلقه وجدده أخيراً محمد السادس بإنشاء آليات مغربية إسبانية مشتركة لمعالجة المشاكل قبل استفحالها وقبل خروجها من نطاق السيطرة، لكن لماذا لا تبدي إسبانيا أي تحمس لإنشاء مثل هذه الآليات؟

معنا من مدريد لبحث قضية العلاقات المغربية الإسبانية من وجهة النظر الإسبانية السيدة خيما مارتين مونيوز (أستاذة علم اجتماع العالمين العربي والإسلامي في جامعة مدريد المستقلة) سيدة خيما مارتين، اقتراح إنشاء آلية مشتركة إسبانية مغربية لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات مطروح منذ أعوام، لماذا لا تبدي مدريد تحمساً لإنشاء مثل هذه الآلية؟

خيما مارتين مونيوز: هذا يشكل جزءاً من السياسة التقليدية لإسبانيا، الموقف الإسباني هو الحفاظ على سبته ومليليه تحت السيادة الإسبانية، وعلى أية حال أنا أعتقد أن الجوهري هو أنه في هذه الظروف المتدهورة للعلاقات الإسبانية المغربية.

مواجهة الوضع في سبته ومليليه لا يعتبر أمراً ممكناً، لأنه من الجوهري أن نتخطى هذه الأزمة، وأن نحل المشاكل العالقة بين إسبانيا والمغرب، وفي المستقبل وعندما تتوفر الظروف المناسبة التي قد يكون منها مثلاً تسوية مشكلة جبل طارق على سبيل المثال، وأن تتحقق.. تتقدم المسيرة الديمقراطية في المغرب، وأن يتقدم المغرب اقتصادياً.. إلى آخره، في المستقبل يمكن أن نبدأ مفاوضات طويلة المدى على غرار ما حصل في هونج كونج من أجل حل موضوع سبته ومليليه، أما الآن فلا يمكن التفكير في مثل هذا الحل، لأنه.. لأنه يجب في البداية إصلاح العلاقات بين إسبانيا والمغرب.

مالك التريكي: هنالك تناقض واضح -السيدة خيما مارتين- في الموقف الأسباني، فهي إسبانيا تطالب بجبل طارق على أساس بديهيات الجغرافيا، وتمانع في إرجاع سبته ومليليه التي يطالب بهما المغرب على أساس بديهيات الجغرافيا، في نفس الوقت هي تؤيد الاستفتاء في الصحراء الغربية، ولكنها تمانع عقد استفتاء في جبل طارق، ما هو تفسير هذا التناقض في الموقف الأسباني؟

خيما مارتين مونيوز: في كل هذا السياق يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنه توجد عوامل كثيرة تحكم هذا الموقف، فمن جهة الوضع القائم في جبل طارق يختلف عن الوضع التاريخي لسبته ومليليه، ولذلك فإن معالجة قضية سبته ومليليه يجب أن تتم في سياق المعطيات التاريخية والجغرافية، والمغرب لديه أيضاً مطالبات يدافع عنها باستمرار، ومطالباته أيضاً في الصحراء يدافع عنها باستمرار، وفي هذا الاتجاه فإن وضع سبته ومليليه، ووضع الصحراء يمكنني القول أنني شخصياً كشخص أكاديمي أظن أن حل.. حل تقرير.. مسألة تقرير في الصحراء على أساس الاستفتاء هي.. هي حل مناسب، أما عن موقف الحكومة الأسبانية الذي يحافظ على الدفاع عن مطالب الطرفين في قضية الصحراء، ومبالغة الصحراويين.. مطالبة الصحراويين بتقرير المصير، والعلاقات بين إسبانيا والمغرب الحقيقة فقدت كثيراً من الثقة فيما بين البلدين، ولذلك فإن إسبانيا قد يمكن أن تفسر موقفها بطريقة منطقية، والمغرب يمكن أن يستغل هذه.. يستغل هذا الوضع لكسب إسبانيا والموقف الأسباني إلى جانبه في البحث عن حلول معقولة لموضوع الصحراء.

مالك التريكي: السيدة مارتين من الأمور الأخرى التي تنتظر حلولاً معقولة قضية الصيد البحري وقضية التهريب.. تهريب الأشخاص وتهريب المخدرات، الملك محمد السادس صرح العام الماضي لصحيفة (لو فيجارو) الفرنسية بأن مشكلة التهريب تقع على عاتق المغرب، لأنه له أسطولاً متطوراً يقارن بقوارب خفر السواحل المغربية المتواضعة، أليس ملك المغرب محقاً في ذلك؟

خيما مارتين مونيوز: أنا أعتقد أن هناك سلسلة من المعطيات المتعلقة بالبلدين، ويجب أن يتم حلهما في إطار التعاون بين البلدين. من الواضح أن السيطرة على المافيات غير الشرعية التي تقوم بتهريب المهاجرين والمخدرات، وكل هذه الأمور الطرفين يجب أن يتعاونا بشكلٍ ثنائي لحل هذه المشكلة، وهذه المشكلة يمكن أن.. لا يمكن أن تحل إذا لم تساهم.. يساهم الطرفان في حلها بطريقةٍ فعالة، وأيضاً يجب أن تحل آخذين بعين الاعتبار مصالح سكان المناطق التي تعاني من هذه المشاكل.

مالك التريكي: السيدة.. السيدة خيما مارتين.. السيدة خيما مارتين مونيوز (أستاذة علم الاجتماع العالمين العربي والإسلامي بجامعة مدريد الحرة) لكِ جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.