مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - أسامة رشدي: أحد قياديي الجماعة الإسلامية – أمستردام
- د. ضياء رشوان: خبير الحركات الإسلامية بمركز الأهرام- القاهرة
تاريخ الحلقة: 11/07/2002


- ملابسات إطلاق المبادرة وموقف قيادات الجماعة في الخارج منها

- أسس الفكر الحركي للجماعة الإسلامية في مصر

- أهمية التحول الفكري للجماعة ورد فعل السلطات المصرية

مالك التريكي: من مبادرة وقف أعمال العنف إلى سلسلة تصحيح المفاهيم فالاعتذار للشعب المصري. تساؤلات حول دلالات إعلان الجماعة الإسلامية في مصر خروجها من معسكر حركات العنف إلى معسكر الحركات السياسية الإسلامية .

أهلاً بكم، للتدليل على ما يمكن أن تؤدي إليه والأفكار المفاهيم الخاطئة من مآسٍ تاريخية يُروى أنه ما إن انهار الاتحاد السوفيتي حتى عاد (ماركس) إلى الدنيا ليعلن يا عمال العالم، سامحوني، وقبل حوالي أسبوعين وجه القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية المصرية ممن لا يزالون في السجون وجهوا اعتذاراً للشعب المصري على ما سموه بالأفعال التي قامت بها الجماعة خلال العقدين الماضيين، فقد كانت الجماعة الإسلامية المصرية من المنظمات التي تؤمن بالعنف الثوري في صيغته الدينية التي تُسمى "جهاداً" لا ضد العدو الخارجي فحسب، بل وضد مجتمعاتها حكاماً في الأساس ومحكومين إذا استلزم الأمر، أي أنها كانت تؤمن بالقتل وتشرعه وسيلة أساسية في خدمة أهدافها، وقد استندت الجماعة الإسلامية في ارتكاب أعمال العنف إلى نظريات ومفاهيم وضعها قادتها منذ أواخر السبعينيات في عدة كتب، أبرزها كتاب "ميثاق العمل الإسلامي" إلا أنه قد سبق إعلان الاعتذار مراجعة لهذه النظريات في أربعة كتب أصدرها أوائل هذا العام ثمانية من قادة الجماعة الإسلامية ممن لا يزالون في السجون، وذلك ضمن سلسلة بعنوان "سلسلة تصحيح المفاهيم"، أي المفاهيم التي أدى تطبيقها إلى اغتيال الرئيس أنور السادات عام 81 ومحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك عام 95، أضافةً إلى محاولة اغتيال المسؤولين آخرين، وقتل أعداد من المصريين والسياح الأجانب.

وقد مثلت الكتب الأربعة التي يحمل أحدها عنوان: "حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين" حملت الصياغة الفكرية للمبادرة الأصلية التي كان قد أعلنها منذ خمسة أعوام قادة الجماعة الإسلامية المسجونون، والتي تتعلق بدعوة جميع الأعضاء إلى وقف أعمال العنف في الداخل والخارج، إلا أن تحفظ السلطات المصرية إزاء هذه المبادرة طيلة الأعوام الخمسة الماضية واهتمامها الإعلامي المكثف بها منذ أكثر من أسبوعين وتقديمها على أنها دعوة جادة وصادقة كل هذه العوامل قد أحاطت المبادرة بتساؤلات ومتابعة وضعتها في بؤرة الاهتمام.

سوزان حرفي تعرض من القاهرة الملابسات ، بل الملابسات التي اكتنفت إطلاق هذه المبادرة

ملابسات إطلاق المبادرة وموقف قيادات الجماعة في الخارج منها

تقرير سوزان حرفي: في أجواء المحاكمات التي حفلت بها مرحلة التسعينات انطلقت رسمياً مبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف في الخامس من يوليو عام 97 على لسان أحد كوادرها، وفيها عبر ستة من أبرز قيادات الجماعة التاريخيين عن نبذهم للعنف فيما اعتُبر نقطة تحول لافت من جماعة بدأت كتابة وجودها على الساحة المصرية بلون الدم وصوت الرصاص، واكتسبت المبادرة مشروعيتها داخل الجماعة عام 99 بتبني مجلس شورى الجماعة لها بما فيهم بعض الهاربين المحكوم عليهم، وبين إعلان المبادرة وتبنيها التزمت السلطات المصرية الصمت تجاهها، إلا أن أوساطاً إسلامية قريبة من الجماعة تحدثت عن تقديم بعض التسهيلات للمعتقلين داخل السجون وتحسين ظروفهم، بالإضافة إلى وقف عمليات الاعتقال العشوائي والإفراج لاحقاً عن نحو خمسمائة من أعضاء الجماعة وآلاف من المتعاطفين معها، مما جعل البعض يتحدث عن إرهاصات لمراجعة أمنية.

منتصر الزيات (محامي الجماعات الإسلامية): ما دمنا نتحدث عن المراجعات الفكرية وأخطاء الذات داخل الحركة كان من الأصوب أن.. في هذا الخصوص أن نتحدث أيضاً عن المراجعات الأمنية وعن أخطاء أمنية في التعامل كانت تسبب الأزمة، ما دمنا نتحدث عن أخطاء.

سوزان حرفي: وفيما كثر اللغط حول موقف قيادات الجماعة في الخارج الذين بدوا أقرب إلى المعارضة مُنيت المبادرة بنكسة كبيرة عندما انطلقت رصاصات عناصر من الجماعة على السياح في حادث الأقصر، ورغم أن الحادث برر بأن منفذيه من العناصر الشاردة التي لا علم لها بأمر المبادرة إلا أن السلطات المصرية فضلت التعامل بمنطق أن كل الاحتمالات مفتوحة، واكتفت بمنح الجماعة الفرصة للتأكد من صدقها.

مبادرة وقف العنف التي ظلت لخمس سنوات تبحث عن صدى لها داخل أروقة السلطة المصرية جاء الوقت الذي وجدت فيه أبا شرعياً يعترف بها مما يجعل البعض يعتقد أن هناك انفراجة ما ستحدث بين الجماعة الإسلامية والنظام الحاكم في مصر،

ولعل المحطة الأهم في مبادرة الجماعة الإسلامية كانت سلسلة المراجعات الفكرية التي صدرت عن ثمانية من أبرز قادتها التاريخيين في مطلع هذا العام، وفيها قدموا تأصيلاً فقهياً لمواقفهم الجديدة في أربعة كتب وجدت طريقها فوراً إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي الخطوة التي رأى فيها المراقبون تأكيداً للتوجه السلمي للجماعة من ناحية وقبول الدولة لها من ناحية، أخرى. وما هي إلا أشهر حتى خرجت مجلة "المصور" قريبة الصلة من دوائر صنع القرار السياسي لتكون عرَّابة لميلاد علاقة جديدة بين الدولة والجماعة يتم صياغتها تحت سمع وبصر المجتمع.

منتصر الزيات: أنا أثبت هنا في هذا الخصوص أن تحولاتهم فعلاً حقيقية وأنها نتيجة إرادة حرة نتفق أو نختلف حولها، الذين يعرفون كثيراً عن الجماعة الإسلامية، ونشأتها، وطريقة إدارتها، وتماسكها يعرفوا أن هذا من السهل الميسور، فثقة القواعد بالشيوخ ثقة مطلقة.. ثقة مطلقة تجعلهم يقبلون دائماً اجتهادتهم إذا كانوا همَّ… قد تقدموا ساعة القتال، ومن الممكن أن يتبعوهم وهم يتقدمونا في سبيل تغيير بعض الأفكار تعامل مع المجتمع المسلم.

سوزان حرفي: توقيت ما اعتُبر قبولاً من جانب الدولة للمبادرة طرح تساؤلات مشروعة حول الأسباب التي أفضت لهذه النتيجة ومستقبل العلاقة بين جماعة اختارت نبذ العنف والدعوة للعمل السياسي في واقع يعاني من انسداد سياسي، أما التساؤل الأهم بالنسبة للجماعة فينصب حول مستقبل أعضائها إذا ما تم الإفراج عنهم، إذا لم يتقرر بعد إن كانوا سيمنحون مساحة حركة أم أنهم سيحالون إلى معاشٍ لم يأتِ مبكراً.

مالك التريكي: من أقوى المؤيدين لمبادرة وقف العنف عضو مجلس شوري الجماعة السابق أسامة رشدي الذي يقيم الآن في هولندا بعد أن حصل على اللجوء السياسي، ويوجد أسامة رشدي على قائمة أعلنتها السلطات المصرية لأهم أربعة عشر أصولياً تطلب القبض عليهم.

سيد أسامة رشدي، هنالك ضبابية تلف الموقف بالنسبة لوقف العنف.. بالنسبة للقيادات الذين لا يزالون في السجون والقيادات في الخارج، ما هو الموقف بالضبط، خاصة بالنسبة للقيادات في الخارج وأنت واحد منهم؟

أسامة رشدي: بسم الله الرحمن الرحيم. طبعاً أنا يعني عضو سابق في مجلس شوري الجماعة الإسلامية، فيما يتعلق بالموقف الآن من المبادرة السلمية، فالمبادرة من حيث الأصل هي محل إجماع من جميع أعضاء الجماعة الإسلامية في الخارج وفي الداخل، فلا خلاف الآن على التوجه السلمي، وعلى العهد الذي قطعه الإخوة في الداخل بسلوك هذا المسلك السلمي ولن طبعاً هذا شيء وما حدث في الأسبوعين الماضيين شيء من محاولات النظام لابتزاز هؤلاء الإخوة السجناء والمعتقلين فيما يُسمى بسياسة العصر لاستخلاص الكثير من التصريحات التي هي في الأساس تُضعف هذه المبادرة ولا تقدمها للرأي العام، سواء كان داخل مصر أو خارج مصر بالصورة المرجوة والتي كنا نتمنى أن تكون صورة قوية تبشر الناس بتحول طوعي وسلمي يُقنع الآخرين بسلوك هذا المسلك وتكون مبادرة الجماعة الإسلامية نموذج يمكن أن يحتذي به، أما وأن يقدم الناس في صورة الضعفاء المساكين الذين...

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيد أسامة.. سيد أسامة

أسامة رشدي: أيوة

مالك التريكي: آسف على المقاطعة . قبل أن نتحول إلى.. إلى التعامل الرسمي والإعلامي مع هذه المبادرة، المبادرة في حد ذاتها عندما نُشر الاعتذار من قيادات الجماعة المسجونين للشعب المصري من جرائم سارعوا إلى التصحيح بأنهم إنما اعتذروا عن أفعال وليس عن جرائم، أليس هذا التصحيح -في حد ذاته- مثاراً للشك في مدى جدية التحول عن العنف إذا كانت الاغتيالات لا تعتبر جرائم في عرف القادة التاريخيين؟

أسامة رشدي: الحقيقة.. الحقيقة يعني قصة الاعتذار هذه قصة من قصص الابتزاز والعصر التي هي سياسة بوليسية في الحقيقة، الحقيقة أن العنف وهذه الأحداث إنما انطلقت في مصر بفعل النظام المصري، ولعل جميع المراقبين يتذكرون سياسة اللواء زكي بدر التي كان يعلنها، وهي الضرب في سويداء القلب، وكان يقول: أنا وراهم والزمن طويل، وكان يقتل، ويشرد، ويعذب، وهذه السياسة هي التي أفرزت هذا الواقع الحقيقة، وهذه ليست أول مرة الجماعة تستجيب فيها لمبادرات سليمة، الجماعة يعني طوال عمرها وهي في الأساس جماعة سلمية دعوية، ولكن ما أراه أنا كمراقب وكرجل عشت هذه السنوات أرى أن النظام هو الذي فرض العنف على الجميع، وإذا عاد النظام الآن ليفتح أحضانه لأبنائه، ويقول نعم نحن سنبني علاقة على أساس من الكرامة ومن احترام حقوق الإنسان، ومن احترام حقوق المواطنة، فهذا هو في حد ذاته حل لهذه القضية، نحن لم يكن لنا مطالب خاصة أو شخصية، هي المطالب كانت تتعلق بتطبيق القانون...

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيد.. سيد أسامة.. سيد أسامة.. سيد أسامة.

أسامة رشدي: تفضل

مالك التريكي: تكاد تكون أنت الوحيد الذي يروج لمسألة الضغوط لأن كثيراً من أعضاء الجماعة والقادة التاريخيين كلهم المسؤولون الآن يؤكدون أنهم لم يقعوا تحت ضغوط، أنت الوحيد ربما الذي تروج لهذه النظرية

أسامة رشدي: يا سيدي، الضغوط.. الضغوط.. الضغوط.. الضغوط تثبتها.. تثبتها مع أحكام المحاكم آلاف تقارير الطب الشرعي، وما حدث في سجون مصر خلال العشر سنوات الأخيرة كانت وصمة عار في جبين مصر، وصفحة نسأل الله -عز وجل- أن تطوى وأن تندمل القلوب والنفوس، هذه قضية يعني ليست محل يعني مزايدة أو شك من أحد، هذه قضية في أحكام محاكم، ولو أن الوقت يعني يتسع لقلت لك كيف وصفت محاكم مصر مثل هذا.. ما حدث في السجون المصرية خلال الفترة الماضية، نحن الآن كنا نود أن نطوي صفحة الماضي ونتطلع للمستقبل، وكنا نود إن إحنا يعني لا ننكأ الجراح مرة أخرى، ولكن الجملة الإعلامية والبوليسية التي صاحب التي حدثت في الفترة الأخيرة هي التي دعتنا.. أودعتني أنا شخصياً لكتابة ما كتبت ولقول ما قلت، نحن نريد أن نبني علاقة

مالك التريكي[مقاطعاً]: مما كتبته.. أستاذ

أسامة رشدي[مستأنفاً]: على أساس احترام كرامة هؤلاء الشباب وفتح آفاق العلم السلمي لهم...

مالك التريكي: سيد رشدي

أسامة رشدي: وعندما نتكلم عن فتح آفاق العلم السلمي نقول أن كل الأبواب الان موصدة ومسدودة، والآن الدور على الدولة كي توجد مبادرات حقيقية،.. الحقيقة...

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيد رشدي.. سيد رشدي، مما كتبته أخيراً.. سيد رشدي، آسف على المقاطعة، مما كتبته أخيراً يُستشف منه أنك تفسر ظاهرة العنف بما سميته بالخطط البوليسية والخداعات الإعلامية، ويبدو أنك تعتبر ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين من.. من حوارات مع القادة التاريخيين من هذه الحيل الإعلامية، لكن تتغاضى عن أن فكر الجماعة قبل عام 97 كان يشرِّع للعنف أي أن منبع العنف كسلوك عند الجماعة هو فكرها وليس الواقع، لأن هنالك جماعات أخرى تتعامل مع نفس الواقع بدون أن تسلك مسلك العنف.

أسامة رشدي: والله الحقيقة هذه أيضاً مغالطة كبيرة روج لها الإعلام، لأن الجماعة الإسلامية طول عمرها جماعة معتدلة، لا تكفر أحداً من المسلمين بمعصية وإن مات غير تائب منها، جماعة عقيدتها عقيدة أهل السنة والجماعة ليس لها فهم خاص للإسلام، أنا أعتقد أن هذه النقطة تم يعني الترويج لها على خلاف الحقيقة، وإذا كان أحكام المحاكم هي عنوان الحقيقة، فيمكن إن أنا أقول لك يعني كيف لما قُدمت هذه الكتب لمحكمة أمن الدولة العليا على اعتبار أنها تحرض على السلطة الحاكمة وعلى قلب نظام الحكم قالت المحكمة إن ما ضبط من أوراق وكتيبات تنادي بتغيير مبادئ الدستور أو قيم المجتمع غير صحيح، لأن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية يتفق مع ما نص عليه الدستور الذي جعل الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، ثم خلصت المحكمة بأن هذه الكتب قد خلت من قبل ذلك. هناك فرى كثيرة لابد أن يعني نعود إلى أصول محددة حتى نستطيع أن نتبين ما هو التطرف وما هو الاعتدال، وما هو المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية الذي هو متاح، والمحكمة.. المحكمة التي حاكمتنا سنة 81 قالت أن الشريعة الإسلامية غير مطبقة في مصر، وأن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية هو واجب كل مصري، سواء كان حاكماً أو محكوماً، وطالبت الدولة بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية قضاة مصر وشباب مصر..

مالك التريكي[مقاطعاً]: الآن.. الآن أستاذ.. أستاذ رشدي، الآن أنتم قبلتم.. قبلتم بالعمل.. الآن قبلتم بالعمل السياسي أو بالعمل الجمعياتي ربما الاجتماعي السلمي، وإذا كنتم ستسيرون على نفس النهج أي المطالبة بتطبيق الشريعة هنالك تخوف الآن من..مما سيحدث في المستقبل أنكم ربما ستصبحون جمعية دينية تابعة للدولة أو حتى متحدثة باسم الدولة في المجال الديني، ما رأيكم في ذلك؟

أسامة رشدي: هذا غير صحيح.. هذا غير صحيح ولا يمكن القبول به بحال من الأحوال عندما تفتح الأبواب يجب أن تفتح الأبواب للجميع. في مصر ما فيش أولاد عبيد وأولاد أسياد، فيه حقوق المواطنة وليست الدولة هي التي تحدد للشباب المسار الذي يسير فيه، الدولة عليها أن تهيئ السبل وتفتح الأبواب للعمل السلمي، ثم من أراد أن يعمل في السياسة يعمل في السياسة، ومن أراد أن يعمل في العمل الأهلي، ومن أراد أن يجلس في بيته، ومن أراد أن ينضم للحزب الوطني، هذا المنطق السليم يقول هذا، أما أن تقول لي والله أنت لا أن تعمل في هذا المجال أو في جمعية أو.. هذا طبعاً يعني شيء.. لأ نحن الآن نعاني من الدولة البوليسية في مصر، نحن الآن نريد أن نخرج من عنق الدولة البوليسية التي ضيقت على يعني كل سبل الحياة، وسدت كل بادرة أمل أمام الشباب، هذا هي المشكل الحقيقي..

مالك التريكي[مقاطعاً]: سيد.. سيد أسامة رشدي.. سيد أسامة رشيد أسف لقد أدركنا الوقت.. سيد أسامة رشدي آسف لقد أدركنا الوقت السيد أسامة رشدي (أحد القيادات للجماعة الإسلامية المصرية من أمستردام) شكراً جزيلاً لك.

عُمر مبادرة وقف العنف التي أعلنتها الجماعة الإسلامية يتجاوز خمسة أعوام، والصياغة الفكرية والتصويغ الشرعي لهذه المبادرة يعودان إلى أوائل هذا العام، ومع ذلك فإن السلطات المصرية لم تقرر التجاوب مع المبادرة إلا قبل حوالي أسبوعين، فهل يمكن لتوقيت هذا الاهتمام الإعلامي المكثف والترويج شبه الرسمي للمبادرة على أنها دعوة جادة أن يكون مجرد خطة؟

[فاصل إعلاني]

أسس الفكر الحركي للجماعة الإسلامية في مصر

مالك التريكي: تعود أهمية مبادرة وقف العنف التي أعلنتها الجماعة الإسلامية المصرية، واعتبار البعض لها بأنها تمثل منعطفاً تاريخياً في فكر الجماعة ونهجها الحركي، تعود أهمية هذه المبادرة إلى أن العنف الذي يسمي في أدبيات الجماعة جهاداً هو من المبادئ الأساسية لفكرها التنظمي ولفهمها الديني، بل إن العنف تحديداً هو ما يميزها عن عدد من الحركات الإسلامية الأخرى. ياسر أبو النصر يلقي نظرة على أسس الفكر الحركي للجماعة الإسلامية.

تقرير ياسر أبو النصر: في سياق حالة المد الأصولي الذي شهدته السبعينات في مصر تبلور تنظيم الجماعة الإسلامية كتيار متطرف يميل إلى الاختيارات المتشددة، وينزع إلى منطق التغيير بالقوة، فسرعان ما انفصلت الجماعة الإسلامية عن جسد الحركة الإسلامية المعلنة، و التحقت بتحالف من تنظيمات العمل المسلح وأهمها الجهاد في النصف الثاني من السبعينات، بعد إعلان السادات مبادرة السلام وزيارته للقدس، ثم تطور الأمر إلى اندماج كامل لكل هذه الفصائل في العام 1980 تحت عنوان "الجماعة الإسلامية" التي انعقد لواء قيادتها للشيخ عمر عبد الرحمن.

متحدث: ما هي الجماعة الإسلامية؟ هي تلك الجماعة التي يتقدم على رأسها الدكتور عمر عبد الرحمن (أستاذ علم التفسير بجامعة الأزهر فرع أسيوط) وهي تلك الجماعة التي قامت بقتل السادات بعد أن رفض شريعة الله.

ياسر أبو النصر: وشأن معظم حركات العنف الدينية المعاصرة كانت كتابات أبو الأعلي المودودي وسيد قطب هي المعين الأول الذي نهل منه منظروا الجماعة الإسلامية، واستمدوا من مفاهيم العزلة والحاكمية وجاهلية المجتمع التي تحدث عنها سيد قطب أساساً انبنى عليه فكرهم الإنقلابي الذي استوجب مناصبة الدولة العداء وإزاحة حكامها بالقوة لإحلال حكومة إسلامية مكانهم، واستباحة كل من وما يقف في وجه تلك الغاية، لكن سنوات السجن بعد اغتيال السادات حفلت بتفاعلات درامية على صعيد تلك الجماعات تفجر معها خلاف رئيسي حول مشروعية إمارة الشيخ الكفيف عمر عبد الرحمن ورغبة فصيل في استبداله بأحد قيادات الجماعة المسجونين، هذا الخلاف الذي اتخذ عنوان "إمارة الضرير أم إمارة الأسير" أفضى إلى طلاق الجماعة الإسلامية عن تنظيم الجهاد الذي تزعمه لاحقاً ايمن الظواهري، وراحت كل جماعة تُثخن المجتمع المصري بعمليات أشاعت الاضطراب ، وبلغت ذروتها خلال النصف الأول من التسعينات من نوع اغتيال رئيس مجلس الشعب السابق رفعت المحجوب أو محاولة اغتيال رئيس الوزراء السابق عاطف صدقي، وصولاً إلى محاولة اغتيال الرئيس المصري بعدها بعدة سنوات على يد الجماعة الإسلامية، فيما واصل تنظيم الجهاد سلسلة من الهجمات استهدفت مسؤولين بالدولة وسياحاً وأفراد شرطة في عمليات كثيراً ما أودت بحياة الأبرياء.

ارتكبت تلك العمليات استناداً لفتاوى ومرجعيات أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات التي طورها أفراد التنظيم وتضمنتها مؤلفات مثل "الفريضة الغائبة" لمحمد عبد السلام فرج، "ميثاق العمل الإسلامي" لك لمن ناجح إبراهيم وعاصم عبد الناجد وعصام درباله، "قتال الطائفة الممتنعة عن تحكيم شرع الله" لعاصم عبد الماجد وعصام دربالة أيضاً، "وحتمية المواجهة" لكرم زهدي. هؤلاء القادة التاريخيون للجماعة الإسلامية شباب السبعينات وشيوخ التسعينات، هم من يتزعمون الآن التوجه السلمي للجماعة الإسلامية بعد أن غيبتهم السجون أكثر من عشرين عاماً رافعين شعار مراجعة الفكر وتصحيح المفاهيم لذلك تجد مبادرتهم من يشكك في مصداقيتها

أحد المداخلين: بتقر الجماعة الإسلامية أن ما حدث طوال السنوات الـ 20 اللي فاتت كان جهاد بداية حدث به بعض الأخطاء، دا الخلاف الحقيقي، إن ما حدث لم يكن جهاداً على الإطلاق، دا كان إرهاب.

ياسر أبو النصر: ولكن يقابل ذلك تيار واسع يرى في الرؤى الجديدة للجماعة الإسلامية تحولات فكرية جادة، ولا سيما أن أبرز ما ركزت عليه أن القتال ممنوع شرعاً إذا أدى إلى الفتنة ولم يحقق مقاصده الشرعية، إلقاء النفس إلى التهلكة منهيٌ عنه شرعاً، العنف أدى إلى التضييق على الدعوة الإسلامية ورجالها، حرمة قتل المستأمنين مثل السياح، حرمة قتل النساء والأطفال والشيوخ.

قادة الجماعة الإسلامية تجاوزوا المراجعة الفكرية إلى الاعتذار للشعب المصري عن العمليات التي ارتكبت بحقه، بل والاستعداد لتقديم الدية للضحايا الأبرياء، في تطور اعتبره البعض علامة تاريخية يمكن أن تؤدي إلى منعطفات حاسمة في مسار الحركات الدينية المعاصرة.

أهمية التحول الفكري للجماعة ورد فعل السلطات المصرية

مالك التريكي: يمثل تحول الجماعة الإسلامية عن العنف إذن منعطفاً هاماً بالنظر إلى ما كان يمثله العنف من أهمية محورية في فكر الجماعة تنظميها في الفترة السابقة على عام 97.

ويقول الدكتور ضياء رشوان (خبير الحركات الإسلامية والباحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام) الذي هو معنا الآن من القاهرة، يقول إن مبادرة وقف العنف تمثل مدخلاً واسعاً لتحول جذري في طبيعة الجماعة الإسلامية من جماعة دينية عنيفة مغلقة إلى جماعة سياسية اجتماعية سلمية ذات برنامج إسلامي.

دكتور ضياء رشوان، مجلة "المصور" دعت الحكومة إلى التجاوب مع مبادرة إنهاء العنف، وقالت إن نجاح هذه المبادرة تأكيد لاستقرار مصر أمنها هل يصل التحول الفكري في أحد التنظيمات أياً كانت أهميتها إلى هذه الدرجة من الأهمية الوطنية حسب رأيك؟

د.ضياء رشوان: بالطبع يصل إلى هذه الدرجة إذا كنا ننظر إلى ما قامت به نفس هذه التنظميات في هذا البلد، لا ننسى أن الجماعة الإسلامية قامت هي وتنظيم الجهاد أو وجماعة الجهاد بارتكاب مجموعة واسعة وضخمة من أعمال العنف في مصر بدءاً من عام 1981 ثم اشتدت مرة أخرى بدءاً من عام 92 وحتى عام 97، وكانت بهذا المعنى هي الجماعة الأكبر الرئيسية، وفي بعض الأوقات الوحيدة التي تمارس هذه الأعمال العنيفة ضد المجتمع وضد الدولة في وقت واحد، ومن ثم فعندما تتحول هذه الجماعة من جماعة دينية مغلقة عنيفة تتبنى مفاهيماً خاطئة للجهاد إلى جماعة سياسية اجتماعية تحاول أن تبحث سواء الآن أو في المستقبل عن مكان لها في الساحة السياسية فلا شك أن هذا أمر مهم، تزداد أهمية هذا الأمر إذا نظرنا إلى مرجعية هذا الفكر القديم، مرجعية هذا الفكر أتت أيضاً من كتاب مصريين مهمين وفي أبرزهم سيد قطب. التحولات التي من الممكن أن تمر بها الجماعة الإسلامية المصرية في تقديري يمكن أن تمتد أيضاً إلى جماعات دينية مماثلة موجودة في بلدان عربية محيطة بمصر، ويمكن لها أن تفضي إلى تحولات أوسع على صعيد الحركات الإسلامية عموماً سواء في العالم العربي أو في العالم الإسلامي بشكل عام.

مالك التريكي: ولكن ألا تعتقد أن هنالك تناقض في موقف النظام من.. من المبادرة السلمية، لأن الترحيب.. الآن هنالك ترحيب رسمي أو شبه رسمي بتحول الجماعة عن العنف واختيارها الطريق السلمي، ولكن الجماعات الإسلامية الأخرى التي انتهجت الطريق السلمي من البداية مثل الإخوان المسلمين تشكوا لا من التضييق عليها، ولا مجال لها للتنافس كحزب سياسي، فليس لها رخصة قانونية.

د.ضياء رشوان: نعم.. نعم، ولكن هنا أريد أن ألفت الإنتباه إلى شيء محدد، أعتقد أن هناك بعض الخطأ قد وقع في التعامل التحليلي والإعلامي مع ما تم مؤخراً من اهتمام إعلامي بموضوع المبادرة، ما تم من اهتمام إعلامي يدخل في باب الاهتمام الأمني. ملف الجماعة الإسلامية لم يفتح بعد باعتباره ملفاً سياسياً، بمعنى أن الدولة الآن مهتمة بأن تثبت أن هناك استقراراً في مصر وأن هناك تحولاً حقيقياً مرت به جماعة العنف الأولى، وأن هذه الجماعة قد تحولت تماماً ونهائياً من العنف إلى اللا عنف، هذا ملف في مجمله ملفاً أميناً، أما الملف السياسي فهو يتعلق بمستقبل الجماعة، وما مستقبل الجماعة؟ مستقبل أيضاً، جماعات سياسية واجتماعية كثيرة أخرى في مصر من ضمنها جماعة الأخوان المسلمين، لا أعتقد حتى الآن أن ملف المستقبل أي الملف السياسي قد فتح بعد، وأظن أن التمهيد الآن عن طريق الملف الأمني لفتح ملف سياسي سوف يفضي في المستقبل القريب، -وربما في الأمد المتوسط- إلى ربما اختلافات حول شكل الجماعة في المستقبل، لا يجب أن ننظر إلى الترحيب الحالي على أنه مقدمة أو تمهيد لترحيب سياسي، الترحيب الحالي ترحيب أمني، وهو مشروع في ظل أهداف أي دولة تبحث عن الاستقرار، أما أن يتحول ذلك إلى ترحيب سياسي وتبني سياسي للجماعة الإسلامية باعتبارها حزباً سياسياً مفترضاً أو محتملاً أو حتى جمعية فهذا أحر في الحقيقة يحتاج إلى بعض التأني، لأن النظام السياسي المصري حتى الآن يعاني من بعض الاختناقات فيما يخص قوى سياسية غير دينية وأيضاً غير عنيفة قدمت أحزاباً ولم تقبل...

مالك التريكي[مقاطعاً]: إذن دكتور.. دكتور رشوان إذا.. إذا كان لابد من التأني، إذن مسألة التوقيت مسألة مهمة جداً، ومسألة التوقيت أثارت كثيراً من الأسئلة، لأن ما يبدو من ترحيب، ولو لم يكن سياسياً ولو كان مجرد ترحيب بإنهاء مشكلة أمنية من السلطات المصرية بمبادرة إنهاء العنف يأتي من مصر في وقت تقوم به تقوم فيه الولايات المتحدة بشن حرب شعواء إعلامية وأمنية وسياسية ضد الإرهاب، وقد أدرجت الجماعة الإسلامية على قوائم الإرهاب، أليس هنالك نوعٌ من التناقض خاصة أن.. أن مصر من الدول التي أعلنت هي أيضاً أنها تحارب الإرهاب.

د.ضياء رشوان: من حيث المبدأ لا أظن أن هناك تناقض، بمعني أولوية الولايات المتحدة الأميركية الآن هي أولوية أيضاً أمنية، ولكن على صعيد عالمي هي أولوية الاستقرار والقضاء على ما تسميه الإرهاب. أولوية الدولة المصرية الآن في التعامل مع الجماعة الإسلامية أيضاً أولوية أمنية، وهي تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الداخلي في مصر، إذن من حيث المضمون لا يوجد تناقض بين الأولويات، ولكن التناقض يبدو عندما تُبلغ الحكومة المصرية أو تشعر بأن الولايات المتحدة الأميركية قد بدأت في محاولة إدراك أو دمج بعض التنظيمات المصرية التي تعتقد الدولة المصرية أنها قد توقفت نهائياً عن العنف مثل الجماعة الإسلامية تحاول إدراجها فيما يسمى بتنظيم القاعدة الذي يقوده أسامة بن لادن العدو اللدود للولايات المتحدة، عندما تشعر الدولة المصرية بهذا يبدأ التناقض بين المصالح الأمنية أو الاستقرار، مصر وتريد أن تستجيب لهذه الضغوط وهذه الدعاية الأميركية التي تعتقد أنها غير صحيحة. الولايات المتحدة الأميركية عبر وسائل الإعلام أو بعض قنواتها تصر على أن الإسلاميين المصريين متورطون في بعض نشاطات العنف، وبالتالي هذا التناقض يأتي في المصالح، ولكن في المضمون لا أعتقد أن هناك خلاف كبير على أولوية الاستقرار ما بين السياسة المصرية..

مالك التريكي: دكتور.. دكتور ضياء رشوان.. دكتور ضياء رشوان (خبير الحركات الإسلامية بمركز الأهرام) شكراً جزيلاً لك. وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.