مقدم الحلقة:

توفيق طه

ضيوف الحلقة:

ميسون صقر القاسمي: شاعرة وروائية وفنانة تشكيلية إماراتية
فرج دهام: مدير الفنون البصرية الأول بالدوحة
بلقيس فخرو: فنانة تشكيلية بحرانية
أسعد عرابي: ناقد تشكيلي لبناني
إدريس الملياني: شاعر مغربي
وآخرون

تاريخ الحلقة:

16/03/2004

- مهرجان الدوحة الثقافي
- إبداعات ميسون صقر القاسمي

- ملتقى الفنون البصرية الأول بالدوحة

- الموسوعة الشعرية العربية الإلكترونية

- ظاهرة المقاهي الثقافية بالمغرب

- قصيدة سراب المُثنّى

مهرجان الدوحة الثقافي

توفيق طه: أهلا بكم إلى هذه الجولة الجديدة في أوراق ثقافية والتي نتابع فيها بشكل خاص مهرجان الدوحة الثقافي. لسنوات ليست قليلة كانت الدوحة غائبة عن المشهد الثقافي العربي وباستثناء مجلة كانت تحمل اسمها فإن مساهمة هذه العاصمة الخليجية الصغيرة لم تكد تذكر، لكن الأمر تغير في السنوات القليلة الماضية وما كان مُهملا أصبح يحظى بالدعم بل يتصدر المشهد كله ونحن هنا نتحدث عن مهرجان الدوحة الثقافي.

المهرجان الذي أطلقته قطر منذ ثلاث سنوات لتضع الدوحة على خريطة العواصم الثقافية العربية، فهل تنجح الدوحة أخيرا فيما أهملته في زمن طويل؟ المهرجان اُفتتِح هذا العام بأوبريت خيمة العز الذي يستوحى تاريخ قطر المعاصر قبل وبعد الطفرة النفطية التي غيرت تاريخ المنطقة بأسرها، كما يستعرض الأوبريت التغييرات التي مر بها المجتمع القطري قبل نشوء الدولة وبعد قيامها، بدءا من مكابدة البحر وأهواله بحثا عن رزق صعب ومر وانتهاء باكتشاف النفط في البلاد وإطلاق الحريات ومن الفرق الشعبية التي قدمت صورة حقيقية عن ثقافات الشعوب الأخرى، إلى الشعر وخيمته الدافئة، تنوع طيف الفنون التي احتضنها المهرجان. ملتقى الفنون البصرية قدم مشهدا باذخا ومتنوعا للفن التشكيلي في المنطقة والعالم تجاورت فيه تجارب أبرز التشكيليين العرب مع تجارب تشكيلية من اليابان وبنغلاديش وغيرهما، كما تجاور فيه التشكيل مع الصورة الفوتوغرافية والنحت.

أما أدونيس الشاعر الرجيم عربيا وخليجيا على وجه الخصوص فهو الحصان الأسود في المهرجان، الشاعر الذي أصبحت بوابات مدن النفط مشرّعة أمامه بعد عقود من القطيعة والتكفير يحل ضيفا عزيزا على الدوحة ليقدم مع أمير العود العراقي نصير شمة تجربتهما اللافتة في الشعر والموسيقى. وإلى الدوحة يأتي أيضا ثوار اليوم والأمس في الأغنية والموسيقى، ماجدة الرومي صاحبة الصوت الأصفى عربيا ومارسيل خليفة الذي غنى ثورات العرب وانكساراتهم الحزينة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. قوس قزح ثقافي متنوع ولافت يزين سماء الدوحة وربيعها الثقافي لاستعادة ما فقدته على الساحة الثقافية العربية في زمن أصبحت فيه الثقافة المعيار الحقيقي لتقدم الشعوب.

ميسون صقر القاسمي شاعرة وفنانة تشكيلية وروائية أيضا، في شعرها كما في لوحتها ثمة حزن قديم ودفين تُنبِئ عنه خطوط لوحتها واستعاراتها الشعرية وما كان إشارات وإيماءات أصبح قولا صريحا في روايتها ريحانة، في ريحانة تسرد صاحبة رجل مجنون لا يحبني أحزان طفلة سافرت مع والدها حاكم إمارة الشارقة السابق إلى المنفى. أوراق ثقافية التقت ميسون صقر القاسمي على هامش مشاركتها في مهرجان الدوحة الثقافي وسألتها عن ريحانة؟ وما إذا كانت سيرتها الشخصية أو سردا على هيئتها ونحن هنا نستعير عنوان أحد دواوينها.

إبداعات ميسون صقر القاسمي

ميسون صقر القاسمي: إلى حد ما هي جزء من السرد على هيئته يعني فيه جزء منه سيرة ذاتية تعتبر جزء من الرواية اعتمدت اعتماد أساسي على السيرة في خروج العائلة من الإمارات وذهابها إلى القاهرة، ثم عودة بعض أفراد هذه العائلة إلى الإمارات مرة أخرى، أما التغييرات التي كانت داخل هذه الفترة هي داخل الرواية بشكل أساسي وليست سيرة ذاتية.

توفيق طه: لكن نقادا كثيرين اعتبروا الرواية سيرة ذاتية حقيقية للطفلة ميسون ولما حدث مع والدها ولآلام أسرتها نتيجة الانتقال إلى القاهرة.

ميسون صقر القاسمي: تقريبا فيه الجزء هذا اللي هو الخروج، أنا شكلّته بشكل أساسي جدا، ثم الإقامة هناك والعودة عودة الشخصية الأساسية في الروية اللي هي الخاتمة، أما ما بعد ذلك مثلا عن أفغانستان، عن الجامعة، عن الأسرة ودخولها، كل هذا كان زيادات لكن الأساس الأساسي هو السيرة الذاتية داخلها، لكن تعتبر اعتماد على السيرة ولكنها ليست بسيرة كاملة.

توفيق طه: في شِعرها هناك الهواجس نفسها التي نجدها في الرواية، هناك طفولة وحيدة وميزان مختل، في إحدى قصائدها تقول:

من نعومة أظافري

تلوثت طفولتي

بدم الحزن الخفي

ومذابح قبائلي

فمن أين يأتي الحزن إلى ميسون القاسمي؟


الكتابة تفتح بوابة الشجن وكلما كانت الكتابة حقيقة كلما كانت تفتح عروق الألم أكثر ما تفتح بوابة الفرح
ميسون صقر القاسمي: من الكتابة نفسها أنا أتصور إنه الكتابة نفسها تفتح بوابة الشجن على داخلك كثيرا وكلما كانت الكتابة حقيقة كلما كانت تفتح عروق الألم أكثر ما تفتح بوابة الفرح، دائما الكتابة الحقيقية هي مملوءة بشجن الشخص مع نفسه، مع وحدته، طبيعتي أنا أيضا برغم البهجة الظاهرة لكنها شخص موحود في العالم أيضا بفقده لأشخاص يحبهم، بتغيراته ارتباط تاريخه الشخصي بارتباطه بتاريخ سياسي عام داخل المنطقة، بخروجه إلى منطقة أخرى اللي هي القاهرة والتغيرات السياسية الحادثة في نفس الفترة الهزيمة هزيمة 1967 وحدة الشخص.. الطفلة التي تبحث عن هوية ما داخل مكان أيضا غريب بالنسبة إليها واغترابها يعني سواء في المدرسة، سواء في المكان عن ما كانت فيه من قبل يعني.

توفيق طه: الاقتلاع من مكان إلى آخر إذا جاز التعبير يبدو أنه أنعكس على لغة ميسون القاسمي حتى إنها انتقلت من الفصحى إلى العامية المصرية وليس الخليجية خاصة أنها إماراتية في الأساس.

ميسون صقر القاسمي: مسألة العامية يعني أنت تكتب باللهجة التي تتعامل فيها وتعيشها، العامية المصرية العامية الخليجية أصبحت بالنسبة إلي الفترة السابقة هي اللغة حكي وكلام ولكنها ليست لغة كتابة أو لهجة كتابة يعني لا أعرف الكتابة بالعامية الخليجية لأنها أكثر صعوبة من الكتابة بالعامية المصرية، تاريخ العامية المصرية متسع لمن يدخل فيه أكثر بكثير من العامية الخليجية، بمعنى إنه مثلا بيرم التونسي هو من تونس أساسا فؤاد حداد يقال إنه لبناني الأصل أيضا، أيضا هي سهلة هي لهجة متداولة في العالم العربي بشكل كامل منذ فترة طويلة إضافة إلى إنها سامحة في الفترة القريبة إلى أن تتغير مع الحداثة بأن تكون قصيدة نثر، هناك محاولات عديدة في كتابة قصيدة النثر العامية قصيدة النثر قصيدة نمطية لا تسمح بهذا هي مازالت رصينة ملتزمة بقافية وبوزن وشكل لابد حتى أكتب أن أكتب من خلاله ولست أنا يعني في النهاية أنا لست شاعرة قصيدة تقليدية حتى أستطيع الكتابة فيها.

توفيق طه: ولكن ألا يُخفِي ذلك رغبة مضمرة بمفارقة الوطن الآم.

ميسون صقر القاسمي: ربما لكنه ليس هناك مفارقة كاملة، لا تستطيع أن تنسلخ تماما من جذورك أيا كان منا الشخص، نحن نظل نحمل تاريخنا داخلنا كأنه يعني جزء من كيانا لا تستطيع أن تفارق بالكامل، حتى من يهاجر إلى دول أخرى دول حتى أوروبية لا يستطيع أن يفارق الدولة الأم حتى بعد أجيال عديدة وهذا واضح تماما مثلا في الزنوج في أوروبا وفي أميركا، العرب الذين ذهبوا إلى مناطق أخرى وتزاوجوا وحتى أولادهم يظل العرق يعني موجود دساس داخلهم يعني.

ملتقى الفنون البصرية الأول بالدوحة

توفيق طه: معرض تشكيلي هو الأكبر في قطر منذ إنشائها ذلك الذي احتضنته الدوحة في مهرجانها الثقافي تحت عنوان ملتقى الفنون البصرية، المعرض يقدم مشهدا بالغ التنوع والجمال للحركة التشكيلية العربية، مكي هلال وقراءة هادئة لفضاء التشكيل العربي.


ملتقى الفنون البصرية معرض يقدم مشهدا بالغ التنوع والجمال للحركة التشكيلية العربية، أجناس إبداعية في النحت والجدارية والرسم والصورة الفوتوغرافية وفن الفيديو التركيبي

مكي هلال: من التظاهرات التي قدمت نفسها بشكل لافت منذ يوم الافتتاح ملتقى الفنون البصرية الأول بالدوحة والذي جمع 22 مشاركة، تجمع لمشارب شتى من الإبداع البصري تختلف في الأسلوب والتقنية والمواد بقدر ما تأتلف في تشكيل منجز جمالي لا يتركك تمضي دونما سؤال أو إعجاب أو دهشة لا تُفسَّر، أجناس إبداعية في النحت والجدارية والرسم والصورة الفوتوغرافية وفن الفيديو التركيبي تجاورت في المكان وإن نأت عن بعضها من حيث الانتماء وزمن التصنيف، باقة ضمت الواقعية والحداثية وما بعده والتجريدية أيضا، هذا الحرص على التجميع بين رؤى ومدارس أراده القائمون على المهرجان لا مجرد عرض واحتفاء بل وقفة للنظر والتفكير أيضا، فالملتقى ترفضه ندوة حول الثقافة البصرية ومفاهيمها الجديدة من شأنها أن تقول ما لم تقله حوامل اللوحات والأشكال النحتية.

فرج دهام – مدير الفنون البصرية الأول بالدوحة: بطبيعة الحال إحنا أكدنا هذا العام بأن نقدم مجموعة تجارب عالمية نقدر نسميها بتوجيه الدعوة إلى المؤسسات والمتاحف والفنانين الأفراد وعقدنا العزم بأن نقول أن هذا التجمع على مستوى يليق بمهرجان الدوحة الثقافي كمستوى شامل.

مكي هلال: الفنانة التشكيلية البحرانية بلقيس فخرو حملت لوحاتها ونظرتها إلى ملتقى الفنون وهي التي بدأت مسيرتها منذ سنة 1975 ترسم الواقع والمدينة كما تراءت لها لتخطو نحو تصميم اللوحة بعيدا عن الواقع واختيار مفرداتها التشكيلية والأبعاد التي تفضل الاشتغال عليها، رأت في الملتقى تجمعا مهما وبابا يُشرَّع على تجارب الآخرين قد يكسر ولو قليلا نرجسية الفنان ويفتح أمامه دروبا للقاء والمعرفة.

بلقيس فخرو: اللي يميز هذا المعرض وجود الفن الإنشائي والفن الإنشائي فن الفيديو اللي اسمه(Video installation art) قدمه الفنان اللي أنا يعني أضعه في مرتبة عالية جدا الفنان أنس الشيخ من البحرين والفنان حسن نير من عمان والفنان أنور صوني، هادول قدموا تجارب مميزة جدا.

مكي هلال: النحت والمجسمات على مختلف موادها توسطت فضاء المعرض وأثرته بما تتسم به من تنوع في الأبعاد وما تتيحه من تعدد في الرؤى وزوايا التأمل، أما النقاد فكانت لهم ارتسامات أولية في أول أيام الملتقى المعرض ولعل ما لفت انتباه الناقد التشكيلي اللبناني أسعد عرابي الانفتاح على مختلف التجارب الشابة من المنطقة واستقدام تجارب من عوالم تشكيلية قد تبدو بعيدة أو ليست في متناول المتابع دوما.

أسعد عرابي: فيه كثير أعمال بتستوقفنا الحقيقة بالملتقى ما فينا نلم فيها كلها، بس اللي بيجي على ذهني اللي هو خاصة الجناح اللي إحنا فيه هو جناح فنان سعودي كثير عميق وكثير متصوف وكثير روحاني وما غادر مدينته اللي هي المدينة اسمه فؤاد مغربي بشكل دائم كان يثير انتباهي التواضع اللي بيرسم فيه كريستال المدينة وعتباتها المقدسة وقبر الرسول إلى أخره، فبنحس على إنه فيه نظام حضري بلوحته نظام مديني حضري إسلامي كثير صريح وأنا رأيي أشبه بالكريستال.

مكي هلال: سهولة العبور من رواق إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى في بانوراما المعرض تستغرق ولو تضمينا مقولات الفن الحديث الذي يروم الخروج كليا عن مفهوم السطح التصويري ولوحة الحامل كاختصاص أحادي التعبير والوثائق، إلى ما يسمى فن التوليف والتعدد والنفاذ السلس بين أجناس يصدرها أصلا فنان إنسان متعدد الأبعاد يأبى أن يُختزَّل في نمط دون غيره.

[فاصل إعلاني]

الموسوعة الشعرية العربية الإلكترونية

توفيق طه: كنز معرفي بكل ما للكلمة من معنى هكذا تُوصًّف الموسوعة الشعرية العربية الإلكترونية التي ينتجها المجمع الثقافي بأبو ظبي، أكثر من مليونين ونصف مليون بيت من الشعر العربي من العصر الجاهلي وحتى الخمسينيات من القرن الماضي جُمِعت على قرص مدمج واحد، أما الشعر الحديث فنصيبه آت عما قريب هكذا يقول القائمون على المشروع .


تحتوي الموسوعة الشعرية العربية الإلكترونية أكثر من مليونين ونصف مليون بيت من الشعر العربي من العصر الجاهلي وحتى الخمسينيات من القرن الماضي جُمِعت على قرص مدمج واحد

محمد العبد لله: في هذه الصالة بالمجمع الثقافي بأبو ظبي تعكف مجموعة من المختصين على إنجاز مشروع لا يمكن وصفه إلا بالحضاري والرائد، قرابة مليونين ونصف المليون من أبيات الشعر إضافة إلى أمهات الكتب والمتون من التراث العربي خُزِنت على قرص مدمج لتشكل أول موسوعة شعرية عربية إلكترونية.

منذر العكيلي – المشرف على الموسوعة: مشروع الموسوعة الشعرية بدأ العمل فيه في منتصف عام 1997 الهدف منه جمع كل ما قيل في الشعر العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى العصر الحديث ضمن ضوابط وهي أن يكون الشعر باللغة الفصحى والعمودي وأيضا أن يكون الشاعر متوفى قبل خمسين عام من الآن على الأقل لإغلاق المرحلة التراثية.

محمد العبد لله: هذا الكنز المعرفي غير الربحي الذي يختصر نحو نصف طن من الورق ومئات الآلاف من الدولارات يضع بين أيدي الباحثين والدارسين والمهتمين بالتراث العربي ثروة فنية وفكرية ومعرفية بأسلوب سهل ومبسط لا يحتاج إلا إلى ضغطة بسيطة على أزرار الحاسوب ليصل الباحث والدارس إلى أية معلومة تتعلق بالتراث والأدب العربي.

منذر العكيلي: إضافة إلى الدواوين الشعرية هناك مكتبة كبيرة تضم 265 عنوانا من كتب الأدب، كالأغاني العقد الفريدة كالدهر الخريدة إلى الأماني إلى أخره، بمعنى كل ما له علاقة في الأدب العربي التراثي موجودة أيضا ككتب كاملة، أيضا هناك عشر معاجم لغوية عربية كلسان العرب، تاج العروس، الصحاح، إلى أخره بمعنى آخر لدينا مكتبة أدبية متكاملة تشمل كل أنواع الأدب التراثي العربي من الشعر وغيره.

محمد العبد لله: الموسوعة بإصداراتها الثلاثة جمعت كل ما قيل وكُتِب من الشعر العربي من فترة ما قبل الإسلام وحتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، بداية ما أصبح يعرف بثورة الشعر العربي الحديث على أن يتم في المراحل اللاحقة من المشروع إدراج وضم الشعر العربي الحديث إضافة إلى الشعر المحكي بكافة أشكاله وأنواعه، إشكالية الرقابة على النص حُسِمت منذ انطلاقة المشروع فتقرر أن يكون توثيق النصوص كما وردت في كتب التراث دون أي تدخل أو حذف طالما أنها متاحة في شكلها الأول وإلا كانت الموسوعة ستخلو من أعلام شعرية وفكرية عربية هامة، محمد العبد لله لبرنامج أوراق ثقافية أبو ظبي.

ظاهرة المقاهي الثقافية بالمغرب

توفيق طه: تقول إحصائية غير رسمية إن أغلب المغاربة لا يقرءون كتابا واحدا في الشهر وتقول أخرى إن أكثر الكُتاب العرب شهرة لا يطبع أكثر من ألف نسخة من أي كتاب يصدره على أفضل تقدير، في المغرب يحاول المثقفون أن يواجهوا رواج الثقافة الاستهلاكية من تليفزيون وكمبيوتر لتشجيع ظاهرة المقاهي الثقافية حتى على المستوى الرسمي، فهل ينجحون؟


ظاهرة المقاهي الثقافية فضاء جديد لتلاقي الكتاب والمثقفين حول عمل إبداعي ونقده بهدف إغناء المشروع الثقافي المغربي الذي ما يزال يبحث عن أرضية صلبة للانطلاق

عبد السلام رزاق: في ظل تراجع معدلات القراءة والإقبال على الكتب وبهدف إخراج القيم المعرفية والأدبية من مدرجات الجامعات والمكتبات إلى عامة الناس، برزت في المغرب ظاهرة المقاهي الثقافية التي أضحت تشكل فضاءا جديدا لتلاقي الكتاب والمثقفين حول عمل إبداعي ونقده بهدف إغناء المشروع الثقافي المغربي الذي ما يزال يبحث عن أرضية صلبة للانطلاق.

إدريس الملياني – شاعر مغربي: هذه الظاهرة تعتبر إيجابية لأجل قتل هذا الكلل والملل الذين ينيخان على مدننا الغارقة في مجرات من المقاهي الاستهلاكية العادية.

عبد السلام رزاق: ورغم أن ظاهرة المقاهي الثقافية وصلت إلى المغرب متأخرة وذلك مقارنة مع الدول المشرقية، فإن رغبة المثقفين المغاربة في كسب الرهان أمام شيوع مظاهر الثقافة الاستهلاكية زاد من عدد هذه المقاهي التي أصبح عددها يتزايد بشكل إطرادي وليشمل أكثر من مدينة مغربية ولأن الشعر شكل منذ القدم ضرورة متجددة على امتداد الزمن العربي ولا يمكن إحالته على التقاعد، فقد ظلت قاعدة الاحتفال بالشعر والشعراء مشهدا قارا يُسجَّل على مدار الشهر وفي أكثر من موعد ثقافي بإحدى هذه المقاهي.

شاعر مغربي: هذه قاعة يطو مثلما كانت على مر الزمان

تنعب الغربان فيها وهذا جلدمان ملك الماء

يلوح بعصاه ويطوح بالحبيبين معا في مغارات الرياح

أه يا تل العسل هذه قاعة موسيقاهما تعلو وتصدح

مثلما كانت على كل لسان

مُرّة مالحة كالعسل المهزور تجري بدموع ودماء

لم تزل باردة تنبع من عين رأس الماء أو حامية تنزل من عين الإله

آه يا تل العسل كن رسولي لحبيبي ودليلي في مغارات الرياح

عبد السلام رزاق: من المقهى الأدبي إلى المقهى الثقافي وتجربة جديدة تستحق أكثر من وقفة سيما إذا كان الهدف هو تأسيس مجتمع مغربي قارئ في زمن عزت فيه القراءة وأضحت فيه الثقافة دربا من الترف. وفي الفضاء الطلق هذه المرة وخلال لقاء مفتوح مع وزير الشباب كان المقهى الأدبي بالرباط فضائل الخوض في معضلة ضعف تداول الكتاب وتراجع معدلات القراءة وذلك بعد الخطر الذي يتهدد مستقبل المغاربة في ظل البحث عن مجتمع قارئ قادر على المساهمة في مقاومة ثقافة الاستهلاك.

محمد الكحص – وزير الشباب المغربي: أريد أن يمتلك المجتمع هذه المسألة ويجعل منها معركة يومية مستمرة في حياته، ألا يحتاج فيما بعد إلى تقطير الدولة أو إلى حملات أو كذا أن تصبح المسألة عادية كما هو الشأن أن تصبح تقليدا من التقاليد الجميلة والمفيدة.

عبد السلام رزاق: وكانت الإحصائيات غير الرسمية قد كشفت أن أغلب المغاربة لا يقرءون كتابا واحدا في الشهر وأن معظم الشباب يقضون أربع ساعات على الأقل في استهلاك الصور على شاشات التليفزيون أو جهاز الكمبيوتر، عبد السلام رزاق، الجزيرة لبرنامج أوراق ثقافية الرباط.

قصيدة سراب المُثنّى

توفيق طه: سراب المُثنّى قصيدة جديدة للشاعر اللبناني شوقي بزيع، هدية منه لأوراقنا الثقافية.

شوقي بزيع: لم يكن أغلب الظن إلا وحيدا

كما ينبغي أن يكون الملك

لم تكن غير صحراء

تلك الحياة التي اندلعت

تحت مرمى النظر

وحده كان في ذلك التيه

منقسما حول جمر الخطيئة

ما بين أمر مرير

وخمر أمّر

لا هوادج كانت هناك

لترنو إلى ما تقرح من جلده

تحت شمس الظهيرة

لا كسرة من غيوم

تبلل ريق الرياح

التي أمسكت بتلابيب شهوته الذابلة

فلماذا إذاً وبمن صاح ذاك النهار قفاء

وهو يجعل من يأسه سيد القافلة

من هما ذلك الواقفان نهارا وليلا

على جملة لا تبارح أيامه المائلة

نحو صفصافة في غروب القصيدة

والمستهلان في كل عصر

هبوب النساء الحنون

على أحرف المد

والحادبان على سكرة الحب

حَب السكون على القافية

أيكونان عيني غزال شبيه بفاطمة

طاشت سهامهما في جنون امرؤ القيس

أم طائرين يحومان في حاء حومل كالماء في الأغنية

كان يكفي المنادى نداء يتيم

ليصبح عين المنادي

وأنثاه في التثنية

كان يكفيه أن يشعل الرمز في الأبجدية

كي ما يصير الهتاف الطويل

الأمانة والأمنية

وكي ما تصير العبارة عدوى

يرددها بعده العاشقون

كُثير، قيس، جميل وعروة والآخرون

غدو ظله في القفار التي أنشبت ظلفها

في تضاعيف صرخته المضنية

كل من لم يمت بسيوف السلاطين

أو تحت خيل الفتوحات

مات اختناقا على الدرب

بين المثنى ومفرده

أو بين وجه الحبيبة والأحجية

لم يكن أغلب الظن إلا وحيدا

على طرق الروم

حتى إذا لاح وجه لفاطمة من بعيد

رأى صورتين لأطيافها

في مرايا تشهيه

إحداهما ما يريه التراب

وأخرى التي ظل في سره يتمنى

وأظلم حتى غدا صرخة بين شمسين

أو موجة أحرقت نفسها

في سراب المثنى

توفيق طه: انتهى لقاؤنا اليوم لكن أوراقنا لم تنته مازال لدينا الكثير للقاءات معكم ننتظرها، فانتظرونا.