- فرقة جفسا وبداية فكر مسرحي جديد
- الانطلاق من النص وإعادة تشكيل الممثلين

- مسرح الجعايبي بين الغرب والعرب


[تعليق صوتي]

نحو ثلاثين عاما هي تجربة المسرحي التونسي فاضل الجعايبي سلك خلالها دروبا بكرا نحو مسرح مختلف حافرا اسمه في سفر الإبداع المسرحي العربي كواحد من كبار المسرحيين العرب خلال القرن العشرين وفيما كانت الثورة الطلابية تجتاح فرنسا وأوروبا بأسرها عام 1968 كان الجعايبي الطالب في الستربون آنذاك في قلب العاصمة في قلب أسئلة الوجود الكبرى والتي عصفت بشباب العالم وهو ما أغنى تجربته لدى عودته إلى تونس في مطلع السبعينيات وفي تونس كانت الانطلاقة من خلال فرقة جفسة ومن بعدها المسرح الجديد.



فرقة جفسا وبداية فكر مسرحي جديد

فاضل الجعايبي: كنا إلى حد ما برشة تواضع وفي الواقع غرور كبير متمردين على النماذج السائدة وشرقا وغربا وحاولنا نقترح هالبديل المسرح الجديد بجفسة في الواقع الخطابات الجديدة اللي اقترحناها على الجمهور هي أرسيناها في تجربة جفسا انطلاقا من الحياة اليومية في جفسا انطلاقا من التراث والمخزون الشعري والمخزون التراثي الأدبي والفكري اللي موجود في جفسة ونعرف قد إيش جنوب تونس زاخر بالمعالم ويعني بالإنسانية وبالمعالم التاريخية المغبورة فقلنا مفيناش داعي نقدم شكسبير ولا موليير ولا سترينبرغ ولا سوفوكل بقدر ما إحنا مطالبين بإيش باللي نتماشاه مع الواقع اللي إحنا عايشين فيه آنذاك يعني في أول السبعينات.

[تعليق صوتي]

عام 1976 أسس الجعايبي رفقة الفاضل الجزيري ومحمد إدريس والحبيب المسروقي فرقة المسرح الجديد التي طبعت الساحة التونسية بطابعها الطليعي لنحو 15 عاما، الفرقة في اندفاعاتها الإبداعية التأسيسية قدمت العديد من المسرحيات المتميزة، العرس المقتبس عن بريشت فالتحقيق وغسالة نوادر إضافة إلى عرب التي تناولت الحصار الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية بيروت وكسرت حدود مكان العرض وأسره قبل أن تُحوَل إلى فيلم لم تألفه السينما العربية من قبل غير أن تجربة المسرح الجديد وصلت إلى نهاياتها في أواخر الثمانينيات.

فاضل الجعايبي: التجربة تأسيسية تجربة متشعبة متقلبة حاملة في طياتها بعض الإجابات وتوصل في برشة تساؤلات ربما جيلنا لم يجيب عليها وأما الجيل اللي بعدنا ولا اللي بعد اللي بعدنا وأنت ساعات التاريخ ينجز جيل يمشي الجيل اللي بعده، حقيقة هامة لأنها فعلا تأسيسية أرست قواعد لعبة جدد أرست علاقات أخرى بديلة مع ذاتنا مع الطرف الآخر حاكم كان وإلا متفرج وإلا ناقد وإلا تلميذ وإلا مواطن عادي ولا طالب أرست جدلية كبيرة في اختيار الجوهر وفي اختيار الأشكال اللي حاولنا نتعامل بها على أسس مغايرة ما أقولش بديلة 100%، الطموح إنها تكون بديلة لكن النتيجة هي أنها كانت ولا تزال مغايرة إلى حد ما النماذج السائدة والقوالب الجاهزة.



[تعليق صوتي]

الانطلاق من النص وإعادة تشكيل الممثلين

الجعايبي لا يبحث عن النص يخلقه لا ينطلق منه بل من حالة أو وقائع تصادفه، النص يتشكل خلال العمل على الخشبة في ارتجالات تصوب نفسها قبل أن تخلق سياقها في علاقات تتصف بالإبداع الدائم بين المخرج وممثليه، خلال هذه الورشة التي قد تستغرق عام أو يزيد يعيد الجعايبي تشكيل ممثليه من جديد يعيدهم إلى ما يمكن تسميته بالبياض الكامل باحثا فيهم ومعهم عن عرض مسرحي لا يركن إلى السكون بل إلى الأسئلة التي تلت أخرى أسئلة النفس المعذبة والجماعة الحائرة.

"
فكرة أن المسرح نص، أنا منهجيا وعمليا وفلسفيا وجماليا متمرد عليه، فقد يكون المسرح نصا وقد يكون شيئا آخر
"
        فاضل الجعايبي

فاضل الجعايبي: رت العادة إنه المسرح اللي نعمل فيه توافقنا فيه إلا بالنسبة لبعض الاستثناءات هو مسرح ليس مقاما على النص كأداة أولى ننطلق منها، ننطلق من لا شيء فنصل إلى نص لابد من الوصول إلى نص فرجوي إذا ما كناش نص أدبي لكن أتمنى أن يوصلنا في بعض أعمالنا إلى نصوص أدبية لأنها نُشِرت وتقرأ وهي حِل من اللعبة المسرحية ومن الفرجة، تمردنا على سلطة النص ناتج على فكرة كانت سارية سنين الله في تونس قبلنا بالنسبة لجيلي قبلنا حتى الجيل اللي كان معنا هو أنه المسرح نص أو لا يكون، فكرة أنه المسرح نص أو لا يكون أنا منهجيا وعمليا وفلسفيا وجماليا أنا متمرد عليها، قد يكون المسرح نص وقد يكون شيء آخر أو أشياء أخرى مش نص، ثاني حاجة هو كما قلت لك في الأول تمردنا على نص معين أو أنواع من النصوص نصوص الـ(Repetoire) الغربي والنصوص العربية اللي حاملة لاسقاطات أنا استنكرها وأندد بها، الإسقاط في المسرح أنا لا أؤمن به.

فاضل الجعايبي: فهذا العمل المقام على طاقة الممثل على الارتجال مقام على يعني ترويض ذات الممثل الذي تعود لغة خشبية مع الأسف وحركة خشبية منمطة ومعولبة ومدارك معولبة تضفي على المسرح شيء من التقهقر والتأخر اللي إحنا نواجهه فيه يوميا في حياتنا الخاصة وفي حياتنا كمواطنين تجاه السلط بمختلف أنواعها وما أدركنا سلطة الممثل لأنه هو قد يمثل سلطة هو سلطان على خاطر ما هو يدافع عن اللي ربوه ما هو عنده صورة ما هو يعني واعي اللي هو يوصل فيه رسالة واعي إذا ما هوش يوصل في رسالة يوصل في نشوة والناس يعني تقتاد به نثمن بكلامه وبقيمة ثمن فعله قيمة نثمن بحياته فمواجهتنا للممثل كصورة اجتماعية وأساسا وجدنا الممثل كفنان كأداة كجزء لا يتجزأ من الأدوات الأخرى اللي مقام عليها الفعل المسرحي هو ماهوش الكل وقد يكون أكثر من الكل وقد يكون جزء من الكل.

محمد علي بن جمعة – ممثل تونسي: شخصية نون اللي هي ما جاتش صدفة على خاطر سنة من التمارين يوميا معناها الحصة اللي هي حصة صغيرة ستة سويع تمارين على الجسد تمرين على الذاكرة تمرين على فن الممثل وخاصة بحضور ناس تتفرج فيك معنا أعين من نوع فاضل الجعايبي وجليلة بكار ولا حتى نوال إسكندراني اللي هي من اختصاصها (كلمة بلغة أجنبية) اختصاصها الجسد والحركة بالعكس على خاطر فاضل بيده مشكاك يشك في أي معنى حصة يطوف الحصة ما احكي مع بعضنا هذا الحاجة البالية في كل حصة نعمل ملخص ولا في كل أخر أسبوع ملخص لما وصلنا كما قلت لك حديش من شهر أعرف انتِ الـ(Baby) في كرشه أمه تسعة أشهر هذاك أكثر من رضيع معناه أخذ وقت بقدر مش لازم إنه يوصله لنموذج معين في العمل.

[تعليق صوتي]

في مطلع التسعينيات كانت انطلاقته الثانية برفقة جليلة بكار رفيقة عمره في الفن والحياة، البداية الثانية كانت مع كوميديا قبل أن يصل إلى فاميليا التي كرسته واحدا من أكثر المخرجين تميزا في العالم العربي، كانت المسرحية عن الشيخوخة عن الذاكرة والنسيان، عشاق المقهى المهجور والجنون جاءتا بعد ذلك وبينهما البحث عن عايدة التي قدمت بمناسبة مرور خمسين عاما على النكبة الفلسطينية عرض مونودرامي آسر جسد قدرة هذا الثنائي على التجريب والنجاح في الفن كما في الحياة لكن لكل ذات دورها وسلطانها.



[فاصل إعلاني]

مسرح الجعايبي بين الغرب والعرب

ثلاثون عاما من الإبداع أوصلته إلى مهرجان أفينيو في أول عرض عربي يُقدَم في المهرجان الفرنسي ذائع الصيت منذ تأسيسه وإلى احتفاء غربي أخذ يتعاظم في السنوات القليلة الماضية لكن الجعايبي ظل شبه مجهول في محيطه العربي هل كانت اللهجة التونسية هي السبب أم انغلاق بعض الساحات العربية على نفسها؟

"
الأعمال التونسية لا تروج إلا في تونس ثم انتقلت إلى المغرب العربي ثم انفتحت شيئا فشيئا وبتواضع كبير في الشرق العربي
"
        فاضل الجعايبي

فاضل الجعايبي: هي في الأول أعمالنا تونسية تونسية لا تُروَج إلا في تونس ثم رُوِجت هذا من باب التذكير التاريخ في المغرب العربي، لا ننسى أن سنين طويلة أعمالنا كانت تُقدَم في الجزائر وفي المغرب وكانت الأعمال الجزائرية والمغربية تأتي إلى تونس فكان هناك يعني مخاض وحوار وحركية لابد أن نذكرها للناس ثم انفتح شيئا فشيئا ولو بتواضع كبير الشرق العربي في بعض المناسبات اللا رسمية، شيئا فشيئا نشأ شبه ربيع مسرحي في تونس بفضل الجيل اللي إحنا ننتمي له واللي هو مش مناط بعهدة فاضل الجعايبي وجليل بكار فقط، أنت تعرف بل تستغرب ربما أناس آخرين من جيلنا اللي هم أسسوا هالربيع البديل للمسرح اللي أؤخذ بعين الاعتبار وببرشة يعني احترام إذا ما أقولش أكثر من طرف بعض الفنانين والمنظمين في سوريا في لبنان في الأردن إلا في مصر ونخلي للمتفرج حرية استنتاج الأسباب ربما العميقة اللي تخلي الممثل تنغلق على المسرح العربي بصفة عامة ولا على المسرح الغربي وخاصة تنغلق على التجربة التونسية الرائدة، المسرح الغربي أذكى وربما عنده هو نوع من الانتظارات العقيمة اللي إحنا ما استجبنلهاش وربما عنده هو (Business) كما يقال وعنده سياسة تريد أن تستوعب إذا ما نقولوش يعني تحتوي بعض الأعمال العربية الرائدة.

[تعليق صوتي]

احتفاء الآخر الأوروبي في مسرح الجعايبي ودعوته لتقديم عروض والإشراف على دورات تدريبية لم يجعله يرتمي في مغازلة انتظارات هذا الآخر فكان إخراجه لمسرحية أربرلين مع فرقة ألمانيا هزة إبداعية أخرى قدم فيها الجعايبي صورة العربي المهاجر وما أصابها من رضوض بعد أحداث سبتمبر حين أنكفأ الغرب على نفسه وانجرت حتى نخبه المثقفة إلى تنميط صورة قاتمة عن العرب والمسلمين.

جليلة بكار – ممثلة تونسية: الشيء اللي يقال غادي واللي نسمعه ونتلقاه إحنا يوميا إن كان في الصحف ولا في التلفازات بتاعهم واللي إحنا في العادة ما عندنا حتى رد عليهم ولا رد احتمال جزئي ومختصر وما يلمش بالأفكار المتعدة اللي موجودة هنا ومش في تونس برضك في الشعوب هذه العربية والإسلامية، حد ما يسمعنا حد ما يسمع الآراء لكن حد ما يسمع أيضا المشاعر مشاعرنا كفنانين وكمثقفين ما بين ظافرين أما كمواطنين عاديين.

[تعليق صوتي]

وفي الداخل تغفل عين المبدع عن جمهور كثير ما أُتهِم بالأعراض عن العروض الجادة وفي زمن تسطو فيه الصورة إلى حد الإفساد يظل الجعايبي مؤمنا بدور الإبداع في التحليق بعيدا والخروج بذائقة المتقبل إلى سقف عال لفرجة مختلفة، حجته في ذلك حصاد تجربته مع الجمهور منذ أول عرض للعرس في جفسة وسبعة متفرجين إلى أخر عرض له في مسرح قرطاج وتسعة آلاف متفرج دليل رسخ قناعته بأن الدور دور المبدع دائما.

فاضل الجعايبي: المسرح بتاعي أو بتاعنا بالأحرى مسرح ما يتوخاش السهولة والاستسهال، يصبوا إلى نوع من الشعبية ولا يهبط إلى الشعبوية، يرتقي بالذوق العام ولا ينزل إليه فالجمهور اللي يجيء يشوف أعمالنا كل عمل كما ظهر اجتماعية غريبة أنه المتفرج الواحد قد يتفرج عشرة 15 عشرين مرة على هذا العمل أو ذاك من أعمالنا ربما يصعب عليه مرة أو اثنين أو ثلاثة لأنه أفكاره وأعينه ملوثة بأنواع هابطة من المسارح أو من الأفلام أو من المسلسلات قد يغنيه هذا العمل أو ذاك فيحاول يشيله طرف بطرف، المسرح بتاعنا مسرح سياسي لكن مش بالمعنى ربما المبتذل للسياسة، إحنا ما نتبع أحد لنا في الحكومة لنا في المعارضة إحنا مستقلين وأهم حاجة قد يكتسبها الفنان هو استقلاليته الفكرية اللي تخليه يضرب على اليمين وعلى اليسار.