مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

سالم مشكور: باحث متخصص في الشؤون الإيرانية
مايكل إميرسون: المركز الأوروبي للدراسات السياسية

تاريخ الحلقة:

15/12/2002

- التحركات الطلابية الأخيرة ومكانتها في المعادلة السياسية في إيران
- تداعيات التحركات الطلابية على الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين

- رؤية الغرب للاحتقان السياسي والتطورات في إيران

محمد كريشان: احتقان سياسي في إيران مع اشتداد عض الأصابع بين الإصلاحيين والمحافظين، تساؤلات حول احتمال تحول الاحتجاجات الطلابية إلى اضطرابات وانزلاقها نحو الفوضى والعنف كما حدث صيف 99.

السلام عليكم. مرة أخرى تشتد حدة الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، وكما هو الحال في أغلب الحالات كانت الأحكام القضائية هي الشرارة التي أشعلت لهيب هذا الصراع ودفعت بأنصار الجانبين إلى المواجهة في الشوارع وتحت قبة البرلمان، ولا يتردد البعض الآن في النظر إلى طلبة الجامعات الإيرانية كقوة ثالثة في البلاد قد تدفع في اتجاه لحظة الحقيقة والحسم بين قطبي الصراع في البلاد، وإن كانت حركة الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها إيران منذ التاسع من الشهر الماضي والمستمرة بوتيرة متفاوتة في جامعة طهران وجامعات أخرى هي بالأساس للاحتجاج على حكم الإعدام الصادر في حق الكاتب والأستاذ الجامعي (هاشم أغاجاري) إلا أنها تجاوزت بذلك بكثير تجاوزته ورفعت شعارات تطالب بالإفراج عن سجناء الرأي ومحاربة الفساد، بل وطالبت بما هو أكبر من ذلك: استقالة الرئيس محمد خاتمي وكبار قادة النظام وإجراء استفتاء عام لتحديد شكل المستقبل السياسي للبلاد، المهم هنا أن لا أحد بمقدوره أن يجزم اليوم ما إذا كانت الاحتجاجات الطلابية ستظل حبيسة الحرم الجامعي أم أنها قد تكسر القيود المفروضة عليها لتعم -ولو في وقت لاحق- شوارع طهران وغيرها من المدن الإيرانية في وقت لم تغب فيه عن الأذهان المصادمات العنيفة لعام 1999.

محمد حسن البحراني يرصد في هذا التقرير التحركات الطلابية الأخيرة في إيران ومكانتها في المعادلة السياسية العامة في البلاد.

التحركات الطلابية الأخيرة ومكانتها في المعادلة السياسية في إيران

تقرير/ محمد حسن البحراني: مرة أخرى يحتل طلبة الجامعات صدارة الأحداث في الساحة الإيرانية ليؤكدوا أنهم رقم يستحق التوقف عنده طويلاً لمن يريد تحليل تطورات الأوضاع الداخلية في إيران، وإذا كانت شرارة التحرك الطلابي في صيف عام 99 قد فجرها قرار قضائي بإغلاق صحيفة "سلام" الموالية للرئيس خاتمي فإن التحرك الطلابي الأخير انطلق نتيجة حكم أصدرته محكمة في مدينة (همذان) الشهر الماضي قضى بإعدام الأستاذ الجامعي (هاشم أغاجاري) بسبب خطبة كان ألقاها قبل ذلك في عدد من الطلبة الجامعيين وأثارت جدلاً واسعاً بين الأوساط الإصلاحية والمحافظة لما تضمنته من آراء تتعلق بالفكر الديني، ورغم أن أغاجاري اعتذر فيما بعد عن بعض ما ورد في آرائه تلك إلا أنها أثارت غضب المحافظين، بينما نظر إليها بعض الإصلاحيين على أنها لا تخرج عن إطار الدعوات التجديدية.

طالبة جامعية إيرانية: كانت مجرد آراء ووجهات نظر لأستاذ جامعي، وحتى وإن كانت هذه الآراء لا تنسجم مع معتقدات الشعب، فإنها لا تستدعي إصدار مثل هذا الحكم غير المنطقي الذي ألحق ضرراً كبيراً بالبلاد وعكس إصرار القضاء على إثارة المشاكل الداخلية.

طالب جامعي من التيار الإصلاحي: هذا الحكم يهدف إلى تقييد حرية الرأي الذي يقره القانون والدستور، لذلك فإنه يمثل انتهاكاً للدستور، ولابد أن ينقض، ولا ينبغي أن تتكرر مثل هذه الأحكام لأنها لا تليق بإيران.

محمد حسن البحراني: لكن التضامن الطلابي هذا مع (أغاجاري) ليس بلا حدود لأن هناك من الطلبة الجامعيين من يعتقد بأنه قد تجاوز حدود النقد الأكاديمي ليمسَّ معتقدات الشعب وأسس النظام الحاكم.

طالب جامعي من التيار المحافظ: إنه وجه إهانات صريحة للإسلام، وأنا أعتقد أن بعض القوى الداخلية المريضة والمنافقة التي وصلت إلى طريق مسدود تريد من خلال إثارة فتنة داخلية الانتقام من النظام الإسلامي للوصول إلى غايتها السياسية.

طالبة جامعية من التيار المحافظ: أغاجاري وجه إساءة صريحة للمرجعية الدينية، و الذين يعبرون عن تضامنهم معه لا يهمهم مصير أغاجاري بقدر ما يهمهم سوق الجامعات إلى مواقع لإثارة الفتنة وساحات لألاعيبهم السياسية، لكننا لن نسمح بذلك.

محمد حسن البحراني: الجميع هنا يعلم أن الأزمة الأخيرة اندلعت إثر حكم قضائي اعتبره الكثيرون غير عادل أو مبالغاً فيه على الأقل، والجميع يعلم أيضاً أن كبار أركان النظام بمن فيهم المرشد والرئيس طالبوا بإعادة النظر في الحكم، لكن رغم ذلك فالأزمة لم تسوَّى بعد وكأن هناك من لا يريد للأمور أن تهدأ دون أن يثبت أنه الأقوى في الساحة.

وكان من نتائج إطالة أمد الأزمة الطلابية وعدم حلها جذرياً انتقالها إلى داخل البرلمان وتجديد النزاع القائم أصلاً بين أجنحة الحكم، بلغ الأمر أن بعض النواب بدأ يشكك في مشروعية النظام، بينما راح بعض القوى الطلابية الراديكالية المحسوبة على التيار الإصلاحي لا تتردد في طرح مواقف تتجاوز قضية أغاجاري لتوجه انتقادات صريحة لحكومة الرئيس خاتمي وتحملها مسؤولية تفاقم الأزمة.

علي محمودي (ناشط في الحركة الطلابية): ارتكبت حكومة الرئيس خاتمي أخطاءً فادحة بقبولها مهادنة القوى المحافظة واتباعها لسياسة ازدواجية شجعت المحافظين على زيادة ضغوطهم على الحركة الطلابية والإصلاحية، ونرى أن الأمور إذا ما بقيت على حالها فسيكون من الأنسب لخاتمي التنحي عن الحكم.

محمد حسن البحراني: لكن آخر استطلاع للرأي أظهر أن أصحاب هذه المواقف والدعوات يمثلون القلة وأن الرئيس خاتمي مازال يحظى بتأييد غالبية الإيرانيين وإن كانت نسبة التأييد قد انخفضت بعض الشيء، وهناك من يرى أن الأزمة الداخلية الحالية ورغم ما أسفرت عنه من أضرار جانبية إلا أنها ستكون قابلة للحل إذا ما تم التعامل معها بعيداً عن المصالح الحزبية لجناحي الحكم.

صالح نيكبخت (محامي الدفاع عن أغاجاري): أعتقد أن هناك أيادي تحاول إدامة الأزمة لأغراض سياسية، وهذه أسباب إطالتها، لكنني متفائل من أن القضية ستحل خلال الشهرين القادمين بنقض الحكم السابق كلياً، وكما أرى فإنه وبعد اعتذار أغاجاري لم يعد هناك أي مبرر لصدور أي حكم ضده.

محمد حسن البحراني: والواضح أن دخول المرشد على خط الأحداث الأخيرة ودعوته شريحة الطلبة والشباب إلى الحذر ممن وصفهم بالأعداء والمفسدين يشير إلى قناعة قادة النظام الحاكم بضرورة التعاون مع هذه الأحداث بما تستحقه من اهتمام، ويرى العديد من المراقبين أن جناحي الحكم الإصلاحي والمحافظ لن يكون أمامهما من خيار آخر سوى القبول بالتعددية السياسية إذا ما أرادا معالجة الآثار الناجمة عن الاضطرابات الطلابية وما تركته من استحقاقات جانبية، ويؤكد هؤلاء أن أية محاولة من أحدهما لإقصاء الآخر سيعني مواجهة إيران لكل الاحتمالات والعواقب.

تداعيات التحركات الطلابية على الصراع بين المحافظين والإصلاحيين

محمد كريشان: المحافظون والإصلاحيون إذن ليس أمامهم من خيار سوى القبول بالتعددية السياسية لمعالجة الآثار الجانبية الناجمة عن الأزمة الأخيرة تفادياً لأي عواقب قد تنتج عن محاولة إقصاء طرف للآخر. لمناقشة أبعاد الأحداث الأخيرة في إيران معنا من بيروت الكاتب الصحفي سالم مشكور (وهو باحث متخصص في الشؤون الإيرانية). السيد مشكور، هل التحركات الطلابية الأخيرة قادرة على تسريع ساعة الحسم بين الإصلاحيين والمحافظين؟

سالم مشكور: يعني هي إما أن تكون قادرة على حسم الصراع إذا ما لقيت تجاوباً من قبل الأطراف الأخرى المعنية، خاصة من قبل من يعرفون بالمحافظين، لكن هناك خوف من أن تؤدي فعلاً إلى.. إلى انفلات الأوضاع أكثر وحتى يعني لا تصب حتى في مصلحة الإصلاحيين أو تيار خاتمي أو ما يعرف بتيار (......) لأن الخط الطلابي -كما هو معروف- كان دائماً له دور حاسم حتى في أحداث الثورة الإسلامية في إيران عام 79، الطلاب كان لهم دور حاسم، الطلاب.. طلاب الجامعات كان لهم.. كانوا دائماً عامل مهم في الأحداث المهمة.. الأحداث السياسية الكبرى في إيران. خلال.. منذ عام 97 ولحد الآن تجلَّى أو برز موقفهم ودورهم بشكل أكبر عام 99 الانفجار الذي حدث في الجامعة والأحداث التي استتبعته كادت أو هددت بعواقب وخيمة، حتى على التيار الإصلاحي، لكن تم تلافي الأمر لم يتم.. لم تتم معالجة الأمر بالشكل المطلوب -كما يبدو- مما أبقى الوضع ناراً تحت الرماد، ما يحدث الآن في الجامعات الإيرانية هو انعكاس.. انعكاس واضح وصريح لما.. لما يجري في الساحة السياسية الإيرانية عموماً، ولكن بشكل أكثر، صارخ أكثر وواضح أكثر ويأخذ بعداً.. بعداً عنفياً ربما أكثر، يعني كون الطلاب..

محمد كريشان[مقاطعاً]: يعني هل.. يعني -عفواً- هل التجرؤ على شخصية مرشد الثورة (آية الله علي خامنئي) والتشكيك في أهليته السياسية وكذلك الدينية، بداية هذا المنحى نحو الانفلات كما تشير إليه مثلاً؟

سالم مشكور: يعني هذا الشيء حدث نفسه في أحداث 99 في جامعة طهران، لكن..

محمد كريشان[مقاطعاً]: ولكن يعني.. عفواً ممكن المرة هذه العنصر الإضافي هو أن هناك نائب في البرلمان أشار إلى نفس التوجه وهو (رجب علي مزروعي) وكذلك في رسالة شهيرة (لقاسم شعلة سعدي) وهو نائب سابق من الإصلاحيين شككوا أيضاً في أهلية المرشد، وهنا الالتقاء بين الطلابي والسياسي.

سالم مشكور: ولهذا.. ولهذا فالأحداث الأحداث الحالية تستدعي.. تستدعي معالجة أكثر موضوعية وأكثر هدوءاً وليس بإجراءات صارمة ورادعة كما حدث من قبل حتى الآن. خاصة عندما يتم تحريك القضاء باتجاههم، الموضوع يحتاج إلى معالجة جذرية لئلا تتحول هذه الحركة لئلا تتجاوز حتى خاتمي، هناك حركة.. هناك تيار الآن يدعو إلى تجاوز خاتمي. تيار يقول أن خاتمي ليِّن أكثر من اللازم ولا يمكنه أن يفعل شيء، ومادام هكذا فإنه سهل الكسر دائماً وبالتالي لن يستطيع أن يفعل شيء مادام يمارس سياسة لينة أو يستخدم سياسة لينة مقابل إجراءات ردعية صارمة من قبل التيار الآخر، هناك خطر حتى..

محمد كريشان[مقاطعاً]: يعني عفواً.. عفواً على ذكر.. على ذكر هذه الإشارة إلى الرئيس خاتمي هناك من المحللين من لا يستبعد أن يلتقي على الحركة الطلابية من يُسمون بالإصلاحيون الرسميون وكذلك المحافظون، نظراً لتجاوزها هذه الخطوط هل هذا وارد برأيك؟

سالم مشكور: بالضبط يعني هناك أصوات خرجت من داخل التيار الإصلاحي تدعو إلى.. إلى معالجة الموضوع، يعني إلى التهدئة حتى هم الإصلاحيون المعتدلون أخذوا.. أخذوا.. يعني مارسوا عملية تهدئة واجتماعات تتم بشكل مستمر وتحذير من أن هذه الحركة ربما لم تكن في صالحهم، على الأقل قد تؤدي أو تعطي ذريعة بيد التيار الآخر إلى أن.. إلى أن يُعلن أحكام عرفية كما يقول الإصلاحيون طبعاً، وبالتالي تتم مصادرة يعني إلغاء حتى منصب رئيس الجمهورية، هناك حديث ومخاوف حتى من إلغاء منصب رئيس الجمهورية وبالتالي تعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً ويخسر الإصلاحيون.. طبعاً الإجراءات التي يُحذر منها ربما تشمل حل البرلمان، هكذا يقول الإصلاحيون طبعاً، وبالتالي سوف.. سوف يعني سوف ينتهي كل وجود الإصلاحيين ويعود الأمر كله تقريباً بيد التيار الآخر.

محمد كريشان: من بين الشعارات المرفوعة في أوساط الطلبة هو موضوع الاستفتاء على مستقبل النظام السياسي في البلاد بشكل عام، هل تعتقد بأن ممكن هذا هو الموعد الذي يُفترض أن يحسم بشكل واضح للجدل الحالي؟

سالم مشكور: لا أعتقد أن الوضع الآن يسمح بإجراء مثل هذا الاستفتاء على الأقل خلال.. خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة، يعني نحن. نحن نعرف أن هناك مخاوف حقيقة في إيران من أن تنعكس الأحداث المحتملة في العراق، العمليات العسكرية الأميركية في العراق ربما تنعكس سلباً على الواقع.. الوضع الإيراني الداخلي، الوضع داخل إيران يحتاج إلى تهدئة في هذه المرحلة مع عدم إغفال القيام بخطوات حقيقية وجذرية لمعالجة الموضوع، يعني كان لحد الآن كان يُقال بأن الخلاف هو صحي ودليل على التعددية ودليل على الحرية، هذا صحيح لكن عندما يصل إلى مرحلة يشكل معها خطر على كلا التيارين، وعلى وجود النظام نفسه.. على وجود البلد نفسه يصبح محتماً ولزاماً على كلا.. كلا التيارين أن يركن إلى إجراءات حقيقية موضوعية بعيدة عن منطق الاستقواء، منطق الاستحواذ على مناصب ومراكز القوى.

محمد كريشان: نعم، هذا الاحتمال الذي تشير إليه يراه البعض إذا ما اندلعت الحرب ضد العراق وليس الآن بالضرورة.

سالم مشكور: أي.. أي احتمال؟

محمد كريشان: يعني احتمال التهدئة هو فيما إذا اندلعت حرب ضد العراق قد يلجأ.. تلجأ الأطراف إلى التهدئة الداخلية في إيران، ولكن طالما الوضع هو على ما هو عليه الآن، فالأمر مرشح للتصعيد؟

سالم مشكور: يعني لماذا.. لماذا الانتظار؟ عادة هناك خطر يتهدد البلد، لا أرى من الضرورة أن يقع الخطر حتى يتم توحيد الساحة الداخلية، ربما توحيد الساحة الداخلية قبل وقوع الخطر يقي إيران يقي أي بلد تحدث في.. فيه مثل هذه الأمور يقيهم من عواقب هكذا.. هكذا أحداث وهكذا ضربة، وإلا الانتظار.. انتظار تلقي الضربات وتلقي آثار مثل هذه الأحداث، وبالتالي يتم توحيد الساحة الداخلية التوحيد يتم كإجراء وقائي منذ الآن والغريب أن.. أن مع.. مع ازدياد المخاطر مع ازدياد إعلان الإيرانيين عن مخاطر تتهددهم تصاعدت الأحداث في الساحة الداخلية، تصاعدت إجراءاتها ضد التيار الآخر وبالتالي تصاعد الوضع بشكل عام.

محمد كريشان: هناك قانونان تبناهما مجلس النواب الإيراني في نوفمبر الماضي، وتم رفعهما إلى مجلس صيانة الدستور، الأول يتعلق بتوسيع صلاحيات الرئيس خاتمي، والثاني يتعلق بالحد من صلاحيات مجلس صيانة الدستور، فيما يتعلق بغربلة المرشحين للانتخابات. محمد رضا خاتمي يعتبر بأن هذا هو آخر فرصة لحلحلة الوضع -حسب تعبيره- هل تعتقد بأن فعلاً تبني القانونين هو آخر فرصة أمام إيران؟

سالم مشكور: لا أدري إذا كانت آخر فرصة أو لا، يبقى هناك في السياسة مرونة، وفي السياسة محاولات ومحاولات، لكن إقرار هذين القانونين بالتأكيد سيحلحل الوضع، بالتأكيد سيفرج الوضع، لكن من الصعب تصور أن هذين القانونين سيمران، لأن لو تمت المصادقة عليهما، ومرَّا من.. من قِبَل.. من قناة مجلس صيانة الدستور فإن.. فإن ذلك سيفتح باباً واسعة أمام التيار الإصلاحي، أمام الرئيس خاتمي لترسيخ قوته، ولترسيخ قوة التيار بشكل عام، ولا أعتقد أن الخصوم.. خصوم هذا التيار من السهل أن يقدِّموا مثل هذا العطاء للإصلاحيين.

محمد كريشان: نعم، مرشد الثورة هدد باللجوء إلى الشارع، ورد عليه بعض النواب بأنهم أيضاً بإمكانهم أن يلجئوا إلى الشارع، هل مرحلة جر الشارع الإيراني مرحلة واردة بعد هذا الانفجار في الجامعات؟

سالم مشكور: يعني هناك خط دائماً متشدد في داخل التيار الإصلاحي كان يهدد دائماً ويتحدث عن جر الشارع وإشراك الشارع، أنا أعتقد أن جر هذه الخلافات إلى الشارع هو يحمل مخاطر كبيرة لإيران، سواءً كان في هذه المرحلة، أو في مراحل أخرى، لأن.. لنتصور أن مجابهات في الشوارع تحدث بين الإيرانيين، يعني هناك.. هناك ملايين، يعني إحنا نتحدث عن إيران، لسنا نتحدث عن دولة.. عن بلد فيه 500 ألف أو مليون شخص، هناك 60 مليون، لو نزل منهم 10 ملايين إلى الشوارع ما الذي سيحدث؟ لنتخيل.

لا أعتقد أن العقلاء في كلا التياران ربما.. يعني يسمحون بأن تصل الأمور إلى هذا الحد، لو وصلت الأمور إلى هذا الحد فعلاً ستكون هناك كارثة، سنكون أمام أحداث أخرى كالتي حدثت عام 79 في إيران.

محمد كريشان: سيد سالم مشكور، شكراً جزيلاً لك.

بعد الفاصل: انعكاسات الاحتقان السياسي في إيران على سمعة الجمهورية الإسلامية في الخارج، وكيف ينظر الغرب إلى التطورات السياسية هناك.

[فاصل إعلاني]

رؤية الغرب للاحتقان السياسي والتطورات في إيران

محمد كريشان: لم يكن من المستغرب أن تعرب واشنطن ولندن عن دعمهما المطلق للحركة الاحتجاجية التي يقودها الطلبة في إيران، والدعوة.. دعوة السلطات الإيرانية للإصغاء لمطالب الشعب المتعطش للتغيير كما يقول، لكن المثير أن الاتحاد الأوروبي الذي تحتفظ معظم دُوَله بعلاقة جيدة مع إيران ربط توقيع اتفاقٍ للتجارة والتعاون بين الجانبين، بما وصفه احترام طهران لحقوق الإنسان والديمقراطية، ومكافحة الإرهاب.

لمناقشة هذا الموضوع معنا من بروكسيل مايكل إميرسون وهو (باحث في المركز الأوروبي للدراسات السياسية، والمختص في الشؤون الإيرانية).

سيد إميرسون، ورقة الاتفاق التجاري مع إيران، والتي يمسك بها الآن الاتحاد الأوروبي، إلى أي مدى يمكن أن تكون عامل دعم للتغيير في إيران، أو عامل عرقلة؟

مايكل إميرسون: إنه.. في حسب رأيي إنه أمر مهم، وأعتقد أن الشعب في إيران وفي منطقة الخليج الذين يراقبون الأحداث المهمة واحتجاجات الطلبة في إيران عليهم أيضاً أن ينتبهوا ويلاحظوا حادثتين مهمتين بالنسبة لإيران في بروكسل حدثت في هذا الأسبوع.

أولاهما: كانت افتتاح أول جولة مفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وإيران، من أجل توسيع العلاقات التجارية مستقبلاً، والتوصل إلى اتفاقيات حوار سياسي.

الثاني: حدث في كوبنهاجن قبل أيام عندما لم يتفق الاتحاد الأوروبي فقط بقبول أعضاء عشرة جدد، ولكنه توصل إلى اتفاق مع تركيا جارتكم في المنطقة إنه في عام 2004 سيكون هناك تفعيل للمفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي لأجل التوصل إلى قبولٍ كاملٍ لعضوية كامل.. تركيا في الاتحاد بعد سنوات، ولكن ما تعنيه هذه الخطوة، وهذه حقيقة هي مسألة مهمة وحادثة مهمة جداً بالنسبة لإيران والاتحاد الأوروبي إنه للمرة الأولى نحن نرى هناك في الأفق السياسي توسيعاً للاتحاد الأوروبي وإيران، بحيث يصبحا جارتين حقيقة، هذا يعني اهتماماً متصاعداً ومتزايداً من قبل الجانب الأوروبي بتطور الأحداث السياسية في إيران نفسها، وأنا آمُل أيضاً أن يؤدي ذلك إلى أن الرأي العام في إيران والمسؤولين في إيران سوف يقدرون ويثمِّنون أهمية هذه الأحداث بأنفسهم.

محمد كريشان: ولكن سيد إميرسون، أنت تعلم جيداً بأن الرأي العام في إيران وكذلك السلطة هناك حساسية مفرطة لأي عامل تدخل خارجي، هل برأيك هذا عنصر يجب أخذه في الاعتبار؟

مايكل إميرسون: أعتقد أنه بالنسبة للجانب الأوروبي هناك فهمٌ واضحٌ لمدى الحساسيات.. لهذه الأعمال -كما أسميها- وهي الحوار بين الاتحاد الأوروبي، وأيضاً شراكته، وتوسيع حجم عضويته، وأيضاً مسألة ضم قضايا احترام حقوق الإنسان، وما يثيره ذلك من اهتمام في الاتحاد الأوروبي والوصول إلى تحقيق هذا التقدم بشكل واضح وتقدمي، وباتجاه مجتمعات أكثر ديمقراطية. إن هذا ليس من طابع الاتحاد الأوروبي أن يفرض أي شيء، ولكنه يميل إلى الحوار كوسيلة، فالاتحاد وإيران أيضاً لديهما اهتمامات ومصالح سياسية وأمنية واقتصادية، ومن أجل تعميق علاقاتهما المشتركة، وبالنسبة للجانب الإيراني فهو يرى في الاتحاد الأوروبي أولاً شريكاً تجارياً كبيراً، شريك أكثر تفهماً ومن الولايات المتحدة، إذن فالاتحاد الأوروبي لديه شيء مهم يقدمه لإيران والاتحاد أيضاً من جانبه سوف يسعى إلى تغيير في.. في الظروف السياسية في إيران يجعل منها جاراً يسهل التعامل معه.

محمد كريشان: نعم، فعلاً هو الاتحاد الأوروبي هو الشريك الأول لإيران في المبادلات التجارية أكثر من ثلاثة عشر مليار دولار، هل هذا الحجم المهم يتأثر بالوضع الداخلي في إيران وهذا الصراع التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين؟

مايكل إميرسون: نعم، ربما هناك إمكانية في ذلك لو أن الاتفاق التجاري هذا تم إبرامه، وتمت المصادقة عليه وتفعيله، ودخل حيز التطبيق، فهذا لن يؤثر فقط في إيران، بل يؤثر في جانب اجتذاب الاستثمار الخارجي الأوروبي داخل إيران، وهذا سيدفع النمو.. التنمية الاقتصادية الإيرانية، ولو.. ولكن لو كانت هناك فوضى وأمور وتدخل قوي وفعلي وقمع سياسي قاسي من قبل السلطة ضد الحركات الطلابية هذه، وضد الناس الذين ينتقدون المعسكر المحافظ، فإن هذه احتمالات كلها قد تتأثر، ويجعل من الشك نجاح التطورات الإيجابية، ولو أخذنا بعين الاعتبار إن المفاوضات التي بدأت للتو فإن الاتحاد الأوروبي ربما سيقول: دعونا نرى ما يحدث على مدى ثلاثة أشهر، ليس ما يحدث غداً أو بعد غد، بل ثلاثة أشهر، وهل أن الشريك الإيراني سيتعامل مع قضاياه بطريقة تجعلها متجانسة ومتناسبة مع روحية القرار التي نسعى إلى التفاوض بشأنها أم لا.

محمد كريشان: إيران ستشهد العام المقبل انتخابات بلدية، 2004 انتخابات برلمانية، 2005 انتخابات رئاسية، هل هذه هي المحطات التي ستجعل الاتحاد الأوروبي يحسم هذه المعادلة التي يبنيها في تعامله مع طهران؟

مايكل إميرسون: نعم، بالطبع فالاتحاد الأوروبي يحترم القيادة الإيرانية والحكومة التي.. وأي حكومة تأتي إلى الحكم عن طريق الانتخابات طبعاً أي سياسات، سوف تتبعها الحكومة داخلياً وخارجياً، هذا أمر يُعنى به الاتحاد الأوروبي، وبطبيعة الأمور فإن في منطقة الشرق الأوسط بشكل أوسع والمنطقة الأوروبية بشكل أوسع هناك تداخل وتقاطع في المصالح، مصلحة الاتحاد الأوروبي واهتمامه في حوار سياسي ليس فقط من باب التجارة الدولية والخارجية وغيرها، ولكن الاتحاد الأوروبي معني تماماً وبعمق في تطور المجتمعات في البلدان المجاورة لنا.

محمد كريشان: إيران في نظر الولايات المتحدة هي أحد أضلاع مثلث محور الشر والاتحاد الأوروبي يؤمن بضرورة الحوار النقدي مع إيران، برأيك أي التوجهين الآن أثبت نجاعته على الصعيد الدولي؟

مايكل إميرسون: أنا أوروبي، وأنا هنا في بروكسل، وأنا قريب من صُنَّاع القرار الأوروبيين، وأنا شخص مستقل، ولكن لو تحدثت بصراحة، نحن نعتقد إن الذي يكتب خطابات الرئيس (بوش) والذي ضَمَّن جملة محور الشر هذه كان ميَّالاً إلى الغباء، لأن هذا أمر غبي يدعو إلى الفرقة والسجال، وهو على أية حال أمر يؤسف له، ويؤدي إلى تعميق المشاعر، فطبعاً لو عُمِّقت المشاعر أكثر فهذا أسوأ طبعاً، ونحن نقول إن بإمكاننا ربما أن نقنع حلفاءنا الأميركيين من أنه ومن حيث الأساس عليهم أن يفكروا بتغيير، ليس فقط كلماتهم وخطبهم ولغتهم السياسية، ولكن سياساتهم أيضاً تجاه إيران، فالولايات المتحدة لو اقتربت مما يحاول الاتحاد الأوروبي أن يفعله مع إيران سيكون أفضل، فالاتحاد الأوروبي من جهته لا يريد أن يتخذ مواقف ليِّنة أبداً على الإطلاق، بل.. لكننا نستبعد هذا الخطاب الاستفزازي الغبي، إذاً أقل ما نفكر به هو الأفضل في هذا المجال.

محمد كريشان: سيد مايكل إميرسون (الباحث في المركز الأوروبي للدراسات السياسية)، شكراً جزيلاً لك من بروكسل.

وبهذا -مشاهدينا- نصل إلى نهاية حلقتنا اليوم من (قضايا الساعة)، وقد خصصناها للأوضاع في إيران في ضوء التحركات الطلابية وتداعياتها على صعيد الساحة السياسية في إيران، وخاصة هذا الصراع التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين، والذي يراه البعض دخل مرحلة تكسير العظام، أكثر منها عملية عض الأصابع، إلى اللقاء.