- طنجة.. والمؤثرات التشكيلية
- دون كيشوت والشعرية العربية ومشاريع أخرى

طنجة.. والمؤثرات التشكيلية

[تعليق صوتي]

في طنجة العالية كان منطلق التشكيلي المغربي عبد الباسط بن دحمان، إلى هذه المدينة العامرة بالناس والذكريات كان يؤوب الفنانون والكتاب مثل بول بولز ودلكروا وماتيس ومحمد شكري. فهذه المدينة الملهمة أثارت أبناءها أيضا.. سكنتهم قبل أن يسكنوها. في تاريخها الجوال بين الأندلس والمغرب وربوتها المطلة على المتوسط والمحيط في لقاء نادر وعمارتها الفريدة ومبانيها التي تشهد على أكثر من قوم مروا من هنا، علامات شكلت مخيال الفنان التشكيلي عبد الباسط بن دحمان وطبعت طفولته قبل أن تحسم اختياره الفن التشكيلي ملاذا وعشقا يقيم به مدينته كلما أنكرها أو أنكرته.

عبد الباسط بن دحمان: كل فنان عنده الحنين للماضي، هذا الحنين اللي كي يجعله يسير بالإبداع دياله للأمام لكي يصنع المستقبل، هذا الحنين من كان نرجع لعنده كان نرجع للطفولة، الطفولة أنا مريت في واحد مدينة جميلة نقية نظيفة بحيث الحاقدين على المدينة كانوا كي يقولوا بالليل المدينة كانت كلها خنادق كان نقول لهم فعلا ولكن كنا كان نشوفوا أشجار كان نشوفوا منظر ديال البحر، زرقة الماء السماء دائما كان يشوفوا شنو غابة على ديال الأسمنت المسلح، كل ما هناك ولهذا المهندس المعماري خصوصا يُستشر.. يستشر ذاك الفنان التشكيلي حيث الفن التشكيلي عنده وما يقول عنده عين خصوصا (كلمة غير مفهومة) بعين الفنان.

[تعليق صوتي]

"
جمال طنجة جذب فناني الشمال الذين رسموها قبل أن يقيموا فيها، وفتنوا بسحرها حينا وبغرائبيتها أحيانا أخرى
"
تعليق صوتي

حنين بن دحمان إلى طنجة ليس ضربا من النوستالجيا أو الارتداد إلى الماضي، بل هو تعلق طفولي بمدينة كانت مزدهرة وقريبة أكثر قبل أن تتحول إلى ميناء كبير ومحطة ترانزيت وعنوان العبور الأخير للطيور المهاجرة حين يضيق فضاء الوطن ويتراءى مضيق جبل طارق باب الخلاص الواسع ولأن الرحلة كانت دوما في الاتجاهين جذب جمال طنجة فناني الشمال الذين رسموها قبل أن يقيموا بها وقد فتنوا بسحرها حينا وبغرائبيتها أحيانا لكن ذواتهم المبدعة لم تتوحد مع موضوع الإبداع وظلت المقاربة فلكورية لا تنفذ إلى أعماق المدينة وروحها أو أسرارها المخبأة.

عبد الباسط بن دحمان: بمجرد حلولي بهذا المكان وهو سطح متحف القصبة الشهير بمجرد الإطلالة على الساحة كان وجدوا ذاك الرسومات اللي قاموا بها أمثال دلكروا وماتيس هدول العمالقة وهذه الأسماء العملاقة في الفن التشكيلي أولهم دلكروا قام برسم هذه الساحة المواجهة مثلا هذه اللي كان مطل عليها وكاين مدخل المتحف وكذلك ماتيس قام بنفس العملية، معلوم بأساليب مختلفة أسلوب ديال دلكروا ماشي وأسلوب ماتيس تماما أنا كان أحاول باش نقوم بنفس العملية بحيث ماتيس دلكروا قاموا بتصميم أو لتخليد ساحة القصبة بالمدينة طنجة وأنا كان أحاول ما أمكن بش نقوم بهذه العملية بواحد الأسلوب بطريقتي الخاصة.

[تعليق صوتي]

في بيت يهتم بالفن ويتحول عند الأماسي إلى مسرح مرتجل أدرك بن دحمان طريقه ولمع في الرسم منذ بواكير طفولته بالمدرسة وفي ثانوية الخنساء ظهرت مهارته في التشخيص والرسم العفوي وبتوجيه من محمد المليحي أحد الرواد في المغرب لم يقصد بن دحمان معهد الفنون الجميلة بل اختار فضاء أرحب هو معهد الفنون التطبيقية بالدار البيضاء وفيه تخرج بتفوق ليبدأ بعد ذلك رحلة العودة واحتراف الرسم وتدريسه بمعاهد طنجة، المدينة التي يقول أنه ظل أسيرها ولم يغره صخب الحياة في الدار البيضاء أو الرباط حيث تجمّع الفنانين.

عبد الباسط بن دحمان: التحقت بمدرسة الفنون التطبيقية اللي كان في ذاك الحقبة في الستينات في أواخر الستينات الوحيدة اللي عندنا هنا في المغرب، مدرسة فنون تطبيقية اللي كان في الدار البيضاء وتحديدا واحة الثانوية اللي أسمها ولحد الساعة ليسيه الخنساء ثانوية الخنساء فهذه الثانوية كانت الشعبة اللي كان يلقنوا فيها الفن، دامت الدراسة ديالي ثلاث سنوات حرزت على الدبلوم واقتحمت مركز تكوين الأساتذة الدراسة ديالي في هذا المركز دام سنتين بمجرد التخرج ديالي من مركز التكوين التحقت بمسقط الرأس ديالي وهي مدينة طنجة ومن 1973 حتى يومنا هذا.

[تعليق صوتي]

"
نقاد الفن التشكيلي يعتبرون بن دحمان رائد أسلوب فريد يجمع بين التشخيص والسريالية
"
تعليق صوتي

يعتبره نقاد الفن التشكيلي من أهم التجارب الفنية في شمال المغرب ورائد أسلوب فريد يجمع بين التشخيص والسريالية في لوحاته شخوص حالمة وأجواء فانتازيا تستمد نسجها من التاريخ وترى في الأندلس وتنوع البيئة المغربية والأزياء، لوحات وأسلوب لا تخطئه العين يرسم الموقف والحالة للبورتريه أمام شغفه القديم بالمسرح فجعله يخرج اللوحة لا يرسمها مهتما بكل متممات المشهد المسرحي وسينوغرافيا كالإذاعة والمكياج والملابس، فضاء اللوحة يصبح معه خشبه للعرض وشخوص تتحرك وتقول رغم ثباتها البادي.

عبد الباسط بن دحمان: عندي المسرح هو الشيء الفن الكامل فيه إنارة وفيه ملامح لوجوه الممثلين، تموجات صغيرات ديال الملامح هناك مكياج حيث بك تشوف اللي بيرسم هذه الأشخاص ديالي كنت تحس بأن هم عندهم أشياء.. مكياج على الوجه كان بدك الماكير لكي يزين الوجه عشان يزيد التقاسيم في الوجه حدة وتعبيرية أكثر، هناك لباس كنت قمت بإخراج ديال الملابس تصميم ديال الملابس وإضافة ديال الطرف ديال الرسام الألوان.. إذاً عندي لوحة عبارة عن مسرح خشبة أسمه مسرح كانت تتحكم في الممثلين اللي كانت بتسكرهم وهناك بحث موسيقى كانوا يدخلوا بحث الموسيقى عندي في القمة اللي أعطاني الإلهام الكبير هو موزار بحيث عندي لوحة اسمها زواج فيجارو.

دون كيشوت والشعرية العربية ومشاريع أخرى



[تعليق صوتي]

اعتكافه الطويلة في طنجة مكنه من البحث والتجريب وقاده إلى أسلوبه هذا لتبدأ بعد ذلك مشاريعه الفنية التي عرضها في باريس وأسبانيا والمغرب. ولعل قربه من أسبانيا وولعه بكتابات سرفانتيس الحالمة والصادقة حفزه لإنجاز مشروعه الأبرز مقاربة تشكيلية عربية لشخصية دون كيشوت من خلال كتاب سرفانتيس، بن دحمان الفنان المفتون بالحلم لا يرى في دون كيشوت مجرد محارب واهم لطواحن الريح أو فارس في غير عصره بل يرى فيه قيمة الحلم المتأصلة في الإنسان ورغبته في الفعل والانتصار رغم خيباته المتكررة.

"
الكاتب المعروف سرفانتيس الذي كتب "دون كيشوت" أعطاني انطلاقة فريدة من نوعها للكتابة الحديثة
"
عبد الباسط بن دحمان

عبد الباسط بن دحمان: حاليا عندي مشروع يقدم بدأت العمل فيه مع معهد سرفانتيس الأسباني هذا المشروع تخليد ذكرى أربعمائة سنة من بعد الإنتاج ديال الكاتب المعروف سرفانتيس اللي كتب دون كيشوت درست شيء ما للكاتب سرفانتيس كان يصب لي دفاع جديدة سرفانتيس أعطانا واحد انطلاقة فريدة من نوعها للكتابة الحديثة. هذا المنطلق ديال الكتابة الحديثة اللي تمشت فتحت الأبواب للكتاب بس دون كيشوت فيه أسلوب جديد شخصية سرفانتيس شفتها باللي أعطى لها وحدة البعد تأثير سرفانتيس ما كان ما موجود شغال في أسبانيا وحدها بحث موجود في العالم بأسره وداخل كل عائلة ونرجع للحلم سرفانتيس كان شخصية عندها خيال تحلم.. أقصد دون كيشوت، إذاً كاتب عبقري فيلسوف إذاً لما تلاقي الإنسان ككل إنسان صالح الذي يحلم عنده أفكار في ديال الشخصية ديال دون كيشوت بعيونه اليوم ولكن في داخل خشبه المسرح اللي هي عندي لوحة تذكرت أشخاص المحي ديالهم إن كان فيه تعابير.

[فاصل إعلاني]

هذه الشاعرية المتدفقة في أعماله قادته أيضا إلى مشروع آخر بدأ في الاشتغال عليه وهو رسم الحالات والأجواء الشعرية لدى العرب في العصور الزاهية، هو لا يروي قصص الشعر ولا يرسم شعراءه أو يشخِّص مواقف حفل بها ديوان العرب، بل يقتنص أجواءها الشعرية ونشوة القول وما كان يشيعه الشعر آنذاك في مجالس السلاطين والأمسيات.

عبد الباسط بن دحمان: مشروع ثاني هذا مع غير يكون مشروع عالمي مع عدة فنانين مغاربة وأجانب، عمل جماعي يليق هو عمل جماعي يجي من عدة فنانين، الموضوع الثاني هذا مشروع شخصي وهذا المشروع الشخصي وهو كان وجد معرض تشكيلي في الأواخر في السنة الحالية 2005 بالدار البيضاء أحدث له كموضوع أقول لك تم موضوع عام لأجواء شعرية (The Poetic) أجواء شعرية بحيث ما انشغل مش مع الشعر العباسي أو الشعر الجاهلي أو للشعر الأندلسي لا قد نأخذ المجموعة وأخذين نشوف الأجواء ودي معرض الأجواء نخليها في الوسطاء بالتعامل بها بعدين ما نقيدش الأفكار ديالي لا بحيث لقيت الأفكار ديالي وبعدين الجمود ما نمشيش زين نحل أن نخلي الثلاثة الأجواء الشعرية عامة وانطلق كمرجع كمخرج عندي عدة أشياء كي نرسمها فكل حاجة في مكان مناسب.

تعليق صوتي: المرأة بما تمثله من طاقة رمزية وجماليات ملهمة مثلت هي الأخرى أيقونة بارزة في أعماله رسمها في كل حالاتها وتجليها مع تنويعات في هويتها التي استمدها من الريف المغربي وجعلها في تقاطع مع بيئة أسيوية نائية، لعله بذلك يرسخ أن الإنسان واحد ومتشابه وإن تناءت المسافات وهي الفكرة التي جعلت من المرأة في لوحاته أيضا صُحبة ورفقة رفيقة للرجل لا كائنا منفصلا.

"
لكل إقليم في المغرب طابع معين يختلف عن الآخر، فطنجة مثلا ألصق بها الطابع الأوروبي، وفاس يغلب عليها الطابع الأندلسي
"
بن دحمان

عبد الباسط بن دحمان: كان وجود المرأة في اللوحة ديالي معروف أهتم بالاعتراف بها ولكن المرأة كإنسان هناك مرأة وهناك رجل مش المرأة وحدها لكن عنصرين، إذاً التكامل ما بين عنصرين الوجود المرأة تقريبا وجود في جميع المباحث بدون استثناء ولكن كذلك الرجل وتعتبر المرأة كإنسان مغربية حيث عندنا في المغرب يمكن اللي تقسم الشيء الجامع مثلا لما مشيت في فاس لأن عندها طابع عندها أندلسي مش اللي تيجي عندنا بطنجة ألصق لها طابع كذلك أوروبي ألماني.. تحس إن هي عندنا واحد خاصية في المغرب كل إقليم عنده واحد طابع معين واحد طابع مثلا في الريف قد تشوف ناس عندهم واحد صبغة واحد لون في المحيط دياله وفي الشعب دياله ولما تشاور الألمانية تقول هذا شعب ألمان شو يصير الحال في آسيا تمشي في حال أقاليم مغربية في الجنوب تلقى آسيويين.

[تعليق صوتي]

بن دحمان محب أيضا للعصر الكلاسيكي ومفتون بموسيقاه يسمعها حين يرسم ويُسمعها لتلاميذه في الفصل وعلى أنغام موسيقى موزار أنتج أغلب أعماله لكنه في الرسم عاشق للفن المعاصر ورائده الفنان النمساوي جوستاف كليمنت الذي يرى فيه المعلم أكثر ممن درَّسه بمعهد الفنون من أسبان ومغاربة وفرنسيين وهو إذا يصر على منح اسم هذا الفن لمكان صمم ديكوره إنما يكرِّم أستاذه لإعادة رسم لوحتين شهيرتين له في فضاء المقهى تقريبا للفن من الناس واعترافا بفضل الرواد.

عبد الباسط بن دحمان: العلاقة اللي كانت تجمعني مع الفنان الشهير ديل أواخر القرن التاسع عشر علاقة في الميدان الموسيقى بحيث في ذاك الوقت النمسا كانت عاصمة ديل الموسيقية وتأثير ديل الموسيقى حسيت أني عندي ميول للاتجاه الموسيقي واللي كان اعتبر الدولة أوروبية وهي النمسا والعاصمة فينا من ثم أتخرج واحد موسيقار اللي كان فيه سحر به العالم كله موزار بحيث موزار هو الإجماع بن دحمان ولورسان الإعلامي كليمنت بحيث كليمنت يخدم على قد ما يقدر الموسيقى كليمنت تجاه وجهني من ناحية تنسيق الألوان من ناحية تركيب اللوحة ككل.

[تعليق صوتي]

طنجة التي يحب أن يراها في الثلاثينيات والأربعينيات في ساحتها الرئيسية حيث مقهى سونترال الباقية إلى اليوم وقد غادرها روادها من الكتاب والمبدعين وبائعي الزهور، تغير المكان وتغيرت الأجواء والروائح لكن فن الجدارية مكَّن ابن طنجة من تخليد ذاك الزمن الجميل في جداريات بمركز عصري للتسوق طريقته ربما في تذكير جيل اليوم بما كان وما مضى وإيمان منه بما للفنان من دور لحفظ ذاكرة المدينة.

عبد الباسط بن دحمان: إن الطفولة دي يعيش الواحد يشوف مدينة مزدهرة كان هناك مسارح هناك قاعة سينما هنا كان سوق ممتازة قبل وقت دياله في الخمسينات الستينات كنا عايشين في حي وسط فني محض كان كنا المدينة كانت تستقطب جميع الأشياء الفنية كمسرح كانت تستقطب أوركسترا سيمفونيك كنا كان شاهدوك هذا كانوا يقيموا فنانين كبار معارض ما كان عندهم المدينة مفهوم من مفهوم المدينة اندثر بحيث الجماليات دياله مصطنع ولا تسمى هذه الاستشارة مع الفنان اللي موجودين والأكفاء غدا تكون شيء آخر يمكن منع سوق المدينة كان ضمن قبل نفس الوقت..

[تعليق صوتي]

اللوحة والفن عند بن دحمان وظيفي بالأساس وليس طرفا متعاليا على ما يقتضيه من جماليات وتأمل وبحث يواجه فيه الفنان موضوعه وحيدا، يودِّع مدينته كل يوم قبل أن يداهمها النعاس ويطمئن حين يواعدها على اللقاء مع كل صباح جديد.