مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

د. بوريس كاغارليتسكي: نائب رئيس تحرير صحيفة نوفايا جازيتا
جوديث أريناس: متحدثة باسم منظمة العفو الدولية

تاريخ الحلقة:

01/09/2002

- عناصر المأساة الشيشانية بين صراع الإرادات المتقاتلة ومعاناة الشعب الشيشاني
- الحرب في الشيشان من وجهة النظر الروسية

- قضية حقوق الإنسان في جمهورية الشيشان

مالك التريكي: في أعقاب تزايد الخسائر البشرية في صفوف القوات الروسية في الشيشان، تساؤلات حول احتمالات الوصول إلى حل سياسي في ضوء إصرار موسكو على الاستمرار في قمع ما تسميه بأعمال الإرهاب.

أهلاً بكم، منذ عامين ونصف والكريملين يردد بأن روسيا انتصرت في الشيشان، ومنذ عامين ونصف والرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) يكرر بأن ما يسميه المرحلة العسكرية من الحرب ضد الشيشان قد انتهت، وذلك في إيحاء بأن المرحلة الحالية مرحلة غير عسكرية، رغم أن ما لا يقل عن 80 ألف جندي روسي لا يزالون ينتشرون في جمهورية الشيشان، وقد تضافرت مزاعم النصر الروسية هذه مع التعتيم الإعلامي الذي تفرضه موسكو على هذه المنطقة القصية من القوقاز ومع لامبالاة الدول الغربية حتى أنست العالم المتمدن حرباً فظيعة تشنها دولة كبرى ضد ما تدعي أنه أقلية من أقلياتها، هذه الأقلية التي قاومت التوسع الاستعماري الروسي طيلة قرن كامل، وكانت آخر معقل من معاقل القوقاز يسقط في أيدي قوات القيصر عام 1859م.

إلا أن مقتل ما لا يقل عن 118 ضابطاً وجندياً روسياً في حادثة إسقاط طائرة هليكوبتر يوم التاسع عشر من الشهر الماضي في جمهورية الشيشان وإسقاط مروحية أخرى يوم السبت قد أعاد تذكير العالم بهذه الحرب التي تعود أن يتناساها، إذ إن إسقاط الطائرة الروسية يمثل أفدح خسارة في الأرواح يتكبدها الجيش الروسي في الشيشان في عملية واحدة منذ عامين، بل إنها كانت أكبر حتى من الكمين الذين نصبه المقاتلون الشيشانييون في فبراير عام 2000 وأدى إلى مقتل 84 من الجنود المظليين الروس، وقد تزايدت الهجمات الشيشانية في الأسابيع الأخيرة في أعقاب توحيد مختلف فصائل المقاتلين تحت قيادة واحدة وأعلنت مصادر الحركة الاستقلالية الشيشانية أن هذه الهجمات لن تتوقف حتى تقبل الحكومة الروسية بالدخول في مفاوضات سلام وجددت التأكيد.. بل جددت التأكيد على أن غايتها لا تزال تتمثل في السعي إلى الاستقلال.

وكان الهجوم الشيشاني الأخير قد جدد الأمل في أن تعيد الحكومة الروسية النظر في جدوى استمرار هذه الحرب التي تشنها القوات الروسية ضد منطقة تعتبرها جزءًا من بلادها، منطقة بائسة وصف الرئيس (بوتين) نفسه الوضع فيها بأنه مأساوي، إلا أن الكريملين لا يزال متمسكاً رسمياً بالموقف القائل بأن المقاتلين الشيشانيين إرهابيون وبأن الاستقلاليين متمردون وبأنه لم يقبل بأقل من استسلامهم من دون قيد أو شرط.

ياسر أبو النصر يستعرض عناصر المأساة الشيشانية بين صراع الإرادات المتقاتلة ذات الأهداف السياسية والمحلية والإقليمية والدولية، ومعاناة شعب يقاوم فيُقمع ويقتل ويشرد دورياً منذ أكثر من قرن.

عناصر المأساة الشيشانية بين صراع الإرادات المتقاتلة ومعاناة الشعب الشيشاني

تقرير/ ياسر أبو النصر: عادت دراما الخسائر الروسية الفادحة في الشيشان تقتحم وعي الروس من جديد مع مسلسل إسقاط الطائرات أخيراً وأبرزها طائرة MI26 مما أودى بحياة 118 عسكرياً، وبددت تلك العمليات أملاً داعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما أمر جنوده بالتوجه إلى الشيشان في الحملة الثانية الممتدة منذ سبتمبر 1999، أملٌ بأن تختفي الشيشان من الصفحات الأولى للصحف وواجهة نشرات الأخبار، لكن حلم بوتين يبدو الآن بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى بعد توحد قادة المقاتلين الشيشان تحت راية (أصلان مسخادوف) رئيساً للدولة الشيشانية ذات التوجه الإسلامي التي يسعون لإقامتها والقائد الصلب المراز (شامل باساييف) نائباً له وعضوية القائد العربي أبو الوليد الذي خلف خطاب في قيادة قطاع مهم من العمليات.

نتائج مهمة خرج بها مؤتمر القادة الشيشان الذي عقد في أواخر يونيو وأوائل يوليو الماضي سواء فيما يتعلق بنتائج إعادة تشكيل بنية المقاومة الشيشانية أو تعديل دستور دولة ما بعد التحرير ليتوافق مع الشريعة الإسلامية، لكن أهم رسالة حملتها تلك الاجتماعات أنه لم يحن بعد للروس أن يناموا ملء الجفون، فسوف تطارد أحلامهم أشباح 3320 قتيلاً روسياً و6400 جريح منذ بدء الحملة الثانية وفقاً لإحصاءات رسمية روسية ادعت أيضاً أن أرواح 12700 مقاتل شيشاني قد حُصدت فيما تفيد منظمات حقوق الإنسان أن نحو 160 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال قد أصبحوا مشردين.

حصاد مر توارت مفرداته خلال الأشهر الماضية وراء سحابة الحادي عشر من سبتمبر التي عمقت الجرح الشيشاني وحولت المشكلة من قضية شعب يسعى للاستقلال إلى مشكلة جماعات من الإرهابيين وفقاً لمعايير ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، تلك المعايير التي لم يفت بوتين أن يستثمرها مزايداً بأن بلاده تقف مع واشنطن في خندق واحد ضد إرهاب الإسلاميين، وراء الغمامة الحادي عشر من سبتمبر ارتفع منحنى انتهاكات حقوق الإنسان خلال الشهور الثمانية الماضية على نحو تشير تقارير المنظمات الحقوقية أنه غير مسبوق، الانتهاكات بكل تنويعاتها من إعدامات فورية إلى اعتقالات عشوائية، إلى عمليات تعذيب واغتصاب إلى رشى باهظة من أجل إطلاق سراح المدنيين، ووفقاً لإفادات الشهود لمنظمات حقوق الإنسان تتخذ هذه الخروق من مصطلح الـCleanse أو المسح عنواناً لها، فتقوم قوات الأمن الروسية –التي حلت محل الجيش في معظم المواقع- بتمشيط قرى ومواقع تشتبه في وجود المقاتلين فيها وإعدامهم في أماكنهم، من ينجو من المدنيين يجد في انتظاره حواجز للتفتيش تحولت إلى ساحة للابتزاز والرشوة، من لا يحمل مثل هذه البطاقة يُدفع به إلى معسكرات التصفية، ومن يحملها يتعين عليه دفع رشىً باهظة لإطلاق سراحه، أما ما يحدث في المعتقلات التي يختفي في غياهبها المئات من دون أن يظهروا ثانية، فلا يكاد تقرير لمنظمات حقوق الإنسان حول الشيشان يخلو من الحديث عنها.

تحت لافتة محاربة الإرهاب بمفهومها الملتبس أُطلقت يد قوات الأمن الروسية في الشيشان بعيداً عن مراقبة المنظمات الحقوقية التي مُنعت من دخول الأراضي الشيشانية وأصم حلف شمال الأطلسي الناتو أذنه عن سماع مناشدات تلك المنظمات للوقوف بحزم في وجه تلك الانتهاكات قبل أن يضع قادته يدهم في يد القيادة الروسية مع توقيع اتفاقية مجلس العشرين في مايو الماضي، وقبلها بأيام هُمِّش ملف حقوق الإنسان في الشيشان في أجندة القمة الروسية الأميركية لصالح اتفاق خفض الأسلحة النووية الذي مال بوضوح لصالح واشنطن، لم تتذكر الإدارة الأميركية هذا الملف المخجل منذ يناير الماضي إلا عبر تصريحات خجول قبل أيام للمتحدث الأميركي (أري فليشر) فسرت في إطار الترهيب الأميركي من التقارب الروسي –العراقي، والترغيب في الوقت نفسه في الصمت عند تنفيذ الهجوم على العراق.

ألعاب سياسية قد لا يعيرها المقاتلون الشيشان الكثير من الاهتمام، فجل اهتمامهم يصب في مجرى السؤال: كيف ومتى يرحل آخر جندي روسي من الشيشان؟ تساؤل يبدو بوتين غير مستعد للإجابة عليه الآن رغم الخسائر الأخيرة ذات العيار الثقيل، وقد تتطلب الإجابة عليه حسابات معقدة تتعلق بالداخل الروسي، الذي ربما يحتاج إلى المزيد من الحروب المقدسة لتأمين استمرارية بوتين.

الحرب في الشيشان من وجهة النظر الروسية

مالك التريكي: بلغت خسائر القوات الروسية في الشيشان منذ بدء الحملة الثانية عام 99 إذن ما لا يقل عن 3320 قتيلاً و6400 جريح، إلا أن من المحتمل أن تكون الخسائر الفعلية أفدح نظراً إلى أن الاحصائيات المذكورة رغم ارتفاعها النسبي هي الأرقام الرسمية التي أعلنتها الحكومة الروسية، وبهذا يكون الرئيس فلاديمير بوتين الذي وصل إلى الرئاسة –باعتباره الرجل الذي سيخلص روسيا من مشكلة الشيشان تخليصاً نهائياً- قد فشل على ما يبدو في تحقيق آمال الشعب الروسي، لمناقشة حرب الشيشان من وجهة النظر الروسية، معنا من موسكو الدكتور بوريس كاغارليتسكي (نائب رئيس تحرير صحيفة "نوفايا جازيتا").

دكتور كاغارليتسكي، الرئيس بوتن وصل إلى الرئاسة بوعد بأنه سيخلص الشعب الروسي من المشكلة الشيشانية تخليصاً حاسماً سريعاً ونهائياً، ما هو حكم الشعب الروسي عليه الآن والخسائر أنباؤها تتوالى كل يوم؟

د. بوريس كاغارليتسكي: من الناحية الاجتماعية الوضع يتغير بشكل دراماتيكي منذ بدء العملية، في البداية كان الشعب الروسي –بغالبيته- يؤيد هذه الحرب، ولكن التأييد تضاءل وفي تضاؤل مستمر، ويستمر في التضاؤل حالياً ونحن نتحدث في هذه اللحظة وربما لا يتعدى كونهم كان نسبته أكثر من 25 إلى 28% بل إن الغالبية الآن هي ضد الحرب بينما كان العكس في البداية والرأي الغالب الآن يدعو إلى هدنة وإلى التفاوض، ولكن لو نظرنا إلى النخبة الروسية نجد إنها الآن تعاني من مشكلة، لأن كل فرد منهم قال إن على الحرب أن تُكسب من دون أية شروط ومن دون أية مفاوضات، ومن أي تفاوض مع الشيشانيين، ولكن الآن لو كان لهم أن يقولوا ويعلنوا إن الحرب يجب أن تتوقف أم السلام يجب أن يحل فإن موقفهم في مأزق من هذه الناحية ومعظمهم سوف يخسر وظائفه ومواقعه بسبب ذلك.

مالك التريكي: إذن هل يجوز القول بأن الرئيس بوتن –شخصياً- محجم عن الدخول في أية مفاوضات سياسية مع أصلان مسخادوف، لأن الحرب الشيشانية قد أوصلته –بكل بساطة- إلى السلطة؟

د. بوريس كاغارليتسكي: أعتقد إنه ليس بوتن وحده شخصياً فقط، بل إن رئيس روسيا بالطبع له سلطات هائلة وقد تجعله لا يكترث بما يقوله الناس حوله، والمسألة أكثر تعقيداً من ذلك لأن الطبقة السياسية الروسية بدت مقتنعة بعدم إجراء أي تفاوض مع الشيشانيين، وهذا ما يجعل الرئيس بوتن لا يريد تغيير موقفه البتة، لأنه لو غير موقفه فإنه يواجه خطر الهجوم من الخلف والطعن من الخلف من قبل الطبقة السياسية، ولأنه هو الذي يقود الطبقة السياسية في روسيا، ولو بدأ بالتفاوض مع الشيشانيين فإنه يجازف ويعرض نفسه للهجوم من قِبَل معسكره الخاص به.

مالك التريكي: لكن النتائج الميدانية –خاصة في الأسابيع الأخيرة- تبين أن الاستراتيجية الروسية ليست استراتيجية ناجعة، هنالك خسائر كبرى تتكبدها القوات الروسية، هل إن الاستراتيجية الروسية الآن مجمع عليها أم هنالك انتقادات لها على أنها غير ناجحة؟

د. بوريس كاغارليتسكي: أولاً المؤسسة العسكرية.. الاستراتيجية العسكرية، الروسية لم تكن ناجحة منذ البداية، لأنهم أخفقوا في القضاء على المجموعات الفدائية المقاتلة، وأيضاً أوصلوا الوضع إلى نوع من الطريق المسدود قبل حوالي سنة من الآن من دون إحراز أي نتيجة وإنجاز يذكر، والآن وحرب مثل حرب الشيشان -وكما حدث في حرب أفغانستان سابقاً، -فإن الفدائيين استطاعوا الحصول على نوع من الأسلحة المقاومة للطائرات وبدؤوا باستخدامها وإسقاط الطائرات المروحية، فإن هذا يعني إن تغيراً في حظوظ الجيش الروسي قد حدث فعلاً، ورغم القوات البرية التي يمتلكها الجيش الروسي، فإنه غير قادر على إلحاق الهزيمة بالمقاتلين الشيشانيين وكانت.. كان التفوق الجوي للروس هو في الجو وفور ما حصل المقاتلون على أسلحة مضادة للطائرات فإن الوضع قد تغير تبعاً لذلك.

مالك التريكي: هنالك تفسيران الآن لتزايد العمليات الشيشانية ضد القوات الروسية، رأي يقول إن أصلان مسخادوف ربما قرر انتهاج العنف سبيلاً وحيداً للحصول على الاستقلال، ورأي آخر يقول إنه يسعى إلى تكبيد روسيا خسائر كبيرة لمجرد إرغامها على الدخول في مفاوضات، ما هو الرأي المرجح في الدوائر الروسية؟

د. بوريس كاغارليتسكي: أولاً إنه ليست.. ليس القتال فقط يحدث في.. في الشيشان، بل هناك مفاوضات أيضاً وقبل عدة أسابيع كان هناك لقاء بين مسؤولين روس وشيشانيين في (لنكنشتاين) والمسؤولين الروسيين لم.. لم يكون حقيقة مسؤولين معتمدين من قبل الحكومة الروسية ولكنهم كانوا.. كان أحدهم هو مفاوض سابق للروس في الشيشان، ولذلك كانت المفاوضات على حد معين فقط، وكان يحاول.. كان الروس يحاولون تطبيق شقي الاستراتيجية من جهة يحاولون زيادة.. الشيشانيين كانوا يحاولون تطبيق شقي الاستراتيجية إلحاق خسائر من جهة والتفاوض من جهة أخرى.

مالك التريكي: لكن الشيشانيين طالبوا ببعث أو بإيفاد مبعوث شخصي للرئيس بوتين إلى.. إلى الشيشان لأنهم يقولون أن (أحمد قاديروف) ليست له أي سلطة فعلية، وهم يريدون أن يتفاوضوا مع شخص له القدرة على إبرام اتفاقيات، ولكن موسكو لم تستجب لذلك.

د. بوريس كاغارليتسكي: نعم تماماً، والسبب في ذلك لأن موسكو من قبل تعتمد على قاديروف من قبل والفريق الملحق به، ولهذا السبب لا يريدون التفاوض خلافاً لذلك، وأيضاً لأن الحكومة المحلية التي أسسوها في.. في الشيشان يخافون من الدخول في أي اتفاق، ومجموعة قاديروف لم تنتخب أبداً بل جاءت.. ويشعرون بعزلة كاملة داخل الشيشان ولهذا السبب هم ضعفاء ومحدودو القوة ولا يستطيعون التأثير في مجريات الأمور.

مالك التريكي: وصلت الأمور أخيراً إلى حد قصف الطائرات الروسية لمنطقة وادي (بانكيزي) في جورجيا وهنالك تلاسن بين البلدين، ويبدو أن أميركا تراجعت نوعاً ما عن نهج التقارب مع موسكو حيث تحدثت عن العدوان الروسي على جورجيا، ثم أعادت فتح الملف الشيشاني مجدداً، هل هنالك الآن تسابق جديد على مناطق النفوذ بين أميركا وروسيا في القوقاز؟

د. بوريس كاغارليتسكي: الوضع في جورجيا معقد ومتخبط لا يسهل فهمه، لأن جورجيا هي حليف للأميركان والأميركان هم حلفاء للروس، والروس يهاجمون جورجيا، وأن على الروس أن.. أن يظهروا إنهم يلحقون الهزيمة بشكل ما بالشيشانيين وربما يستخدمون الهجمات ضد جورجيا كنوع من ممارسات العلاقات العامة، ولكن هذا العمل برمته خطر سياسياً وأعتقد أن الأميركان سوف يقفون منها موقف المعارض بقوة، لأن.. لأنها إجراءات تزعج الأميركيين.

مالك التريكي: دكتور بوريس كاغارليتسكي (نائب رئيس تحرير صحيفة "نوفايا جازيتا) من موسكو شكراً جزيلاً لك.

وصفت الحرب الأولى في الشيشان من عام 94 إلى عام 96 بأنها من أسوأ الحملات العسكرية في القرن العشرين على الإطلاق، وذلك بسبب هول فظائعها وجسامة الانتهاكات التي ارتُكبت إبانها، أما الحرب الثانية المستمرة منذ عام 99 فإن المصادر المستقلة تؤكد أن حقوق الإنسان تهدر فيها بشكل إجرامي ومتوحش.

بعد الفاصل نظرة في الوضع الإنساني في جمهورية الشيشان.

[فاصل إعلاني]

قضية حقوق الإنسان في جمهورية الشيشان

مالك التريكي: كانت الدول الغربية في السنوات الماضية تتذكر من حين لآخر جمهورية الشيشان فتطالب الحكومة الروسية بعد استخدام القوة بانتهاج الحلول السياسية السلمية، بل وباحترام حقوق الإنسان في الشيشان إن تعذر احترام حق تقرير المصير، فقد وُصفت الحرب الأولى في الشيشان من عام 94 إلى عام 96 بأنها من أسوأ الحملات العسكرية في القرن العشرين على الإطلاق بسبب هول فظائعها وجسامة الانتهاكات التي ارتكبت خلالها، أما الانتهاكات التي لا تزال تُقترف منذ بداية الحرب الثانية عام 99، فقد بلغ من فظاعتها ووحشيتها أن عدداً من المنظمات الحقوقية والإنسانية طالبت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دورتها الأخيرة في جنيف بإصدار قرار بشجب ما تقوم به القوات الروسية من هدر لحقوق المدنيين في الشيشان، وتطالب روسيا بوقفها على الفور وبالتحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها، لكن اللجنة صوتت بأغلبية ستة عشر صوتاً ضد خمسة عشر صوتاً بعدم إصدار مثل هذا القرار، وقد كانت منظمة العفو الدولية من المنظمات التي اعتبرت أن عدم إصدار القرار يعني أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد خذلت ضحايا الانتهاكات الجسيمة في الشيشان.

معنا من لندن لبحث قضية حقوق الإنسان في جمهورية الشيشان السيدة جوديث أريناس.. سيدة جوديث أريناس (المتحدثة باسم منظمة العفو الدولية).

سيدة أريناس، لقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن وصفت عدم تصويت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على قرار بشجب انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان بأنها غض للطرف عن انتهاكات جسيمة وخذلان للضحايا.. ضحايا الانتهاكات، ما هي الملابسات في عدم التصويت على القرار؟ لماذا لم تصوت الأغلبية على هذا القرار؟

جوديث أريناس: للأسف إن العالم تغير منذ الحادي عشر من سبتمبر، وإحدى الأمور التي لاحظناها إن القوى الكبرى في العالم الآن تبدو أكثر استعداداً لغض النظر وللصفح عن انتهاكات حقوق الإنسان بسبب دعم الحرب ضد الإرهاب، والذي يبدو إنه يترجم إنه عدم مبالاة لمعاناة الناس في العالم وبضمنهم الشعب الشيشاني الذي سُجلت بحق نسائه وأطفاله الآلاف من انتهاكات حقوق الإنسان، ليس من قبل القوات الروسية بل من قبل المقاتلين الشيشان أنفسهم أيضاً.

مالك التريكي: ترد أنباء متقطعة بسبب التعتيم الإعلامي المفروض في الشيشان ترد أنباء متقطعة عن انتهاكات حقوق الإنسان، أنتم توثقون الانتهاكات هناك، ما هي الأنماط السائدة لانتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان؟

جوديث أريناس: إن ما نلاحظه في منظمتنا من خلال الزيارات إلى البلدان المجاورة للشيشان بسبب كما ذكرتم غلق الأبواب أمام الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان، فلم نكن قادرين على الدخول إلى الشيشان، ولكن تحدثنا إلى النازحين، وهناك أنماط تدعو للقلق حقاً بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، هناك اعتقالات عشوائية وإساءة المعاملة أثناء الاعتقال وممارسات تعذيب وضرب ضدهم، واغتصاب للنساء حتى بضمنهم اعتداءات على نساء حوامل، وسمعنا عن هناك قصص من الأقارب الذين لم يُسمح لهم بسماع أية معلومات عن الأماكن التي يعتقل فيها أقاربهم، وأيضاً رأينا الكثير من الأدلة على ممارسات منهجية لقتل المدنيين في أثناء الاعتقال وخارجه أيضاً.

مالك التريكي: من الأمور التي حصلت عليها الحكومة الروسية أخيراً هي إدخالها في مجلس الشراكة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، هذا الحلف له بند يتعلق بحقوق الإنسان وإقامة حكم القانون، وقد استعمل هذا البند مع دول مثلاً مثل كرواتيا، هل تمارسون أي ضغوط لدى حلف الشمال الأطلسي من أجل فرض احترام حقوق الإنسان في روسيا؟

جوديث أريناس: نعم، حاولنا ذلك، وحاولنا التأثير في منظمة حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، اللي بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لأن ذلك لا يشمل فقط دولة روسيا الاتحادية، بل يعني المجتمع الدولي برمته، الذي يجب أن نرسل إليه رسالة واضحة، لأن الانتهاكات في الشيشان يجب أن لا يسمح لها بأن تستمر، هذه الممارسات يجب أن لا تستمر، لأن هناك أعداد هائلة من الناس تعاني منها، وعلينا أن نقدم دعمنا ونمارس ونلعب دورنا، فدول مثل الولايات المتحدة، ومنظمة الناتو، والاتحاد الأوروبي عليها كلها مسؤوليات من أجل إيقاف مثل هذه الانتهاكات، وعدم تكرار الأفعال هذه في المستقبل.

مالك التريكي: مما طالبت به منظمات الحقوق.. منظمات حقوق الإنسان عامة، ومنظمة العفو الدولية خاصة هو القيام بتحقيقات جنائية داخل روسيا، السلطات الروسية تقول إنها قامت بتحقيقات، ما هي معلوماتكم عن هذه التحقيقات؟

جوديث أريناس: نحن نعتقد إن إحدى المشكلات الكبيرة للوضع في الشيشان هو أن القادة العسكريين يشعرون بأنهم محصنين، ولا يتعرضون لأي مساءلة، حتى لو مارسوا أعمال القتل والتعذيب، أو ما شاكل ذلك من انتهاكات، ولكي نوقف مثل هذا الشعور بالحصانة علينا أن نقوم بشن تحقيق دولي مستقل، والسبب في ذلك وسبب هذه المطالبة إن الاتحاد الروسي قد أثبت أنه عاجز تماماً وغير كفء على الإطلاق في وقف انتهاكات حقوق الإنسان هذه، ووفقاً للإحصاءات والأرقام الرسمية إن هناك أكثر من أربعمائة قضية رُفعت ضد المسؤولين في.. في الشيشان، ولكن 14.. آسف خمسة عشر شخصاً فقط تمت إدانتهم، وعدد قليل فقط من القضايا وصل للمحاكم فعلاً، وهناك.. وهناك أناس اتهموا بقتل واغتصاب، مثلاً اغتصاب وقتل طفلة شيشانية، ولكن لم.. لم يُتخذ أي إجراء ضد الشخص المعني، وعلى المجتمع الدولي أن يمارس الضغوط على روسيا ليجبرهم على الكف عن مثل هذه الممارسات.

مالك التريكي: لقد سبق لمنظمة العفو مثلاً أن وصفت العمليات التي تسمى انتحارية، وتسمى فدائية أو استشهادية، وصفتها بأنها بمثابة جرائم ضد الإنسانية، ألا يبلغ مسلك القوات الروسية في الشيشان.. في الشيشان مبلغ الجرائم ضد الإنسانية أيضاً في عرف منظمة العفو؟

جوديث أريناس: أعتقد أن القضية تقوم على أساس أن هناك مؤشر واضح على أن القوات الروسية قد شنت غارات على العديد من القرى الشيشانية، وأظهرت عدم اكتراث كامل بحقوق الإنسان وأوضاع المدنيين، وتمت الإغارة على أماكن المدنيين، واختفوا مدنيين بسبب ذلك، وإحدى أكبر بواعث القلق لدينا إن بعض هذه الأمور تتم، ولدينا أدلة على ذلك، ولكن هناك أيضاً ممارسات عنصرية تحصل خارج الشيشان نفسها في روسيا مثلاً عندما يُشك بأن الشخص ينتمي إلى العرق الشيشاني وحتى في أماكن مثل العاصمة موسكو مثلاً حصلت انتهاكات ضد أُناس يشك بأنهم شيشانيين، وهذا يعطينا فكرة عن المدى الذي لا تمانع فيه السلطات الروسية من الوصول إليه في إساءة معاملة الشيشانيين.

مالك التريكي: السيدة جوديث أريناس ( المتحدثة باسم منظمة العفو الدولية من لندن) لك جزيل الشكر.

وبهذا سيداتي سادتي تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها.

دمتم في أمان الله.