مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: --
تاريخ الحلقة: 18/04/2002




- تراجع الدور الأوروبي في النزاع العربي الإسرائيلي

- أسباب قطع بلجيكا علاقاتها مع إسرائيل في ظل الإحجام الأوروبي

مالك التريكي

مالك التريكي: الاتحاد الأوروبي يُعلن، أو بل يعدل عن فكرة فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل ويتجاوز عن إهانات (شارون) صفحاً وحلماً لا لشيء إلا لتجنب عرقلة الدور الأميركي، فهل أن الاتحاد الأوروبي يحس بعقدة الأقرباء الفقراء الذين لا يُعتد بهم في مسائل الجد السياسي وبين سمعة الجيران الأغنياء الذين يقتنعون بدور بيت المال في المجال التنموي؟

تراجع الدور الأوروبي في النزاع العربي الإسرائيلي

أهلاً بكم، بعد أيامٍ من أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرَّض السفير الفرنسي في إسرائيل لوابل من الانتقادات التي بلغت حد اتهامه بالعنصرية لمجرد أنه نبَّه إلى أن التصريحات التي صدرت عن المسؤولين الإسرائيليين آنذاك كانت تصريحاتٍ لا مسؤولة، لأنهم سارعوا بلهفة واضحة إلى المقارن بين ياسر عرفات وأسامة بن لادن، والمقارنة بين الهجمات ضد أميركا وبين العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعندما حشدت أميركا التأييد لحملتها ضد أفغانستان طلع شارون بما عُهد فيه من إتقان لأصول السياسة والكياسة فأنذر الولايات المتحدة قائلاً: لا تحاولوا مهادنة العرب واسترضاءهم على حسابنا، ولا يخفى هنا أن شارون قد قصد استخدام عبارة المهادنة أو الاسترضاء التي ترتبط في الضمير الغربي بالفترة التي مهدت لاندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث اتبعت أوروبا وفي مقدمها بريطانيا سياسة إزاء (هتلر) وُصفت بأنها مهادنة واسترضائية، ويبدو أن هذه الذهنية الإسرائيلية لا تزال حتى الآن العامل الحاسم في تحديد حجم الدور الأوروبي في النزاع العربي الإسرائيلي، وقد كان من أحدث تجليات هذه الذهنية أن إسرائيل أصدرت الأمر قبل أيام لدباباتها –التي تحاصر مقر ياسر عرفات في رام الله- بالانزياح قليلاً لتمكين المبعوث الأميركي (أنتوني زيني) من زيارته، ولكنها ردَّت الوفد الأوروبي على أعقابه رغم أنه كان على رأس الوفد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي (خافير سولانا) ووزير خارجية إسبانيا (جوزي بيكن)، واكتفى سولانا بعدئذٍ بالقول إن هذا التصرف خطأ سياسي ترتكبه إسرائيل عدا عن أنه إهانة لأوروبا، انتهى الاقتباس.

وهكذا بلغ الدور الأوروبي في النزاع العربي الإسرائيلي حد القبول بالإهانة، مزيد.. مزيد من.. من التفاصيل مع ياسر أبو النصر في هذا التقرير.

تقرير/ ياسر أبو النصر: أسمع جعجعة ولا أرى ضحكاً، مثل يختزل إلى حد كبير حصاد جهود أوروبية التي تسارع إيقاعها مع دخول المنطقة ذلك النفق المظلم، تحرُّكات متعددة، زيارات جماعية وفردية لمسؤولين أوروبيين، مبعوث دائم يذرع المنطقة جيئة وذهاباً، لكن المحصلة تساوي صفراً في نظر كثير من المراقبين، المشهد الأخير يلخص المعادلة.

شارع أوروبي يشتعل غضباً مما يحدث في الأراضي الفلسطينية، ووجد غضبه صدى في برلمان أوروبي صوَّت لصالح قرار بتعليق اتفاق الشراكة مع إسرائيل التي تتمتع بمقتضاها بشروط تجارة تفضيلية، لكن اتساع الهوة بين المواقف الرسمية والشعبية لم يعد حكراً على الدول النامية، فعندما يتعلق الأمر بإسرائيل الكل في الهم شراك، وسرعان ما توارى الحديث عن عقاب إسرائيل مع ظهور (كولن باول) في اجتماع رباعي جمعه مع الشركاء الأوروبيين في مدريد بحضور (كوفي عنان)، وما لبث وزراء الخارجية الأوروبيون أن دفنوا الفكرة تماماً في اجتماعهم بلكسمبرج معلنين احتشادهم خلف التحرك الأميركي.

جاك سترو (وزير الخارجية البريطاني): الاتحاد الأوروبي، مثل روسيا والأمم المتحدة يدعم بشكل كامل زيارة السيد باول للمنطقة، وكلنا نقف وراء جهوده.

ياسر أبو النصر: مشهد أوروبا في عيون كثير من المراقبين في صورة الكومبارس الذي يتضاءل حضوره بمجرد ظهور البطل الأميركي على المسرح، ولكن هل خرجت أوروبا بذلك عن مألوف تعاملها مع القضية الفلسطينية منذ إعلان البندقية؟

طالما حاولت أوروبا على مدار العشرين عاماً الماضية الحفاظ على لهجة تميز عن الموقف الأميركي بحكم علاقات التاريخ والجغرافيا ومصالحها الاقتصادية والأمنية الحيوية في المنطقة، تميُّز وصل أحياناً إلى حد مطالبة إسرائيل بإنهاء احتلال القدس الشرقية بعد حادث نفق الأقصى في العام 96، وارتفعت نبرته في قمة جوتنبرج بالسويد في العام الماضي إلى حد المطالبة بإزالة كل أنشطة الاستيطان الإسرائيلي، لكنه تراجع في أحيان أخرى إلى مستوى بيانٍ كالذي صدر عن القمة الأوروبية التي سبقتها في استكهولم مطالباً الطرفين بوقف العنف فساوى بين الجاني والضحية، وبالغ في تراجعه في أحيان ثالثةٍ في القمة الأوروبية الأخيرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما طالب عرفات بوقف الانتفاضة وتفكيك ما سُمي بشبكات الإرهاب في توحُّد شبه كامل مع الرؤية الأميركية.

وإذا كانت حالة المد والجذب التي صبغت المواقف الأوروبية قد ارتبطت بتشابك المصالح بين أوروبا والولايات المتحدة التي ترحب في الظاهر وترفض في الباطن أي منافس في الشرق الأوسط، فإسرائيل على الجانب الآخر تجادل في الظاهر والباطن معاً بإغلاق الباب أمام أي دور أوروبي فاعل، ولا تتحرج من منع وفد أوروبي رفيع المستوى عن مقابلة عرفات.

في غياب الرغبة أو القدرة العربية على توظيف ما لديها من أوراق لدفع الأوروبيين إلى منطقة الفعل بدا طبيعياً أن يقتصر الدور الأوروبي على إطلاق التصريحات والبيانات الملطفة دون أي مبادرات قادرة على فرض نفسها على الواقع السياسي، ولكن عن أي أوروبا نتحدث؟ سؤال طرحه (هنري كسينجر) (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) على سبيل التهكم، مُلفتاً إلى ذلك التباين الواضح في سياسات الشركاء الأوروبيين، هل نتحدث عن ألمانيا بحساسيتها التاريخية تجاه اليهود التي ما تزال تسدد ثمنها أم بريطانيا التي ما برحت تنصح شركاءها لترك زمام السياسة الخارجية الأوروبية لواشنطن، أم إيطاليا الغارقة حتى النخاع في مشاكلها الداخلية، أم فرنسا المحكومة بثنائية سياسية طرفاها رئيس وزراء لا يتوقف عن تأكيد علاقة حزبه بإسرائيل، ورئيس متهم دوماً بعداء السامية، أم أسبانيا المحتاجة دوماً للدعم الدولي أمام حركة (إيتا) الانفصالية؟

أوروبا التي قطعت شوطاً بعيداً في مظاهر الاندماج الاقتصادي ما تزال تعاني من غياب خط واضح المعالم لسياستها الخارجية، فراحت تعوِّض ذلك العجز بضخ المعونات إلى المنطقة العربية بصفةٍ عامة والسلطة الفلسطينية بصفةٍ خاصة بصورة تصدرت معها قائمة الدول المانحة للمنطقة، وإلى أن تنجح أوروبا في تحديد إطارٍ موَّحد لسياستها الخارجية، فسنظل نتساءل دوماً على الدور الأوروبي الغائب أو الباهت كلما انهالت المصائب على المنطقة العربية.

مالك التريكي: إذاً رغم أهمية الدور الاقتصادي لأوروبا في المنطقة فإن دورها السياسي لا يزال محدوداً للغاية، والغريب أنه يبدو أنها لا ترى غضاضة في ذلك. معنا الآن لبحث هذه القضية من باريس الأستاذ ألان غريش (رئيس تحرير مجلة "لوموند ديبلوماتيك" الشهرية)، وهي من أهم المجلات السياسية في العالم.

أستاذ ألان غريش، ألا تعتقدون أن الاتحاد الأوروبي قد أهدر هذه المرة فرصة ذهبية لكسر الاحتكار الأميركي على إدارة النزاع العربي الإسرائيلي؟

ألان غريش: لا أظن، كما تعرفون إن أوروبا هي قوة اقتصادية ضخمة، وأسست على أسس اقتصادية، لكن في المجال السياسي مش بس في الشرق الأوسط، بس في.. يعني في المجالات السياسية الدولية ما فيه موقف موحد، فيه 15 دولة كل واحدة عندها موقفها.

وثانياً: فيه ضغط أميركي وخصوصاً بعد 11 سبتمبر ضغط كبير قوي، يعني على كل دولة أوروبية، فده بيخلق مشاكل كبيرة، وأظن بشكل عام في العالم العربي فيه أوهام كبيرة على الدور اللي ممكن لأوروبا، ولازم تفهموا إذا شفنا الوضع في العالم العربي نفس الوضع في أوروبا فيه اتجاه سياسي نفس الاتجاه، فيه مواقف سياسية إجماعية للدول الأوروبية والدول العربية، بس في أوروبا كان في.. في العالم العربي مافيش إمكانية إن هذا الموقف السياسي، يعني يكون مع تحرك سياسي حقيقي.

مالك التريكي: لكن بلغنا للتو -أستاذ ألان غريش- بلغنا للتو أن دبلوماسياً في مفوضية الاتحاد الأوروبي قال إن الاتحاد الأوروبي يعتقد أن مهمة كولن باول (وزير الخارجية الأميركي) قد فشلت بكل المقاييس، إذا كان الأمر كذلك، أليس من واجب الاتحاد الأوروبي الآن أن يقوم بدور أكثر حزماً حتى لو كان الاتحاد الأوروبي يتشكل من خمسة عشر دولة؟ هنالك ممثل للسياسة الخارجية هو خافير سولانا.

ألان غريش: أنا أظن عندك حق، يعني كان واضح من البداية إن الدور الأميركي هيكون محدود، لأن موقف أميركا من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني –كما تعرفون- هو موقف تأييد إسرائيل بشكل عام، فكان واضح من البداية إن طبعاً مفيش حل ممكن في الشرق الأوسط من غير تأييد أميركي، بس بنفس الوقت إذا أميركا هي القوة الوحيدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين مش هيكون فيه حل سياسي عشان موقف الأميركان موقف تأييد إسرائيل، ولكن شفنا في هذا المبادرة الأخيرة إن مافيش يعني مبادرة باول مافيش للدول الأوروبية أي.. مش عايزين يعملوا حاجة يعني، مش عايزين يحصل تناقض مع الولايات المتحدة لأسباب لها علاقة أظن مع اللي حصل بعد 11 سبتمبر، فيه دلوقتي ضغوطات كبيرة على أوروبا على الحرب ضد الإرهاب، وإن الفلسطينيين بيعملوا إرهاب وده بيلعب دوره.

مالك التريكي: لكن المشكلة..

ألان غريش: عاوز أقول حاجة.. أيوه..

مالك التريكي: المشكلة أستاذ غريش لا تتوقف على هذا، هنالك أسباب موضوعية، لكن هنالك أسباب أظنها ذاتية كذلك، رئيس المفوضية الأوروبية (رومانو كرودي) كان حازماً جداً في التنديد بالهجمات التي وقعت ضد كنائس اليهود وضد مقابر اليهود، وله الحق في ذلك، لكن كان يُتوقع منه أن يكون حازماً كذلك في التنديد بالسياسات والمجازر الإسرائيلية، لم يقم بذلك، بل إنه بارك مظاهرة نُظِّمت في روما الاثنين الماضي تأييداً لإسرائيل ونظمها اليمين، وكان منظم المظاهرة هو المتحدث السابق باسم (سيلفيو بيرلسكوني)، هل هذا مدعاة لثقة العرب في.. في المفوضية؟

آلان غريش: طبعاً بس.. طبعاً يعني في الرأي العام الأوروبي فيه اتجاهين، يعني فيه اتجاه تأييد لإسرائيل، وفيه اتجاه تأييد للفلسطينيين، بس حصل تغيير مهم، يعني في السنتين الأخيرة إذا أخذنا فرنسا، يعني التأييد في الرأي العام لإسرائيل دلوقتي 15%، التأييد للفلسطينيين 30%، يعني أظن الحملة تضامن مع الشعب الفلسطيني منذ الانتفاضة الثانية، يعني ضخمة، وأنت اتكلمت على مظاهرة في روما، صح بس كان فيه مظاهرات في باريس تأييد للفلسطينيين، كان فيه مظاهرة ضخمة في برلين، أظن فيه تغيير في الرأي العام، بس هذا التغيير حتى الآن يعني أظن المسؤولين السياسيين ما فهموا إنه فيه تغيير في الرأي العام، طبعاً يعني كل الناس في أوروبا ضد العنصرية ضد اليهود، يعني مافيش.. مافيش حوار على ذلك، بس إحنا بنفكر إن.. يعني الرأي العام بيفكر إن تأييد الفلسطينيين ما له علاقة مع اللي بيحصل على مشكلة اليهود، يعني ممكن تكون ضد الهجومات ضد اليهود في أوروبا، ويكون فيه تأييد للشعب الفلسطيني.

مالك التريكي: ولكن الموقف المتزن من (رومانو كرودي) لم يكن واضحاً. أبق معنا أستاذ آلان غريش، فللحوار بقية.

بلجيكا تؤيد تعليق اتفاق الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وبرلمان بروكسل وبرلمان فلوندر الإقليميان يقرران قطع العلاقات مع الدولة العبرية، ووزيرة الصحة البلجيكية تتوجه شخصياً إلى فلسطين لمحاولة تقديم المساعدات الطبية، إذاً لماذا تحجم أوروبا حيث تقدم بلجيكا؟

[فاصل إعلاني]

أسباب قطع بلجيكا علاقاتها مع إسرائيل
في ظل الإحجام الأوروبي

مالك التريكي: يبدو أن في الديمقراطية البلجيكية على خلاف كثير سواها من الديمقراطية الغربية خصلة تكوينية لعلها تكون بمثابة البوصلة الأخلاقية تجعل من غير العسير عليها التبصر بحقائق الكيان الصهيوني إلا إذ إن من أبرز مميزات القانون البلجيكي ذلك البند المعروف ببند الولاية القانونية العالمية أو الكلية الذي يجيز لأي كان في الأراضي البلجيكية أن يقاضي أياً كان في العالم بتهمة ارتكاب جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية إذا توفرت المسوغات القانونية الموجبة، وعلى هذا الأساس رفعت مجموعة من أهالي ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا دعوى ضد شارون بتهمة ارتكاب جرائم الحرب، ولا تزال المحاكم البلجيكية في طور البت في مدى اختصاصها بنظر الدعوة، ولعلَّ هول مجازر مخيم جنين سيجعل الدعوى القادمة أو ممكن الدعاوى القادمة ضد شارون أمام المحاكم البلجيكية مقبولة هذه المرة، إذ أن هنالك برلمانيين قاما بتجميد العمل باتفاقاتهما مع إسرائيل احتجاجاً على جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، ذلك ثانياً.

ثالثاً: طالب وزير الخارجية البلجيكي (لوي ميشيل) بقية وزراء الخارجية الأوروبيين بوجوب المناقشة والتقييم السياسيين ما سماه موقف الاحتقار الإسرائيلي للاتحاد الأوروبي.

رابعاً: توجهت وزيرة الصحة البلجيكية (ماجدا إلفوت) شخصياً إلى غزه، وأرادت التوجه إلى رام الله لتقديم المساعدات الطبية الفلسطينية، ولكن إسرائيل منعتها.

خامساً: هنالك شركات بلجيكية كثيرة، ربما تقرر وقف التعامل مع إسرائيل.

فما هو تفسير هذا الإقدام البلجيكي، رغم الإحجام الغربي عامة والأوروبي، خاصة عن مجابهة إسرائيل ومعاملتها كدولة مثل سائر الدول؟

لبيب فهمي يستعرض من بروكسل الخطوات البلجيكية ضد إسرائيل.

تقرير/لبيب فهمي: مواجهة مجمل دول الاتحاد الأوروبي لخيارات سياسية دقيقة واختبار أخلاقي في تعاملها مع حكومة (أرييل شارون) التي تواصل هجمتها الشرسة ضد الشعب الفلسطيني، وعجز أوروبا عن تبني قرارات موحدة للضغط على إسرائيل دفع بلجيكا إلى الانفراد باتخاذ مواقف متقدمة من الصراع العربي الإسرائيلي ابتداءً بالإعلان عن استعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية متى أعلنت القيادة الفلسطينية عن قيامها مروراً ببث القضاء البلجيكي في الدعاوي المرفوعة ضد شارون من طرف بعض أهالي ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا وصولاً إلى تعليق مقاطعتي الفلوندر وبروكسل العاصمة لكافة أشكال التعاون والتعامل مع إسرائيل بما فيها الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والثقافية، وبروتوكول التعاون في مجال البحوث الصناعية والعلوم، بينما أوقفت الحكومة الفيدرالية من جانبها إمدادات السلاح إلى تل أبيب.

إيريك روناكل (جامعة بروكسيل المستقلة): تستطيع بلجيكا اتخاذ مثل هذه الخطوات، لأنها دولة صغيرة، ولا تمتلك موقعاً ذا أهمية بالغة على الساحة الدولية، وهناك سبب آخر وهو أن وزير الخارجية الحالي (لوي ميشيل) والائتلاف الحاكم اختار إعطاء بلجيكا مكانة جديدة تلعب فيها دور الشاهد على الساحة الدولية، دولة ترفع صوتها عالياً وتتحدث عن المبادئ قبل كل شيء.

لبيب فهمي: وتأتي هذه القرارات نتيجة تحرك قطاعات واسعة من الفعاليات السياسية والنقابية والاجتماعية وتنامي سخط الرأي العام البلجيكي ضد التحيز الأميركي والشلل الأوروبي إضافة إلى المشاركة الفعالة للمهاجرين من أصل عربي في الحياة السياسية البلجيكية.

وتشهد العاصمة البلجيكية أيضاً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى تحركات دبلوماسية إسرائيلية مكثفة للضغط على المسؤولين البلجيكيين والصحافة لوضع حدٍ لما يطلق عليه اللوبي اليهودي معاداة إسرائيل والسامية.

ورغم أن القطاع التجاري والصناعي هو المتضرر الأساسي من تعليق اتفاقيات التعامل مع إسرائيل والتخوف من تأثيره السلبي على الحياة الاقتصادية لبلد صغير مثل بلجيكا إلا أن هذا لم يمنع المقاطعة البلجيكية الثالثة من الاستعداد هي أيضاً لتجميد كافة علاقاتها مع الدولة العبرية.

راوول جنار (مركز الأبحاث حول العولمة): استعمال الاقتصاد كوسيلة ضغط للتعبير عن مواقف سياسية له مضاعفات، ولكن في هذه الحالة ونظراً لأهمية المؤسسات التي اتخذت هذه القرارات فإن ذلك يعني إرسال إشارة قوية أكثر من كونه قراراً قد تنتج عنه عواقب كبيرة على اقتصاد بروكسل العاصمة ومنطقة فلوندر.

لبيب فهمي: وإذا كانت هذه القرارات تحظى باستقبال أغلبية المناصرين لكفاح الشعب الفلسطيني فإن العديد من المراقبين يقللون من شأن مبادرات صادرة عن برلمانات محلية تسعى إلى فرض وجودها.

مسؤول بلجيكي: يجب عدم التضخيم في هذه القرارات، فما يحدث هو أمر طبيعي وعلامة على أن صراعاً يعاني منه الكثيرون في الشرق الأوسط لا يمكن أن نتغاضى عنه، وعلينا المشاركة ولو بطريقة متواضعة لإحلال سلام عادل.

مالك التريكي: إذاً مهما كانت أهمية الخطوات البلجيكية ومغزاها التضامني الإنساني فإن تأثيرها السياسي حسب.. بل حسب ما بيَّن التقرير يظل محدوداً بحدود حجم هذه الدولة الصغيرة.

أستاذ ألان جريش، ألا تعتقدون أن تفسير الموقف البلجيكي بخلاف مواقف بقية الدول الأوروبية يمكن تفسيره بهذا المقياس، أنه كلما كانت العلاقة أقوى مع أميركا كلما كان الخوف من إسرائيل أكبر؟

ألان غريش: ما فهمتش السؤال للأسف.

مالك التريكي: هل يمكن أن نفسر الموقف البلجيكي الذي يُعتبر ممكن.. فيه مزيد من الشجاعة –بالمقارنة مع بقية الدول الأوروبية- أن بلجيكا ليست علاقتها وثيقة بأميركا مثل علاقة مثلاً بريطانياً أو ألمانيا؟

ألان غريش: لا أظن يعني فيه أسباب كثيرة، فيه أسباب الرأي العام والتحرك الرأي العام في بلجيكا، فيه أسباب شخصية، يعني (لوي ميشيل) بيلعب دور خاص، وفيه سبب يعني زي ما قال أحد المحاضرين إن بلجيكا دولة صغيرة ما لها ثقل كثير.. كبير في فممكن تأخد مواقف من غير هذا الموقف يعني تكون لها سلبيات كثيرة، ولكن أظن لازم نأخد بعين الاعتبار المشاكل الداخلية لكل بلد، اتكلمنا على إيطاليا، التغيير الحكومي في.. في إيطاليا وبيرلسكوني في الحكم غيَّر موقف إيطاليا، وغيَّر توازن القوى داخل أوروبا على مشكلة الكفاح الإسرائيلي الفلسطيني قبله كان فيه يعني بين فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، كان نفس الموقف على القضية الإسرائيلية الفلسطينية، دلوقتي موقف بيرلسكوني موقف تأييد لأميركا، وتأييد لإسرائيل، فده كمان بيلعب دور كبير.

مالك التريكي: أستاذ غريش، أستاذ غريش، هل هناك من معنى الآن لمسار برشلونة يوم 22 و23 سيعقد مؤتمر في إطار مسار برشلونة، هل له معنى الآن؟

ألان غريش: أظن صعب الرد، يعني فيه ضغوطات وفيه.. يعني من البداية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بيلعب دور كبير طبعاً في الحوار البحر المتوسط، يعني دول البحر المتوسط، وطبعاً في هذا الموضوع بخصوصاً يكون صعب إن يكون لهذا الاجتماع تأثير كبير وثقل كبير في المشاكل السياسية والعلاقات أظن مش هيكون فيه إيجابيات من هذا المؤتمر.

مالك التريكي: أستاذ ألان غريش (رئيس تحرير مجلة "لوموند ديبلوماتيك" من باريس)، شكراً جزيلاً لك.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.