مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

يورغن هوغريفه: محلل سياسي- برلين
ألفريد غروسير: أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس

تاريخ الحلقة:

03/10/2002

- ملامح السياسة الألمانية الجديدة
- الموقف الألماني تجاه ضرب العراق

- مستقبل العلاقات الألمانية الفرنسية في ظل السياسة الألمانية الجديدة

مالك التريكي: بعد تحدي برلين لواشنطن بالرفض المطلق للمشاركة في أي تدخل عسكري ضد العراق، تساؤلات عن دلالات تزايد استقلالية القرار الألماني في المجالين الأوروبي والدولي.

أهلاً بكم، منذ أن طالب الزعيم (نيلسون مانديلا) واشنطن بأن تلزم حدودها إثر إعلان استيائها من قرار جنوب إفريقيا بيع أسلحة لسوريا قبل حوالي 3 أعوام، لم تسمع واشنطن من الأصدقاء كلاماً أوجع مما سمعته من الساسة الألمان في الأسابيع الأخيرة.

فقد أعلنت ألمانيا على لسان المستشار (جيرهارد شرودر) ووزير الخارجية (يوشكا فيشر) رفضها المطلق للمشاركة في أي تدخل عسكري ضد العراق حتى لو تم تحت راية الأمم المتحدة.

وحذر (شرودر) من ألعاب الحرب الأميركية، وقال إن ألمانيا لن تشارك في أية مغامرات، فقيل إنه يقصد مغامرات الإمبريالية أو إمبريالية الكاوبوي، وقال إن ألمانيا لن توقِّع على مزيد من الشيكات، ففهم أنه يقصد المساهمة الألمانية الكبيرة في تمويل حرب الخليج عام 91.

ولوضع النقاط على الحروف بشأن العلاقة الأطلسية صرح شرودر بأنه لا ينبغي الخلط بين الصداقة مع أميركا وبين التبعية لها.

ومع صعوبة القول بأن هذا الموقف هو فوق الشبهات الانتخابية، فإن الأكيد أن فيشر كان سباقاً منذ أشهر إلى تذكير واشنطن بأن لحلفائها الأوروبيين رأيهم المستقل، وإن عليها أن لا تظن أنهم لا يملكون إلا أن يدوروا في فلكها بمثل ما كانت دول أوروبا الشرقية تدور في فلك موسكو.

ولولا أن للتحقيب بالأجيال مغزىً في السياسة لما سارع المعلقون لدى فوز تحالف الحمر والخضر بزعامة شرودر وفيشر أول مرة عام 98، لما سارعوا التنويه إلى أن تلك كانت أول حكومة يتزعمها سياسي من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، الجيل الذي عبر شرودر عن رؤياه قبل مجيئه للسلطة عندما نادى بحق ألمانيا في التخلص من عقدة الذنب الموروثة من الماضي النازي، وفي التصرف بما يناسب وزنها ومقامها، وبما يخدم مصالحها كسائر الأمم.

ومما يعزز مصداقية موقف حكومة شرودر من العراق أنها هي التي أشرفت على دخول ألمانيا مرحلة النضج، فقد شاركت بقواتها العسكرية في كوسوفو، ثم في أفغانستان مُنهية بذلك نصف قرن من العزوف الرسمي والشعبي عن الاضطلاع بالمهمات العسكرية.

إلا أن الرفض المطلق للحرب على العراق الذي يمثل دليلاً إضافياً على تزايد استقلالية ألمانيا، قد أغضب واشنطن القائلة: بأن من ليس معي فهو ضدي، إلى حد إعلان أن العلاقات الأميركية الألمانية قد تسممت، وإلى حد رفض وزير الدفاع (رونالد رامسفيلد) مصافحة نظيره الألماني، فهل هي بداية تباعد بعيد الأمد بين أميركا وألمانيا اللتين حددت علاقتهما شؤون الحرب والسلم في القرن الماضي، أم أنها زوبعة دبلوماسية في فنجان الأطلسي؟

من برلين أكثم سليمان يستعرض ملامح السياسة الألمانية الجديدة.

ملامح السياسة الألمانية الجديدة

تقرير/ أكثم سليمان: ألمانيا بعد الانتخابات، المستشار الألماني الاشتراكي جيرهارد شرودر ووزير خارجيته يوشكا فيشر من حزب الخضر الفائزان في الانتخابات التشريعية الأخيرة نهاية الشهر الماضي.

زعيمان يجمع بينهما ما هو أكثر من مجرد الرغبة في الفوز.

جيرهارد شرودر: ما يجمع بيني وبين وزير الخارجية ضمن أمور أخرى هو الإيمان بأن الشرق الأوسط يحتاج الكثير من السلام، لا حرب جديدة.

أكثم سليمان: كلمات لا تعكس محاور اللقاء بين الحزبين الحاكمين فحسب، بل وأيضاً استعداداً ألمانياً غير معهود للخلاف مع حلفاء الخارج القدماء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

وما قضية العراق إلا واحدة من تلك المؤشرات المتزايدة في عهد جيرهارد شرودر على تكون شعور ألماني جديد بالثقة بالنفس، وبإمكانية تسمية الأشياء بأسمائها، سواء فيما يتعلق بالعراق، أو باتفاقية (كيوتو) البيئية، أو بمحكمة الجزاء الدولية وإن كانت المعارضة والصحف المقربة منها تنظر بعين الشك إلى تصريحات الحكومة، وترى فيها مواقف تكتيكية.

جاك شوستر (صحيفة دي فيلت الألمانية): الوضع فيما يخص العراق لم يتغير، وكان المستشار شرودر يقول -حتى قبل الانتخابات ببضعة أسابيع-: أنه ليس مضطراً للحديث في القضية مادام بوش لم يقرر مهاجمة العراق ولم يطلب مساعدة الناتو، شرودر كان يتهرب ثم طرح الموضوع فجأة، وهذا ما يثير الاستغراب.

أكثم سليمان: لكن هناك العديد من النقاط التي لا تستطيع اتهامات المعارضة الإجابة عليها، هل يعقل أن تخاطر القيادة الألمانية بثوابت السياسة الخارجية، والعلاقات مع أميركا هي إحدى تلك الثوابت كما أكدت زيارة الرئيس الأميركي إلى برلين في شهر مايو/ أيار الماضي من أجل أهداف انتخابية ثم إذا كان الناخب و رجل الشارع في ألمانيا يشعر بالامتعاض تجاه السياسة الأميركية، كما أبرزت الاحتجاجات إبان تلك الزيارة، ألا يعني ذلك إن روحاً جديدة قد طغت على الشارع الألماني قبل أن تصل شعلتها إلى الطبقة السياسة؟

أسئلة تشغل المراقبين في الهيئات العلمية والسياسية على حد سواء، حيث يميز الكثير منهم بين مرحلتين.

عمر حمزاي (محلل سياسي): المرحلة الأولى: ميزت العامين الأولين بعد وصول شرودر إلى الحكم من 1998 إلى عام 2000 وهم بالتحديد محاولة لعب دور ألماني مستقل داخل الجماعة الأوروبية بالغطاء الأوروبي، وأيضاً بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية.

المرحلة الثانية: ربما بدأت ببداية التدخل العسكري الألماني فيما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، وبداية خروج الجيش الألماني إلى خارج أوروبا للمشاركة في عمليات عسكرية، وهي بتتميز بوعي قومي واضح جداً.

أكثم سليمان: يصعب اليوم تصديق أن بوابة (برانج بورج) المشهورة وسط العاصمة الألمانية برلين والتي تجري أمامها الاحتفالات هذه الأيام بعيد الوحدة الألمانية، أن هذه البوابة كانت ذات يوم تقف في المكان الفاصل بين معسكرين متحاربين، حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي، وحلف الشمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

انهيار جدار برلين عام 1989 كان إيذان البدء بولادة ألمانيا الجديدة.

لم يشعر العالم بالتغيرات في ألمانيا إلا بعد بروز نتائجها على الساحة الدولية مع تعاظم المشاركة الألمانية في مختلف العمليات العسكرية بدءً من قصف حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليوغسلافيا (ميلوسوفيتش) إبان أزمة كوسوفو عام 1999 وصولاً إلى ما بات يعرف بعد الحادي عشر من سبتمبر / أيلول بالحرب على الإرهاب من خلال إرسال جنود ألمان كجزء من القوات المتعددة الجنسيات لحفظ السلام في العاصمة الأفغانية كابول بعد سقوط حكم طالبان، واستلام مراقبة سواحل القرن الإفريقي بواسطة سفن الأسطول الألماني.

لكن البوارج الألمانية كانت قد رفعت مراسيها وأطلقت صفارتها قبل ذلك بوقت طويل مع إعلان شرودر نهاية عهد ما بعد الحرب العالمية الثانية، عهد الخجل الألماني على صعيد السياسة الخارجية والعمليات العسكرية ومداراة هذا الخجل بواسطة دفتر الشيكات، اللغة الجديدة واثقة وواضحة في رفضها وقبولها.

فولنغانغ بيريندت (نائب من الحزب الديمقراطي الاشتراكي): بالتأكيد حدث تغيير في دور ألمانيا على ساحة السياسة الدولية منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة قبل 4 سنوات، لقد أبدينا استعداداً للقيام بواجبات دولية ونفعل ذلك على صعيد واسع في البلقان وأفغانستان والقرن الإفريقي أي أننا نتحمل الواجبات والمسؤوليات ما دامت منسجمة مع قرارات الأمم المتحدة.

أكثم سليمان: لكن المستشار الألماني الأول من جيل ما بعد الحرب العالمية يعرف حدود تحركه التي لا يمكن تجاوزها، فإذا كانت حقائق الاقتصاد والجغرافيا والديموغرافيا ستسمح بتزايد أهمية الدور الألماني أوروبياً ودولياً، وصولاً إلى منافسة الجار الفرنسي وتجاوزه، فإن حقائق التاريخ الألماني تجعل التحرك المنفرد بعيداً عن الإطار الأوروبي أو في قضايا حساسة كالصراع العربي الإسرائيلي أمراً مستحيلاً على المستويين المتوسط والقريب.

الموقف الألماني تجاه ضرب العراق

مالك التريكي: لم يشعر العالم إذن بالتغيرات الناجمة عن إعادة توحيد ألمانيا التي يُحتفل في الثالث من هذا الشهر بذكراها العاشرة إلا بعد بروز نتائجها على الساحة الدولية مع دخول ألمانيا في أول نزاع عسكري خارجي منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك عام 99 في كوسوفو، وفي أول حروبها خارج أوروبا، وذلك العام الماضي في أفغانستان.

ومع ما يُشهد الآن انتشار أكثر من تسعة آلاف من القوات الألمانية في عمليات دولية لحفظ السلام إلا أن العالم لم ينتبه فعلاً لأهمية هذه النتائج دولياً إلا بعد إعلان ألمانيا موقفها المستقل بشأن العراق..

لبحث دلالات هذا الموقف معنا المحلل السياسي الألماني (يورغن هوغريفه).

سيد هوغريفه، لقد قيل الكثير طبعاً عن أن موقف الحكومة الألمانية من الحرب ضد العراق ليس فوق الشبهات الانتخابية، ولكن أليس مما يزيد من مصداقية هذا الموقف أنها أول حكومة تقوم بإرسال جنود ألمان إلى الخارج منذ الحرب العالمية الثانية؟

يورغن هوغريفه: أنا أعتقد أن هذا تفكير قصير المدى.. لا أسمع الصوت..

مالك التريكي: أعيد السؤال مرة أخرى أستاذ هوغريفه، هل أن الموقف الذي اتخذته الحكومة الألمانية بشأن العراق لا يكتسب مصداقية إضافية بحكم كون هذه الحكومة رغم أنها تضم مناضلين قُدامى في حركة السلام الألمانية هي أول حكومة منذ نصف قرن ترسل بجنود ألمان للقتال في الخارج؟

يورغن هوغريفه: نعم، أدركنا.. شاهدنا في التقرير، لقد وصلت ألمانيا إلى مرحلة جديدة بعد 10 سنين من سقوط جدار برلين، وخاصةً مع تدخل الجنود الألمان من خلال العمليات العسكرية في أنحاء العالم، وطبعاً أن تكون هذه الحكومة التي فيها كثير من أعضاء حركات السلام السابقة تفعل هذا الأمر، فهذا يدل على مصداقية معينة.

مالك التريكي: مما لفت الانتباه أن تصريحات (شرودر) و(فيشر) لم تلقَ صدىً لدى الناخبين التقليديين في معسكر اليسار فقط، بل إنها لقيت صدىً حتى عند قطاعات واسعة من ناخبي.. من الناخبين الديمقراطيين المسيحيين، ألا يعني ذلك أن هذه الحكومة تعبر عن الرأي السائد لدى الرأي العام الألماني؟

يورغن هوغريفه: بكل تأكيد، لم تكن خطوة انتخابية فحسب، ما صرح به شرودر قبل الانتخابات الأخيرة والتأكيدات بأن ألمانيا لن تشارك في عملية عسكرية ضد العراق، لقد عكس ما يفكر به الشعب الألماني قبل ذلك أيضاً، هناك حساسية خاصة، الألمان ليسوا مستعدين للدخول مع الأميركان في حرب ضد العراق، ولكن أقول مرة أخرى أن من يقول إن شرودر فعل ذلك من أجل انتخابات، فهو يرى الأمور بشكل محدود.

شرودر كان في عام 1991 أثناء حرب الخليج الثانية، وكان وقتها رئيساً لولاية سكسونيا السفلى، كان معارضاً للحرب ضد العراق وقتها، وهو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول قال: إنه مستعد للمشاركة في ما يعرف بالحرب ضد الإرهاب، ولكنه أكد من ناحية أخرى أنه ليس مستعداً للدخول في مغامرات التي تريدها الولايات المتحدة الأميركية، وليس.. والتي تعني ليس فقط مكافحة الإرهاب، بل أيضاً البحث عن أهداف أخرى كتغيير النظام الحاكم في العراق، هذه خطة أميركية لا يتقبلها شرودر ولن يدعمها، وأكد الآن أيضاً بعد الانتخابات أنه سيلتزم بموقفه، وبالتالي فهذا ليس موقف انتخابي.

مالك التريكي: إذن هل يتعلق هذا الموقف المناهض للحرب ضد العراق بما هو معروف من رسوخ النزعة السلمية في الوجدان الألماني، أم أنه يتعلق أيضاً بنوع من فقدان الثقة في هذه الإدارة الأميركية إن لم يكن في الولايات المتحدة بأجمعها؟

يورغن هوغريفه: لا.. لا نستطيع أن نقول إن الحكومة الألمانية فقدت الثقة بالحكومة الأميركية، هذا يذهب بعيداً جداً، في الحقيقة هو مجموعة عوامل أثرت هنا، وجعلت المستشار الألماني يتخذ هذا الموقف، كما قلت سابقاً لقد قال قبل الانتخابات: إنه ليس مستعداً للمشاركة في مغامرات عسكرية، وقال أيضاً وفي أكثر من مناسبة: بأن ليس هناك برهان على أن العراق يدعم الإرهاب العالمي، ونبَّه إلى ما سيحدث عندما يُهاجَم العراق عسكرياً، وإلى أنه يتوجب أن.. أن تكون هناك خطة واضحة لعهد ما بعد الهجوم، ولذلك يصر شرودر على هذه الأساسيات، ولذلك لا يستطيع المشاركة.

أما النقطة الثانية الهامة، فهي عدم استطاعة ألمانيا المشاركة عسكرياً في عمليات عسكرية بلا نهاية، نحن لدينا الآلاف من الجنود موزعون في أنحاء العالم في أفغانستان وفي غيرها، والجيش الألماني ليس مجهزاً للمشاركة في عمليات عسكرية بهذا الحجم.

مالك التريكي: مما لوحظ -أستاذ هوغريفه- أن (توني بلير) رغم أن موقفه وموقف شرودر هما على طرفي نقيض بالنسبة للحرب في العراق، لم ينتقد موقف شرودر، وقال: إن الأسئلة التي طرحها شرودر أسئلة مشروعة، وهي تندرج في إطار جدل يحتدم في أميركا ذاتها، هل تعتقدون أن بلير يؤيد موقف شرودر، لأنه يقول ما لا يستطيع بلير أن يقوله علناً؟

يورغن هوغريفه: لا.. لا أعتقد ذلك، يجب ألا ننسى أن شرودر وبلير هم من اتجاه سياسي واحد الديمقراطية الاشتراكية.. أو الاشتراكيين إذا أردنا القول، وهم متفهمون حتى على المستوى الشخصي فيما يتعلق بقضايا عديدة، ولهم آراء مشتركة، وخاصةً من الناحية الاقتصادية.

هناك فرق وحيد هام هو كيفية التعامل مع السياسة الخارجية الأميركية وتقييم هذه السياسة لجورج بوش، أنا أعتقد أن توني بلير ساعد جيرهارد شرودر أثناء الحملة الانتخابية في عبور أو في تقليل مسافة النفق الفاصل بين واشنطن وبرلين، وخاصةً أنهم كما قلت من الديمقراطية الاشتراكية...

مالك التريكي [مقاطعاً]: هنالك طبعاً.. آسف على المقاطعة أستاذ هوغريفه.. هنالك طبعاً.. آسف على المقاطعة، هنالك طبعاً توافق بين بلير وشرودر في مسائل إدارة الاقتصاد، وحتى كان بينهما اتفاق فيما يسمى بالنهج الثالث The Third way لكن.. لكن شرودر قال كلاماً لم يقله بلير وهو أن.. أنه لا ينبغي الخلط بين الصداقة مع أميركا وبين التبعية لها، أليس هذه قضية حساسة جداً تشغل بال العالم أجمع الآن؟

يورغن هوغريفه: صحيح هذه قضية حساسة، وبشكل عام فالوضع حالياً يبرر الموقف القائم بين واشنطن وألمانيا.

ألمانيا تحاول حالياً تعريف وتمييز دورها على الساحة الدولية في السنوات الخمسين الماضية. بعد الحرب العالمية كانت ألمانيا مثالاً للثقة المطلقة والتبعية للولايات المتحدة، والآن تحاول ألمانيا أن تخرج بسياسة خاصة بها.. بأشياء خاصة بها.

مالك التريكي: المحلل السياسي الألماني السيد يورغن هوغريفه من برلين، شكراً جزيلاً لك.

في انقلاب غريب في الأدوار تجد ألمانيا التي كانت أكثر حلفاء أميركا طواعية وتبعية، تجد ألمانيا نفسها مضطرة للاستعانة بفرنسا التي هي أكثر حلفاء أميركا استقلالية واعتداداً بالذات، في وصل ما انقطع من الود بين برلين وواشنطن.

بعد الفاصل: نظرة في أثر سياسة برلين الجديدة على مستقبل المحور الألماني الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي.

[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقات الألمانية الفرنسية في ظل السياسية الألمانية الجديدة

مالك التريكي: منذ وصل شرودر إلى السلطة عام 98، بدأت بعض التوترات تطرأ على المحور الألماني الفرنسي الذي يمثل المحرك الفعلي للاتحاد الأوروبي، وتُعزى هذه التوترات لما بدا من محاولة جيرهارد شرودر إقامة علاقة متميزة مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ولما بدا من ميل شرودر إلى النموذج الأنجلوسكسوني في إدارة الاقتصاد، ثم لمحاججته بأن ألمانيا لم تعد مستعدة للعب دور بقرة الاتحاد الأوروبي الحلوب، بحيث أصبحت باريس وبرلين اللتان كانتا تصوغان جدول أعمال التكامل الأوروبي في الماضي، أصبحتا تخوضان نزاعات حول شروط توسيع الاتحاد، وحصص تمويل برامج الاتحاد، ولاسيما دعم المنتجات الزراعية.

وذهب شرودر إلى حد اتهام المفوضية الأوروبية في بروكسل بأنها مناهضة للألمان، فهل أن ترديد شرودر -في كثير من المناسبات- بأن سياسة ألمانيا الخارجية لا يتم تقريرها إلا في برلين موجه ضد واشنطن فقط أم ضد باريس أيضاً؟

معنا من باريس لبحث مستقبل العلاقات الألمانية الفرنسية خبير الشؤون الألمانية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس البروفيسور (ألفريد غروسير).

بروفيسور غروسير، لقد كسر المستشار الألماني القاعدة، فلم يقم بزيارة باريس مثلما جرت العادة بعد إعادة انتخابه، بل قام بأول زيارة للندن، هل السبب هو محاولة وصل ما انقطع من الود مع.. مع واشنطن بتوسيط لندن، أم أن هنالك رسالة أخرى موجهة إلى باريس أيضاً؟

ألفريد غروسير: قبل كل شيء أنا أعتقد أن تقديمكم للعلاقات الألمانية الفرنسية –شخصياً- لا أشاطرها، أنا أعتقد أن العلاقات الفرنسية الألمانية علاقات ممتازة ومتميزة، فقط يمكن أن أقول إن هناك فوارق في هذه السياسة، لكن منذ أمس نلاحظ أن شرودر وإن كان يختلف مع (شيراك) في بعض الأحيان فإنهما متفقان في كثير من الأحيان، فهو يقول إنه إذا قرر الرئيس بوش ضرب العراق فإنه سيرفض ذلك، لكنه إن قررت الأمم المتحدة فسنرى ما نفعل، وهذه في الحقيقة يمكن أن نقول إن هذا هو.. إن هذا هو نفس الموقف الذي تتبناه فرنسا، ولا يمكن أن ننعت الموقفين الفرنسي والألماني بأنهما متناقضان، بينما توني بلير ينحاز للموقف الأميركي، وهذا يختلف عن بلير وشيراك.

مالك التريكي: فعلاً لقد تبين بعد الاجتماع بين الرئيس شيراك والمستشار شرودر في الإليزيه أن الموقف الفرنسي أقرب إلى موقف ألمانيا مما كان متصوراً، لكن هنالك خلافات أخرى في مسألة توسيع الاتحاد الأوروبي وتمويل برامج الاتحاد الأوروبي، الآن أليس الموقف الفرنسي متحفظاً بسبب عضوية فرنسا في مجلس الأمن، بينما تسمح ألمانيا لنفسها باتخاذ موقف مستقل، لأنها ليست عضواً دائماً في مجلس الأمن؟ وهل يعيد هذا طرح ضرورة انضمام ألمانيا إلى مجلس الأمن؟

ألفريد غروسير: لأ، أنا أعتقد أن ألمانيا سترأس عما قريب مجلس الأمن الدولي، وأنا شخصياً أرجو أن لا تكون –أبداً- ألمانيا عضواً دائماً في مجلس الأمن، حتى لا تسيطر الدول الغنية على هذا المجلس، وإلا فعلى الصين وعلى البرازيل أن تكونا عضوين في مجلس الأمن، هذه رغبتي الشخصية.

ولا أعتقد أن الخلافات الفرنسية الألمانية حول توسيع الاتحاد ليست خاصة بالبلدين، هناك اختلافات فرنسية بولونية حول توسيع الاتحاد وحول أمور أخرى، أنا أعتقد أن توسيع الاتحاد والأمور الأخرى تقتضي بطبيعة الحال وبالضرورة اختلافاً بين الكثير من أعضاء الاتحاد، وكما قال ذلك (جيسكار دي ستان) الرئيس الفرنسي السابق.

مالك التريكي: هل توافقون -بروفيسور غروسير- على أن شرودر وفيشر قد عبرا برفضهما للحرب ضد العراق، قد عبرا عن الموقف السائد لدى المواطنين الأوروبيين الذين هم أشد حساسية نحو معاناة المواطنين العراقيين؟

ألفريد غروسير: أنا أعتقد أن المعزول اليوم في الاتحاد الأوروبي وفي الفضاء الأوروبي بشكل عام هو توني بلير، يمكن أن نقول أن توني بلير معزول على المستوى الأوروبي، لأن شرودر لا يعارض الولايات المتحدة، وإنما يعارض سياسة الرئيس الحالي (جورج بوش)، ولا يعني هذا بالضرورة أنه لا يعترف بأن صدام حسين ديكتاتور يضغط على شعبه ويقمع شعبه، لكن شرودر وشيراك يعبران صراحة بأن تفرض الولايات المتحدة رأيها وحربها على الجميع دون تشاور ودون المرور بمجلس الأمن الدولي.

مالك التريكي: ألا ترون أن موقف شرودر في هذا السياق يمكن أن يعتبر موقفاً ديجولياً بامتياز؟

ألفريد غروسير: لا أعتقد ذلك، فالجنرال (ديجول) وشرودر كذلك كلاهما كان دائماً حليفاً للولايات المتحدة عندما تنشب أزمة خطيرة على المستوى العالمي، فحينما نشبت أزمة الصواريخ كان ذلك.. كانت فرنسا في حالها، نسقت فرنسا يومها مواقفها مع الألمان، و.. لكن يمكن أن نقول أن هذه قاعدة عندما تنشب الأزمات.

مالك التريكي: بعض المعلقين الأميركيين أو أكثرهم حذروا ألمانيا أنها إذا لم تغير موقفها من ضربة العراق، فإن أميركا ربما تتخذ إجراءً انتقامياً، لكن معلقاً أميركياً من المغردين خارج السرب قال: إن أميركا مخطئة إذا كانت تظن أن أوروبا تعتمد عليها، بل إن أميركا التي تعتمد على أوروبا، وخاصة على ألمانيا، هل تشاطره هذا الرأي؟

ألفريد غروسير: نعتقد أننا نعتمد على الولايات المتحدة في بعض الأمور العلمية والعسكرية، وأيضاً الولايات المتحدة يعتمدون على أوروبا في بعض الأمور الأخرى، فنحن بكل تأكيد بحاجة إلى العون العسكري الأميركي في بعض الأمور، وما يقوله المحللون الأميركيون مختلف، فهناك على الأقل محلل أميركي هو (آل جور) قد تحدث كما تحدث شرودر وشيراك.

مالك التريكي: أستاذ غروسير، عندما ذكرت الموقف الديجولي –طبعاً- كنت أقصد أن عام 66 الجنرال ديجول سحب القوات الفرنسية من القيادة الموحدة لحلف الأطلسي، وكان ذلك سبباً في نقل المقر إلى بلجيكا من فرنسا.

ألفريد غروسير: هذا صحيح، فعام 66 سحب ديجول القوات الفرنسية من قوات (اللوتان)، لكنه ظل عضواً في الحلف.

مالك التريكي: الأستاذ ألفريد غروسير (خبير الشؤون الألمانية، وبروفيسور العلوم السياسية بجامعة باريس) لك جزيل الشكر.

وبهذا -سيداتي سادتي- تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.