مقدم الحلقة:

محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

نورة أوريبي: وزيرة الإعلام الفنزويلية
سيمون بيريبو: باحثة في مركز بحوث الاقتصاد والسياسة - واشنطن

تاريخ الحلقة:

22/12/2002

- جذور الأزمة الفنزويلية الحالية وأسبابها الحقيقية
- العوامل الخارجية والتدخلات الأميركية في الأزمة الفنزويلية

محمد كريشان: الأزمة الفنزويلية تزداد تعقيداً فهل ستنفرج أم تنفجر حرباً أهلية، تساؤلات حول أسباب الأزمة بين الصراع الطبقي، والصراع بين الديمقراطية والاستبداد، والصراع على السلطة.

السلام عليكم. عمر الأزمة في فنزويلا أعوام وإن كان عمر بعض مسبباتها يعود إلى عقود، لكن الفصل الأخير الذي بدأ منذ الثاني من ديسمبر الجاري يزداد -على ما يبدو- حدة وتعقيداً عندما بدأت سلسلة إضرابات كبرى خاصة في قطاع النفط مما يكاد يجرف البلاد إلى هاوية الإفلاس، ورغم المساندة الشعبية القوية التي يتمتع بها الرئيس الجماهيري (أوغو تشافيز) في أوساط الفقراء المحرومين من المال والعدالة، فإن هامش تحركه يضيق يوماً بعد يوم على ما يبدو، لاسيما أن عدداً من أهم مناصريه اليساريين الذين ساعدوه في الوصول إلى سدة الرئاسة تخلو عنه لينضموا تدريجياً إلى المعارضة، متهمين إياه بالاستبداد والديماغوجية.

المعارضة السياسية، التي تساندها اتحادات القطاع العام ورابطة قطاع الأعمال وقطاعات واسعة من الشعب الفنزويلي توصف بأنها من الطبقتين الغنية والمتوسطة، وجدت سنداً آخر لها في واشنطن التي تتوجس خيفة من تشافيز وأنصاره خشية عودة الثورة والثوار الحالمين مجدداً إلى جوار الدولة العظمى لتهدد كل ما أنجزته من تدجين لنظم الحكم في أميركا اللاتينية الثائرة أبداً.

مراسلنا نظام المهداوي يحاول أن يستعرض في هذا التقرير من كراكاس وضع حكم لم يترك لكثيرين منطقة رمادية فإما معه وإما ضده.

جذور الأزمة الفنزويلية الحالية وأسبابها الحقيقية

تقرير/ نظام المهداوي: الانتخابات المبكرة أم التقيد بحرفية الدستور والانتظار لإجراء استفتاء على حكم الرئيس (أوغو تشافيز) في أغسطس القادم الذي يوافق منتصف مدة رئاسته كما ينص الدستور، تلك هي المسألة التي تنازع فيها قوى المعارضة الحكومةَ ومؤيديها، وهي المسألة التي جعلت العام المنصرم عام اضطرابات في فنزويلا وأدت إلى محاولة انقلاب فشلت في أبريل الماضي ثم جددت المعارضة جهودها منذ أول ديسمبر بإضراب يهدف للإطاحة بحكم تشافيز، الشعب والفقراء والطبقة الكادحة يرون في الرئيس تشافيز بطلاً قومياً يسعى لإنهاء سيطرة رأس المال على الحكم وإعادة بعض ثروات هذه الدولة البترولية إلى الفقراء الذين يمثلون 80% من سكان فنزويلا البالغ تعدادهم أربعة وعشرين مليوناً. الفقراء في شوارع كراكاس أشد أنصار الحكومة ودموعهم جاهزة للتعبير عن استعدادهم للتضحية من أجل رئيس يعتبرونه منهم ويقولون إنه يتواضع من أجلهم ويسعى لرفع ذل الفقر والاضطهاد الذي استمر قروناً عليهم.

مواطن فنزويلي مؤيد للرئيس: هؤلاء سرقوا أموال النفط على مدار 40 عاماً، ويريدون الاستمرار في ارتكاب هذه الجريمة، هؤلاء لا يمثلون الديمقراطية والرئيس هو من يمثلها بشكل حقيقي.

مواطنة مؤيدة للرئيس: نحن نريد السلام وهذا ما نسعى فقط من أجل تحقيقه كما أننا نريد من الرئيس تشافيز أن يبقى في السلطة وألا يتنحى عنها.

نظام المهداوي: أحزاب المعارضة تدرك شعبية تشافيز واعتبار الجماهير له بطلاً شعبياً، ولكن رموز المعارضة يشيرون إلى أن حكمه لم يحقق الازدهار الذي ينادي به للفقراء ويقولون أن أعداد هؤلاء الفقراء زادت خلال حكمه الذي بدأ عام 1994.

ألفريدو كورونيل (حزب العمل الديمقراطي المعارض): لم تكن البطالة 80% عند مجيئه، لكنها الآن 80%، الوضع الاقتصادي للطبقات السفلى أسوأ الآن مما كان عليه عند توليه الرئاسة مثلاً البطالة تضاعفت وارتفع التضخم ودمرت الزراعة، زراعة البلاد وصناعتها، وقد خسرنا الكثير من الشركات متعددة الجنسيات التي انتقلت حتى إلى كولومبيا التي تعيش مشاكل شديدة السوء لكنها اعتبرت أكثر ضماناً من فنزويلا.

نظام المهداوي: الطرق على الأواني -أو الكسويلا كما يقولون الفنزويليون- كان الأسلوب المشترك لكل من معارضي الحكومة ومؤيديها، وشهدت فنزويلا أعداداً بمئات الآلاف من المتظاهرين في الشوارع، لكن ذلك اقتصر على مناطق المعارضة، أي مناطق الطبقتين الغنية والمتوسطة، أما المناطق الأخرى فقد حرص أبناؤها على إظهار أن الحياة مستمرة بشكل معتاد.

وعملية الإظهار تلك نمت عن معركة إعلامية فريدة من نوعها، فالحكومة التي تسيطر على قناة تليفزيونية واحدة شكت مراراً من أن الإعلام الذي تسيطر عليه المعارضة يحاول إظهار البلاد وقد شلها الإضراب. وتصوير محطة بنزين تقف أمامها الطوابير وكأن كل المحطات بهذا الشكل أو إظهار إغلاق محل تجاري أو عدة محلات وكأن البلاد كلها مغلقة وهذا ما تنقله وسائل الإعلام الغربية للخارج.

وفي المقابل يستغل الرئيس الفنزويلي شعبيته وقدرته على الاتصال الجماهيري بعقد اجتماع أسبوعي كل يوم أحد عبر القناة التليفزيونية الحكومية للحديث عن إنجازات حكومته وجهودها لكسر الإضراب ويتلقى الاتصالات الهاتفية من الشعب والمسؤولين على الهواء.

أوغو تشافيز (الرئيس الفنزويلي): إنهم لا يريدون التحرك وهم يسدون السبل المؤدية إلى مواني فنزويلا، بعض المواطنين يمارسون أعمالاً تخريبية ضد الوطن وقوى المعارضة تدفع العاملين في الناقلات نحو تدمير صناعة النفط في البلاد.

نظام المهداوي: أزمة فنزويلا شهدت منذ أبريل الماضي تدخلاً أميركياً لصالح الانقلابيين سرعان ما أسفر عن إحراج أميركي عندما فشل الانقلاب، لكن الولايات المتحدة سقطت في الهوة ذاتها مرة أخرى في ديسمبر بتأييدها طلب المعارضة لإجراء انتخابات مبكرة، لكنها عادة وسحبت الطلب تحت ضغط دول أميركا اللاتينية الأخرى طبقاً لاتفاق ليما في سبتمبر من العام الماضي الذي يقضي بدعم الحكومات الديمقراطية في أميركا إن تعرضت للخطر، وسوف تكون السيطرة على البترول ومقدراته الفيصل في ظل الأزمة الفنزويلية إما لصالح الحكومة واستجابة لمطالب غالبية الشعب الفنزويلي المؤيد لها، وإما لصالح المعارضة بأحزابها المتعددة فيما يقول مراقبون إن ذلك قد يؤذن ببدء حرب أهلية تحدث كثير من الفنزويليين عن إنهم يخشون أن هذه الأزمة قد تقود إليها في نهاية المطاف.

محمد كريشان: إذن تتعدد أسباب الأزمة بتعدد المشاكل وتختلف باختلاف وجهات النظر التي تعرضها، فمن الواضح أن الرئيس تشافيز وأنصاره يعتبرون الصراع طبقياً بين المعسورين والميسورين وأن الرئيس -الذي يصفه البعض بآخر الثوريين الحالمين في أميركا اللاتينية- يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية التي يتطلع إليها المحرومون من مواطنيهم، أما قادة المعارضة وأنصارها فيرون في تشافيز زعيماً مستبداً يعد ولا يفي وأن ظمأه للسلطة أعماه عن رؤية الأوضاع المتردية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، مراسلنا في العاصمة الفنزويلية كراكاس نظام المهداوي أجرى مقابلة مع (وزيرة الإعلام في حكومة فنزويلا) نوره أوريبي وسألها أولاً عن جذور الأزمة الحالية وأسبابها الحقيقية.

نوره أوريدي: أعتقد أن الجذر الرئيسي هو أننا نقوم بعملية تحول وتغيير عميقين وذلك إلى حدٍ أبعد من أي عملية تحول وتغيير قامت بها حكومة سابقة، فنحن نسعى لتطبيق الدستور الجديد الذي يقضي بإعطاء الشعب حق المشاركة التفاعلية الحقيقية في الحكم بحيث يتم تقاسم السلطة والمسؤولية مع رجال ونساء فنزويلا، لكنها ليست ديمقراطية مزيفة -كما كانت الحال من قبل- بل هي ديمقراطية تضع في يد الشعب حق التحكم في تاريخه، هذا إضافة إلى أننا نعمل على تطبيق 49 قانوناً جديداً من بينها ثلاثة قوانين هامة جداً:

الأول هو: القانون المتعلق بالثروات النفطية والمعدنية وهو قانون يمنع خصخصة أي آبار أو منابع ثروات معدنية ويجعلها ملك الدولة الفنزويلية وحدها.

أما القانون الثاني فهو: قانون الأراضي وهو ليس قانوناً أكثر تقدماً من القوانين المشابهة له في أوروبا والولايات المتحدة، لكنه يقضي بأن تكون ملكية الأراضي والعمل فيها متاحين لجميع المواطنين الفنزويليين يبحث تُعطى ملكية الأراضي لمن يعمل فيها إذا كانت أراضي مهجورة، ولدينا آلاف الهكتارات من هذه الأراضي.

والقانون الثالث: يتعلق بالصيد والثروات المائية، فنحن نسعى لحماية البيئة حسب القوانين الدولية وحماية الصيادين الفنزويليين التقليديين والذين يحتاجون أكثر من غيرهم للدعم والحماية.

هذه القوانين الثلاثة من أهم التغييرات التي أدخلناها وهم رأوا أننا سنطبق فعلاً كل ما خططنا له وحلمنا به على مستوى البلاد بأكملها.

نظام المهداوي: هل تعتقدي أن هناك أيادي أجنبية تلعب في هذه الأزمة، أيادي خارجية تلعب في هذه الأزمة من خلال المعارضة؟

نوره أوريبي: نحن قلنا وقال الرئيس أوغو تشافيز إنه في هذا الصراع توجد ضغوط على مستوى البلد وضغوط دولية، هناك مصالح وطنية في شركة النفط الفنزويلية، ونحن منذ سنوات نُدين كون هذه الشركة في الحقيقة دولة داخل الدولة ونقول: إنه يترتب علينا أن نؤمم النفط الفنزويلي تأميماً كاملاً، هذه القضايا حاولوا إثارتها عدة مرات من دون نجاح، وحالياً عادت إلى السطح وبشكل أشد في السوق النفطية، فهم يقومون الآن بأعمال قرصنة على متن البواخر النفطية، هذه أعمال قرصنة وتخريب وإرهاب.

نظام المهداوي: ما هي المشاكل التي تعتبر الحكومة نفسها مسؤولة عنها والتي كانت من أسباب هذه الأزمة؟ وهل تقومون حالياً بإصلاح هذه المشاكل؟

نوره أوريبي: هذه الأزمة.. هذه الأزمة هي أزمة قائمة نحن لا نخفيها، الوضع في البلاد غير طبيعي، فالبلد يمر بحالة أزمة سياسية ونفطية، وكان علينا أن نفعل شيئاً، لماذا لم نتخذ إجراءات في وقت مبكر تجاه ما يحدث في شركة النفط الفنزويلية؟ لماذا لم نقم بأي شيء؟ أعتقد أن السبب هو أننا ديمقراطيون جداً والبعض يقولون إننا ديمقراطيون بحد زائد، مع أن المعارضة تقول العكس وتقول إن الرئيس تشافيز متسلط وأننا نتجه نحو نظام ديكتاتوري، نحن ننظر في هذه التساؤلات، ونحن مصممون على أن الوضع القائم في شركة النفط الفنزويلية لا يمكن أن يستمر ولا يمكن أن يستمر وجود دولة داخل الدولة، ولا يمكن أن تستمر عوائد النفط في الذهاب إلى فئات غير غالبية الشعب، بل ينبغي أن تذهب هذه العوائد إلى الدولة ومنها لتلبية الحاجات الرئيسية للشعب الفنزويلي، وكما تعرفون فنزويلا هي دولة نفطية ذات ثروة كبيرة ولا يوجد أي داعٍ أو سبب لأن تكون لدينا 80% من الفقراء في البلاد، هكذا تسلم الرئيس تشافيز البلاد وفيها 80% من الفقراء، هذا وضع تهميشي ونقص في خدمات الصحة والتعليم.

محمد كريشان: وبالطبع فإن للمعارضة في فنزويلا رأياً آخر ولتوضيح هذا الرأي أجرى موفدنا مقابلة مع كارلوس فيرنانديز (رئيس اتحادية غرف التجارة الفنزويلية) سأله عن جذور الأزمة الحالية وأسبابها كما تراها المعارضة.

كارلوس فيرنانديز: أسباب الأزمة في البلاد هي النمط الأيديولوجي الذي يُرغب في إقامته في فنزويلا وهو نمط لا يتفق عليه غالبية الشعب الفنزويلي الذي يبحث عن ديمقراطية تشاركية وتفاعلية للأغلبية الكبرى من الشعب تُعطي فرصاً للتنمية والتطور لكي يستطيع الجميع المشاركة.

نظام المهداوي: هل تعتقدون أن هناك دوراً في هذه الأزمة تلعبه أطراف خارجية؟

كارلوس فيرنانديز: لا يخفى على أحد العلاقة التي تربط الرئيس تشافيز بالرئيس الكوبي (فيدل كاسترو) أعتقد أنه من الواضح أن ما تنطوي عليه هذه السياسة هو نمط استبدادي على طريقة شيوعية (كاسترو) يُراد فرضه على فنزويلا، وحتى أبعد من فنزويلا ربما لاختراق دول أخرى في جنوب القارة وهي خطة وضعها الرئيس كاسترو ووجد في شخص الرئيس تشافيز زعيماً لتنفيذها ولنشر أيديولوجيته خارج كوبا وفي دول أخرى في جنوب القارة.

نظام المهداوي: الطبقة الوسطى والثرية تتحمل مسؤولية كبيرة في تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي ذلك لأنها لم تستغل موارد النفط العالية في السبعينات والثمانينات في تطوير البلاد اقتصادياً، بل كانت تبدد أموال الدولة وتستهلك بشكل فاحش، لماذا لا تعترف هذه الطبقة بمسؤوليتها وتحاول المشاركة بالإصلاح بدل الإضراب والمشاكسة؟

كارلوس فيرنانديز: لا نستطيع أن ننفي أن ديمقراطية الطبقة الوسطى التي كانت قائمة لم تنتبه للطبقات الأكثر حاجة وأنها لم تتولى إعطاء هذه الطبقات الفقيرة جزءاً من ثروات البلاد التي كانت تجني الدولة عوائد منها من دون شك، القيادات التي تسلمت حكم البلاد ارتكبت أخطاء، وما لدينا اليوم هو نتيجة عجز هذه القيادات السابقة خلال الأربعين عاماً الماضية عن القيام بعملها على النحو المطلوب، لكن لا يمكننا إلقاء اللوم بشكل مباشر على الطبقة الوسطى أو الطبقات الأكثر ثراءً في البلاد في الأخطاء التي ارتكبت، لعلها تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها لم تدرك ما كان يحدث في البلاد، فزعماء البلاد لم يحققوا عدالة اجتماعية تضمن للطبقات الفقيرة حقها، ونحن اليوم ندفع ثمن تلك الأخطاء، وما كانت هذه الأخطاء لتتحول إلى أخطاء أكثر جسامة لو أن حكومة الرئيس تشافيز خلال الأربعة أعوام الماضية استطاعت خفض مستويات الفقر في البلاد، لا، بل على العكس ارتفعت هذه المستويات بنسبة 25%، وهذا يعني أنه إذا كانت هناك أخطاء قد ارتكبت خلال ديمقراطيات الأربعين عاماً الماضية فإن أخطاءً أكبر ترتكب حالياً، لأن هذه الحكومة تدير منذ أربعة أعوام أكبر عوائد للنفط عرفتها فنزويلا خلال العشرين عاماً الأخيرة، وتم فرض ضرائب أعلى من أي وقت مضى، ومع ذلك فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي وانخفضت الاستثمارات في البلاد وازداد الفقر وتقلصت فرص العمل وارتفعت نسبة الفوائد وانخفضت قيمة العملة بنسبة تقارب 100% وأيضاً وصل التضخم إلى 35% هذا العام، إذن إذا نظرنا إلى حصيلة كل هذا نجد أن وضعنا الآن أسوأ مما كان في الأربعين عاماً الماضية.

محمد كريشان: الأسباب الداخلية معروضة من الداخل قد لا تكفي وحدها تفسيراً لما يحدث في فنزويلا.

بعد الفاصل: نظرة أخرى للأزمة من زاوية أخرى وتساؤلات حول العوامل الخارجية فيها.

[فاصل إعلاني]

العوامل الخارجية والتدخلات الأميركية في الأزمة الفنزويلية

محمد كريشان: "زرع الفوضى الخلاَّقة"، شعار صاغته مستشارة الأمن القومي الأميركي (كونداليزا رايس) ووجد هوى في نفس الرئيس (بوش) وصقور إدارته ويتضمن الشعار فيما يتضمن استفادة الولايات المتحدة من حالات الفوضى وعدم الاستقرار الناشئة عن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلدٍ ما من أجل إعادة صياغة نظامه بما يتماشى بالطبع والمصالح الأميركية، فنزويلا ربما تكون نموذجاً يُغري بتطبيق مثل هذا الشعار فأثناء محاولة الانقلاب الفاشلة على تشافيز في أبريل الماضي اعترفت واشنطن بالانقلابيين قبل أن تُصدم سريعاً بفشلهم، ثم ساندت في الأسابيع الأخيرة مطلب المعارضة بإجراء انتخابات مبكرة رغم انتهاك ذلك دستور فنزويلا، فبدت في الأولى داعمة للانقلابيين وفي الثانية مشجعة لانتهاك القانون، لهذا يرى مراقبون أيادي خارجية أميركية خاصة في بعض ما يجري في فنزويلا، معنا سيمون بيريبو (الباحثة في مركز بحوث الاقتصاد والسياسة في واشنطن)

السيدة بيريبو، هل هناك فعلاً أيادي أميركية فيما يجري الآن في فنزويلا؟

سيمون بيريبو: نعم، أعتقد أن الولايات المتحدة تحدثت عن نشاطات ضد الحكومة الفنزويلية، وقطعاً هناك كثير من الكلام حول دور المعارضة والجهات التي ترغب في إحضار تغيير وقد.. ونتذكر كيف أن الإدارة الأميركية رحبت أولاً بالانقلاب الفاشل، وكذلك الولايات المتحدة موَّلت جماعات مناهضة ومعارضة للحكومة منذ عام 2001 وكذلك أن هناك تضاعفت المساعدات للجماعات المعارضة بنسبة ستة أضعاف الولايات المتحدة سمحت لقادة الانقلاب السابقين بالمجيء إلى الولايات المتحدة ليتلافوا الملاحقة القانونية في فنزويلا وأحدهم هو (جارسيا مورالوس) الذي ضم قوات.. قواه إلى مجموعة شبه عسكرية كوبية لها نشاطات معارضة لكاسترو، الولايات المتحدة منذ ذاك لم تغير موقفها برغم قيل عن بعض أركان الكونجرس الولايات المتحدة والإدارة الأميركية لم تتحدث عن تغيير وعلاقات طبيعية، الأسبوع الماضي طالبت واشنطن بشكل واضح بانتخابات مبكرة، ولكنهم اضطروا بعد ذلك إلى التراجع بسبب تأثيرات خارجية.

محمد كريشان: يعني في النهاية عن ماذا تبحث واشنطن؟ أو بالأحرى ما الذي يزعجها في تجربة تشافيز؟

سيمون بيريبو: أعتقد إنهما أمران الأول يتعلق بالنفط، والثاني إن تشافيز لم يتحرك وفق مقتضيات السياسة الخارجية الأميركية.

فما يخص بنسب إنتاج منظمة الأوبك مثلاً وتصديره فالخط الذي سلكه تشافيز ولو أن هناك حكومة فنزويلا جديدة سوف.. في فنزويلا جديدة ربما ستضاعف إنتاج البلاد، وهذا سيحظى بدعم أميركي.

الأمر الآخر هو: أن تشافيز لم يستسلم لضغوط الولايات المتحدة حول علاقته بكاسترو وأيضاً بعد حرب أفغانستان الذي.. والموقف الذي اتخذه واصفاً ما قامت به أميركا بأنه إرهاب أيضاً، هذا مما أثار حفيظة الولايات المتحدة ضده.

محمد كريشان: إذن عندما نتحدث عن الولايات المتحدة دائماً فَتِّش عن النفط كما يُقال، إذن ما تقوله واشنطن عن موضوع الاستبداد والديكتاتورية -برأيك يعني- لا يمثل مصداقية حقيقية في النهاية.

سيمون بريبو: لا أعتقد نعم أن لذلك أي مصداقية فلو تحدثنا عن مثلاً المعارضة، ولو أن المعارضة أظهرت إن ما يقوم به تشافيز يُمثل حكماً ديكتاتورياً مثلاً لكان الأمر مختلفاً وأن تشافيز كان ما قيل عن موقفه كمعارض وكونه عدوانياً إزاءها هي مجرد أمور سمعنا عنها وليس هناك شكوى حقيقة من سياساته ولم يتصرف كديكتاتور مثلاً، فليس هناك أحد مسجون في.. في فنزويلا، وليست هناك ممارسات أخرى التي ممكن أن تجعل ما يُقال عنه صحيحاً.

محمد كريشان: ألم يكون بالإمكان بالنسبة لواشنطن أن تبني جسور معينة مع تشافيز تجعلها ذخيرة بالنسبة للمستقبل يعني ماذا لو في انتخابات عامة مبكرة أو غير مبكرة صعد مرة أخرى تشافيز بهذا تكون القطيعة كاملة تقريباً بين واشنطن وكراكاس؟

سيمون بيريبو: لا أدري ماذا سوف تفعله واشنطن في وضع كالذي وصفتم، ولكنني أعتقد إن أمامنا مثلاً لو أن هناك استفتاء فإن تشافيز ولو انتظرنا إلى حد شهر أغسطس وعندما يحقق الاقتصاد تقدماً فإن هناك احتمال إنه سوف يفوز ثانية، وهناك فرصة جيدة في أن المعارضة تلجأ إلى أساليب يائسة ولا أعتقد إن لديهم سياسات يمكن أن يطرحوها بحيث يفوزون في الانتخابات ضد تشافيز وأيضاً الحملة التي قادتها أميركا سيُنظر إليها وكأنها باءت بالفشل ويجب أن تتوقف عن التدخل في فنزويلا.

محمد كريشان: إذا أردنا أن نرصد قنوات التأثير الأميركي فيما يجري الآن في فنزويلا.. في فنزويلا، هل هي قنوات.. العلاقة مع رجال الأعمال أم قنوات مؤسسة الجيش، أم الإعلام، ما هي بالضبط؟

سيمون بيريبو: كما قلت سابقاً إنها من خلال أولاً من تمويل مجموعات المعارضة وأيضاً هناك المعارضة تعلم أن بإمكانها أن تذهب إلى واشنطن وتحصل على دعم وأيضاً قد عُرض الدعم على.. بشكل مئات الآلاف من الدولارات لمن يريد أن يتدرب ضد تشافيز، ولكن هذه مسألة داخلية ولم يتقدم أحد لأخذ هذا العرض، ولو أن هناك علاقات دبلوماسية جديدة فمن الصعب أن نقول كيف إن ذلك سوف يتأثر، مثلاً نعرف إن أميركا تدخلت في نيكاراجوا ودول أخرى، ولكن تدخلها لم يكن معروفاً حتى بعدما انتهت الأمور بفترة كبيرة.

محمد كريشان: يعني هل.. هل يمكن أن تتدخل واشنطن أيضاً من خلال منظمة الدول الأميركية OAS هل لها دور ما في ترتيب الأوضاع من منظور أميركي الآن خاصة وأنها تلعب دول الوساطة حالياً؟

سيمون بيريبو: حقيقة أعتقد إن منظمة الـ (OAS) كان دوراً واعداً فالولايات المتحدة أرادتها أن تدعم نشاطاتها، ولكن المنظمة لم تفعل ذلك، بل اعترفت بتشافيز باعتباره زعيماً لفنزويلا والدستور الفنزويلي، وفنزويلا نعم أرادت أن تستمر في هذا النهج الدستوري وهو ما لقي ترحيباً واعتبر أن المسألة مسألة داخلية وتجري بمقتضيات الديمقراطية.

محمد كريشان: نعم، يعني لو سمحتي إذا.. إذا عدنا لموضوع النفط تحديداً، يعني عندما تابعنا وزيرة الإعلام الفنزويلا.. الفنزويلية السيدة (أوريبي) تحدثت عن ضرورة تأميم النفط تأميماً كاملاً، هل هذا الاحتمال يُخيف واشنطن بشكل كبير؟

سيمون بيريبو: نعم، إنه.. إن قطاع النفط مُدار من قبل الدولة في.. في فنزويلا ووزارة الخارجية تملك نسبة منها وأحد الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تعترض على تشافيز هو أن هذه السيطرة من قِبل الدولة فهي.. فهو قطاع تسيطر عليه الدولة، ولكنه أمر دستوري وفق مقتضيات الدستور ومعروف هذا الشيء عن فنزويلا.

محمد كريشان: سيدة بيريبو، شكراً جزيلاً لكِ. وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة والتي خصصناها للأوضاع الحالية في فنزويلا استعرضنا رأي الحكومة، رأي المعارضة، ووجهة نظر من الخارج، في أمان الله.