مقدم الحلقة:

مالك التريكي

تاريخ الحلقة:

09/05/2002

- الإدارة الأميركية بين الطرح السعودي والطرح الإسرائيلي لحل الأزمة
- الموقف الأميركي من إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية

مالك التريكي
مالك التريكي: بدء المرحلة الثانية من حملة السور الواقي بالتوسيع الجغرافي للهجمات الإسرائيلية، بينما بلغت الإدارة الأميركية الحد الذي لم تعد تجدي معه الموازنة الكلاسيكية الظاهرية بين الحليف الإسرائيلي والحليف السعودي، تساؤلات حول الخطوات الأميركية القادمة في ضوء اتفاق تكساس على تقسيم العمل الدبلوماسي بين الأمير عبد الله والرئيس بوش، وفي ضوء اتفاق واشنطن على إعادة تفصيل السلطة الفلسطينية على المقاسات الإدارية والأمنية لخصوم شعبها الأقربين والأبعدين.

الإدارة الأميركية بين الطرح السعودي والطرح الإسرائيلي لحل الأزمة

أهلاً بكم، قبل أسبوعين قدم ولي العهد السعودي أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة صوراً وأشرطة فيديو إلى الرئيس الأميركي تظهر هول ما يكابده الشعب الفلسطيني تحت الغزو والاحتلال، وذلك في محاولة لمساعدة الرئيس الأميركي على استكمال الصورة المنقوصة التي تعرضها وسائل الإعلام الأميركي عما يحدث في فلسطين، ورغم أن الإعلام الأميركي لم يكد يذكر نبأ هذه الوثائق التصويرية التي قدمها الجانب السعودي فإنه قد انشغل أيما انشغال بوثائق أخرى، هي تلك الوثائق الإسرائيلية التي آمنت بها مستشارة الأمن القومي (كوندوليزا رايس)، وصدقت قبل حتى أن تراها، ذلك أن شارون قد هيأ لزيارته الولايات المتحدة بحملة علاقات عامة استهدفت إقناع الإدارة الأميركية بأن قد آن الأوان لدق آخر مسمار في نعش السلطة الفلسطينية في شكلها الحالي، فأتى واشنطن مسلحاً بملف من مائة صفحة قيل أنه يزخر بالأدلة الدامغة التي تجعل منه فصل المقال في تقرير ما بين عرفات والإرهابي من الاتصال، هذا رغم أن من الصحفيين الذين اطعلوا على الملف من ذكر أنه يزخر بالأخطاء في الرسم أي الأخطاء الإملائية على نحو ما يفعل التلميذ في الكراس، وفي الأثناء وجهت إسرائيل تحية إلى السعودية جزاء وفاقاً على مبادرتها التطبيعية فتزود شارون ووزيرة التعليم (ليمور ليبانت) بما خف حمله وعزت قيمته من الوثائق التي زعم أنها تثبت أن السعودية هي التي تمول المجهود الإرهابي ضد إسرائيل، وبما أن الحيلة مكشوفة فقد أنكرت الصحافة الإسرائيلية ذاتها على (ليبانت) إلقاء الكلام جزافاً، واتهمتها بمحاولة دق إسفين بين أميركا والسعودية.

ولعل تدني إسرائيل إلى هذا الدرك من الوشايات المدرسية وإن تناسب مع الأخطاء الإملائية في الكراس، فإنه أسطع دليل بشهادة المعلقين الإسرائيليين على رفض حكومة شارون لمبادرة التطبيع السعودية، وصولاً عند هذه النقطة لم تعد الموازنة الكلاسيكية الظاهرية في الدبلوماسية الأميركية بين الحليف الإسرائيلي والحليف السعودي تفي بالغرض في الشرق الأوسط، بل أصبح من اللزام على الإدارة الأميركية تحديد خطة واضحة للمرحلة المقبلة في الشرق الأوسط. مصطفى سواق يستعرض مختلف الأفكار التي تروج الآن في ضوء اجتماعي القمة الأميركي – السعودي ثم الأميركي – الإسرائيلي.

تقرير/ مصطفى سواق: لم تنجح بعد التحركات السياسية المكثفة التي تشغل الساحة الشرق أوسطية والدولية مؤخراً في تحديد ملامح حل سياسي متكامل وواضح للصراع العربي الإسرائيلي، العرب طوروا مخططاً أساسه أفكار طرحها ولي العهد السعودي الأمير عبد الله عرفت بالمبادرة السعودية وتبنتها قمة بيروت العربية في مارس الماضي، وتلخص الخطة في الشعار "الأرض مقابل السلام" مع اعتراف العرب الكامل بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، الإدارة الأميركية رحبت بالمبادرة من دون تبنيها، وهي تعمل على صياغة مبادرة خاصة بها.

أما زيارة شارون لواشنطن فلم تتمخض عن خطة إسرائيلية واضحة لتسوية سياسية، وإنما تكشفت عن مطالب هدفها ترجمة العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين إلى مكاسب سياسية، وتتجلى ملامح الحل الإسرائيلي من خلال أحاديث شارون وبعض مساعديه فيما يلي:

أولاً: رفض إسرائيل التفاوض مع القيادة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات، واستبعاده من المفاوضات والمطالبة بقيادة بديلة.

ثانياً: إجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنها توحيد الأجهزة الأمنية.

ثالثاً: رفض تحديد موعد لانطلاق محادثات السلام.

رابعاً: تحرير النظام السياسي الفلسطيني بتطبيق الديمقراطية والشفافية الكاملة.

خامساً: استبعاد التفاوض حول اتفاق الوضع النهائي في المدى القريب.

سادساً: وقف الانتفاضة والعمليات الاستشهادية والتحريض.

وكان شارون قد اقترح عقد مؤتمر إقليمي حول الشرق الأوسط ربما في تركيا ليس لمناقشة القضايا الجوهرية بل على حد تعبير وزيرته للتربية (ليمور ليبانت) بخلق مناخ إيجابي لمحادثات مباشرة، وهذا يعني أن هدف شارون توسيع الاعتراف العربي بإسرائيل من دون مقابل ملموس، كما ذكرت (ليمور) أن حضور شارون لهذا المؤتمر مشروط بضمان الولايات المتحدة أنه لن يفرض على إسرائيل تنازلات.

الولايات المتحدة وفيما يشبه اعترافاً بفشلها في حل مشكلة الشرق الأوسط وحدها، حاولت أن تضفي صبغة دولية على مساعيها عبر رباعية تشترك فيها مع روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للعمل من أجل حل شامل عادل ونهائي لمشكلة الشرق الأوسط، لكن واشنطن خاصة منذ زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة واجتماعه بالرئيس جورج بوش، بدأت في بلورة ملامح خطة أميركية يمكن تحديدها من خلال تصريحات مسؤوليها:

أولاً: استعادة الأمن لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين.

ثانياً: رد الرفض الإسرائيلي التعامل مع الرئيس عرفات مرحلياً على الأقل.

ثالثاً: إصلاح السلطة الفلسطينية وتوحيد أجهزتها الأمنية وهو جزء من كل وليس شرطاً مسبقاً للمفاوضات كما تطلب إسرائيل.

رابعاً: الإعداد لمؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط على مستوى وزراء الخارجية يعقد في الصيف المقبل.

خامساً: العودة إلى المفاوضات قريباً بهدف التوصل إلى إقامة دولة فلسطينية باعتبارها مهمة مستعجلة، لكن شارون أثناء زيارته لواشنطن رأى أن الحديث عن الدولة الفلسطينية سابق لأوانه.

سادساً: دعوة شارون للموافقة على إعداد جدول زمني للمفاوضات بشأن القضايا الجوهرية، كقضية القدس واللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة.

لا الأميركيون ولا الإسرائيليون يتحدثون عن قضية الجولان ومزارع شبعا، رغم حديث واشنطن عن حل نهائي عادل وشامل، وأثناء اجتماع ولي العهد السعودي بالرئيس بوش ومحادثات وزير الخارجية السعودي في واشنطن ولقاءات العاهل الأردني بالمسؤولين الأميركيين وفي رسالة الرئيس المصري إلى بوش، أبدى العرب تحفظاً على المشاركة في أي مؤتمر لا يناقش القضايا الجوهرية ولا يهدف إلى حل نهائي عادل.. شامل وعادل، فهل يعمل بوش على إقناع صديقه رجل السلام بمثل هذا الحل؟!

مالك التريكي: إذن الإدارة الأميركية ملزمة الآن بالتوصل إلى صيغة توفيقية بين الطرح السعودي الذي يقوم على مبادلة كل السلام بكل الأرض المحتلة منذ عام 67، وبين الطرح الإسرائيلي الذي يقدم على إبقاء الاحتلال واستمرار الاستيطان والاستمرار في نهج رئيس الوزراء السابق (إسحق شامير) في المماطلة عشرة أعوام أخرى أو حتى عشرين عاماً مثلما ذكر، معنا الآن لبحث قضية الخطوات الأميركية القادمة (مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن) الأستاذ أنتوني كوردسمان، أستاذ أنتوني كوردسمان، قال البيت الأبيض الأميركي إن المبادرة السعودية هي الأمر الإيجابي الوحيد الذي وقع طيلة الأشهر الإثني عشر الماضية، لكنه لم يبدي أي اعتراض على إعلان إسرائيل أنها ستدخل المرحلة الثانية في عملية السور الواقي، هل يستقيم الأمران معاً؟

أنتوني كوردسمان (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – واشنطن): أعتقد أنكم لم تنقلوا بشكل دقيق موقف واشنطن من المبادرة السعودية وإنما تراه أن المبادرة.. العلامة الإيجابية إنه أولاً أن يسمح لنا العالم العربي بالعودة إلى المفاوضات السلمية، ولكن الحقيقة إننا نرى إن الفلسطينيين والإسرائيليين في هذه اللحظة من الزمن ليسوا في عملية سلمية، بل في عملية حرب، وفي كل مرة نحاول بها.. نحاول عقد مؤتمر دولي إما نرى هجوماً انتحارياً جديداً أو جزءاً من عمليات عسكرية إسرائيلية انتقامية، وعلى الجميع أن يدرك...

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ كوردسمان.. أستاذ كوردسمان البيت الأبيض الأميركي.. البيت الأبيض الأميركي قال: إن المبادرة السعودية هي الأمر الوحيد الذي وقع خلال الأشهر الثانية عشر الماضية، وذلك نقلاً على لسان (وليام باف) المعلق الشهير في جريدة "لوس أنجلوس تايمز" الذي له علاقات واسعة في واشنطن وفي البيت الأبيض، لقد قال ذلك البيت الأبيض.

أنتوني كوردسمان: نعم أنتم تنقلون تقارير صحفية وليس مباشرة عن البيت الأبيض، وإحدى الأمور التي يجب أن تنتبه إليها هي النظر إلى حقائق وليس التقارير الصحفية.

مالك التريكي: إذاً.. إذاً أستاذ.

أنتوني كوردسمان: هناك شعورٌ قوي في الإدارة الأميركية التي ترحب بالمبادرة السعودية كخطوة إلى الأمام، ولكن لا أحد سواءً كان ذلك الولايات المتحدة، الأمم المتحدة، أو السعوديين أو.. أو الاتحاد الأوروبي لديه أية أوهام في أن الطرفان يتحدثان عن السلام، في واقع الحال يمارسان العنف ويحاولون إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر. ومن المهم لنا جميعاً أن نجد أسلوباً ما يعيدهم إلى التفاوض السياسي، وهذا يتطلب نفس القدر من الضغط على الفلسطينيين مثل ما هو على الإسرائيليين.

مالك التريكي: هل توافق أستاذ كوردسمان المصادر الإسرائيلية التي قالت إن شارون له، طبعاً يحس بالفرحة لما يعتبره انتصار في المرحل الأولى من السور الواقي، ولكن هنالك أمرين يكدران عليه صفو هذه الفرحة: خوفه من المبادرة السعودية، وخوفه من اجتماع يوم الأحد في حزب الليكود، حيث أن شعبيه (نتنياهو) تتزايد الآن؟

أنتوني كوردسمان: إن إحدى المشاكل التي يواجهها شارون وهي مفارقة نوعاً من لو أخذنا بعين الاعتبار تاريخ شارون هو إن حزبه هو أكثر ضد السلام كون حزبه مضاداً للسلام أيضاً، وربما هناك من يقول إن نتنياهو سيكون بديلاً عنه، فعليه فإن الإسرائيليين حذرين جداً من أن يصفوا ما حدث في الضفة الغربية باعتباره انتصاراً عسكرياً، لأنه ليس من الواضح أنهم حققوا أهدافهم العسكرية، وإحدى المشاكل التي نواجهها الآن هو أنهم مازالوا يتعرضون للهجمات الانتحارية، وكما قلنا قبل قليل إن الطريق الوحيد الذي يمكن لهم أن يتعاملوا مع هذا هو إن.. إن تتصاعد الأمور، ولكن ليس معنى هذا بالضرورة أن يكون باتجاه العنف.

مالك التريكي: هنالك مصادر إسرائيلية تقول إن شعبية شارون زادت في المرحلة الأولى، لكنه إذا دخل في مرحلة ثانية مثلما أعلن الآن في عملية السور الواقي بالتوسيع الهجمات ضد غزة فإنه ربما يخسر منصبه الحالي الآن، وهذه هي أكبر مشكلة بالنسبة إليه.

أنتوني كوردسمان: أعتقد إن هذا الأمر مضلل جداً، أولاً لأن هذه ليس هي المرحلة الأولى من العمليات العسكرية، فنحن نشاهد ما يحدث منذ سبتمبر عام 2000، وهناك دوامة عنف من الطرفين، ولكن مشكلة شارون هي فيما يخص الرأي العام في هذه اللحظة الزمنية هو حتى إن مؤيدي السلام في إسرائيل بدأوا ينتقدون الموقف الفلسطيني فإنهم يشعرون بأنهم مهددون أكثر من قبل، فهناك أكثر.. دعمٌ أكثر لنوع من الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فعليه فإن شارون لو كان يواجه أية مشكلة من حيث الرأي العام -وليست كل استطلاعات الرأي العام تظهر ذلك- فإن هذا لا يعني إن شارون سيتصرف عسكرياً، وليس أن يوقف عملياته، وليس هناك مرحلة أولى أو مرحلة ثانية، فهذه عملية ليست لها ملامح واضحة كالتي تصفونها.

مالك التريكي: أستاذ أنتوني كوردسمان (مدير معهد الشرق الأوسط.. بل برنامج الشرق الأوساط في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن) شكراً جزيلاً لك.

بعد الإعراب عن الأسف لعدم تصفية عرفات في بيروت استدرك شارون هذه المرة بكراسه الذي هو "فصل المقال في تقرير ما بين عرفات والإرهاب من الاتصال" ولكن العلامة التي حصل عليها في واشنطن لم تكن تكفي لاجتياز الامتحان، فهل سيظل مقتل عرفات أشهر جريمة تاريخية مؤجلة، أم أن حرب الكلام عن الإصلاح هي ممارسة بوسائل أخرى لسياسية اليوفانيزيا، أي القتل السياسي الرحيم؟

[فاصل إعلاني]

الموقف الأميركي من إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية

مالك التريكي: في تصريح لمجلة فرنسية قال شارون إنه لو كان هو المسؤول عن قيادة قوات الاحتلال الفرنسي في الجزائر لما كانت فرنسا خسرت الحرب، ولما تحررت الجزائر، وهاهو الرجل الذي لم يخرج بعد من منطق الحروب الكولونيالية الاستعمارية، والذي لم يتصالح حتى الآن مع أبسط حقائق القرن الماضي، ينصب نفسه الآن برعاية الأميركيين قيما على رسالة الإصلاح السياسي في فلسطين، وربما على الدخول بالعرب جميعاً إلى القرن الحادي والعشري، ذلك أنه يبدو أن شارون سيفرض السعادة السياسية علينا فرضاً، وسيقودنا إلى جنة الحكم الصالح بالسلاسل الأمنية والعسكرية، أي أنه سيجعل العدل في بلادنا أساس العمران فينجح فيما فشل فيه أعلام عصر النهضة العربية من أمثال محمد عبده و جمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي وعبد الرحمن الكواكبي. فهل ينجح شارون في إخراج رغبته القديمة في تصفية عرفات ولو سياسياً مخرج الحيلة الإصلاحية الديمقراطية؟ وهل توافق هذه الحيلة الإخراجية مع التوجيه الأميركي إلى مزيد من إحكام قبضة وكالة الاستخبارات المركيزة C.I.A على السلطة الفلسطينية؟ أسئلة يطرحها ياسر أبو النصر في هذا التقرير.

تقرير/ ياسر أبو النصر: لا لاقتلاع عرفات، نعم لإجراء إصلاحات هيكلية في السلطة الفلسطينية، تلك هي خلاصة الموقف الأميركي الذي سمعه شارون من بوش رداً على خطة سلام إسرائيلية تستبعد عرفات حملها معه إلى واشنطن، وذلك رغم عاصفة من الانتقادات المرة التي تباري بوش وإدارته في توجيهها للرئيس الفلسطيني في طيات زيارة شارون.

كوندوليزارايس (مستشارة الأمن القومي الأميركي) : السلطة الفلسطينية ليست هي القيادة التي يمكن معها إقامة الدولة الفلسطينية، لابد من إجراء إصلاحات، ولابد من تغيير الجهاز الأمني.

ياسر أبو النصر: أحاديث الإطاحة بعرفات باتت هاجساً لا يفارق الخطاب الإسرائيلي، بدأها رئيس الوزراء السابق إيهود بارك في العام 2000 معلناً عدم وجود شريك لإسرئيل في السلام، وملأ بها شارون أسماع العالم مع تصاعد وتيرة العمليات الفدائية في العام الماضي، وتكثفت في مطلع هذا العام ليغدوا تنفيذها قاب قوسين أو أدنى مع دراما الحصار الأخيرة في رام الله. ورغم ذلك يبدو عرفات مطمئناً إلى الحسابات الأميركية إلى حد التهكم من ذلك التوجه الإسرائيلي على طريقة الشاعر جرير في هجاء جبن منافسه الفرزدق.

ياسر عرفات:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً

أبشر بطويل سلامة يا مربع

ياسر أبو النصر: وبعيداً مشاكسات الشعراء فإن الفيتو الأميركي ضد الإطاحة بعرفات يبدو مستنداً إلى اقتناع واشنطن باستحالة قبول الفلسطينيين بأي قيادة تفرض من الخارج، وما يعزز ذلك الاقتناع من رسائل تحذير لا يتوقف عن إرسالها حلفاء واشنطن الرئيسيون في المنطقة مثل السعودية ومصر.

محمد حسني مبارك (الرئيس المصري): شارون بيستبعد الرئيس هو حر يقول اللي عاوز يقوله، لكن أنا بأقول له: إذا كنتم جادين في السلام فلابد إنك أنت تتعاملوا مع السلطة المنتخبة.

ياسر أبو النصر: غير أن الحسابات الأميركية تتجاوز من وجهة نظر البعض الاعتبارات المبدئية ومراعاة خواطر الحلفاء إلى تردد واشنطن في دفع الساحة الفلسطينية إلى مغامرة سياسية ربما لم تنضج معطياتها بعد، فالمرشحون العسكريون لخلافة عرفات، وأبرزهم جبريل رجوب، ومحمد دخلان (قائدا الامن الوقائي في كل من الضفة والغزة) منشغلان بتغطية عالقة بصوريتهما داخلياً من شوائب من جراء تسريبات إسرائيلية سابقة حول علاقات مع تل أبيب، والمرشحون الذين يمكن تصنيفهم في خانة التكنوقراط مثل ساري نسيبة (مسؤول ملف القدس) ومحمود عباس (أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير) ليسا موضع توافق يمكن أياً منهما من ملء الفراغ بمفرده، أما مروان البرغوثي، قيادي فتح الأكثر حضوراً، والذي رشحته الشائعات في مرحلة سابقة لقيادة تمرد داخل فتح ضد عرفات، فهو في غياهب السجون الإسرائيلية، تلك هي أبرز الأسماء التي دارت في فلكها ترشيحات الخلفاء، فإذا سئل أي منهم عن ذلك لم يتلق السائل سوى إجابة واحدة.

محمود عباس: هذا هراء طبعاً، ونحن نرفض هذا رفضاً قاطعاً.

ياسر أبو النصر: ومع بقاء عرفات رقماً صعباً في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولو بشكل مرحلي، تتراجع أميركياً وإسرائيلياً أحاديث الاستبعاد والاستبدال لصالح عنوان إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية وإدخال إصلاحات عليها، عنوان قد يعني من وجهة النظر التي يعبر عنها المسؤولون الإسرائيليون تهميش عرفات تحت شعار دعم الديمقراطية في إطار سيرة تكفل توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية مع إخضاع السلطة بصفة عامة لرقابة أميركية، لكنه يحمل في المقابل طموحات تيار عريض من الفصائل الفلسطينية في بدء مرحلة جديدة من تجنب الاقتتال الداخلي ومحاسبة المنحرفين، والاتجاه لانتخابات حرة تدفع بدماء جديدة في شرايين السلطة، ترى إلى أي مرفأ ستمضي بعرفات سفينة الإصلاحات؟

مالك التريكي: إذاً بمثل ما تسير كل الدول العربية على مبدأ أنها لا تختار جيرانها، وإنما تتعامل معهم كما هم، فإن الولايات المتحدة أفهمت إسرائيل أن الكلام عن محاولة استبدال عرفات في هذه المرحلة مضيعة للوقت، إلا أن سياق الإصلاحات السياسية الذي فتح الآن سياق واسع جداً ويحتمل كل التفسيرات، معنا الآن من رام الله لبحث قضية ما يثار عن إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية (الكاتب والمحلل السياسي) ممدوح نوفل.

أستاذ ممدوح نوفل، أميركا الآن رافضة لمبدأ استبدال عرفات أو إحالته على التقاعد السياسي أو إبعاده من فلسطين، في تقديركم كم ستثبت أميركا على هذا المبدأ؟

ممدوح نوفل (محلل سياسي فلسطيني): يعني أولاً الشعب الفلسطيني لديه حساسية عالية اتجاه التدخل في شؤونه الداخلية، ومسألة خلق قيادة بديلة أو فرض قيادة بديلة على الشعب الفلسطيني مر بها الشعب الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطينية مرات عدة عبر السنوات الماضية، وجميع هذه المحاولات فشلت، الآن مرة أخرى يتجدد الحديث عن قيادة بديلة أو تجديد للقيادة الفلسطينية أو سواها، أعتقد أن الحديث هذا الجاري سواء كان من الإدارة الأميركية أو من إسرائيل يزيد من حساسية الشعب الفلسطيني، نحن ندرك أن الموقف الأميركي ليس دائم وليس ثابت، الرئيس بوش وأركانه تحدثوا أكثر من مرة ضد الرئيس عرفات، وطعنوا بدور الرئيس عرفات إبان فترة الحصار والهجوم الواسع الذي شنه شارون على الشعب الفلسطيني، الآن الإدارة الأميركية أدركت أن ما قام به شارون زاد من شعبية عرفات وزاد من قوة عرفات في صفوف شعبه وعلى الصعيد العربي والدولي، وأدركت الإدارة الأميركية أن لا بديل في هذه المرحلة لعرفات، وأن محاولة تنصيب هذا البديل سواءً كان من قبل البيت الأبيض أو من قبل تل أبيب يعني تفجير أوضاع المنطقة أكثر فأكثر، وزج الساحة الفلسطينية في متاهة كبيرة وفوضى كبيرة، الشعب الفلسطيني..

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن.. لكن وجهات النظر.. أستاذ ممدوح نوفل، لكن وجهات النظر بين أميركا وإسرائيل متطابقة على ما يسمونه بضرورة الإصلاح وإعادة الهيكلة في السلطة الفلسطينية، هنالك خطر في هذا الأمر لأن الأميركيين يتصورون هذا التصور بطريقة أمنية، ولذلك أعلنوا أنهم سيرسلون (جورج تنت) مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى.. إلى فلسطين وإسرائيل، ألا يخشى أن أن هذا يؤدي إلى نوع من عودة منطق الانتداب والحماية، المنطق الاستعماري القديم؟

ممدوح نوفل: يعني الحديث عن الاصلاح حقيقة يمكن فرزه وتصنيفه إلى عدة أصناف، هناك صنف حديث حق يراد به باطل، وهناك صنف من الكلام حديث حق يراد مصلحة الشعب الفلسطيني، ولكن الحديث الإسرائيلي والحديث الأميركي نعتبره نحن تدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية، لا شك أن الوضع الفلسطيني يحتاج إلى شيء من التطوير، يحتاج إلى استخلاص الدروس من التجارب السابقة، ويحتاج إلى شيء من الاصلاح والتغيير في البنية، ولكن أي حديث عن إصلاح وتغيير من قبل شارون بالنسبة لنا يعني محاولة خلق قيادة عميلة لشارون تأتمر بأوامره شبيهة بالقيادة العميلة التي أعتمد عليها أكثر من عشرين سنة في جنوب لبنان، أي قيادة سعد حداد، وأنطوان لحد، (...) الإسرائيلي...

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن ما رأيكم في مشروع توحيد؟ أستاذ ممدوح نوفل، ما رأيكم في مشروع توحيد كل الأجهزة الأمنية الفلسطينية في جهاز واحد تحت وصاية الـ C.I.A؟ ما رأيكم في ذلك.

ممدوح نوفل: يعني أولاً تحت وصاية.. تحت وصاية عربية رفضنا قديماً أي نوع من العمل الفلسطيني أن يكون تحت وصاية أي دولة من الدول العربية، وعندما حاولوا العرب فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني وعلى القيادة الفلسطينية وقعت مصادمات وأحداث مؤسفة، أن تفرض وصاية أميركية أو أوروبية أو سواها على الشعب الفلسطيني أو على توجهاته الأمنية أو السياسية فهذا أمر مرفوض بالمطلق، الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية تدرك أن هناك مكامن خلل واسعة في العمل الأمني، وأن العمل الأمني يحتاج إلى شيء من التطوير، شيء من الإصلاح.

أحد مداخل الإصلاح هو تقليص عدد الأجهزة الأمنية، ودمج بعضها خاصة عندما تكون هناك نوع من التشابه في عمل هذه الأجهزة ووظائفها، لا شك أن العمل الأمني الفلسطيني بحاجة إلى تطوير، إلى تعديل، ولكن أيضاً بالمقابل علينا أن ندرك أن ليس كل الحديث عن القصور الأمني سببه فعلياً الحرص على تطوير العمل الأمني الفلسطيني، الإسرائيليين والأميركان يتعاملوا مع القيادة الفلسطينية على طريقة يعني كما يقول المثل اللي عندنا: "صحيح ما تاكل..صحيح ما تكسر ومكسور ما تاكل وكل وأشبع" مطلوب من القيادة الفلسطينية وأجهزة الأمن الفلسطينية القيام بمهام أمنية بالوقت التي تتعرض مراكزها إلى الدمار، بالوقت الذي يتعرض أفراده إلى الإهانة والاعتقال والإذلال، بالوقت التي لا تستطيع هذه القوات أن تتحرك، والآن الحديث صراحة عن وجود أجهزة أمنية فلسطينية في الضفة الغربية حديث غير واقعي، هناك بقايا أجهزة...

مالك التريكي: هنالك الآن.

ممدوح نوفل: هناك بقايا أجهزة مدمرة، نحن بحاجة.

مالك التريكي: أستاذ نوفل.

ممدوح نوفل: إذا سمحت لي نقطة صغيرة، نحن بحاجة فعلياً إلى فترة لإعادة بناء الأجهزة الأمنية، بحاجة إلى قوات دولية أو متعددة الجنسية تأتي لتتحمل مسؤوليات أمنية في الضفة الغربية ريثما يتم بناء هذه الأجهزة وتوحيدها.

مالك التريكي: أتنم تعرفون أن أميركا وإسرائيل ترفضان ما يسمى.. ما تسميانه بالتدويل منذ.. منذ زمان، لكن الآن المفارقة الكبرى التي على القيادة الفلسطينية أن تتعامل معها في الموقف الأميركي: أن النظرة الأميركية تطورت، كانت تعتبر الأراضي المحتلة أراضي متنازع عليها، تعتبرها الآن محتلة، تؤمن بوجوب قيام دولتين فلسطينيتين، ولكن في نفس الوقت الموقف متطابق مع إسرائيل، هنالك هذه المفارقة، ولا أدى هل تعرفون كيف تتعاملون معهم.. معها أنتم كمستشار للقيادات الفلسطينية.

ممدوح نوفل: يعني الموقف الأميركي في عهد حزب العمل كان شيء وفي عهد حزب الليكود الآن وشارون شيء آخر، الموقف الأميركي في عهد الرئيس كلينتون كان مع دولة فلسطينية على 97% من الأرض، ووضعت يعني –خليني أقول- في مبادرة الرئيس كلينتون أسس قيام مثل هذه الدولة الفلسطينية وتصور متكامل، وجاء من بعده بوش ووضع أيضاً الـ (visual) الأميركي للدولة الفلسطينية، شارون لا يمكن..

مالك التريكي [مقاطعاً]: أستاذ ممدوح نوفل.. أستاذ ممدوح نوفل (المحلل السياسي) من رام الله، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.