مقدم الحلقة:

مالك التريكي

ضيوف الحلقة:

فرانسيس بويل: أستاذ القانون الدولي بجامعة الينويز في شامباني
د. ناصر أمين: رئيس مركز استقلال القضاء - القاهرة

تاريخ الحلقة:

17/10/2002

- موقع القانون الدولي من الثقافة السياسية الأميركية
- الكونغرس الأميركي والتدخل في السياسة الخارجية الأميركية

- حقيقة خطورة القانون الدولي على المصالح القومية الأميركية

مالك التريكي: بعد تزايد تجاوزات الولايات المتحدة الأميركية للقواعد الأممية والمؤسسات المتعددة الأطراف، تساؤلات عن أثر الاستثنائية الأميركية على مستقبل القانون الدولي.

أهلاً بكم، القول بأن على الأميركيين أن يقبلوا التضحية بجزء من سيادتهم في سبيل القضية النبيلة التي تمثلها العدالة الدولية أمر مثير للضحك، فالقانون الدولي لم يهزم (هتلر) ولم يحقق النصر في الحرب الباردة، بهذا الوضوح عبر الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي (جيسي هالمس) عن موقف جُلِّ الطبقة السياسية الأميركية من القانون الدولي، وهو موقف من الدغمائية الجازمة الواثقة بحيث ينطبق عليه قول رجل الدولة الفرنسي (إدجارفور): أن تكون دوماً على حق فذلك خطأ جسيم.

ذلك أم مسلك الولايات المتحدة الأميركية في الأعوام الأخيرة يوحي بأنها تعتقد أنها دوماً على حق كإرادة سياسية وكنظام قانوني داخلي إزاء القانون الدولي، إذ لم يكن تشريع الكونجرس الأخير الذي يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل سوى أحدث مثال على سلسلة من القرارات التي اتخذتها واشنطن خلال الأعوام الأخيرة، وتمسكت بها رغم أنها تتنافى مع القانون الدولي، بل إن قانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس الذي أصدره مجلس الشيوخ في صيغة أولى عام 95 منافٍ حتى للدستور الأميركي ذاته، لأنه يتعدى على صلاحيات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، فسائر الدول متواضعة على رجحان القوانين والمعاهدات الدولية على القوانين الداخلية، بدليل أنها تعدل دساتيرها وقوانينها بما ينسجم مع أحكام المعاهدات الدولية التي تنضم إليها، أما الولايات المتحدة فقد دأبت في الأعوام الأخيرة على تجاوز القانون الدولي أو تجاهله كلما تعارض مع قوانينها أو سياساتها الداخلية مثلما كان في جوانتنامو من انتهاك لاتفاقية جنيف حول أسرى الحرب، أو ما كان أخيراً من انتهاك القانون الدولي الذي يعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أرضاً محتلة.

ويتخذ التجاهل عادةً شكل إعراض عن الانضمام لمعاهدات دولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو أحد عهدين متممين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان، واتفاقية إنهاء التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية (كيوتو) لتغيرات المناخ، ومعاهدة حظر التجارب النووية، والمعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية.

أما أغرب أشكال تجاوز القانون الدولي في أميركا فيتمثل في إقدام الكونجرس قبل بضعة أعوام على سن قوانين، مثل قانون (برتن وهالمس) وقانون (داماتو) اللذين ينصان على فرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران أو ليبيا أو كوبا، هذا المسلك الشاذ يثير أسئلة متشابكة تتعلق أساساً بموقع القانون الدولي من الثقافة السياسية الأميركية، كما تتعلق بحدود التماس الدستوري والعملي بين صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية في توجيه السياسة الخارجية، مثلما يبين ثابت البرديسي في هذا التقرير من واشنطن.

موقع القانون الدولي من الثقافة السياسية الأميركية

تقرير/ثابت البرديسي: الكونجرس الأميركي هو الهيئة التشريعية، وتأثيره على السياسة الخارجية الأميركية أكبر بكثير مما قد يبدو عليه الحال من خارج أميركا.

جيمس ثوربر (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية- واشنطن): التدخل موجود منذ العهد الاستعماري لقد تعامل الكونجرس مع القضايا الدولية طوال تاريخه.

ثابت البرديسي: والكونجرس هو الذي يخصص المقررات المالية للإنفاق الحكومي، وهو الذي يوافق أو يرفض تعيين أشخاص كوزراء خارجية أو دفاع أو سفراء، كما أن من حقه مساءلة الوزراء ومطالبتهم باتخاذ سياسات معينة إزاء هذه الدولة أو تلك.

وأحد الأمثلة الصارخة على تدخل الكونجرس في السياسة الخارجية –حتى بما يتعارض مع القانون الدولي- التصويت على قرار نص على اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ورغم أن من حق الرئيس الاعتراض إلا أن ذلك التشريع بالتحديد ضم بنوداً أخرى كثيرة واختارت حكومة الرئيس بوش التوقيع على القانون مع القول بأن البنود الخاصة بالقدس ستعتبر استشارية، لكن المراقبين يرون أن بنوداً كثيرة من التشريع سيتعين على الحكومة أن تنفذها.

سينثيا ماكيني (عضو الكونجرس من ولاية جورجيا): إما أن تكون القدس هي العاصمة أو ليست هي العاصمة، وإذا كان هناك ما يكفي من أعضاء الكونجرس ممن يرون أن القدس هي العاصمة، فإن الرئيس لا يستطيع فعل شيء حول ذلك، إلا ربما تأخير الموضوع.

جيمس ثوربر: مسألة القدس قضية داخلية بقدر ما هي دولية، فهناك ضغوط محلية على الأعضاء لاتخاذ قرارات فيما يتعلق بإسرائيل والقدس، واليهود الأميركيون شديدو التنظيم.

ثابت البرديسي: سيطرة رأس المال والتبرعات المالية الضخمة لجماعات الضغط السياسي على الكونجرس هي التي تدفع به وبالولايات المتحدة في مواجهة القانون الدولي في بعض الأحيان.

البحث في ملفات الكونجرس عن مشروعات أو قوانين تتعلق بالدول العربية ينتج 35 حول سوريا، آخرها قانون محاسبة سوريا، و40 قانوناً حول السودان، آخرها قانون سلام السودان، و30 حول ليبيا، و48 حول السعودية آخرها ينتقد المناهج الدراسية فيها، و49 قانوناً بشأن مصر آخرها يدعو زعيمها وزعماء الدول العربية للاعتراف بوجود إسرائيل، فضلاً عن 50 قراراً ضد العراق، و7 قرارات بشأن اليمن، و5 بشأن المغرب، و15 بشأن الجزائر، و50 قانوناً حول إيران.

وتعكس بعض هذه القوانين تأثير بروز الحزب الجمهوري والمحافظين وترسخ مكاسب أكثر من 70 مليون من مؤيدي التحالف الصهيوني مع اليمين المسيحي، وهم أكثر تنظيماً وأعلى صوتاً من الليبراليين الأميركيين، وتوجهات هذه التيارات المحافظة والانعزالية لا تقتصر على قضية القدس، فالحرب ضد العراق، والنجاحات التي حققتها حكومة بوش في الكونجرس أخيراً مثال آخر على إسهامات الكونجرس في رسم وتسيير السياسة الخارجية وأعلى مراتبها شن الحروب، وهو حق ينفرد الكونجرس به دستورياً.

جيمس ثوربر: الكونجرس له الحق في إعلان الحرب، لكنه لم يعلنها منذ الحرب العالمية الثانية، وبعض الباحثين يعتقدون أن كل الحروب الأميركية بعدها لم تكن قانونية.

ثابت البرديسي: لكن موافقات من قبيل ما حصل عليه الرئيس بوش وإغضاء الكونجرس الطرف يسمح للرئيس في مثل هذه الحالات باستخدام القوة دون إعلان الحرب رسمياً كما حدث من قبل في تلك الحروب، فيتنام، وكوريا، وحرب الخليج الثانية، لكن من حق الكونجرس نظرياً أن يوقف الإنفاق على الحرب إن رأى ذلك.

ويشهد التاريخ القريب على أن بوسع الكونجرس إن شذت الحكومة عن خطه أن يحاسب المسؤولين كما في قضية إيران والكونترا في عهد الرئيس (ريجان) في الثمانينات، وفضلاً عن ذلك فإن تدخلات الكونجرس في السياسة الخارجية واضحة في الموافقة أو عدم الموافقة على المعاهدات الدولية، كما تتبدى في مواقف الكونجرس من الأمم المتحدة بالامتناع حيناً عن دفع حصص اشتراك الولايات المتحدة فيها أو بالانسحاب أحياناً من منظماتها، مثل منظمة اليونسكو التي قرر الرئيس (بوش) العودة إليها بعد عقود من الانسحاب منها، كما أن بعض التدخلات من الكونجرس ذهبت إلى حد التعدي على سيادة دول أخرى من أمثال تشريع (برتن وهالمس) الذي فرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع كوبا، أو تشريع (داماتو) الذي فرض عقوبات على الشركات العالمية التي تتعامل مع إيران.

ولا يخفي المراقبون أن بعض تلك المواقف في الكونجرس يدفع إليه غرور القوة ورغبة السيطرة على العالم، وأن هذه الاتجاهات لفرض إرادة أميركا وقوانينها على العالم حديثة حداثة ظهور أميركا على الاتحاد السوفيتي وبعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة

جيمس ثوربر: فيما يتعلق بأعضاء الكونجرس، وكأنهم يريدون أن تهيمن الولايات المتحدة على العالم، فإنني أعتقد أنهم لا يتحدثون كذلك، حتى ولو فكروا فيه، لكنهم يفكرون في أمن الولايات المتحدة وفي التجارة وفي إرضاء الناخبين فيما يتعلق بإسرائيل، وهو موضوع هام جداً.

ثابت البرديسي: وفي نظر البعض فإن الطريق الوحيد إلى توازن السياسة الخارجية الأميركية هو تحقيق التوازن في الكونجرس الأميركي.

سينثيا ماكيني: لا بديل لوجود عضو في الكونجرس يمثل آراءك، إذا كانت هناك مشكلة في السياسة الخارجية فإن هناك مشكلة في الكونجرس، تغيير ذلك ليس بإرسال بريد إلكتروني بل بتغيير آراء أعضاء الكونجرس أو بتغيير أعضاء الكونجرس، وذلك بإيجاد أناس يمثلون آراءك ويجب عليك دعمهم.

ثابت البرديسي: الخلل الكبير في سياسة الولايات المتحدة إزاء العالم العربي والإسلامي لن تعالجه في نظر المراقبين مبادرات الساسة مع الحكومة التنفيذية وحدها، بل المطلوب عمل داخلي وخارجي لكسر طوق النفوذ الإسرائيلي حول قبة الكونجرس الأميركي.

الكونغرس الأميركي والتدخل في السياسة الخارجية الأميركية

مالك التريكي: إذا كان هناك من مشكلة في السياسة الخارجية الأميركية حسب سينثيا ماكيني فإن منشأها إذاً هو الكونجرس الأميركي، فهل يوافق على هذا الرأي البروفيسور فرانسيس بويل (أستاذ القانون الدولي بجامعة إلينويز في شامباني) الذي سبق أن كان مستشاراً قانونياً لمنظمة التحرير الفلسطينية حول إنشاء الدولة الفلسطينية.

بروفيسور بويل، لقد سبق لك أن كتبت أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لم تبدِ ولو نذراً قليلاً من الاحترام للقانون الدولي، فهل صحيح ما يقوله البعض من أن الكونجرس هو المسؤول لوحده عن انتهاك القانون الدولي في أميركا؟

فرانسيس بويل: السلام عليكم نعم، إن الكونجرس عندما تأتي المسألة إلى سياستنا في.. في الشرق الأوسط، فإنه غالباً ما يظهر خضوعاً لسيطرة اللوبي الإسرائيلي الذي يمارس قدراً كبيراً من هذه السيطرة، وقد رأينا ذلك فيما يخص مسألة المدينة المقدسة، القدس، حول القرار الأخير الذي صدر حولها، والذي يعود حقيقة إلى قرار السيناتور (هالمس) قبل سنوات، فهو الذي كان صاحب أول قرار في.. الذي حاول جعل الحكومة الأميركية تنقل عاصمتها من تل أبيب إلى القدس، وبشكل غير قانوني يعترف بإسرائيل.. بالقدس كونها عاصمة لإسرائيل، ففي عام 89 رأيت الحملة التي شُنت في الولايات المتحدة لإيقاف ذلك القانون، ولكن في عام 95 عاد اللوبي الإسرائيلي إلى الكونجرس مقدماً هذا القانون البغيض، ومهدداً من حيث الأساس الرئيس من أنه ما لم ينقل السفارة إلى القدس فإن تمويل لكل عواصم.. لسفاراتنا في الخارج سيُقطع، ولكنهم سمحوا له بإعادة النظر في ذلك، لأن لا يطبق القانون لمدة ستة أشهر من أجل المصلحة العامة، ولكن تم حتى إزالة هذا البند، وعادوا مرة ثانية، وأُستصدر القرار الذي وافق عليه الرئيس (جورج بوش الابن) والذي يبدو على الورق وكأنه يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، على الرغم من حقيقة أن والده الرئيس (جورج بوش الأب) عندما كان سفيراً لدى الأمم المتحدة عام 71 أصدر تصديراً واضحاً جداً وشاملاً، مفاده: أن مدينة القدس –برمتها- هي أرض محتلة وليست أرضاً إسرائيلية ذات سيادة، وهذا وهذه خاضعة طبعاً للقوانين التي تخص المدن أو الأراضي المحتلة، وأيضاً قانون اتفاقية عام 49، والقدس ليست عاصمة لإسرائيل.

مالك التريكي: لكن بروفيسور بويل، القول بأن الكونجرس مسؤول لوحده عن ذلك ربما ليس.. ليس صحيحاً تماماً، لأن الرئيس بوش عندما كان مرشحاً في حملته الانتخابية تعهد بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، كما أن وزير الدفاع الأميركي (دونالد رامسفيلد) أخيراً قال: إن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست حتى أراضي محتلة بل هي أراضٍ متنازع عليها، ألا يعني ذلك أن هنالك توافقاً بين الإدارة والكونجرس في هذا الأمر؟

فرانسيس بويل: نعم، إن هذه الصلة التي تحدثتم عنها وهي بسبب النفوذ الذي يمارسه النفوذ اليهودي على الرئيس جورج بوش الابن ليس كالنفوذ الذي كان يمارسه على جورج بوش الأب، وفيما يخص مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت رعاية جورج بوش الأب من عام 91 إلى 93 أنا شاركت عن كثب في هذه الانتخابات التي كان الشعب الفلسطيني تحت قيادة حيدر عبد الشافي، لم أرى ذلك النفوذ على بوش الأب، ولكن مع بوش الابن هناك مسؤولين على.. رفيعي المستوى يقررون السياسات مثل (بول وولفويتس) و(ريتشارد بيرل) و(دوجلاس فايس)، وخاصة فيما يخص البنتاجون، والذين يقدمون المشورة لـ (رامسفيلد) وكذلك نائب الرئيس (تشيني) فكبار مستشاريه هم أيضاً من.. من.. من ممثلين اللوبي اليهودي، إذن هذا التغير في الإدارة الأميركية الجمهورية لم تكن في السابق –حقيقة- تخضع للتأثير اليهودي الكبير كما هو عليه الأمر الآن، بالإضافة إلى ذلك فإن إدارة الرئيس بوش الحالية تعتمد بشكل كبير على الأصوليين المسيحيين وتأييدهم داخل الولايات المتحدة من حيث تأييدهم السياسي والاقتصادي هذا، والأصوليون المسيحيون..

مالك التريكي [مقاطعاً]: بروفيسور.. بروفيسور بويل، بروفيسور بويل، هل.. هل صحيح أن الأساس الأيديولوجي للتوجس الأميركي السياسي والقانوني من القوانين والمؤسسات الدولية عامة، هو أن هذه القوانين تفتقر إلى الشرعية التي.. التي تكتسيها القوانين الدولية.. الداخلية –عفواً- من.. من النظام الديمقراطي الداخلي، أنها ليست ديمقراطية فهي ليست شرعية إذن القوانين الدولية بالنسبة للأميركيين.

فرانسيس بويل: لا ليس هذا حقيقة هو الأمر، فهم يصدرون تصريحات مثل فيما يخص معارضة محكمة الجزاء الدولية، وحقيقة الأمر هو أن صحيفة "نيويورك تايمز" كشفت –مؤخراً- أن السبب الذي يجعل (جون بولتن) الذي كان يعمل لـ (جاكس جيسي إمز) وهو جزء من اللوبي اليهودي يعمل ما بوسعه لتخريب مشروع محكمة الجزاء الدولية، لأنهم خائفون من أن إدارة الرئيس بوش الابن عندما تشن عدوانها على العراق فإن المسؤولين من كبار المستويات في إدارته سوف يتعرضون لخطر المثول أمام المحكمة الدولية هذه، فلذلك هم يحاولون تلافي هذا الاحتمال، هذه هي القضية، كما أراها، والقضية –كما أوضح تقريركم- أن الآن وفي ضوء إدارة الرئيس بوش هي ترى نفسها القوة العظمى الوحيدة، وبإمكانها أن تفعل ما تشاء، على الرغم من مقتضيات القانون الدولي، ولم نرَ حقيقة إدارة جمهورية بهذه الراديكالية في رفضها للقانون الدولي في فترة حياتي أنا على الأقل.

مالك التريكي: بالنسبة للتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حسب الدستور الأميركي السياسة الخارجية هي من صلاحيات الرئيس، ولكن الاتفاقيات والمعاهدات لابد أن يصادق عليها مجلس الشيوخ بأغلبية لا تقل عن الثلثين، هل صحيح أن.. أنه لم يبقَ أمام الرئيس الآن إلا ما يسمى بالـ (executive agreements) هذه الاتفاقات التنفيذية التي تسمح له نوعاً ما بنوعية من حرية الحركة في المجال الخارجي؟

فرانسيس بويل: إنه من المفترض أن يكون هناك ترتيب يتقاسمه الرئيس مع الكونجرس ربما سمعتم في الإعلام في الولايات المتحدة أن كل الرؤساء يقولون إن مسألة السياسة الخارجية يعود تقديرها لي شخصياً، ولكن لو تعودون إلى الدستور والفقرة (1) فيما يخص الكونجرس فإن معظم الصلاحيات المهمة مثل الحرب وفرض الضرائب، والتمويل وأمور كهذه تُعطى للكونجرس، لكن الخطورة هنا تكمن في.. وفيما يخص خاصة العالمين العربي والإسلامي إن اللوبي الإسرائيلي يسيطر وإلى شكل كبير جداً الكونجرس في الولايات المتحدة، وهو يبرهن بشكل متزايد على سيطرته المتزايدة على إدارة الرئيس جورج بوش الابن الحالية، إذن هناك معارضة قليلة جداً حقيقة في..

مالك التريكي: بروفيسور.. بروفيسور بويل، بروفيسور بويل، (أستاذ القانون الدولي بجامعة الينويز في شامباني) لك جزيل الشكر.

القانون الدولي في صيغته الجديدة يمثل خطراً فعلياً وفورياً على المصالح القومية الأميركية، هذا هو الرأي السائد الآن لدى بعض أهل السياسة والقانون في الولايات المتحدة.

بعد الفاصل: نظرة في موقف القانون الدولي من هذا المسلك الأميركي.

[فاصل إعلاني]

حقيقة خطورة القانون الدولي على المصالح القومية الأميركية

مالك التريكي: من الآراء التي أصبحت شائعة لدى بعض أهل القانون في أميركا أن القانون الدولي يمثل خطراً فعلياً وفورياً على المصالح القومية الأميركية، وقد كتب اثنان منهما أخيراً هما (ديفيد ريفكن) و(لي كايسي) أن السبب في هذا الخطر أن الأصدقاء والأعداء على حدٍ سواء يعتبرون أن المشكلة الكبرى في العلاقات الدولية الآن هي تسيُّدُ الولايات المتحدة دون منافس في المجالات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، وحتى الثقافية، إذ بينما يعتقد الأعداء، حسب هذا الرأي الأميركي أن الخطر يتمثل في تعاظم دور أميركا في العالم، فإن الخطر بالنسبة للأصدقاء إنما يتمثل في أحادية المسلك الأميركي، والأحادية لفظ عام يشير إلى أي عمل أميركي لا يقره المجتمع الدولي، فالأصدقاء حسب هذا الرأي الأميركي لا يريدون منع تزايد دور أميركا في العالم، بل يريدون التأثير في هذا الدور، والتحكم فيه، والحلفاء والخصوم على حدٍ سواء يدركون رغبة بل قيمة القانون الدولي في تحقيق غاياتهم، فهل يوافق الأستاذ ناصر أمين (رئيس مركز استقلال القضاء في القاهرة) أن القانون الدولي لم يعد الآن سوى سلاح سياسي يستخدمه أصدقاء أميركا وأعداؤها لتحجيم دورها في الساحة الدولية؟ ما رأيك أستاذ ناصر أمين في هذا الرأي، أن القانون الدولي ما هو إلا سلاح سياسي يستخدم ضد الولايات المتحدة؟

د.ناصر أمين: هو في حقيقة الأمر يعني لم يعد أمام المجتمع الدولي بأثره سواءً كان المجتمع في أوروبا أو في دول العالم الثالث إلا أن تتسلح بقدر الإمكان، أو بقدر تمسكها بقواعد القانون الدولي تجاه الولايات المتحدة الأميركية، فهذا القانون.. أو هذا القانون الدولي هو الذي يحد مبدئياً من محاولة السيطرة والغطرسة الأميركية على معظم قضايا وشعوب العالم الآن، الأمر الذي وصل في بعض الأحيان إلى محاولات إهدار القانون الدولي، أو تحدي المجتمع الدولي تحدياً سافراً واضحاً في شكل محاولة تعطيل بعض قواعد القانون الدولي.

قرار الكونجرس الأميركي الأخير في حقيقة الأمر هو بيمثل أحد هذه المحاولات أو هذه المراحل التي يحاول بها.. تحاول بها الإدارة الأميركية والكونجرس الأميركي أن يهدر كيان المجتمع الدولي والقانون الدولي، لكن هنا في حقيقة الأمر لنا تعليق على هذا القرار، هذا القرار سوف يضع الإدارة الأميركية في مأزق شديد جداً، سوف يضعها في 3 مستويات، يعني أفضلهم سيئاً للغاية.

المستوى الأول: هو أنها قد تعد بهذا الشكل إذا ما وافقت الحكومة الأميركية أو إذا ما نفذت هذا القرار بالفعل تعد خارقة لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تعد الولايات المتحدة الأميركية هي أحد الدول السامية المتعاقدة عليها، والتي بموجبها تلتزم وتتعهد بموجب المادة (1) من هذه الاتفاقية بأن تحترم هذه الاتفاقية، ولا.. ولا أن تخرق أي مادة من موادها، وهذه الاتفاقية تنص في موادها (47) و(46) على أنه تعد من أحد الخروقات أي تغيير في الشكل القانوني أو المركز القانوني للدولة المحتلة والدولة المحتلة، هذا من ناحية.

من ناحية أخرى.. أو الوضع الثاني الذي سوف يضع قرار الكونجرس الأميركي الخاص بالقدس أخيراً الحكومة الأميركية فيه، هو أنها سوف.. طيب سوف.. سوف.. سوف يضع هذه الحكومة بمثابة الحكومة التي تشترك في جريمة حرب، حيث أن اتفاقية جنيف الرابعة قد حددت الأفعال التي يمتنع على الدولة المحتلة أن تمارسها، منها القتل وغيره، أو.. أو تعريض المدنيين للخطر، تعد هذه جرائم حرب، ومن ضمن جرائم الحرب أيضاً هي جريمة ضم الأراضي المحتلة، فإذا كان الكونجرس الأميركي قد اتخذ قراراً من شأنه اعتبار القدس عاصمة لدولة إسرائيل فإن هذا الإجراء يسبقه بالضرورة ضم الأراضي المحتلة، وهي القدس، هذا الضم يعد جريمة حرب. إذا أقرت الولايات المتحدة الأميركية والكونجرس الأميركي والإدارة الأميركية هذا الوضع سوف تكون مشاركة في جريمة حرب، وهي أحد الأشياء التي تخشى حكومة الولايات المتحدة الأميركية من ممارستها، لأنها سوف تقع تحت طائلة المحكمة الجنائية الدولية إذا ما صدقت حكومة الولايات المتحدة الأميركية على هذه المعاهدة في المستقبل، باعتبارها شريكة في جريمة حرب...

مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن.. لكن أليس الواقع السياسي دكتور، أليس الواقع السياسي أن.. أن أميركا إذا انسحبت من أي مؤسسة دولية فإن هذه المؤسسة تضعف، والدليل مثلاً أن حساسيتها تجاه المحكمة الجديدة، المحكمة الجنائية الدولية حملتها على ابتزاز عدد من دول أوروبا الشرقية وأسيا الوسطى بهدف حملها على عدم الانضمام لهذه المحكمة، انسحاب أميركا أليس مشكلة تضعف من فعالية القانون الدولي، مهما كانت الاتهامات التي يمكن أن توجه إلى الكونجرس؟

د.ناصر أمين: في حقيقة الأمر هذا كلام حقيقي، وجود.. الوجود الأميركي داخل مجلس الأمن له قيمة حقيقية، الوجود الأميركي في قوات حفظ السلام الدولية له قيمة حقيقية وقوية وفعالة، ونحن.. إحنا شوفنا فعلاً آثارها عندما أصرت حكومة الولايات المتحدة الأميركية أن.. أن.. أن تستخدم حق الفيتو ضد قرار تجديد بعثة قوات حفظ السلام الدولي في كوسوفو وفي البوسنة في تحدي سافر لمجلس الأمن والمجتمع الدولي، واللي بيه بالفعل خضع المجتمع الدولي لرغبة القوات.. الولايات المتحدة الأميركية بأن لا.. أن تعطى أو يُستثنى قوات حفظ السلام الدولي من معاقبة أو من متابعة المحكمة الجنائية الدولية لمدة عام ويُجدد، هذه حقيقة، لكن هناك حقيقة أخرى، العالم يقف أمامها مكتوف الأيدي، وهذه.. وأنا في تقديري الشخصي أن هذا الأمر يعود على إرادات الحكومات، سواءً كانت حكومات الغرب، أوروبا، أو حكومات دول العالم الثالث، أو حكومات المنطقة العربية.

أنا في تقديري إنه هناك منطق بسيط جداً، وهو إنه تلاقي إرادات كل دول العالم بكل.. في كل حالاته سوف يكون ويتجاوز إرادة الولايات المتحدة الأميركية، يعني تجميع إرادة أوروبا و..

مالك التريكي: عملت.. دكتور، دكتور، أميركا.. أميركا في هذا الإطار عملت جاهدة على استبعاد بعض المواضيع مثل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ومثل عقوبة الإعدام من الاتفاقيات الدولية، وهنالك رأي يقول: إنه حتى لو أرادت النخبة في واشنطن الانضمام إلى هذه المعاهدات فإن الولايات الأميركية ستعارض، أي أن الثقافة السياسية الأميركية تتوجس من القانون الدولي، أليس من حق أي ديمقراطية ألا تقوم بأي شيء يتعارض مع قيمها الثقافية؟

د.ناصر أمين: في حقيقة الأمر يعني دعني فعلاً أتحدث عن إنه مفهوم أو.. مفهوم القيمة الديمقراطية لدى الولايات.. لدى إدارات الولايات المتحدة الأميركية، هذا أمرٌ في تقديري الشخصي مشكوك فيه، مشكوك فيه لأنه لا يمكن تحت أي حال من الأحوال أن تدَّعي حكومة أو إدارة أميركية أنها تحترم حقوق الإنسان وهي لم تصدق على أي.. يعني على معظم مواثيق حقوق الإنسان. لا يمكن أن تدَّعي إدارة أميركية بأنها ديمقراطية، أو حتى الحكومات الفيدرالية.. الكونفدرالية أنها تمارس ديمقراطية أو أنها تؤمن بالديمقراطية وهي بالفعل تقف أمام يعني معظم مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم.

في حقيقة الأمر.. في حقيقة الأمر سواءً كانت الحكومات الكونفدرالية في.. أو الإدارات الكونفدرالية أو الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة الأميركية هي مصابة الآن بمرض الغطرسة الشديد الذي أفقدها حتى.. يعني قيمها أو مفاهيمها الديمقراطية، وجعلها تمارس بعض التصرفات التي تتصور فيها أنها تعلو فوق القانون، سواءً كان الداخلي أو حتى القانون الدولي، وآخر موقف في هذا الشأن هو موقفها من المحكمة الجنائية الدولية، التي حاولت جاهدة وبشكل واضح وصريح أن تهدر وجود هذه المحكمة، وأنا سمعتها في مؤتمر روما الدبلوماسي عندما كنت أشارك في هذا المؤتمر بصفة مراقب..

مالك التريكي [مقاطعاً]: الدكتور ناصر أمين، الدكتور ناصر أمين (رئيس مركز استقلال القضاء في القاهرة) لك جزيل الشكر.

وبهذا تبلغ حلقة اليوم من (قضايا الساعة) تمامها، دمتم في أمان الله.